دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معًا: أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وحياكم الله. أيها الأحبة، في هذه المادة، مادة التربية الإسلامية في أكاديمية زاد، التي أسأل الله عز وجل أن يجعلها مباركة، وأن ينفعنا جميعًا بما فيها من العلم النافع.

هذه المادة أيها الأحبة، كما مر معنا سابقًا في الحلقات الماضية، تتعلق بمفسدات القلوب وبالأعمال التي تمرض القلب، نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الهوى، وأن يجنبنا الفساد في قلوبنا. تكلمنا في الحلقة الماضية عن مرض عظيم من أمراض القلوب وهو اتباع الهوى، وفي هذه الحلقة سنتم ما بدأنا به في الحلقة الماضية.

ذكرنا في اللقاء الماضي قضية اتباع الهوى، وما يحصل للإنسان إذا تمادى في هذا الأمر واتبع هواه وخالف أمر الله وشرع الله عز وجل؛ فإنه يكون في بلاء عظيم لا يعلمه إلا الله، ويورده هذه المهالك، ويصل به إلى قوارع عظيمة لا يعلم مداها إلا الله، وذكرنا ما يتعلق بهذا الأمر من آيات كريمة حذرت من اتباع الهوى.

هناك أيها الأحبة أسباب تجعل العبد يتبع هواه ويميل إليه ويكون منقادًا له، هناك أسباب أعين على ذلك، وإذا عرف الإنسان هذه الأسباب لا شك أن يكون ذلك سببًا في تجنب هذا الأمر ومعالجة هذه النفس، وأيضًا الحرص على البعد عنه، وعلى تربية من تحت يده على البعد عنه من الصغر.

من أعظم الأسباب أيها الأحبة التي تجعل الإنسان متبعًا لهواه أنه يعتاد على ذلك من صغره، أنه يعتاد على بعض الأخطاء والمنكرات والذنوب والمعاصي والمخالفات من صغره، وينشأ الإنسان على هذا فيصبح هذا الأمر شيئًا محببًا إلى نفسه لأنه اعتاد عليه من صغره، «وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه». فالإنسان إذا نشأ على شيء أحبه.

فمع الأسف قد يعتاد الإنسان من صغره على أمر معين كما يحصل الآن عند بعض الأطفال، تجد نفسه تميل إلى أشياء معينة، والوالدان من حبهما لأبنائهما يسايرونهم في هذا الأمر ويقولون: «صغار هذا»، ولا شك خطأ، خطأ بينه النبي ﷺ، وأيضًا أمر يجعل الإنسان يكون فيه حزم في هذا الأمر.

انظروا أيها الأحبة إلى قضية الصلاة؛ النبي ﷺ أخبر، قال: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». الآن الصغير قد تميل نفسه إلى الراحة، إلى النوم، إلى اللعب، لكن لا تترك هذا الذي تميل إليه نفس هذا الصغير، أن يتمادى عنده، تتركه فينشأ على عدم الاهتمام بالصلاة، فيكون متبعًا لهواه.

لما يؤذن المؤذن ويصلي الناس، نفسه لا تميل إلى الصلاة، تعود أنه لا يصلي، تميل نفسه إلى الجلوس على الألعاب الإلكترونية، يلعب بلعبته، أن ينظر إلى البرامج التلفزيونية وأفلام الكرتون وغيرها، هذا الذي هو محبب إلى نفسه ويميل إلى هواه، فيترك على ذلك فينشأ على هذا الأمر ويضعف عنده الاهتمام بالصلاة.

ولهذا لاحظوا أيها الأحبة أنه أمر عظيم، قضية كبت الهوى عند هذا الصغير حتى بالضرب، يقول: «واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»، مع أن ابن العاشرة غير مكلف؛ فالتكليف لا يكون إلا بالبلوغ، والبلوغ لا يكون إلا بثلاثة أشياء: إما الإنبات، أو الإنزال، أو ببلوغ سن الخامسة عشرة، هنا يأتي البلوغ ويأتي سن التكليف.

أما ابن العاشرة فغير مكلف، لكن لنكسر ميل النفس وهواها في مخالفة شرع الله عز وجل عنده من الصغر، فيتعود على عظم هذا الأمر وأهمية هذا الأمر. ولا شك أيها الأحبة أن الأب إذا امتثل لكلام النبي ﷺ بأمر الصلاة من سن السابعة، ثلاث سنوات حتى يصل إلى مرحلة الضرب، إذا اجتهد في هذه الثلاث سنوات لن يحتاج إلى الضرب، ليصبح هذا الأمر جزءًا من حياة هذا الصغير.

علماء النفس الآن يقولون إن الإنسان إذا اعتاد على شيء لمدة ثلاث أسابيع تقريبًا فإنه يصبح عادة عنده، لو عودت نفسك على شيء معين ثلاثة أو أربعة أسابيع يصبح الأمر عاديًا وطبيعيًا عندك، فكيف في خلال ثلاث سنوات؟ هذا أمر عظيم جدًا.

ومن الأشياء العجيبة التي كان الصحابة يعتنون بها ما ذكرته الربيع رضي الله عنها، أنهم كانوا عند صيامهم، سواء في صيام الفرائض أو في تحبيبهم للنوافل كصيام عاشوراء ويوم عرفة، كانوا يلهون الصغار باللعب عن الأكل والشرب، لماذا؟ ليتعود على الطاعة، يتعود على العبادة، ويتعود أيضًا على هذه المعاني العظيمة، هذه المعاني ترسخ في ذهن الصغير وينشأ عليها فيعظم الإيمان في قلبه ويصبح هذا الأمر جزءًا من حياته.

فهذا الأمر أيها الأحبة قضية تعويد الصغار على عدم اتباع الهوى. الآن بعض الأطفال قد يحب الموسيقى، قد يحب النظر إلى الأفلام المحرمة، الأب يتساهل، حتى من بعض الأخيار من بعض الصالحين قد يتساهل في أمر الموسيقى، قد يتساهل في النظر إلى الأفلام المحرمة ويقول: «صغير وهو يريد ذلك»، وهذا ولا شك خطأ ولا ينبغي، والأب مسؤول عن ذلك أمام الله عز وجل: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالأب راع ومسؤول عن رعيته، والأم راعية أيضًا ومسؤولة عن رعيتها.

هذه التنشئة وهذه التربية الإيمانية التي نغرسها في نفوس الصغار لها شأن عظيم في الكبر، عندما يكبر الإنسان فإنه لا يكون متبعًا لهواه دائمًا، فيجب على الإنسان أن ينتبه لهذا الأمر.

أيضًا من الأمور التي تكون سببًا في اتباع الهوى مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم في كل الأحوال، وهذا ولا شك خطأ، ولهذا كان الصحابة والعلماء من القديم يحذروننا من مجالسة أهل الأهواء لأنها تكون سببًا في ضلال الإنسان وفي غوايته. أيضًا من الأسباب ضعف معرفة الله عز وجل وضعف تعظيم الله عز وجل في قلب العبد، فما الذي يجعل الإنسان يتبع هواه ويخالف أمر الله؟ إلا بسبب ضعف الخوف من الله في قلبه.

والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91]. وما قدروا الله حق قدره؛ لأنه لو قدر الله عز وجل حق قدره ما تجرأ على معصيته. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.

روي أن مسروقاً أبان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. إنه الإيثار، أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب العطاء. خلق يبعث على المودة والرحمة، ويدل على الصفاء والنقاء. امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة؛ منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، وجلب البركة ونماء الخير، وتحقيق كمال الإيمان وحسن الإسلام، والوصول إلى محبة الله ورضوانه، وحصول الألفة والمحبة بين الناس، والبعد عن صفات الشح. ترى من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة، ويعتق بها من النار، فهنيئاً لمن تزين بهذا الخلق الكريم وأصبح ممن قال الله فيهم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند سبب عظيم من أسباب اتباع الهوى، وهو ضعف تعظيم الله عز وجل في قلب العبد؛ لأن عظمة الله عز وجل إذا استحضرها الإنسان لم يتجرأ على معصيته. علم أن الله عز وجل مطلع عليه، لا تخفى عليه خافية، لا تأخذه سنة ولا نوم، وأن الله عز وجل سيحاسب هذا العبد ويجازيه على كل صغيرة وكبيرة، وأن الله عز وجل لا يضيع عنده عمل عامل أبداً، ولا يغفل سبحانه عما يعمله الإنسان من ظلم ومن طغيان ومن اتباع للهوى. فإذا استقر هذا الأمر في قلب العبد فإن هذا يحجبه عن معصية الله، ويجعله يخالف هواه الذي يدله ويسوقه إلى معصية الله.

فهنا أمر عظيم أيها الأحبة، ولهذا كلما عظم الله عز وجل في قلب العبد كلما ابتعد عن معصيته. وأعلى مراتب الإيمان هي درجة الإحسان؛ درجة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، تأتي هذه أعظم مرتبة، تأتي المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أنت الآن تستشعر أن الله يراك ومطلع عليك؛ أي أن تعبد الله كأنك تراه، يعني أنت عندما تقدم على شيء كأنك تنظر إلى الله بين عينيك، أمر عظيم يا إخوان ليس بالأمر الهين أن الإنسان كأنه ينظر إلى ربه ومولاه عندما يصلي، عندما يتعبد، عندما يقرأ القرآن، كأنه يناجي ربه. وأيضاً يقع في المعصية، فإنه كأنه ينظر إلى ربه ويخاف منه ويبتعد وينتهي عن هذه المعصية. فإن لم تكن تراه فإنه يراك، يعني تستحضر إذا لم تصل إلى مرتبة أنك كأنك ترى ربك أمامك، فتستحضر أنه مطلع عليك ولا تخفى عليه خافية. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. تعظيم أمر الله، تعظيم شرع الله، تعظيم ما حرم الله هو دلالة التقوى في القلب، فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا التقوى ومن العمل ما يرضى.

أيضاً من أسباب اتباع الهوى حب الدنيا والركون إليها. الإنسان إذا أحب شيئاً ركن إليه حتى ولو كان مخالفاً لأمر الله، هو يحب هذا الأمر، يحب أن ينشغل بدنياه، يحب أن ينغمس في هذه الملهيات في هذه المحرمات. هناك حب في قلبه لما حرم الله عز وجل بسبب اتباع الهوى، وهذه كارثة ومصيبة، وكأن الإنسان مخلد في هذه الدنيا. والله مهما عظمت المغريات والشهوات في هذه الدنيا فهي زائلة، وتبقى الحسرة والندامة على الإنسان، ولهذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: 39]. عندما يتلذذ الإنسان بالمعصية، ثم إذا انتهت بقيت العاقبة والتبعة والحسرة والندامة من هذا الفعل. ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39].

أيضاً من الأسباب التي تؤدي إلى الغفلة الجهل بالعواقب، يعني بعض الناس قد ينسى عقوبة الله عز وجل، قد ينسى ما عند الله عز وجل من الجزاء والحساب لهذا الأمر. مثلاً في قضية الربا أيها الأحبة، الإنسان أحياناً من حبه للمال ينسى ما يترتب على ذلك من عقوبة، فيتبع هواه ويخالف أمر الله وشرع الله بسبب اتباع الهوى، وينسى أن هذا حرب على الله ورسوله، وأنه يحارب الله ورسوله، بل أشد من ذلك جاء في بعض الأحاديث أن درهم ربا أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية، عياذاً بالله من ذلك، وهذا أمر خطير أيها الأحبة، ليس بالأمر الهين، وأدنى الربا كأن ينكح الرجل أمه، عياذاً بالله من ذلك. وهذه الأحاديث والآثار وإن كان قد ضعفها بعض أهل العلم، فإن الإنسان أيضاً يحتاط لدينه، يخاف لا يتبع هواه، ويعلم ما عند الله عز وجل من العقوبة والجزاء للذي يتبع الهوى ويقع في المعصية ويخالف شرع الله وأوامر الله.

فهذا الجهل أيها الأحبة، ليس المقصود في القرآن دائماً الجهل الذي هو ضد العلم أو ضد المعرفة والإدراك، بل يعني أن الإنسان قد يعلم أنه إذا وقع في هذه المعصية أن الله سيحاسبه وسيعاقبه، لكن جهله بما ينفعه وبما ينجيه عند الله عز وجل يجعله يقع في هذه المعصية. ولهذا الله عز وجل ذكر أن من يقع في السوء بجهالة، ليس بجهالة الحكم وإنما بجهالة وغفلة عن أمر الله وعن شرع الله. هذه بعض الأسباب التي تجعل الإنسان يقع في اتباع الهوى ومخالفة أوامر الله وشرع الله عز وجل. ما الذي يجنيه الإنسان؟ ما الذي يعود على الإنسان بسبب اتباعه للهوى؟ هناك ولا شك ضرر كبير وعظيم على الإنسان في دنياه وفي أخراه يناله من اتباعه لهواه ومخالفته لأمر الله.

أعظم ذلك أيها الأحبة وأشد وأكبر هذه الأمور هو خسران الآخرة، وكفى والله بذلك ناهياً وزاجراً عن اتباع الهوى؛ أن الإنسان يخسر آخرته، وإذا خسر الآخرة فبماذا سينتفع؟ هذه الدنيا ستنقضي ولا شك، وسيموت الإنسان عاجلاً أو آجلاً: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]. سنموت ولا شك أيها الأحبة، سنموت يقيناً، لا يشك في هذا عاقل أننا سنموت وستنقضي هذه الدنيا ويبقى الجزاء والحساب يوم القيامة، فإذا خسر الإنسان الآخرة فهو في بلاء عظيم، وفي خسارة عظيمة جداً. فاعظم ما يجنيه الإنسان من اتباع هواه هو خسران الآخرة، وقد نص الله عز وجل على ذلك في آية عظيمة وهي من الآيات التي تتكرر معنا لأنها من قصار المفصل في سورة النازعات، يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 37-39].

فأما من طغى؛ أي تجاوز، الطغيان هو تجاوز الحد في الوقوع في المحرمات والبعد عن شرع الله عز وجل. يعني عند الإنسان طغيان وتجاوز فيما أمره الله عز وجل، يتجاوز الحدود والأوامر التي حدها الله وأمر بها. ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني طغيانه هذا بسبب أنه أحب الدنيا وآثرها على الآخرة. ما هي النتيجة؟ قال: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ هي المستقر، هي المقام في هذا المسكين الذي آثر دنياه على دينه، وآثر الدنيا على الآخرة، وقدم هواه على شرع الله وعلى أوامر الله، وطغى وتجاوز الحد فيما حده الله عز وجل.

في المقابل يقول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]. خاف مقام الله؛ يعني خاف من وقوفه بين يدي الله، من مقامه بين يدي الله عز وجل، الذي هو حقيقة لا مراء فيها، كلنا سنقف بين يدي الله، وسيكلمنا الله عز وجل كفاحاً ليس بيننا وبينه ترجمان، هذا لا نشك فيه، بل نؤمن به ونصدق به أننا سنقف بين يدي ربنا عز في علاه. ولهذا كلما عظم الخوف من الله في قلب العبد كلما أفلح وفاز في الآخرة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] كما يقول الله عز وجل. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾؛ يعني الخوف يكون سبباً في أن الإنسان يجتنب هواه وينهاها عما تحبه في الدنيا من الملذات والمغريات والشهوات التي قد تميل إليها النفس بطبعها، لأن النفس أمارة بالسوء. والنتيجة: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾، يعني المقام والمستقر لمن فعل هذا ونهى نفسه عن الهوى وجانب هواه، فإنه يكون من أهل الجنة. أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.

ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهم؛ أما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل، النعمان بن بشير يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور. ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم.

ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. إن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم، ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بالعلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تحدثنا قبل الفاصل أيها الأحبة عن ما يجنيه الإنسان من اتباعه لهواه، عن البلاء والشقاء والعناء الذي يحل بهذا المسكين الذي خالف شرع الله واتبع هواه. ذكرنا أن من أعظم ذلك البلاء هو خسران الآخرة، خسران الآخرة أن يكون الإنسان من أهل النار إذا اتبع هواه وفرط في دينه. أيضاً من الأضرار العظيمة التي تحل بالمرء إذا اتبع هواه أنه يقوده إلى الضلال، حتى ولو كان يعرف الحق، فإن اتباع الهوى يصرفه عن هذا الحق عياذاً بالله وهو يعلمه.

وانظروا أيها الأحبة إلى ما قصه الله عز وجل علينا في قصة ذلك الرجل من بني إسرائيل الذي هو بلعم بن باعوراء، في قول الله عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: 175]. الله عز وجل لاحظوا أيها الأحبة يقول عن هذا الرجل إنه آتاه آياته، يعني علمه الله عز وجل من علم الآخرة، من علم الكتاب: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 175-176]. ولكنه أخلد إلى الأرض، يعني أحب الدنيا وانشغل بها، اتبع هواه في شهواته وشبهاته، وما يحبه ويميل إليه حتى ولو كان فيما حرم الله عز وجل، فكان من الغاوين.

ثم ضرب الله عز وجل له مثلاً قبيحاً منفراً من فعله، قال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]. يعني الله عز وجل يقول يا محمد اقصص عليهم هذه القصص لعلهم يتفكرون في أن من يتبع هواه فهو في أقبح الصفات وأشنعها، فمثاله مثال الكلب أكرمكم الله، والله عز وجل ضرب لنا أمثلة بأقبح وأخس الحيوانات تنفيراً من أفعال هؤلاء. فهذا الذي ضرب الله عز وجل له الصفة بالكلب، واليهود شبههم الله عز وجل بالحمير أكرمكم الله.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]، فشبههم الله عز وجل بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب وهو لا يستفيد منها، فهذا فيه تنفير من هذا الأمر. وهذا لا يكون إلا باتباع الهوى، سواء اليهود الذين ما صرفهم عن اتباع أمر الله عز وجل ودين الله الذي جاء به موسى إلا اتباع الهوى وهم يعلمون، وعندهم علم من الكتاب لكنهم اتبعوا أهواءهم.

وكذلك هذا الرجل الذي وصف الله عز وجل حاله وشبهه بالكلب -أكرمكم الله- في اتباع الهوى وخلوده إلى الأرض. أيضاً من البلاء الذي يحل بالإنسان إذا اتبع هواه أن قلبه يفسد، ويصبح هذا القلب مظلماً، لا يدله على خير، ولا يأمره بمعروف، ولا ينهاه عن منكر، وإنما يصبح هذا القلب فاسداً باتباع الهوى. ولهذا قال بعض السلف: إذا غلب الهوى على القلب استحسن الرجل ما كان يستقبحه عياذاً بالله. قد يكون في بعض الأمور ما يستقبحه، لكن باتباعه للهوى واستمرائه لهذا الأمر ومتابعته عليه، يصبح هذا المنكر عنده معروفاً عياذاً بالله.

هذا والله بلاء عظيم، انتكاس الفطرة عند الإنسان؛ ما كان يعده من المحرمات أصبح من المباحات، وقد ينتقل إلى الواجبات عنده، فيقع فيه ويقع فيما حرم الله عز وجل بسبب انتكاس الفطرة. وهذا أيضاً يؤدي إلى إغلاق منافذ الخير والنور والهداية في قلب العبد، يصبح هذا العبد غير موفق، تغلق عليه منافذ التوفيق ومنافذ النور ومنافذ الهداية. هذا القلب إذا لم يستنر بنور الإيمان ونور القرآن، فإنه يصبح في غواية وفي ضلالة وفي بعد عن الله عز وجل، يغلف هذا القلب ويصبح عليه من الختم والطبع ما يجعله لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.

لاحظوا ما ذكره الله عز وجل في آية عظيمة تجعل الإنسان يقف معها ويعيدها ويكررها ويتدبرها ليحيا هذا القلب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]؛ ليس جاهلاً، وهذه كارثة ومصيبة، وأعظم من يعتني بهذا الأمر أهل العلم وأهل الإيمان وأهل الدعوة، هذه الآية يجب أن يقفوا معها وقفة جادة، يكررونها ويتدبرون معانيها ويطبقونها على واقعهم. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23]، من يهديه إذا حصل له هذا الأمر؟ اتخذ إلهه هواه، الذي يأمره وينهاه هو الهوى، الذي يسيره هو الهوى.

أضله الله على علم، أي ليس جاهلاً، عنده علم، وهذا مع الأسف نراه الآن عياناً في بعض من ينتسب إلى العلم، اتبع الهوى وساير أهواء الناس، ويريد أن يأتي بما يرفع ذكره ليحتفى به في الإعلام وفي القنوات، وهذا لا يكون إلا إذا جاء بما يخالف شرع الله ويوافق هوى أهل الضلال، فهم يحتفون به ويرفعونه لمخالفته ولما يأتيه به من طوام. كل فترة نسمع من المنتسبين لأهل العلم من يأتي بطوام تخالف شرع الله عز وجل ويأتي بشبه تخالف شرع الله ليحتفى به، ويريد الثناء من الناس، وهذا والله على باب عظيم من أبواب الغواية والضلالة عياذاً بالله. ولعله تنطبق عليه هذه الآية، وهي عظة وعبرة وموعظة عظيمة جداً لكل من ينتسب للعلم.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث مهلكات»، وذكر منها: «هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه». هذا مما يهلك الإنسان ويصرفه عن طاعة الله وعن عبادة الله، وأيضاً يكون سبباً في ذله في الدنيا قبل الآخرة. لا شك أن هؤلاء سيجدون هذا الذل في الدنيا قبل الآخرة. ما أجمل قول ابن المبارك رحمه الله: ومن البلاء للبلاء علامة ... أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع تارة ويجوع

الإنسان الحر قد يجوع وقد يشبع، لكنه متبع لأمر الله مخالف لهواه، فالعبد عبد النفس في شهواتها. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا طائعين متبعين لأوامر الله، وأن يجعلنا خاضعين لما يأمر الله عز وجل به في كل الأحوال، وأن يجعلنا ممن يخالف هواه في معصية ربه ومولاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.