دخولتسجيل الدخول

ينمو العلم ويتقدم في تقنياته ومجالاته، ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد وفي مادة التربية الإسلامية، والتي نتحدث فيها في هذا الفصل الرابع والأخير عن أمراض القلوب وعن مفسداتها. مر معنا في الحلقتين السابقتين أيها الأحبة الحديث عن مرض عظيم يعتري القلب وهو اتباع الهوى. تحدثنا عما جاء في كتاب الله عز وجل وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن اتباع الهوى، ثم بعد ذلك عن الأسباب التي تجعل الإنسان يتبع هواه ويتمادى في هذا الأمر وهو مخالف لشرع الله. هناك عدة أسباب ذكرناها في الحلقة الماضية، وفي هذه الحلقة إن شاء الله سنتكلم عن الثمرات التي يجنيها الإنسان في مخالفة هواه.

إذا كان الإنسان قوياً مجاهداً في سبيل مخالفة الهوى فإنه يجني ثمرات عظيمة لا يعلمها إلا الله، أعظم هذه الثمرات أيها الأحبة هو الفوز بالجنة، وهذا أعظم مطلوب في هذه الدنيا أن يكون الإنسان من أهل الجنة، وهو الفوز العظيم كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. هذا هو الفوز الحقيقي، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الفائزين. فأعظم أمر أيها الأحبة إذا جاهد الإنسان نفسه أنه يفوز بالجنة، جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وأعظم جهاد كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أفضل الجهاد جهاد النفس. لأن الإنسان إذا جاهد نفسه أفلح في دنياه وفي أخراه، ونال أعظم مطلوب في هذه الدنيا وهو الفوز بالجنة. وقد نص الله عز وجل على ذلك في كتابه الكريم في قوله في سورة النازعات: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41].

نهى النفس عن ما تشتهيه وتهواه من المحرمات والمخالفات والشهوات والمعاصي والذنوب التي تخالف أمر الله، فإن الجنة هي المأوى، الجنة هي الدار التي ينالها الإنسان، دار المقامة، الدار التي لا يحول عنها الإنسان ولا يزول، الدار التي لا يرجو الإنسان أن يتحول عنها. فالإنسان في الدنيا مهما حصل من النعيم فإنه يمل منه، لكن في الجنة لا يريد تحولاً عن النعيم مهما طال، ولهذا الله عز وجل يقول في سورة الكهف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 107-108]. أي مهما طال هذا النعيم فإنه يزداد الإنسان حباً له وتمتعاً به وأُنساً به أيضاً، فنسأل الله عز وجل ألا يحرمنا هذا النعيم المقيم في جنات عدن.

ويقول الله عز وجل أيضاً: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12]. وجزاهم بما صبروا، يعني صبروا عن ماذا؟ صبروا عما تهواه نفوسهم وعما تريده وتشتاق إليه وتحبه. والصبر كما نعلم أيها الأحبة على ثلاثة أنواع: الصبر على طاعة الله، والصبر عن محارم الله، والصبر في الاستدامة على أوامر الله عز وجل. يعني هذا كله صبر يصبر به الإنسان لينال الأجر العظيم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا﴾. وأعظم صبر يجاهد الإنسان فيه نفسه هو الصبر عن محارم الله، الصبر عن اتباع الهوى وعن اتباع الشهوات التي تميل إليها النفس.

ولهذا قال أحد السلف في كلمة جميلة وكلام السلف أيها الأحبة الذين نور الله قلوبهم بنور القرآن، كلامهم عليه نور النبوة، ولهذا يسعد الإنسان بهذه العبارات والكلمات من سلفنا الصالح الذين نور الله عز وجل بصائرهم وقلوبهم بنور الإيمان والقرآن: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. يعني الهوى هو الداء ومخالفة الهوى هي الدواء، والإنسان إذا تفكر في هذا الأمر علم حقيقته أن اتباع الهوى هو الداء، هو البلاء الذي يضر الإنسان ليس في بدنه وإنما في دينه، وهو أعظم الداء في المرض في الدين وفي القلب وهو أعظم من أمراض الأبدان. فهذا هو العبد الموفق الذي يخالف هواه فيكون من أهل الفردوس الأعلى من الجنة.

أيضاً من أعظم الثمرات التي يجنيها الإنسان إذا خالف هواه أنه ينجو يوم القيامة ويكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ولاحظوا أيها الأحبة عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء السبعة في ذلك الحديث العظيم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». كل هؤلاء يجمعهم أيها الأحبة مخالفة الهوى. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله في كلمة جميلة يقول: إذا تأملت هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، وجدت أنهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى.

الإمام العادل ما الذي جعله يعدل؟ مخالفته لهواه، وإلا فالنفس تميل إلى الظلم أحياناً، لكن مخالفته لهواه جعلته يعدل. والشاب الذي نشأ في عبادة الله خالف هواه، فالنفس تميل إلى الراحة والدعة والأنس بالأصحاب والخروج والتمتع بالدنيا، لكنه خالف هواه واتبع شرع الله عز وجل، ونشأ في طاعة الله في حب العبادة، ويبتعد عما يلهيه من المباحات فينشأ في طاعة الله. ورجل معلق قلبه في المساجد، هذا أيضاً ممن يظلهم الله في ظله، وسنتحدث عنه بعد الفاصل إن شاء الله.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل، العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك». أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك، وإنما يراد العلم لأجل العمل. قال أبو الدرداء: لا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً. وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».

العلم النافع يورث خشية الله، قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. أي أن التقوى وسيلة إلى حصول العلم، فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا﴾ [الصف: 2-3].

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، وقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند الحديث عن السبعة الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهؤلاء السبعة يجمعهم أنهم خالفوا هواهم، خالفوا هوى النفس التي تزين لهم وتحبب لهم الأمور التي تكون سبباً في البعد عن هذه الصفات. تحدثنا عن الإمام العادل وعن الشاب الذي نشأ في طاعة الله، ووقفنا عند الرجل الذي قلبه معلق بالمساجد.

يعني كلما خرج من المسجد قلبه معلق بالصلاة ومعلق بالعودة إلى المسجد؛ عندما يخرج من صلاة الظهر فهو يتشوق إلى العودة في صلاة العصر، وعندما يخرج في صلاة العصر يتشوق قلبه إلى العودة إلى صلاة المغرب، أو يجلس في مصلاه بين العصر والمغرب أو بين المغرب والعشاء، بعد الفجر يجلس، يحب المكوث في المسجد، والمسجد بيت كل تقي كما جاء في الأثر. هذا خالف هواه؛ لأن الإنسان يحب الجلوس في الأماكن العامة وفي أماكن اللهو، لكن هذا خالف هواه وتعلق قلبه ببيت الله عز وجل.

ورجلان تحابا في الله، أيضاً الهوى أحياناً قد يجعل الإنسان يريد أن يتعلق بأهل الدنيا، لكنه يحب الرجل لا يحبه إلا لله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، هذا واضح وصريح، لعل من أكثرهم وضوحاً في مخالفة الهوى هو هذا الرجل؛ امرأة ذات منصب أي لها مكانة، وذات جمال يدعو أيضاً لفعل الفاحشة بها، فقال إني أخاف الله. تهيأت له الأسباب من المنصب ومن الجمال، وهي أيضاً الداعية، فقال إني أخاف الله، وهذا خالف هواه. فكيف بمن اتبع هواه وهو يبحث عن هذه المعصية؟ يبحث عن المرأة التي يفعل بها الفاحشة عياذاً بالله، لا شك أن هذا من أعظم الناس بلاء يوم القيامة لأنه اتبع هواه.

ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، خالف هواه في حب المال، وأيضاً أخفاها فخالف هواه في حب الشهرة وفي حب الثناء وسماع المدح من الناس؛ فهو خالف الهوى في حب المال والنفس تحب المال، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]. خالف هواه في أن يراه الناس فيثنوا عليه، فهو يخفي هذه الصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، هذا أيضاً خالف الهوى في الدعة والراحة والسكون، لكنه قام بين يدي الله عز وجل وذكر الله ففاضت هاتان العينان بكاءً وخشية من الله عز وجل، فهذا في أعلى المنازل وأجلها.

أسأل الله عز وجل أن يجعلني من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ولا شك أيها الأحبة أن الإنسان يستطيع بفضل الله وبتوفيق الله وبعون الله أن يكون من هؤلاء السبعة. عندك سبع صفات، إذا فاتتك إحداها فلا تفوتك الأخريات، يعني إذا لم يكن متيسراً أن يكون إماماً عادلاً، أو لم يكن في شبابه نشأ في طاعة الله، فهناك صفات أيها الأحبة باقية ودائمة ومستمرة.

قد لا يتحقق للإنسان أن تدعوه امرأة ذات منصب وجمال، لكن هناك من الصفات وهذا من فضل الله ومن توفيق الله لنا ومن رحمة الله بنا، أن هناك صفات متحققة في الجميع، منها رجل قلبه معلق بالمساجد، ومنها رجل تصدق بصدقة فأخفاها، وهذا قد نفعله في كل يوم. الإنسان أيها الأحبة قد يسير في الليل أحياناً، يأتي من مناسبة أو من لقاء في آخر الليل، فينظر إلى مسكين أو مسكينة في الطريق والشارع قد يكون خالياً، فيخرج ولو ريالا واحداً فيعطيه هذا المسكين بخفاء وستر، فيدخل في ضمن هؤلاء السبعة بريال واحد. وهذا من فضل الله علينا ومن نعمته ورحمته بنا أن الإنسان يستطيع أن يكون من هؤلاء السبعة إذا أيقن بهذا الأمر وفعله ابتغاء ما عند الله عز وجل واحتسب الأجر عند الله.

وأيضاً رجل ذكر الله خالياً، هذا أيضاً يتحقق فينا أيها الأحبة إذا وفق الله العبد لذلك؛ يدخل الإنسان إلى حجرته، يغلق على نفسه الباب في الثلث الأخير من الليل، فيصلي ويقرأ القرآن ويدعو ويستدر هذا الدمع وهو خالٍ لوحده، لا رياء ولا سمعة ولا يرجو ثناءً من أحد من الناس، هو خالٍ في غرفته. فحتى ولو بكى، أو إن لم يبكِ تباكى، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن لم تبكوا فتباكوا. فهذا يتحقق في الإنسان إن كان خالياً، بخلاف الإنسان الذي يبكي وهو مثلاً إمام ويصلي بالناس، فهنا قد يدخل الشيطان وقد يدخل الرياء عياذاً بالله من ذلك في قلب العبد، ولهذا يحرص الإنسان على أن يخفي بكاءه من الناس قدر الاستطاعة وقدر الإمكان.

ويكون ذلك في الخفاء وفي الخلاء؛ فهو الذي ينال به أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ونستطيع ذلك في كل ليلة، يدخل الإنسان إلى حجرته ويغلق على نفسه بعد أن ينام أهل بيته، فيدخل ويصلي ويدعو ويتضرع ويخضع ويذل وينكسر بين يدي الله عز وجل، ويستدر هذا الدمع خشية لله عز وجل ليتحقق فيه أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فأسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا وعلى مخالفة هوانا حتى نكون من هؤلاء السبعة.

أيضاً مما يناله الإنسان ويجنيه من مخالفته لهواه أنه ينال الشرف والعلو في الدنيا والآخرة. الإنسان القوي أيها الأحبة الذي يكبح جماع هذه النفس ويستطيع أن يتغلب عليها لا شك أنه يكون قوياً في دينه، مستعلياً بإيمانه، وهذا لا شك له منزلة ومرتبة عالية في الدنيا وفي الآخرة. ولهذا الذي يخالف هواه أيها الأحبة يكبر ويعظم في أعين الناس، وهو لا يريد الثناء منهم، لكن هذا من عاجل بشرى المؤمن، وما عند الله خير وأبقى.

ولهذا لما سئل أو قال معاوية بن أبي سفيان الصحابي الجليل رضي الله عنه قال: المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى. فاتباع الهوى يزمن المروءة من الزمن وهو دوام المرض واستمراره، قال: يزمن المروءة، ومخالفة الهوى تنعش المروءة في قلب الإنسان، فيكون كريماً عزيزاً، ما يكون ذليلاً في اتباع الشهوات، ويكون حقيراً في اتباع الهوى حتى في نظر الناس؛ عندما يرون الإنسان متبعاً لهواه لشهوات فرجه لشهوات بطنه، يكون حقيراً في هذا الأمر، يسقط حتى من أعين الناس، فكيف عند الله عز وجل؟ لا شك أنه أشد سقوطاً عند الله في اتباع هوى.

أيضاً مما يعين أيها الأحبة أو يكون للإنسان في اتباع أو في مخالفة لهواه، ومما يجنيه الإنسان ويحصله من ثمرة عظيمة في مخالفة هواه أنه يكون قوي العزيمة، وسنتكلم عن هذا الأمر بعد الفاصل إن شاء الله.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث البغضاء بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه.

ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو بسلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم، قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. ما زلنا أيها الأحبة نتحدث عن الثمرات التي يجنيها العبد بمخالفته لهواه، لابتعاده عن هوى النفس وعما تدعوه إليه النفس الأمارة بالسوء في اتباع الهوى واتباع الشهوات والمغريات والملهيات عن طاعة الله وعن عبادة الله.

ذكرنا من الثمرات العظيمة التي ينالها الإنسان أنه يكون من أهل الفردوس الأعلى من الجنة، ويكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأيضاً أنه ينال الشرف والعلو في الدنيا والآخرة. ووقفنا عند مرتبة جليلة ينالها الإنسان وفضيلة عظيمة يحصلها إذا خالف هواه، أنه يكون من أهل العزائم القوية، يكون قوياً في دينه قوياً في إيمانه، أنه يستطيع أن يكبح جماح هذه النفس؛ يخالف هواه، ينظر في هذا الأمر حتى ولو كان محبباً إلى نفسه إذا كان مما يخالف شرع الله ويكون معصية لله فإنه يخالفه، فهذا هو قوي الإيمان، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

وليست القوة والضعف هنا القوة والضعف في البدن، بل هي قوة الإيمان، تجد الإنسان أحياناً في صحة وعافية وقوة لكنه ضعيف عند هواه وأمام شهواته، وتجد الإنسان الضعيف أحياناً الهزيل في بدنه لكنه قوي في إيمانه. وانظروا في سيرة ابن مسعود رضي الله عنه وهو من عظماء الصحابة، لما رقى في يوم من الأيام النخلة والصحابة ينظرون إليه، فكشفت الريح عن ساقيه، فضحك الصحابة من دقة ساقيه وصغر بدنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مما تضحكون؟» قالوا: من دقة ساقه يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تضحكون من دقة ساقيه؟ فهي والله في الميزان أثقل من جبل أحد». الله أكبر، فهي في الميزان أثقل من جبل أحد.

ليست القضية بقوة البدن ولا عظم البدن، لكن بقوة الإيمان ومخالفة الهوى واتباع الإنسان لأوامر الله ولشرع الله، هنا تأتي قوة الإيمان الظاهرة في الدنيا، فيكون قوي العزيمة في كبح جماح نفسه وعدم مسايرتها للهوى.

أيضاً من الثمرات العظيمة التي يجنيها الإنسان حفظ الصحة؛ الإنسان إذا اتبع هواه في كل شيء فإن هذا مما يوهن البدن ويضعفه. الإنسان الذي يتمادى في شهوات نفسه في الوقوع في المحرمات في الفواحش كالزنا وغيرها عياذاً بالله من ذلك، فإن هذا ينتج عنه ضعف البدن. إنسان لا يبالي في انتهاك حرمات الله عز وجل في شرب الخمور في الوقوع في الفواحش والمحرمات، فإن هذا من البلاء الذي يجنيه الإنسان في الدنيا أنه يكون ضعيف البدن.

ونرى الآن عياناً أيها الأحبة الذين يخالفون هواهم، مثلاً في شرب الدخان وهو أمر من المحرمات، كيف أنه في الأخير قد يبتلى عياذاً بالله من ذلك بمرض السرطان أو غيره. وهذا والله من أعجب العجب، أن الإنسان يتبع هواه في هذا الأمر اليسير مع أن حتى العقل يدله على ذلك؛ عجيب أن الإنسان يقرأ على علبة الدخان مكتوب: تحذير، سبب رئيسي للسرطان، ومع ذلك يتبع هواه ويشربه. هذا والله من أضعف العزيمة ومن الخور الذي يكون في الإنسان، ويجني ثمرة ذلك في مستقبل حياته بأمراض الرئة أو بالسرطان أو بغير ذلك من البلايا التي تحل به. وقس على ذلك الذي يتمادى في شرب الخمر وغيرها من المخدرات، فإنه يجني على نفسه ويجد غب ذلك في قادم حياته.

وفي المقابل الذي ينهى النفس عن هواها ويخالف هوى النفس في اتباعها لهذه الشهوات المحرمة، فإنه يجني أيضاً صحة في بدنه وعافية وقوة بإذن الله ينالها بسبب إيمانه وتقواه. ولهذا ذكر عن بعض السلف أيها الأحبة كلمة جميلة، كان رجلاً كبيراً في السن وكان يدرس طلابه فيعجبون من تمتعه بصحته وعافيته فسألوه عن ذلك، فقال كلمة جميلة، وهذه الكلمات كما ذكرنا سابقاً من علماء السلف الصالح الذين نور الله عز وجل بصائرهم ونور قلوبهم بنور القرآن والإيمان، يقف الإنسان مع هذه الكلمات ويعتبر ويتعظ بها، قال يا أبنائي عندما سألوه عن تمتعه بصحته وعافيته مع كبر سنه: هذه أعضاء حفظناها في الصغر فحفظتنا في الكبر.

هذه أعضاء حفظناها في الصغر؛ يعني مما حرم الله، الإنسان لا يصرف هذه الأعضاء إلى ما حرم الله، ولا يتعامل بما حرم الله، ولا يتكلم بما حرم الله، ولا ينظر إلى ما حرم الله، ولا يسمع ما حرم الله، ولا يأكل ما حرم الله. قال: هذه أعضاء حفظناها في الصغر فحفظتنا في الكبر. وهذه والله فيها عبرة وعظة لنا جميعاً أيها الأحبة، أن الإنسان يحفظ هذه الأعضاء التي هي نعمة من نعم الله عز وجل علينا، ونحن مسؤولون عن هذه النعم؛ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

فحفظ النعم يكون باستعمالها فيما أحل الله، وأيضاً أيها الأحبة هذا من شكر النعمة أن نصرفها في طاعة الله، وأيضاً هو سبب في حفظها وفي زيادة هذه النعم، الله عز وجل يقول: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. شكر النعمة أن نصرف هذه الجوارح التي أعطانا الله عز وجل ومتعنا بها في طاعة الله، وهذا ولا شك أنه توفيق من الله للعبد، فبإذن الله أنها تحفظ له في الكبر.

ولهذا جاء في بعض الآثار أن من حفظ القرآن متعه الله بعقله إلى أن يموت، وإن كان ضعيف البدن ووهن وعجز، لكن يبقى العقل ممتعاً الإنسان به ببركة حفظه للقرآن، لماذا؟ لأنه صرف هذه النعمة، نعمة العقل، في أعظم شيء في هذه الدنيا وهو حفظ كتابه الكريم.

آخر ما نذكره أيها الأحبة مما يجنيه الإنسان في هذه الدنيا من مخالفته لهواه أن الله عز وجل يحفظه بإذن الله من بلايا الدنيا. حركته تمسكه بشرع الله ومخالفته لهوى النفس؛ الله عز وجل يحفظ الإنسان ويحميه من كثير من البلايا والفتن والمحن التي تكون في هذه الدنيا. ويحرص الإنسان أيها الأحبة على كثرة الدعاء بأن يحفظه الله عز وجل من اتباع الهوى والشهوات والمنكرات في هذه الدنيا، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء». فهذا دعاء عظيم يدعو به الإنسان، لعل الله عز وجل أن يحفظه من اتباع الهوى الذي هو من أعظم ما يبتلى به العبد في هذه الدنيا في قلبه؛ أن يكون متبعاً لهواه، سائراً خلف شهواته، خلف ملذاته، فيقع فيما حرم الله عز وجل.

أسأل الله أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ويصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، ويصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.