بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مادة التربية، وفي مقرر مفسدات القلوب، التي نتحدث عنها في هذا الفصل، وهو الفصل الأخير من هذه الأكاديمية. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
تحدثنا أيها الأحبة الحلقة الماضية عن مفسد عظيم من مفسدات القلوب، وهو حب الدنيا وتعلق القلب بهذه الدنيا وانشغاله عن طاعة الله عز وجل. وذكرنا ما في هذا المفسد العظيم على حياة الإنسان، وليس على قلبه فقط، بل هو دمار بحياة الإنسان؛ لأنه يشغله عن طاعة الله عز وجل، ويلهيه عن ذكر الله حتى يأتي الموت للإنسان، فيتحسر ويتندم الإنسان على انشغاله في هذه الدنيا وتعلقه بهذه الدنيا الفانية. والله عز وجل سماها في القرآن العاجلة، ليزهد أهل الإيمان والتقوى بهذه الدنيا ويتركون الآخرة.
فلا يكون المؤمن ولا يكون المسلم نظره قاصراً بين قدميه فقط، وإنما المؤمن الموفق المسدد هو الذي يكون صاحب بصيرة، صاحب معرفة، صاحب إدراك، يعلم ما يبقى وما يستمر ولا ينقطع، وهو النعيم الدائم الذي يكون في يوم القيامة. أما هذه الدنيا فمهما طالت فهي زائلة، وهي قصيرة. ولهذا الله عز وجل كرر هذا المعنى في آيات كثيرة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: 20-21]. تحبون هذه الدنيا التي أنتم فيها، والإنسان بنظره القاصر يريد أن يتنعم في وقته وفي ساعته، ولا يعلم ولا يستشعر أن النعيم الحقيقي هو الباقي الذي لا يزول ولا يحول يوم القيامة.
فالإنسان الذي يرزقه الله عز وجل نور البصر والبصيرة يعلم حقيقة الدنيا. وذكرنا أيها الأحبة حديثاً عظيماً من كلام الصادق المصدوق، الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، الذي يجعل الإنسان على بصيرة ونور من الفهم والإدراك في حياته في هذه الدنيا. ذكرنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم العظيم: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه».
هذا هو الذي يتعلق به القلب؛ المال والشرف، المناصب، الجاه، الشهرة، وغير ذلك من هذه الأمور. هذه كلها أيها الأحبة مفسدات للقلب، مفسدات للدين إذا ما تنبه الإنسان وتبصر وتفكر فيها، وضبط هذه الأمور بضوابط الشرع. حتى لا يكون حبه للمال يجعله يتنازل عن كثير من قيمه ومبادئه وما يتعلق بالحلال والحرام من أجل أن يحصل هذه الشهوة؛ لا يبالي أكل حلالاً أو حراماً، يرتع في مال الله عز وجل يرتع في المال الحرام دون خوف ولا مراقبة لله عز وجل، وهنا تأتي الطامة الكبرى على الإنسان.
وهذا ينتج عنه فساد القلب ولا شك؛ لأن القلب هو الذي يمثل التقوى في حياة الإنسان: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر المال والشرف؛ هذا الذي يودي بالإنسان إلى المهالك وهو الذي يضر بالدين، ولذا قال: «بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». الضرر يكون على الدين، يعني الإنسان من أجل أن يصل إلى منصب، أن يصل إلى مكانة، إلى رفعة عند الناس في دنياهم، فإنه يتنازل عن كثير من أمور دينه، وهذا مشاهد وملموس. كم من الناس تنازل عن مبادئه وعن عقيدته وعن دينه وعن ثوابته من أجل لعاعة من لعاعات الدنيا، أو شيء تافه لا يساوي شيئاً حقيراً بالنسبة للآخرة، لكنه يتنازل حباً في هذا المنصب وحباً في هذه المكانة وحباً في هذه المنزلة.
وهذا كما قلنا أيها الأحبة في الحلقة الماضية، ما يتبرأ منه أو ما يعلن أنه لم ينفعه، وأن تعلقه به كان وهماً وسراباً. ولهذا يقول الإنسان يوم القيامة: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 28-29]. المال مهما جمعه الإنسان فإنه لن يغني عنه يوم القيامة شيئاً، لن ينفعه بل يكون وبالاً عليه ويحاسب عن كل صغيرة وكبيرة: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، منها: «المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟». فهذا هو المال الذي يسعى فيه الإنسان في هذه الدنيا حتى يفسد عليه دينه، وكذلك الشرف، يقول: «هلك عني سلطانيه»، ما استفاد منه ولا يوجد لا من منصبه ولا من مكانته ولا من عزه وشرفه في هذه الدنيا مهما بلغ، فإنه لن يغني عنه من الله شيئاً يوم القيامة، وسيأتي فقيراً وسيأتي وحيداً ولو كان من أعظم ملوك الدنيا، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95].
الإنسان مهما حصل من هذه الأنعام في هذه الدنيا، مهما رتع في هذه الدنيا، فإنه سيأتي يوم القيامة بعيداً عن هذه الأموال والمناصب، وسيأتي الناس يوم القيامة حفاة عراة، يحاسبهم الله عز وجل كفاحاً ليس بينهم وبينه ترجمان. وما أجمل هارون الرشيد لما جاء في آخر حياته، يروى عنه أنه قال: ضعوني على الأرض، فوضع خده على الأرض. هارون الذي كان يقول للسحابة: أمطري حيث شئت، فإن خراجك سيأتيني؛ كان يحكم الدنيا من الصين إلى المحيط، ومع ذلك لما جاءه مرض الموت وجاءت اللحظات الأخيرة وضع خده على الأرض ودعا الله عز وجل: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه. هذه هي حقيقة الدنيا أيها الأحبة، وهذه هي الحقيقة التي لابد أن يتبصر بها الإنسان وأن يعلمها.
ولهذا ذكر العلماء لفتة جميلة، وهذا من تدبر كلام الله عز وجل؛ في سورة القصص ذكر الله عز وجل قمة الطغيان في الشرف والعز والملك وهو فرعون، وذكر في أول السورة قصة فرعون مع موسى، قمة الطغيان والشرف والعز والسلطان والملك المتمثل في فرعون. وفي آخر السورة ذكر التعلق بالمال وقمة الترف والثراء عند قارون، ومع ذلك ذهب هذا وذهب هذا، ثم قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. بعد أن ذكر قصة فرعون قمة الملك، وقصة قارون قمة المال والترف، ثم ذكر الله عز وجل هذه الآية التي تختصر هذين الموقفين وتختصر هذين الأمرين، وهنا تأتي البصيرة في دين الله عز وجل، ويعلم الإنسان حقيقة الدنيا حتى لا تفسد عليه دينه؛ لأن الدين أيها الأحبة هو رأس مال الإنسان في هذه الدنيا، دينك هو رأس مالك الذي يبقى معك ويدخل في قبرك ويكون معك في يوم حشرك ونشرك يوم القيامة، فهذا هو الذي ينفع الإنسان ويرفعه عند ربه.
نواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد أيها الأحبة. حدثنا قبل الفاصل عن هذا المفسد العظيم من مفسدات القلوب، وهو حب الدنيا والتعلق بها والانشغال بها عن الآخرة وعما ينفع الإنسان عند ربه. هناك أيها الأحبة مفاسد عظيمة جداً يجنيها الإنسان إذا تعلق قلبه بالدنيا، مفاسد في الدنيا وفي الآخرة وتكون وبالاً عليه في دنياه وفي أخراه، ولهذا جاء في الأثر: حب الدنيا رأس كل خطيئة. حب الدنيا رأس كل خطيئة؛ يعني كل بلاء، كل شقاء، كل طامة تحصل للإنسان، فالأصل فيها هو تعلق القلب بهذه الدنيا، وبعده عن طاعة الله وعن الخوف من الله وعن مراقبة الله عز وجل هو أصل هذا الأمر.
ومن هذه المضار أيها الأحبة أن حب الدنيا إذا تمكن من قلب العبد، فإنها تنفتح عليه أبواب الشرور، تنفتح عليه أبواب الشرور ليس عنده ضوابط، ليس عنده ضوابط إلا ما وافق هواه، فيرتع في الدنيا يقع في الحرام يتجرأ على محارم الله عز وجل، ليس عنده ضوابط ولا خطوط حمراء في دنياه بسبب تمكن هذا الأمر من قلبه. تمكن هذا الأمر من قلبه، ولهذا يقع ويرتع ويتجرأ في كل ما يراه أمام عينيه، لا يمنعه شيء عن الوقوع في الحرام لعدم وجود الخوف من الله ومراقبة الله؛ يعني القلب ليس فيه إلا حب الدنيا، وما أرادته هذه النفس فإنه اندفع إليه بدون ضوابط.
وهذه كارثة ومصيبة، والإنسان أيها الأحبة لابد أن يكون عنده ضوابط في هذه الدنيا، ولهذا ذكرنا في الحلقة الماضية حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن»، وذكرنا أن في هذا الحديث ذكر العلماء معنيين؛ الدنيا سجن المؤمن يعني قيد المؤمن، تقيده بقواعد الشرع، بضوابط الشرع حتى لا يكون منفلتاً في تعامله في هذه الحياة دون ضوابط، لا ليس هناك ما يضبطه ويضبط حياته وتصرفاته، فهنا تأتي الطامة وتأتي الكارثة. فقيد المؤمن يعني سجن المؤمن بمعنى أنها قيد للمؤمن، تقيده بأوامر الشرع. الإنسان إذا تمكن حب الدنيا من قلبه فإنه لا يكون عنده شيء من الضوابط في دين الله عز وجل، وإنما يرتع في هذه الدنيا دون رقيب ودون حسيب.
أيضاً من هذه المفاسد العظيمة أيها الأحبة أن استمراء هذا الأمر وتمكن هذا الأمر في قلب العبد، أنه قد يوصله إلى الفسوق، بل قد ينتقل به عياذاً بالله إلى الكفر، ينتقل به إلى الكفر. وهذه خطوات الشيطان، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21]، ولاحظوا أيها الأحبة ما قال خطوة، قال خطوات، تسير بك واحدة واحدة، يتقدم بك قليلاً من المباحات إلى المحرمات، إلى الفواحش، إلى الكبائر، ويصل بالإنسان إلى الكفر عياذاً بالله، وهذا الذي يريده الشيطان. الشيطان أقسم أمام الله عز وجل أنه لن يتركنا في هذه الدنيا: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]، وهو يتعامل معنا بدون ضوابط، كل الطرق مفتوحة أمامه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17]. كل باب يستطيع أن يدخل إليه الشيطان فهو يدخل، ليس هناك ضوابط، لا ينظر إلى قواعد شرعية أبداً، الشيطان هو عدو ويتعامل معه بكل الأسلحة.
والشيطان عنده أيها الأحبة من الخبرة شيء عظيم جداً، فهو تعامل مع ملايين من البشر، ويعرف كل شخص ما هو الباب الذي يدخل إليه منه؛ يعني هذا الشخص يدخل إليه من باب المال، فتجد عنده شيئاً من التقوى من الورع في جوانب معينة، لكن عنده عبادات، لكن في جانب المال مع الأسف لا يفرق بين حلال ولا حرام؛ هذا الشخص ما يستطيع، عنده ضوابط في جانب المال لكنه قد يكون عنده شيء من الضعف في جانب الشهوة، في جانب التعلق بالنساء؛ هناك من يكون عنده ضعف في جانب حب المناصب والتعلق بها. وهكذا، الإنسان يعرف مداخل القلب ويعرف مداخل الفتنة على الإنسان فيدخل من هذا الباب ويدخل من هذا الباب، وقد يوصله إلى الطوام الكبيرة والعظيمة التي قد تخرجه من دين الله عز وجل في علاه عياذاً بالله.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، بادروا بالأعمال». يعني الإنسان أيها الأحبة يبادر الشيطان بالأعمال الصالحة ليقطع عليه الطريق، هو عدو الآن أمامك، لا بد أن تتسلح لتقطع عليه الطريق. ولهذا الشيطان أيها الأحبة لن يتركنا، لكن من فضل الله عز وجل أن كيد الشيطان ضعيف، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76] كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم. وذكر ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الخناس في سورة الناس قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم لا يتركه، وهذا هو القرين، فإذا غفل وسوس؛ يعني إذا غفل العبد عن ذكر الله عز وجل وانشغل بالدنيا وتعلق قلبه بالدنيا ولا يذكر إلا الدنيا، فإذا غفل وسوس، هنا يشتغل الشيطان، هنا يأتي عمل الشيطان، هنا يأتي جهد الشيطان الذي يصرفه عن طاعة الله وعن عبادة الله، فإذا غفل وسوس.
وإذا ذكر الله خنس، وهنا يأتي الضعف الذي ذكره الله عز وجل: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]. ولهذا جاء في الحديث أن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط؛ لأنه لا يجلس مع ذكر الله، يخنس ضعيف أمام ذكر الله عز وجل. ولهذا المؤمن الموفق المسدد هو الذي يعمر قلبه بذكر الله، ويشغل لسانه بذكر الله، يكثر من ذكر الله عز وجل. وهذا ما أمر الله عز وجل به في كتابه الكريم في مواضع كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].
الذكر أيها الأحبة زيادة على ما فيه من الحسنات والفضائل والدرجات الرفيعات، هناك فضيلة عظيمة جداً أنه يحميك من الشيطان؛ لأن الشيطان يبتعد عن الإنسان الذي يذكر الله عز وجل، وهذه فضيلة عظيمة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا». عياذاً بالله يبيع هذا الدين العظيم، الدين الذي هو رأس مال الإنسان في هذه الدنيا، الدين الذي هو سبب نجاته وفلاحه وفوزه. هذا الدين العظيم يبيعه بعرض، شيء تافه من الدنيا، والدنيا كلها لا تساوي شيئاً أمام حسنة واحدة.
ولهذا يوم القيامة أيها الأحبة الإنسان لا يمكن أن يفرط في حسنة ولو لأعز الناس عنده. ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34]. وهناك ما هو أعظم، قال: ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 35-36]. تأتي الأم، أعظم ما عند الإنسان في هذه الدنيا هي أمه، أغلى ما عنده أمه، وتأتي وتقول: يا ولدي حسنة واحدة! فيقول: نفسي نفسي، إليك عني. يفر منها ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37]. يتمنى أنه يدفع الدنيا كلها مقابل حسنة واحدة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حال هذا المخذول: «يبيع دينه بعرض من الدنيا»، يبيع هذا الدين العظيم الذي هو سبب نجاته وفلاحه وفوزه يوم القيامة يبيعه بشيء تافه، مال أو بمنصب أو بغير ذلك من الأشياء التوافه التي تزول في هذه الدنيا. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
منذ أن فارقت النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال يذكرها بأرق الكلمات وأطيب العبارات، وفاءً لها واعترافاً بجميلها، حتى قال لإحدى زوجاته حين غارت منها: «إني قد رزقت حبها». إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية رضي الله عنها، الزوجة الوفية والمؤمنة الصابرة التقية، أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأم جميع أولاده سوى إبراهيم، ولدت بمكة سنة ثمان وستين قبل الهجرة. وكانت من أعرق بيوتات قريش نسباً وحسباً وشرفاً، ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم. وحين سمعت بخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها فعمل فيها، فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسطت من عرض عليه الزواج منها فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها.
كانت رضي الله عنها تعد للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يكفي حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار فطمأنته بقولها: كلا والله ما يخزيك الله أبداً. فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وخير من واست بنفسها ومالها. ظلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وفية صابرة على أذى قريش حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، فالتحقت بزوجها في الشعب وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات. توفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها. ومن فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، تحدثنا أيها الأحبة قبل الفاصل عن حقيقة الدنيا وعن ما يكون من بلاء وشقاء وعناء للإنسان إذا تعلق قلبه بهذه الدنيا وامتلأ حب الدنيا في قلبه، ما يكون من تفكر وتذكر وتعلق بطاعة الله وعبادة الله من قلبه، فأخذت الدنيا الحيز الأكبر من قلبه، فأصبح لا يتكلم إلا في الدنيا ولا يفكر إلا في الدنيا ولا ينشغل إلا بالدنيا وترك طاعة الله عز وجل وعبادة الله جانباً. وهذا والله من أكبر العناء والشقاء والبلاء الذي يحل بالمرء في هذه الدنيا؛ لأن كما قلنا أيها الأحبة قبل الفاصل أن الدين هو رأس مال الإنسان في هذه الدنيا. المال سيذهب، الزوجة تذهب، الأولاد سيتركهم كلهم هؤلاء، ويبقى دينه ويبقى إيمانه وتبقى تقواه هو الذي يدخل معه في قبره.
ولهذا جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو في حوار حصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل عليه السلام، وهذه والله يا إخوان قواعد عظيمة، هذا الحديث إذا تفكر فيه الإنسان وتدبر. جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس. جملة من هذه الجمل أيها الأحبة هي قاعدة، خصوصاً الجمل الأولى: عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. والله لو وقف الإنسان مع هذه الجمل الثلاثة، وهي قواعد في الحياة، والله بإذن الله ستصلح له دنياه ويصلح له دينه أيضاً، إذا تقيد بهذه القواعد الثلاث التي جاءت في كلام أمين السماء جبريل عليه السلام لأمين الأرض نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.
وهذا أمر أيها الأحبة لا بد أن نستشعره ونتفكر فيه أيضاً، وأن نكثر في مجالسنا وفي حديثنا؛ لأن هذه الحقيقة التي لا بد أن نعلمها وألا نغفل عنها بأي حال من الأحوال. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الذي ذكرناه قبل الفاصل: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا»، يبيع هذا الدين العظيم بعرض من الدنيا، برشوة بمنصب، يبيع هذا الدين العظيم بعرض من الدنيا. وهذه والله طامة وكارثة تحل بالإنسان.
أيضاً من المفاسد العظيمة أيها الأحبة التي تكون على الإنسان إذا تعلق قلبه بهذه الدنيا وانشغل بها، أن الإنسان ينشغل عن آخرته تماماً، يعني تصبح قضية الآخرة ثانوية بالنسبة له، بل قد تكون هامشية في حياته، قضية الصلاة، قضية العبادة، قضية الصدقة، أداء الزكاة، هذه تصبح أموراً هامشية في حياته. هذه والله كارثة، وهذا انقلاب للموازين واختلال في التفكير والعقل عند الإنسان بسبب تعلق القلب بهذه الدنيا. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد على هذه الحقيقة: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى». ما أجمل وألذ وأمتع وأنفع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، نور وسعادة وحياة إذا تبصر الإنسان وتفكر في كلام الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه.
يقول: من أحب دنياه أضر بآخرته، كأن الدنيا ضرة الآخرة، فإذا تعلق الإنسان بالدنيا فإنه ينشغل عن الآخرة، وإذا تعلق بالآخرة فإنه يتقلل من الدنيا. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فآثروا ما يبقى على ما يفنى». إيش اللي يبقى؟ الآخرة، العمل الصالح، الطاعة، العبادة، على ما يفنى من النعيم والتلذذ. مهما تلذذ الإنسان في هذه الدنيا فإن كل نعيم فهو زائل، كل لذة فهي زائلة في هذه الدنيا، مهما بلغ الإنسان فيها من السعادة ومهما بلغ من الأنس بها فإنها ستفنى، والذي يبقى هو ما عند الله عز في علاه.
أيضاً من الطوام والكوارث التي تحل بالمرء إذا تمكنت الدنيا من قلبه أن الإنسان يصبح في هم دائم. ولاحظوا الآن حال أهل الدنيا نسأل الله السلامة والعافية، ولو كان من أثرى الأثرياء ومن أغنى الأغنياء ومن أعلى المناصب، فإنه يلهث خلف هذه الدنيا، يلهث ويجري خلف هذه الدنيا ولا يقنع. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة». يعني الهم الأكبر عنده هو هم الآخرة، هو نجاته يوم القيامة، هو ما يبذله من عمل صالح يتقرب به إلى الله عز وجل. من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ولو كان عنده أقل القليل، يعني الإنسان إذا جعل الله غناه في قلبه وقنعه بما رزقه فإن الإنسان يرتاح في حياته. لكن الذي يتعلق بالدنيا والله لا يرتاح ولو كانت عنده ملايين الدنيا وأموال الدنيا وترف الدنيا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جعل الله غناه في قلبه» يعني القناعة والرضا ولو بالقليل، وجمع له شمله، حياته فيها ارتياح، حياته فيها استقرار، جمع الله عز وجل له شمله، وأتاه من الدنيا ما كتبه الله له سيأتيه ولا شك، لن يستطيع أحد أن يقف بينك أو أن يحول بينك وبين ما كتبه الله لك مهما كان، ستأتيك ورزقك سيأتيك رغماً عن أنف أي مخلوق، وأتته الدنيا وهي راغمة.
لكن انظر في المقابل قال: «ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه» عياذاً بالله من ذلك، «جعل الله فقره بين عينيه، وفرق الله عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له». لاحظوا الإنسان عنده ملايين ومع ذلك يشقى ويلهث ويتعب وهو يبحث أيضاً عن الزيادة، هل من مزيد؟ ولا يرتاح، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ليس في راحة ولا يسعد، وإنما يلهث خلف هذه الدنيا إلى أن يموت، جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له. يعني مهما حصل ومهما جرى ومهما بحث فإنه لن يأتي من الدنيا إلا ما قدر له.
أيضاً من الطوام والكوارث أيها الأحبة إذا تعلق القلب بالدنيا فإنه يلهيه عن ذكر الله عز وجل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9]. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]. هذا الذي يبقى، الباقيات الصالحات والأعمال الصالحة التي تبقى للإنسان، أما الدنيا فهي زينة وتذهب وتزول وتضمحل إذا مات الإنسان. وهذا من النعيم العظيم الذي يحصله الإنسان إذا عرف حقيقة هذه الدنيا وعمر قلبه بطاعة الله عز وجل. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن ينور بصائرنا، وأن يجعل هذه القلوب عامرة بذكر الله وبطاعة الله، أن يبصرنا بحقيقة الدنيا وألا يشغلنا فيها عن طاعته إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني