دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مادة التربية الإسلامية، وفي مقرر أعمال القلوب الذي نتكلم فيه في هذا الفصل عن مفسدات القلوب وعن أمراض القلوب التي تعتري قلب المسلم. فنسأل الله عز وجل أن يحمينا من هذه الأمراض، وأن يعافينا منها، وأن يسلم قلوبنا من كل شهوة وشبهة.

من الأمراض الخطيرة التي تعتري القلب أيها الأحبة، بل قد تكون من أخطرها، قضية اتباع الهوى. الهوى هو ميل الإنسان إلى شيء معين، ميل القلب إلى أمر معين يهواه، يحبه، يريده، يطلبه؛ فهذا هو الهوى. إذا أحب الإنسان شيئاً واشتهاه، فإن القلب يميل إليه ويهواه، والهوى قد يكون في الخير وقد يكون في الشر، لكنه غلب على الشر. ولهذا يقول الشعبي رحمه الله: ما سمي الهوى هوى إلا لأنه يهوي بصاحبه في النار. وهو بهذا يقصد الهوى الضار الذي هو في الشر، الذي غلب على هذا المصطلح إذا أطلق، وإلا قد يكون في الخير.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». يعني إذا كان هوى الإنسان تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الخير، وهذا هو الهوى النافع الذي يرفع الإنسان وينفعه، أيضاً أن يكون الإنسان هواه في حب الطاعة، في حب العبادة، في حب الصلاح، في حب الخير، في حب النفقة، الصدقة، قيام الليل، قراءة القرآن، الذكر. هذا ما يهواه الإنسان، لا شك أن هذا خير ونور وبركة وسعادة وحياة في هذه الدنيا. لكن الذي غلب على هذا المصطلح أنه يكون في الشر؛ إذا قيل الهوى فإنه ينصرف إلى ما يريده الإنسان ويهواه الإنسان في غير طاعة الله.

وذكر بعض العلماء أن الهوى هو ميل القلب إلى مخالفة الشرع. يعني هو يريد شيئاً لكنه محرم، فالذي يقوده إلى هذا الأمر هو الهوى؛ فعندما يحب الإنسان المنكرات، يحب الفواحش، يحب الظلم، البغي، الاعتداء، أكل الحرام، فإن الذي دعاه إلى ذلك هو الهوى، هو يعلم أنه حرام، لكن هواه وميله إلى هذا الأمر وحبه للفاحشة هو الذي دعاه وساقه إلى هذا الأمر. ولهذا كان مجاهدة الهوى وكبت هذه الأهواء التي تكون في الإنسان داعية للشر هذا من أعظم الجهاد. ولهذا جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أفضل الجهاد جهاد الهوى.

ولا شك أن أعداء الإنسان كثر، ذكر العلماء أن من أعظم أعداء الإنسان النفس والهوى والشيطان؛ النفس الأمارة بالسوء، والهوى الذي يجعله يقع فيما حرم الله، والشيطان. هذه الأعداء الثلاثة إذا جاهدها الإنسان فإنه على خير عظيم، وإذا عرف هذا الأمر وجاهد نفسه وهواه والشيطان فإنه يفلح بإذن الله ويوفق ويسدد. والدنيا جهاد، وليست القضية في جهاد العدو فقط، بل جهاد النفس والهوى والشيطان أعظم من جهاد العدو. الله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

أعظم جهاد أيها الأحبة أن يجاهد الإنسان هذه النفس الأمارة بالسوء وهذا الهوى الذي يدعوه إلى ما حرم الله، الذي يجعله يحب الفواحش. وهذا والله بلاء عظيم، إذا حل بالمرء أنه يفعل المنكر ويحبه أيضاً ويسعى إليه وينشرح صدره لهذا الأمر، هذه كارثة ومصيبة إذا حلت بالإنسان فقد طبع على قلبه، نسأل الله السلامة والعافية. فالهوى أيها الأحبة خطير جداً، ولهذا جاء في كتابنا الكريم وفي أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم ما يحذر من هذا الأمر، وهو اتباع الهوى لأنه أمر خطير جداً.

أن يجعل الإنسان نفسه تميل إلى ما حرم الله وأيضاً يهواه ويحبه ويسعى إليه ويفرح به، كارثة وطامة ومصيبة أن يفرح الإنسان بمعصية الله، أن يفرح الإنسان بما حرم الله، أن ينشرح صدره للفواحش والمنكرات، كارثة تحل بالمرء وهو من الران الذي يكون على قلب الإنسان حتى يصبح هذا المرء لا ينكر منكراً ولا يعرف معروفاً، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم الذي مر معنا في الحلقات الأولى أن الفتن تعرض على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها، يعني أشرب هذه الفتن والمنكرات، تملكت القلب بحبها كما قال الله عز وجل عن اليهود: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 93].

أي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وهذه النكتة السوداء بعد النكتة الأخرى حتى يصبح على القلب ران، كما قال أهل التفسير هو الذنب بعد الذنب حتى يمرض القلب فيموت عياذاً بالله من ذلك. وهذه كارثة أيها الأحبة تحل بقلب الإنسان أن تكون هذه الفواحش والمنكرات، أن تكون معصية الله محببة إلى قلبه، وينشرح صدره بهذا الأمر، بل بعض الناس يتجاوز هذا الأمر ويفتخر بالمنكرات والفواحش التي يفعلها، وهنا وصل إلى طامة عظمى وكبرى ومصيبة وبلاء لا يعلمه إلا الله.

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون». كيف يصل الإنسان إلى مرحلة المجاهرة بالمعصية؟ لأنه يشعر بفخر بهذه المعصية، لأن هواه إليها، قلبه يميل إلى هذا الأمر، فهو بالتالي يفاخر بها فيصل إلى أنه لا يكون من أهل العافية الذين قد يبصرهم الله عز وجل بحقيقة أمورهم وبما ينفعهم ويسلمهم من هذه المعاصي، بل يطبع على قلبه ويختم على قلبه عياذاً بالله من ذلك. والله عز وجل نهى في كتابه الكريم في آيات كثيرة عن هذا الأمر: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135].

إمام عادل وخليفة زاهد، من أشهر الخلفاء الأمويين، وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين. قال عنه أنس بن مالك رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، فمن هو؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة، ونشأ فيها عند أخواله فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة رضي الله عنهم، وحفظ القرآن وهو صغير.

في سنة سبع وثمانين للهجرة ولاه الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة، ليصير والياً على الحجاز كلها. وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة إليه، وقد عين عشرة منهم كان لا يقطع أمراً دونهم أو من حضر منهم. لما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قربه وجعله وزيراً له، وفي سنة تسع وتسعين للهجرة كتب سليمان بن عبد الملك قبل وفاته كتاباً يستخلف فيه عمر من بعده.

صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة وقال: أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم. فأجابه الناس قائلين: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فول أمرنا باليمن والبركة. اجتهد رحمه الله في فترة ولايته وكانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، عزل الولاة الظالمين، ورد المظالم، وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشره للعلم وعمله بالشورى وأمره بتدوين الحديث النبوي. في الخامس والعشرين من رجب عام مائة وواحد للهجرة توفي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند الحديث عن الآيات التي جاءت تنهى عن اتباع الهوى، وهي متكررة في سياقات متعددة، يعني في سياقات أحياناً الخلاف والخصام بين الناس، وأحياناً تكون في العموم، يعني النهي عن الهوى عموماً، وأحياناً تكون في عدم اتباع أهل الضلال والغواية، والنهي عن اتباع الهوى في مسايرة الكفار في ما يفعلونه خلاف دين الله عز في علاه، فهذه في سياقات متعددة جاءت في كتاب الله عز وجل.

من أهمها ما خاطب به الله عز وجل نبيه داود عليه السلام، وهذا أمر عام؛ الله عز وجل يقول لداود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]. الله عز وجل جمع لداود بين الملك والنبوة، وكان خليفة وملكاً، فالله عز وجل يقول لداود عليه السلام: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾، لأن الهوى هو الذي يصرف الإنسان عن الحكم العدل، الحكم بما شرع الله، وعن الإنصاف والعدل بين الناس.

الله عز وجل يخاطب داود عليه السلام، وهذا الخطاب أيها الأحبة لكل المخلوقات، لكل البشر، لكل من آمن بكتاب الله عز وجل، وهو خطاب عام: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني اتباع الهوى يؤدي إلى الغواية، إلى الضلال، إلى البعد عن أمر الله عز وجل، وعن الاستقامة على شرع الله. فهذا أمر عظيم، وأول من يدخل به أيها الأحبة إذا تبصر به الإنسان هم الذين يحكمون بين الناس، سواء الحكم العام كالخليفة والملك والرئيس ومن تحته ممن مكن الله عز وجل لهم في الأرض في الحكم بين الناس كالقضاة وغيرهم، فهؤلاء هذا الخطاب يأتي لهم مباشرة، وغيرهم تبع لهم.

أيضاً الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ﴾، خطاب عام لاهل الإيمان أن يكونوا من أهل العدل والإنصاف في كل أمورهم، حتى ولو كان هذا الأمر مع أقرب الناس إليك، وهذا والله قمة الإنصاف والعدل عند الإنسان، ألا يحابي قريباً ولا ابناً ولا والداً ولا ذا رحم في قول الحق وفي الإنصاف والعدل بين الناس. الله عز وجل يقول في هذه الآية العظيمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].

كيف يصل الإنسان إلى هذا الأمر إلا إذا تخلى عن هواه؟ أن يتجرد لله، يشهد على نفسه، والله هذا ليس بالأمر السهل، وليس بالأمر الهين، وهذا لا يستطيعه إلا الكمل من الرجال، إلا من نور الله عز وجل بصائرهم، يعني أعطاهم القدرة على كبت الهوى وحضور النفس بشكل عظيم جداً، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، أن يكون الإنسان يقول الحق ولو على نفسه. ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.

كل هؤلاء، النفس، وحتى الإنسان لو كان الحق على والديه يشهد بذلك، وهذا ليس من العقوق، وإنما من الشهادة بالحق ومن القيام بحق الله عز وجل الذي هو أعظم من حق الوالدين. يعني صحيح أنه في الدنيا لا يوجد أعظم من الوالدين، لكن حق الله مقدم على حق الوالدين، إذا تعارض حق الله مع حق الوالدين فلا شك أن حق الله عز وجل يقدم على حق الوالدين مع عظم مكانتهما، لكن هذا يدل أيها الأحبة على عظم الإنصاف الذي يكون عند الإنسان، وعظم التجرد من الهوى والخلاص منه أن يشهد حتى على والديه.

﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ [النساء: 135]؛ يعني لا تأخذك العاطفة والهوى، يعني مثلاً لو كانت هناك خصومة بين رجل غني وفقير، والغني يطالب الفقير بالمال، والغني هو الذي معه الحق، فالإنسان قد يتبع هواه، تميل نفسه هذا مسكين وهذا عنده الملايين، وهذا مسكين ليس عنده شيء من متاع الدنيا، فلو أخذ هذا المال فلا بأس بذلك؛ في هواه وفي ظنه القاصر وفي تصوره الخاطئ. الله عز وجل ينبه العباد على هذا الأمر يقول: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، أن تحكم بالعدل، أما قضية فقير وغني فالله يتكفل بالناس، الله يتولى هذا الفقير.

ويغنيه من فضله، لكن لا تعطه شيئًا ليس له؛ هذا من الظلم وعدم العدل وعدم الإنصاف واتباع الهوى أيضًا، إن كن غنيًا أو فقيرًا، وهذه آية عظيمة أيها الأحبة: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ [النساء: 95].

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135]. يعني لا تسيروا مع أهوائكم في أن تتركوا العدل، سواء كان على أنفسكم أو والديكم أو الأقربين، وإن يكن هذا غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بالجميع.

أعز عليك أنت أن تتمسك بالعدل والإنصاف وأن تخالف هواك، وتجانب هذا الأمر الذي يخالف شرع الله عز في علاه. وهذا الأمر أيها الأحبة أمر عظيم: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۖ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135]. يعني إذا تركتم هذا الأمر وأعرضتم عنه فإن الله خبير بأعمالكم.

وكلمة خبير، أيها الأحبة، وبصير في ختام الآيات؛ من الأمور التي يحسن بالمسلم أن يتدبرها، وهذا من تدبر القرآن، وهذا من العيش مع القرآن وفهم القرآن. أحيانًا تختم بعض الآيات بأن الله كان بما تعملون بصيرًا، وبعضها تختم بأن الله كان بما تعملون خبيرًا.

ذكر بعض أهل التفسير لفتة جميلة، أنه إذا كانت الأعمال ظاهرة فإنها تختم بصفة الله عز وجل البصير، كقوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. وإذا كانت الأعمال قلبية وخفية فإنها تختم بهذه الخاتمة: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. فالله عز وجل خبير ببواطن الأمور، وهذا تحذير للعبد، وفي هذه الصفة تخويف للإنسان؛ أن الله عز وجل يعلم ما تخفيه ويعلم ما تكنه في صدرك، يعلم السر وأخفى، ويعلم اتباعك للهوى.

ليست القضية قضية أنك تريد الخير لهذا المسكين، أو تريد أن تقف مع والديك، أو تريد أن تنتصر لنفسك، فالله عز وجل يعلم ما تخفي، يعلم السر وأخفى، فهو خبير بهذا الأمر وسيحاسبك عليه في اتباعك لهواك. واتباع الهوى كما قلنا أيها الأحبة من أعظم أمراض القلوب التي تصرف الإنسان عن طاعة الله، تصرفه عن العدل، تصرفه عن الإنصاف، وتجعله يقع في الظلم والطغيان والتجاوز بحدود الله عز وجل.

فاتباع الهوى أمر عظيم، من أمراض القلوب الخطيرة التي قد يقع فيها بعض الناس؛ أحيانًا يبرر الإنسان لنفسه أنه يريد الخير، أنه يريد مثلاً نفع الآخرين أو يريد أن يعفي نفسه من موقف معين، لكن الله عز وجل مطلع على السرائر، ويعلم ما يخفيه الإنسان، ولا تخفى عليه عز وجل خافية. ولهذا الإنسان أيها الأحبة يوم القيامة، كما قال الله عز وجل عن الكافرين في سورة الكهف التي تتكرر معنا: ﴿مَّا لِهَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]. وسيقرأها العبد يوم القيامة.

نواصل بعد الفاصل إن شاء الله.

علمك الأزهار في البستان؛ إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا ﷺ من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرًا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا، فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غمًا وحزنًا.

لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى عنه بالإثم والعدوان. ومن صور التناجي المحرم الرمي؛ أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله وفي معناه أي معنى التناجي: ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه؛ لأن العلة موجودة.

فإذا كان الحديث دائرًا بين اثنين في البداية ثم أتى ثالث وأراد أن يدخل بينهما، فإن ذلك لا يجوز إلا بإذنهما؛ لقول النبي ﷺ: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحًا بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، الثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم. فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك، فاستعذ بالله وتوكل عليه، فإنه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسُوا بِمُضِلِّينَ * لَا يَضُرُّهُمْ سَيْئَاتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: 2-4].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند الحديث عن الآيات التي جاءت في النهي عن اتباع الهوى، حتى ولو كان هذا الأمر مما تهواه النفس أو تميل إليه، لكن طالما أنه خالف أمر الله وخالف شرع الله، فلا بد للمسلم أن يكون وقافًا عند حدود الله، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم؛ ما لك خيار؟ حتى ولو كان هذا الأمر مما تحبه وتميل إليه نفسك ويريده هواك فإنك تبتعد عنه.

ولهذا لما نزلت آية تحريم الخمر، وهي آخر آية لأن الخمر حُرّم على مراحل، في آخر آية في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]. وذكر الله عز وجل في الآية التي بعدها: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]. فماذا قال الصحابة؟ قالوا: انتهينا، انتهينا؛ امتثلوا لأمر الله عز وجل، مع أن بعضهم قد يكون هذا الخمر محببًا إلى نفسه، تعود عليه طوال حياته، وهو يشرب هذا الخمر في جاهليته، وفي صدر الإسلام أيضًا كان حلالًا، ويشرب، ما حُرّم الخمر إلا في المدينة، طوال الفترة المكية لم يُحرم الخمر، فهذا قد يكون مما تهواه النفس.

لكن انظروا إلى حال الصحابة الذين هم أعظم البشر بعد الأنبياء والرسل، ماذا قالوا؟ لما قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ قالوا: انتهينا، انتهينا؛ امتثالًا لأمر الله عز وجل. ولهذا أيها الأحبة، المؤمن الموفق المسدد الذي يريد الخير لنفسه ويريد الفوز والفلاح والنجاة في دنياه وأخراه، فإنه يكون كما قال العلماء: يكون أمام النصوص الشرعية وأمام الأحكام الشرعية كالريشة في مهب الريح؛ جاء الأمر هذا حلال، أقول سمعنا وأطعنا، هذا حرام، سمعنا وأطعنا. أن يكون الإنسان عنده الامتثال، عنده التطبيق، وهذا أعظم درجات الإيمان؛ أن يكون الإنسان بهذه الصفة، أن يمتثل، أن يطبق، أن يعمل، أن يخضع، وأن يذل لأحكام الله ولشرع الله، ولا يعترض على أحكام الله وعلى شرع الله، حتى ولو قصر أحيانًا في عملي في فعلي المأمور أو الوقوع في المحظور.

فإنه يستغفر، لكن في قلبه تعظيم لهذا الأمر، تعظيم لشرع الله ولا ينكره؛ يعلم أن هذا حرام حتى ولو وقع فيه، لكنه يعلم أنه حرام ولا يجادل ولا يعاند ولا يكابر ولا يتبع هواه.

هذه قضية مهمة جدا أيها الأحبة؛ أن يكون الإنسان مطيعاً مخبتاً إلى الله عز وجل في كل أحواله وفي كل أموره. اتباع الهوى هو الذي يؤدي بالإنسان إلى هذه الطامة التي تجعله يحب ما حرم الله ويبغض ما أحل الله، في بعض الأحيان يحب ما حرم الله؛ يحب الفاحشة، يحب المنكر، الذين يقعون في الفواحش كالزنا وغيرها، أو يقعون في المنكرات كشرب الخمر وغيرها، والذين يتجرأون على محارم الله عز وجل كأكل الربا وغيرهم من الأعمال من الأموال الربوية والتجارة التي تكون محرمة. هنا يكون هناك ميل للنفس وتهوى النفس هذا الأمر فيفعله وهو منشرح الصدر به، فتأتي هذه الطامة لهذا العبد.

الله عز وجل حذر من ذلك، وأهل الأهواء هم أهل الضلال والزيغ؛ ولهذا الله عز وجل دائماً يربط هذا الأمر بالكفار، يربط بهذا الأمر بأهل الضلالة، بأهل الغواية، بأهل الإنكار والجحود لدين الله عز وجل. فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنبياء: 24]. لا تتبع أهواءهم؛ فهؤلاء سيجرفون الإنسان معهم ويسحبونه إلى طريق الغواية، طريق الضلالة، طريق الفساد الذي هو خلاف شرع الله عز وجل، ويكون الإنسان متبعاً فيه لهواه ولما تحبه نفسه الأمارة بالسوء.

أيضاً إن الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ليخاطب أهل الغواية والضلال بهذا الأمر: ﴿قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ [الجاثية: 18]. يا أهل الضلالة، يا أهل الغواية، يا من تحبون ما حرم الله وتبغضون ما أحل الله؛ قل يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۖ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الجاثية: 18]. وحاشاه صلوات ربي وسلامه عليه أن يكون من أهل الضلالة أو يكون من أهل الغواية أو يكون من أهل اتباع الهوى، لكن هي عبرة وعظة لنا نحن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم عندما نسمع هذه الآيات التي جاءت تخاطب نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والذي هو مسدد ومؤيد بالوحي وهو معصوم صلوات ربي وسلامه عليه عن هذا الأمر.

لكن لنعلم شناعة هذا الأمر؛ إن الله عز وجل لا يقبله حتى من الأنبياء، إذا وقعوا فيه اتباع الهوى فإن الله عز وجل لا يقبله من أحد حتى من خلص خلقه وهم الأنبياء والرسل. أيضاً الله عز وجل يقول مخاطباً للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]. وهم ضالون في أنفسهم وهم مضلون لغيرهم، وهم ضلوا أيضاً عن سواء السبيل؛ فكيف يتبع الإنسان هواهم؟

وهذا مع الأسف أيها الأحبة قد يقع من بعض المسلمين الآن؛ عندما يرى الغرب وما فيه من تقدم ومن حضارة ومن تطور في بهرج الدنيا، فيميل قلبه ويهوى ما هم عليه. وهذا والله من البلاء الذي يحل بالمسلم، ومن تسلط الشيطان عليه أن يجعله يبهر بهذه الحضارة المادية التي ابتعدت عن دين الله عز وجل، ولو نظر الإنسان في داخلها وفي حقيقتها والخواء الروحي الذي عندهم، وانتشار المخدرات والفواحش وأبناء الزنا، وأيضاً الحلال الذي عندهم بعيد عن دين الله عز وجل، عندهم أشياء عجيبة جداً، بل حتى الفطرة انتكست عندهم؛ فهم ينادون الآن بحقوق الشواذ وغيرهم. هذه هي الحضارة المادية التي قد يعجب بها بعض المسلمين مع الأسف، وهذا والله من البعد عن دين الله.

فماذا تنفع الحضارة؟ ماذا ينفع هؤلاء إذا عمروا دنياهم وخربوا آخرتهم؟ فجميع هؤلاء إن ماتوا على حالهم فهم من حطب جهنم. ماذا ينفعهم أيها الأحبة إذا وصلوا إلى قمة الحضارة والتطور في الدنيا لكنهم عن الآخرة هم غافلون؟ كما قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].

هناك أثر عظيم أيها الأحبة؛ وإن كان ضعفه بعض أهل العلم، لكن معناه كما ذكر شراح هذا الأثر صحيح، وهو الأثر الذي يقول: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ». الكيس يعني العاقل الذكي الفطن؛ مَن حاسب نفسه وعمل للحياة الباقية، ولهذا يقول الإنسان يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24]، سماها الحياة لأنها هي الحياة الحقيقية الباقية. «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ».

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا اتباع الحق وأن يجنبنا الهوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يا راغباً في كل علم نافع ... متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً ... بأي مكان والسيرة العلياء عاطرة الشذى يفوح لأهل كل زمان بشرى ... لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان