دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم. تقنياته ومجالاته، ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في هذه الحلقة من حلقات مادة التربية ومقرر مفسدات القلوب التي نتحدث عنها في هذا الفصل في أكاديمية زاد. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح.

سنقف أيها الأحبة في هذه الحلقة مع مفسد عظيم من مفسدات القلوب، وهو من أضر الأشياء على الإنسان في هذه الدنيا. هو مفسد لقلبه، ومفسد لدينه، ومفسد لحياته عموماً، وهذا المفسد هو حب الدنيا؛ حب الدنيا الذي يجعل الإنسان يقدم ما يتعلق بهذه الدنيا من زينة ظاهرة على ما ينفعه ويرفعه عند ربه في الآخرة. وحب الدنيا أيها الأحبة ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم في آيات كثيرة، وذكره النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا مما تتعلق به القلوب؛ القلوب تتعلق بالدنيا وهي تتعلق دائماً بالأمر العاجل وتترك الأمر الآجل، كما قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: 20-21]. فالإنسان بطبعه يحب هذه الدنيا، وقد ذكر الله عز وجل عن هذه الدنيا أنها زينة، كما قال الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14].

هذا هو حال الإنسان، زين للذين كفروا الحياة الدنيا. الله عز وجل جعل هذه الدنيا زينة اختباراً وابتلاءً للإنسان: هل يتعلق بها ويترك أمر الآخرة؟ هل يتعلق بهذه الدنيا الفانية ويترك الآخرة الباقية؟ هذا هو الاختبار الحقيقي للإنسان في هذه الدنيا. الله عز وجل من رحمته بنا ومن لطفه بعباده أن ذكر هذه الحقيقة في آيات كثيرة في كتابه الكريم، وبين حقيقة الدنيا حتى يصبح الإنسان على بصيرة من أمره، كما قال الله عز وجل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20]. ذكر الله عز وجل خمسة أشياء في هذه الدنيا تحبب هذه الدنيا الفانية للإنسان، لكن الله عز وجل من لطفه بعباده بين حقيقة هذه الدنيا وضرب لها مثلاً حتى يتبصر الإنسان، والأمثال في القرآن أيها الأحبة يضربها الله عز وجل ليتبصر أصحاب القلوب: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]، فالإنسان الذي عنده العلم والبصيرة والفهم هو الذي يدرك معنى المثل الذي يذكره الله عز وجل في كتابه الكريم.

ولهذا قال الله عز وجل بعد أن ذكر هذه الأشياء في حب الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20]. الله عز وجل شبه الدنيا قال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾؛ كمثل غيث؛ مطر نزل من السماء وأنبتت به الأرض، وهذا النبات يعجب الناس بخضرته وجماله وسعادة النفس به، وهذه طبيعة بشرية. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. فيكون هذا النبات في خضرته وفي جماله وفي بهائه مما يدخل السرور على القلب، ثم يجعله الله عز وجل بعد ذلك مصفراً إذا انقطع عنه الماء، ثم يكون حطاماً، وهذا هو حال النباتات دائماً في الصحاري وفي الأراضي الكبيرة والشاسعة عندما ينزل عليها المطر، وهذا هو حال الدنيا؛ تتزين للإنسان كما يتزين هذا النبات عندما ينزل عليه المطر، ثم بعد ذلك يكون حطاماً.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾، ثم ختم الآية بحقيقة عظيمة قال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. الحياة الدنيا متاع الغرور، يغتر بها الإنسان ويسير بهذه الغفلة في حياته حتى يدركه الموت، حتى يأتيه الأجل فيتبصر ذلك ويعلم هذه الحقيقة، وأن الدنيا قصيرة، وأن الدنيا فانية، وأنها لا تساوي شيئاً أمام الآخرة. لكن متى يعلم هذه الحقيقة؟ متى يستيقظ الإنسان؟ عندما يأتي الموت، وعند ذلك يندم ولا تحين مندم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]. والكافر يوم القيامة يقول عند موته: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]، ويقول أيضاً: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24]. فسمى الآخرة هي الحياة؛ لم يسمِّ الدنيا، نسي الدنيا، قال: يا ليتني قدمت لحياتي التي هي الآخرة، الحياة الحقيقية الباقية التي لا تفنى.

أما هذه الحياة الدنيا فهي حياة قصيرة ومحدودة، ومهما عَمَّر فيها الإنسان فإن نهايته إلى الموت: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]. لا يستطيع الإنسان أن يهرب من هذه الحقيقة. وقضية أن الدنيا تشغل الإنسان وتلهي الإنسان كررها الله عز وجل في آيات كثيرة، ذكر الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32]. ولاحظوا أيها الأحبة، الله عز وجل يربط هذه الحقيقة بعقل الإنسان حتى يتفكر، لأن الذي يرزقه الله عز وجل نور البصر والبصيرة يعرف هذه الحقيقة، لأن الدور ثلاثة وأقصرها دار الدنيا. الإنسان يعيش في دور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، والدار الآخرة. دار الدنيا هي أقصر هذه الدور، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين، وأقلهم من يتجاوز ذلك».

ومهما عَمَّر الإنسان، فإنه في الأخير حتى لو بلغ من العمر عتياً فإنه لا ينتفع بدنياه، بل النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ من أن يُرد إلى أرذل العمر، لأن الإنسان تفسد عليه دنياه إذا وصل إلى أرذل العمر. ثم يأتي دار البرزخ، وهو أطول من دار الدنيا وأقل من دار الآخرة، وهو الذي يكون الإنسان في قبره، يعيش بمئات أو ألوف أو ملايين السنين، ثم بعد ذلك مصيره إلى الدار الآخرة؛ الدار الآخرة الباقية التي لا تحول ولا تزول، خالدين فيها أبداً ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك. فالإنسان يعلم حقيقة هذه الدور الثلاثة، ولهذا يجتهد ويعمل للدار الباقية ولا يعمل للدار الفانية. هذه الدار؛ دار الدنيا، دار اختبار، دار ابتلاء، ولابد أن يكون الإنسان عنده من العقل والذكاء والفطنة والبصيرة ما يعرف به هذه الدنيا. أسأل الله عز وجل أن يرزقنا نور البصر والبصيرة، وأن يوفقنا لطاعته، ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تحدثنا قبل الفاصل أيها الأحبة عن هذا المفسد العظيم من مفسدات القلوب، وهو حب الدنيا؛ إذا تمكن من قلب العبد أشغله عن آخرته وعن ما ينفعه ويرفعه عند ربه. هذا الأمر أيها الأحبة لابد أن يكون حاضراً في ذهن الإنسان. ذكرنا الآيات التي تكلمت عن هذا الأمر، وقد كرر الله عز وجل هذه الحقيقة في كتابه ليكون الإنسان على بصيرة وعلى نور من ربه في التعامل مع هذه الزينة وهذا الإشغال وهذا اللهو وهذا اللعب الذي يكون في هذه الدنيا، فلا يشغله عن طاعة ربه، لا يشغله عن الغاية التي خُلق من أجلها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. لابد أن يعلم الإنسان هذه الحقيقة وتستقر في نفسه وفي قلبه ليوفق ويسعد في دنياه وفي أخراه.

الله عز وجل أيضاً والنبي صلى الله عليه وسلم كرر هذه الحقيقة في أحاديث كثيرة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: «إن الدنيا حلوة خضرة»، ولاحظوا هذا الوصف من لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه؛ بين أنها حلوة يعني يستلذ بها الإنسان، يشعر بالحلاوة في هذه الدنيا في زينتها وفي لهوها. «إن الدنيا حلوة خضرة»، أيضاً في عين الإنسان هي جميلة، يسعد بها الإنسان، ولكن لابد أن يعلم حقيقة هذه الدنيا: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يبين حلاوة الدنيا ويبين جمال الدنيا، وأن الله عز وجل مستخلفنا فيها، ثم إن الله عز وجل ينظر إلى عملنا فيها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فينظر كيف تعملون».

وهنا لابد أن يعلم الإنسان أن هذه الزينة وهذا اللعب وهذا اللهو وراءه حساب، وراءه عقاب، وفيه حسنات وسيئات، وفيه ملكان يكتبان، ليست القضية عبثاً، فلابد للإنسان أن يستشعر وهو يتلذذ بدنياه هذا الأمر. أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، وهذا حديث صحيح رواه مسلم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». ذكر العلماء معنيين في هذا الحديث؛ ما معنى أن الدنيا سجن المؤمن؟ وما معنى أن الدنيا جنة الكافر؟ المعنى الأول أن الدنيا سجن المؤمن بمعنى قيد المؤمن؛ الدنيا قيد المؤمن، يتقيد الإنسان بما يشتهي وما يحبه وما يتلذذ به؛ مرتبط بقواعد الشرع، مرتبط بالحلال والحرام. الإنسان يحب المال لكنه لا يمكن أن يتجاوز إلى الربا أو غيره من الرشوة وغيرها في الوصول إلى المال الحرام. يحب بعض المطعومات وبعض المأكولات وبعض المشروبات لكنه مقيد بشرع الله، لا يأكل لحم خنزير، لا يشرب خمراً ولا مسكراً، مقيد بشرع الله عز وجل، وهذا معنى قيد المؤمن، الدنيا قيد المؤمن، أنه لا يمكن أن يتلذذ بكل ما في الدنيا بعيداً عن شرع الله عز وجل، بعيداً عن ما أحل الله وما حرم الله. أما الكافر فهو يرتع في الدنيا كالبهيمة، لا يفرق بين حلال وبين حرام، وهذا معنى الدنيا جنة الكافر.

هذا معنى وهو معنى عظيم أيها الأحبة، إذا استشعره الإنسان ما الذي يمنع الإنسان من الوصول إلى الحرام في الشهوة الحرام وفي غيرها وهو قادر أحياناً على هذا الأمر؟ الذي يمنعه هو الشرع، هو ما جعله الله عز وجل في هذه الدنيا من حرام ومن حلال، هو الذي يمنع الإنسان ويحجبه، وتقوى الله عز وجل التي تردع الإنسان عن الوقوع في هذا الأمر، فهذا معنى أن الدنيا سجن المؤمن، وليس المعنى أن الإنسان يضيق في هذه الدنيا وأن المؤمن لا يتنعم في الدنيا؛ المباحات كثيرة والحلال كثير، لكن هناك أنواع من المطعومات والمشروبات والملذات والملهيات حرمها الله عز وجل اختباراً لنا في هذه الدنيا. فهل يقف الإنسان هنا؟ يأتي الاختبار الحقيقي، وهو بهذا المعنى الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؛ الكافر يرتع فيها ويأكل ويشرب كالأنعام والنار مثوى لهم كما قال الله عز وجل. هذا معنى أيها الأحبة في كون الدنيا سجن المؤمن.

معنى آخر في كون الدنيا سجن المؤمن أن الدنيا سجن المؤمن بالنسبة لما ينتظره في الآخرة، فهو مهما تنعم الإنسان في هذه الدنيا، مهما تلذذ، ولو كان من أغنى الأغنياء وكان من ملوك الدنيا وهو رجل مؤمن، ومع ذلك هذا لا يساوي شيئاً أبداً مع نعيم الآخرة، مع نعيم الآخرة. ولهذا جاء في الحديث أن أقل أهل الجنة وآخر أهل الجنة دخولاً له عشرة أمثال الدنيا؛ له عشرة أمثال الدنيا بما فيها من ملوك ومن دول ومن قصور ومن بنوك ومن أموال لا يعلمها إلا الله عز وجل، آخر رجل يدخل الجنة له عشرة أمثال الدنيا، هذا أقل واحد يدخل وآخر واحد يدخل إلى الجنة، فهذا معنى أيها الأحبة أنها بالنسبة للآخرة قليل؛ مهما تنعم ومهما تلذذ الإنسان فهو في سجن مقابل ما ينتظره من النعيم العظيم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة ما لا.

لم ترَ عينٌ ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. والله مهما شعر الإنسان بنعم وتلذذ ونعيم في هذه الدنيا فهو لا يساوي أبدًا غمسة واحدة في الجنة. غمسة واحدة في الجنة يشعر الإنسان فيها من النعيم واللذة لا يساوي نهراً من أنهار الجنة، وما يساوي شيئاً من فاكهة الجنة. وهذا نعيم عظيم ينتظر المؤمن، أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة.

أما الكافر فهي جنة الكافر؛ لأن الكافر مهما كان في نعيم في هذه الدنيا، ومهما تنعم، وحتى ولو كان في بؤس، فما ينتظره في الآخرة أعظم وأجل، وهو نار تلظى. فالإنسان حتى ولو كان يعيش في بؤس؛ الكافر الذي يعيش في بؤس وفقر ومرض في هذه الدنيا، فهي تعتبر جنة له بالنسبة إلى ما ينتظره في الآخرة من عذاب شديد. هذه الدنيا مهما عاش فيها من بؤس ومن فقر ومن مرض ومن نكد في عيشه وفي حياته فلا يعد شيئاً؛ فهو في جنة مقابل ما ينتظره من العذاب الشديد والأليم عند ربنا ومولانا عز في علاه.

ولهذا يروى عن بعض السلف كابن حجر وغيره، وهذه القصة جاءت في أكثر من رواية، أن أحد العلماء كان عنده من الأبهة والخير والسلطان، كان يمشي ومعه الحرس والخدم والحشم. ففي يوم من الأيام مر في موكبه بيهودي يعمل حداداً، وبثياب متسخة، وبوجه فيه ما فيه، وفي حالة من الفقر والبؤس، لكنه خبيث، أراد أن يرسل شبهة، لكنه وقع في إمام وعلم من أعلام الإسلام والمسلمين، فأوقفه وقال له: هذا الحديث، كيف تقولون أو كيف يقول نبيكم إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ وأنت الآن فيما أنت فيه من الأبهة والغنى والترف، وأنا فيما أنا فيه بهذه الحال من الفقر والبؤس، فكيف أكون في جنة وأنت في سجن؟

فرد عليه بهذا الرد الموفق المسدد الذي أبطل هذه الشبهة، وهذا هو نور العلم؛ فرد عليه بهذا المعنى الذي في هذا الحديث: قال: المؤمن بالنسبة لما ينتظره عند الله هو في سجن، مهما كان في نعيم، في أبهة، في ترف، في خيلاء، في نعم عظيمة جداً، هو في سجن مقابل ما ينتظره في الآخرة. أما أنت وما أنت فيه من بؤس وفقر وقلة ذات وحال بئيسة، فأنت في جنة في مقابل ما ينتظرك في الآخرة. فكان جواباً مسدداً موفقاً أبطل هذه الشبهة من هذا اليهودي الخبيث الذي أراد أن يشكك أهل الإسلام في كلام نبينا وحبيبنا الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه.

هذا أيها الأحبة معنى عظيم لا بد أن يستحضره الإنسان في ذهنه؛ أن هذه الدنيا إذا تعلق الإنسان بها بقلبه وملكَت عليه مشاعره وأحاسيسه، فإنه يتعلق بهذه الدنيا وينسى آخرته، فيقع في البلاء العظيم، وهو بالنسبة لما ينتظره في الآخرة في شقاء وعناء. نسأل الله عز وجل أن يعافينا وألا يبتلينا، إنه ولي ذلك والقادر.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسنته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم، قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة.

وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب؛ وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بآدابهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.

ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تحدثنا أيها الأحبة في بداية الحلقة عن هذا المفسد العظيم من مفسدات القلوب، وهو حب الدنيا. لا بد أن نعلم أيها الأحبة حقيقة التوازن في هذه الحياة؛ فالدين والقرآن والسنة عندما تحدثت عن هذا المفسد العظيم من مفاسد القلوب، هذا لا يعني أيها الأحبة أن الإنسان يترك الدنيا تماماً ويعيش في بؤس وفي شقاء، أبداً؛ ليس هذا المطلوب، وإنما هناك توازن في حياة الإنسان.

توازن في حياة الإنسان يتنعم ويتلذذ في هذه الدنيا، ويأخذ من الطيبات لكن بالضوابط الشرعية وبقيد الشرع، وهذا هو التوازن الحقيقي في حياة المسلم. وإن الله عز وجل أحل لنا الطيبات، ولا يستطيع إنسان مهما كان أن يحرم على الإنسان التلذذ بطيبات الدنيا التي أحلها الله. ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]. ثم ذكر حقيقة عظيمة لا يعقلها إلا أهل الإيمان، قال: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]. هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشاركون فيها أهل الكفر والعناد والجحود والنفاق، لكن هذا النعيم هو خالص لهم يوم القيامة.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب». فالدنيا فيها شيء من الحب للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه مقيد ومنضبط بقواعد الشرع. وأيضاً حديث النفر الثلاثة لا يخفى عليكم أيها الأحبة، الذين جاءوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وسألوا عن عبادته وصلاته، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم غضب، وصعد المنبر وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».

يأخذ الإنسان من الدنيا ما يسعد به ويتلذذ به بضوابط الشرع وبما أحل الله عز وجل، وهذا هو التوازن الحقيقي في حياة المسلم. هناك أيها الأحبة مظاهر يتبين فيها الإنسان ويعلم بها الإنسان هل هو متعلق بهذه الدنيا حقيقة أو أنه فيه شيء من التوازن في حياته؟ من هذه أيها الأحبة كثرة الحديث؛ حتى الإنسان يختبر نفسه، هل هو متعلق بهذه الدنيا؟ هل هذا المفسد موجود في قلبه من مفسدات القلوب وهو التعلق بالدنيا وحب الدنيا والانشغال بالدنيا؟ كثرة ذكر الدنيا في كل مجلس، قليل ما يذكر الله عز وجل كما قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].

أكثر مجالس الإنسان، أكثر كلامه عن الدنيا وعما فيها من ملذات ومن لهو ومن مشغلات وملهيات، هذه حياته وهذا هو ما يكرره ويتحدث به وينشغل به في مجالسه في حياته الخاصة والعامة، ليس عنده حديث إلا عن الدنيا وعن ملذات الدنيا. هذا مظهر أيها الأحبة يجعل الإنسان يقف مع نفسه ويراجع نفسه، ما هو نصيب الآخرة من كلامك، من حديثك، من مجالسك، من تصرفاتك؟ ما هو نصيب الآخرة؟ هنا يظهر التوازن في حياة المسلم.

أيضاً كثرة التنعم والانشغال والانغماس في ملذات الدنيا بما يشغله عن الآخرة، وهذا يظهر أكثر ما يظهر أيها الأحبة في الانشغال بالكماليات حتى عن ما يتعلق بعبادة ربه، ينشغل بهذه الكماليات. والنفس أيها الأحبة الإنسان إذا تركها على هواها فإنها أمارة بالسوء، ولهذا يقول أبو ذؤيب الهذلي في بيت جميل: والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتَها ... وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقنعُ كلما فتحت عينك على شهوة ولذة من ملذات الدنيا فإن النفس لا تقنع، لكن إذا كبت الإنسان وكبح جماح هذه النفس فإنه بإذن الله يستطيع أن يتغلب عليها. وهذا بيت جميل أيها الأحبة، وقال عنه الأصمعي الأديب الكبير: هذا أبدع بيت قالته العرب؛ لما فيه من الحكمة وما فيه من التبصر بحقيقة هذه النفس.

أيضاً هناك أيها الأحبة حديث عظيم يجعل الإنسان يتراجع ويحاسب نفسه في قضية الاندفاع خلف هذه الشهوات وهذه الملذات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم، والله لو وقف الإنسان مع هذا الحديث لأنه يختصر حقيقة الدنيا ويختصر أيضاً حقيقة هذه النفس الأمارة بالسوء: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه».

هنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم»، وهذا المثال عجيب يا إخوان، الذي يعرف أهل الماشية يعرفون الذئب عندما يأتي إلى الغنم، لا يقتل واحدة أو يأكل واحدة أو اثنتين ويكتفي بذلك، بل هو يفسد؛ يقتل العشرين والثلاثين ويأكل واحدة، وهذا من الإفساد العظيم، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالذئب الذي يفسد ويكثر الفساد بحرص المرء على المال والشرف.

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذين الشيئين وهما عظيمان في حياة الإنسان: المال والشرف. كثيراً من الناس الآن الذي يتسبب في ضياع دينه حرصه على المال؛ يتنازل عن أمور كثيرة من الحلال والحرام بسبب حبه للمال. والشرف وهو الرئاسة، أحب المناصب والظهور والبروز وغير ذلك، فيتنازل الإنسان في كثير من أمور دينه من أجل هذا الأمر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، يعني المصيبة على الدين والكارثة على الدين.

ولهذا من العجائب أيها الأحبة، وهذا ربطه شيخ الإسلام رحمه الله بهذه الآية العظيمة في سورة الحاقة، عندما يقول الإنسان يوم القيامة: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 28-29]. لاحظوا يا إخوان، «ما أغنى عني ماليه» هذا حرصه على المال، و«هلك عني سلطانيه» تخلّى عني هذا السلطان وهذا الحب لهذه المناصب هلك عني، وهذا ربط عجيب بين هذين الأمرين.

أيضاً الله عز وجل ذكر في آيات كثيرة أن هؤلاء يحبون العاجلة، ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: 20-21]. وآيات كثيرة أيها الأحبة تبصر الإنسان وتخبره بحقيقة هذه الدنيا ليعلم ويتبصر، ويضرب الله عز وجل لنا الأمثال والقصص في القرآن. لاحظوا في قصة قارون لما خرج على زينته، ماذا قال الذين تعلقت قلوبهم بالدنيا وأفسدت الدنيا قلوبهم؟ ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79].

اختصروا الأبهة، واختصروا الشرف كله في هذا الوضع الذي كان فيه قارون، «إنه لذو حظ عظيم». لكن ماذا قال أهل العلم أيها الأحبة؟ أهل البصيرة، أهل الذين نور الله عز وجل قلوبهم؟ قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80]. ليس هذا هو العز والشرف، الشرف والعز في طاعة الله وفي التعلق بعبادة الله عز وجل. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 14-15]، ثم قال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 16-17].

هناك أيها الأحبة أيضاً أسباب لا بد أن يعتني بها الإنسان، هي التي تجعل القلب يتعلق بهذه الدنيا. من هذه الأسباب الزينة الظاهرة لهذه الدنيا والجمال الذي يشعر به الإنسان، لكنه لا بد أن يكون صاحب بصيرة، ويعلم أنه في أي لحظة قد ينقطع من هذه الدنيا وتخرج روحه، ويذهب هذا الترف وهذا اللعب وهذا اللهو، ويصبح هذا الإنسان يتحسر ويتندم على كل لحظة فاتت في حياته في غير طاعة الله.

أيضاً بين النفس والقلب؛ هذه النفس أمارة بالسوء، وتدعو الإنسان، والشيطان عدو متسلط علينا، ويحبب ويزين لنا الدنيا ليشغلنا عن طاعة الله عز وجل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن لابن آدم وادياً من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». وهذه اللفظة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر بعض الصحابة أنها كانت قرآناً يتلى فنسخ، وهي قاعدة عظيمة: «ولن يملأ فاه ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». إذا عرف حقيقة هذه الدنيا تبصر بها وعرف ما يتعلق بها من الانشغال واللهو والزينة التي تبعد عن طاعة الله وعن مرضات الله عز في علاه.

ما زال هناك حديث في هذا المفسد من مفسدات القلوب نتكلم عنه إن شاء الله في الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان والسيرة العلياء عطرة للعلم.