يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، ومكارم الأخلاق ندرسها معًا، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد.
في مادة التربية الإسلامية، وفي هذا المقرر في هذا الفصل الرابع والأخير، والذي نتكلم فيه عن أمراض القلوب وعن مفسدات القلوب، مر معنا في الحلقة الماضية أيها الأحبة الحديث عن مرض يعتري كثيرًا من المسلمين، ويكون سببًا في صرفهم عن طاعة الله وعن عبادة الله، وإشغالهم في دنياهم عن دينهم، وأعني بذلك الغفلة؛ الغفلة التي تحدثنا عنها في الحلقة الماضية، وذكرنا أنواع الناس في هذا الأمر.
ولا شك أيها الأحبة أن الغفلة داء عظيم يحل بالمرء، ولهذا الله عز وجل حذر منه حتى نبيه صلوات ربي وسلامه عليه، قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: 28]، وأيضًا قال: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]. فالغفلة بلاء عظيم يحل بالإنسان، فينبغي للمسلم دائمًا أن يراجع نفسه، وأن يحاول أن يكون حاضر الذهن في هذه الأمور، خصوصًا في الأعمال، سواء كانت أعمالًا دينية أو أعمالًا دنيوية، فلا يعمل إلا ما يرضي الله عز وجل، ولا تستحكم عليه الغفلة ويتسلط عليه الشيطان فيوقعه في الحرام، أو يصرفه عن الطاعة والعبادة ليشغله بدنيّاه عن دينه.
علاج الغفلة أيها الأحبة يكون بأمور، وهذا أمر لا بد أن يتفكر فيه المسلم؛ لأن الغفلة قل من يسلم منها، الله عز وجل ذكر حتى أهل التقوى، أهل التقى والإيمان، قد يصيبهم هذا الأمر، مر معنا في الحلقة الماضية قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. فالإنسان لا بد أن يكون عنده هذا الشعور وهذا الإحساس بالمجاهدة في الثبات على دين الله عز وجل، والاستزادة من الطاعات، وفعل ما ينفع الإنسان ويقربه من ربه ومولاه.
أعظم ما يحيي القلب ويبعده عن الغفلة الذكر؛ هذا من أعظم العبادات وأجلها وأرفعها عند ربنا. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند ربكم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم»، فاستعجب الصحابة، قالوا: «بلى يا رسول الله»، ما هو العمل الذي خير من ذلك كله؟ خير من لقاء العدو والجهاد في سبيل الله، وخير من إنفاق الذهب والورق، وأيضًا هو من أفضل الأعمال وأزكاها وأرفعها عند ربنا؟ قالوا: «بلى يا رسول الله»، قال: «ذكر الله».
ذكر الله هو الغنيمة الباردة، الذي لا يكلف مالًا ولا يكلف جهدًا، فقط يحرك الإنسان لسانه، وهذه والله من أعظم النعم التي يمن الله عز وجل بها على بعض المسلمين، أن يكون من الذاكرين الله كثيرًا. الله عز وجل ذكر في القرآن في أكثر من موضع الذكر، وأيضًا وصفه بالكثرة، ليس فقط مجرد ذكر وإنما ذكر كثير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]. لماذا؟ لأنه من أعظم ما يرفع الغفلة عن الإنسان ويبصره بحقيقة وجوده في هذه الدنيا، وأيضًا هو مما يقدمه الإنسان لنفسه من الأعمال الصالحة التي تنفعه وترفعه عند ربه.
ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله عز وجل: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4]، قال رضي الله عنهما: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا غفل وسوس، فإذا غفل العبد وسوس الشيطان واشتغل، وإذا ذكر الله خنس؛ يعني إذا العبد ذكر الله عز وجل خنس الشيطان. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط -أكرمكم الله- يهرب، يفر من ذكر الله.
وهذا يعني من أعظم الأسلحة أيها الأحبة التي تكون مع المؤمن، أعظم سلاح تحارب به الشيطان، تقمع به الشيطان، تدحر به الشيطان، هو ذكر الله، الإكثار من ذكر الله عز وجل، هذا أمر عظيم أيها الأحبة. ولهذا الإنسان الموفق المسدد هو الذي يفتح الله عز وجل عليه في باب الذكر، سواء الذكر المطلق أو المقيد.
الذكر المقيد الذي يكون في أدبار الصلوات، أذكار الصباح والمساء، أذكار النوم، أذكار الدخول والخروج، دخول المسجد والخروج منه، دخول دورات المياه والخروج منها، هذه الأذكار المقيدة، والطعام قبل الطعام وبعد الطعام؛ فهذه الإنسان إذا وفق وحافظ عليها كان من الذاكرين الله كثيرًا. أيضًا الأذكار المطلقة وهي عظيمة جدًا، ولا يعلم ما فيها من الأجر إلا الله عز وجل، ولا يستطيع الإنسان أن يحصي ما فيها من أجور، مثل التهليل والتحميد والتكبير والتسبيح؛ أمور عظيمة جدًا. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، و«لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة». فالإنسان يغرف من هذه البحور من الأعمال الصالحة في هذا الذكر، وهذا توفيق من الله للعبد.
ولاحظوا أيها الأحبة قضية الغفلة في الذكر؛ الآن الإنسان أحيانًا يسير في طريقه ذاهب إلى عمله، راجع من عمله، ذاهب إلى المسجد، راجع من المسجد، ذاهب إلى السوق، جالس في مكان في محل انتظار في المستشفى أو في المطار وساكت؛ هذا الوقت أيها الأحبة إذا سكت الإنسان لا له ولا عليه، لكن ممكن أن يكون هذا الوقت أعظم عبادة يؤديها الإنسان فيه، ويكون تجارة مع الله عز وجل، فقط يحرك هذا اللسان: يستغفر الله، يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم -وهو من أعظم الأذكار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم- يسبح، يستغفر، يقدم لنفسه ويحرك هذا اللسان في طاعة الله عز وجل.
وأيضًا فيه فائدة عظيمة أنه يدحر الشيطان، وألا يكون من أهل الغفلة، فيخنس هذا العدو الذي يريد غوايتنا ويريد إضلالنا بذكر الله عز في علاه. فالذكر عظيم أيها الأحبة، ولهذا يحرص عليه الإنسان كما قلت في الذكر المطلق أو الذكر المقيد، ويشغل نفسه بطاعة الله ولا يكون من أهل الغفلة. وكم من الأوقات الضائعة عندنا أيها الأحبة، أوقات والله لو حسبها الإنسان أوقات عظيمة، كم من وقت يسير فيه الإنسان لوحده ويجلس لوحده وهو ساكت.
لماذا لا يستغل هذا الوقت في طاعة الله؟ وهنا تكون الغفلة التي يريدها الشيطان منا أن يشغلنا عما ينفعنا، ما يجعل الإنسان يحرك لسانه في هذا الذكر العظيم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. التقوى غاية الصوم العظمى، وهي اجتناب ما حرم الله وأداء ما افترض، فالصوم يربي في المسلم هذا المعنى. ففي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فكيف يصوم المسلم عن الطعام والشراب وهو يشهد الزور أو يأخذ الرشوة ويأكل الربا أو يقع في أعراض الناس؟
والصوم يعين المسلم على ضبط نفسه وكظم غيظه والصبر على أذى الناس؛ ففي الحديث: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم». فصوم يربي في المسلم مراقبة الله وابتغاء وجهه بالعمل، فحاذر من أن تتعب نفسك بترك الطعام والشراب دون أن تنال ثمرة الصيام.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند أعظم عبادة تجعل الإنسان بعيدًا عن الغفلة وبعيدًا عن أهل الغفلة، وهي ذكر الله عز في علاه. الذكر أيها الأحبة كما قلنا قبل الفاصل عظيم جدًا، وفيه من الأجور ما لا يعلمه إلا الله؛ أجور عظيمة جدًا لا يتخيلها العبد وهو يؤدي هذا الذكر وهذه العبادة.
ويكفي أن يتخيل الإنسان ما جاء في قوله عز في علاه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]. الإنسان إذا ذكر الله عز وجل ذكره الله في الملأ الأعلى. «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه». إذا ذكرت الله عز وجل في نفسك فالله يذكرك، وكفى بذلك شرفًا وفضلًا.
من يتخيل أن المولى عز في علاه العظيم الجبار المتكبر يذكر فلان ابن فلان؟ الآن مثلاً فلان رجل اسمه خالد أو أحمد أو سعد أو علي، الله عز وجل يذكره باسمه؛ هذه والله أعظم الشرف وأعظم منزلة يحصلها الإنسان أن يذكره الله عز وجل. ولذا جاء في الحديث في قصة أبي بن كعب رضي الله عنه، لما جاءه النبي ﷺ وأبي سيد القراء، لما قال له النبي ﷺ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك».
لاحظوا هذا الشرف وهذا الفضل وهذه المنزلة العظيمة لهذا الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه. لكن انظروا الموقف أيها الأحبة والاستشعار؛ الاستشعار لهذا، قال أبي: «يا رسول الله، أذكرني باسمي؟»، يعني الله عز وجل قال اقرأ على أبي، يعني الله عز وجل ذكر اسمي أنا؟ قال: «نعم»، فبكى أبي رضي الله عنه. بكى أبي فرحًا، بكى من هذا الفخر والاعتزاز والشعور بالعظمة أن يذكرك الله عز وجل باسمك أيها العبد الفقير المسكين.
انظروا إلى فعل ذلك الصحابي رضوان الله عليه، ونحن قد نكون مثله في هذا الأمر لأننا نصدق ونؤمن بقول الله عز وجل: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]. فإذا ذكرنا الله عز وجل فإنه يذكرنا، وإذا ذكرناه في ملأ، في جماعة، في أقوام، فإن الله عز وجل يذكرنا في ملأ خير منه. إذا ذكرت أنت الله عز وجل وذكرت الناس بالله عز وجل، فإن الله عز وجل يذكرك في ملأ خير من الناس، وهم الملائكة، يقول: «فلان ابن فلان ذكرني». وهذه نعمة عظيمة أيها الأحبة، أن تُذكر في الملأ الأعلى، أن تُذكر في الملكوت الأعلى وأمام الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ فضل وشرف عظيم جدًا لا يتخيله العقل، لكن نؤمن به ونصدق به ونرجو الله عز وجل أن نكون من أهله بالامتثال والاتباع والعمل والتطبيق.
أيضًا من عظمة الذكر أيها الأحبة، أن الإنسان في جلوسه مع الذكر، مع أهل الذكر، أن هذا أيضًا يدخل في جانب ذكر الله عز وجل وألا يكون من أهل الغفلة. ليس فقط الإنسان يحرص على الذكر ويحرص على مجالسة الذاكرين؛ الله عز وجل يقول لنبيه صلوات ربي وسلامه عليه، وهو المسدد والمؤيد بالوحي، يقول له في آية عظيمة أيها الأحبة، ونقرأها في كل أسبوع، ولعل هذا من الحكم التي كانت في هذه السورة التي نقرأها في كل أسبوع، وهي سورة الكهف: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
عياذًا بالله، اصبر نفسك يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه؛ هم يذكرون الله، يريدون الأجر من الله، يريدون الثواب من الله، لا رياء ولا سمعة ولا فخرًا عند الناس أبدًا، هم يريدون ما عند الله عز وجل. يجلسون يذكرون الله، يقرؤون القرآن، يسمعون المواعظ والعبر والعظات والآيات، هؤلاء الذين في مجالستهم حياة للقلب.
الله عز وجل أمر نبيه صلوات ربي وسلامه عليه أن يصبر نفسه مع هؤلاء، ونحن أولى بذلك أيها الأحبة لأننا نحن أحوج لهذا الأمر، وتسلط الشيطان علينا عظيم؛ فلا بد أن نحيي قلوبنا بمجالسة أهل الذكر، المصابرة والمرابطة والمثابرة في مجالس الذكر. لأن مما يحيي القلب من أعظم الذكر وأعلاه وأجله وأرفعه قراءة القرآن. قراءة القرآن التي إذا أكثر منها الإنسان ابتعد عن الغفلة، وكان في تجارة مع الله عز وجل عظيمة لا يعلم مداها إلا الله، ولا يعلم ما فيها من الخير والبركة والتوفيق إلا الله. قراءة القرآن عظيمة جدًا، ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، أقوم في ماذا؟ لم يذكر الله عز وجل ليتيه العقل في ما يكون القرآن سببًا في حصوله في هذه الدنيا وفي الآخرة.
أقوم في أمور الدنيا، وأقوم في أمور الدين، وأقوم في الصحة، والعافية، وفي كسب الحسنات العظيمة؛ فأقوم في كل شيء، فهذا أمر عظيم أيها الأحبة إذا تفكر فيه الإنسان وأعمل عقله فيه. والقرآن ما أنزله الله عز وجل إلا ليتدبره: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. أصحاب العقول الذين بصرهم الله عز وجل بما ينفعهم ويرفعهم عند ربهم.
ولا شك أيها الأحبة أن القرآن خير وبركة ونور وحياة وسعادة وأنس بالله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 57]. أي والله، القرآن خير من الدنيا وما فيها؛ القرآن هو النور، هو السعادة، هو الأنس، هو الحلاوة في هذه الدنيا. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
فهنيئًا حقيقة لمن أسعده الله عز وجل فكان من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته. وكلما قرأ الإنسان القرآن فهو في تجارة مع الله، وأيضًا في حرب مع الشيطان؛ الشيطان يبتعد، يخنس الشيطان، يكون ذليلًا صاغرًا حقيرًا إذا رأى العبد يعيش مع القرآن ويتدبر القرآن ويطبق القرآن في حياته، وهذه والله سعادة عظيمة لا يعلم مداها إلا الله عز وجل. ويكفي أيها الأحبة أن الإنسان إذا أكثر من تلاوة القرآن يكون من أهل الله وخاصته.
ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله القدوة، الرموز الشخصية، الأسوة؛ جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وهي ذات أهمية كبرى وتأثير قوي لدى الشباب. ولا شك أن العاقل هو من يلتمس لنفسه قدوة حسنة ذات خلق عظيم ونهج قويم، تمتلك مقومات النجاح وأسباب الفلاح، فيقتدي بها ويقتفي أثرها.
ومهما التمس الشاب المسلم لنفسه قدوة، فلن يجد خيرًا من النبي ﷺ، ثم أصحابه الكرام رضي الله عنهم. ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، كلفه النبي ﷺ بتعلم لغة اليهود فتعلمها، أصبح ماهرًا بها في خمس عشرة ليلة. وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، اجتهد حتى جمع علمًا غزيرًا تقله كل من جاء بعده. ومصعب بن عمير رضي الله عنه، أرسله النبي ﷺ سفيرًا إلى المدينة ففتحها بالقرآن. ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، بعثه النبي ﷺ داعيًا إلى اليمن. وأسامة بن زيد رضي الله عنهما، ولاه النبي ﷺ قيادة جيش المسلمين لغزو الروم ولم يبلغ العشرين من عمره.
وهكذا كانوا على صغر سنهم، يتحملون الأخطار ويحفظون الأسرار ويعبدون الله بالليل والنهار، فكانوا خير قدوة وأروع مثال. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، وقفنا قبل الفاصل عند أعظم سبب في سلامة الإنسان من الغفلة وبعدها عنها، وهي قضية الذكر، وأعظم الذكر هو كلام الله عز وجل وتلاوة القرآن. ومن الأمور العظيمة أيها الأحبة التي تكون سببًا في حماية الإنسان وحفظه من هذا البلاء العظيم والغفلة هو الدعاء؛ الدعاء أن يدعو الله عز وجل أن يسلمه وأن يعافيه من هذا البلاء.
الإنسان يدعو عمومًا أيها الأحبة، والدعاء كله خير، وكله بركة، وكله نور. ويكفي أن يتذكر الإنسان ويتفكر في قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. إذا آمن الإنسان بهذه الآيات وصدق بها، فمن أصدق من الله قولًا ومن أصدق من الله حديثًا؟ الله عز وجل طلب منا الدعاء وتكفل بالإجابة.
ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «والله إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء». لماذا؟ لأن الإجابة تكفل بها ربنا ومولانا، لكن أحمل هم الدعاء: أنا هل أقصر في هذا الأمر؟ والدعاء لا يضيع عند الله، الدعاء لا يضيع عند ربنا. الإنسان يدعو بأي دعاء، إذا كان طبعًا ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم، فإنه يحصل إحدى ثلاث: إما أن يستجيب الله عز وجل له، وهذا الكل يريده، أو أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا، وهذا أيضًا كثير، أحيانًا الإنسان يسلم من حادث، يسلم من أمر يعرض له في دنياه فيقول الحمد لله، وقد لا يستشعر أن هذا ببركة دعاء.
والحالة الثالثة: إذا كان الله عز وجل لم يستجب له في الدنيا، ولم يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا، يدخر له هذا الدعاء حسنات يوم القيامة. إذاً الدعاء تجارة رابحة، لا تضيع عند ربنا ومولانا. الآن لما أقول "اللهم اغفر لي"، سأحصل إحدى الثلاث يقينًا لأننا نؤمن بكلام الصادق المصدوق ﷺ؛ إما أن يغفر الله لي مباشرة، وهذا الإنسان يرجوه في دنياه، أو أن يصرف عني من السوء بقدر ما دعوت، أو أن يدخر لي هذا الدعاء حسنات يوم القيامة لأنه عبادة؛ الدعاء عبادة، بل هو من أعظم العبادات.
فهذا الدعاء أيها الأحبة عظيم، فالإنسان يدعو دائمًا بأن يحيي الله قلبه، وأن ينير بصيرته، وأن يبصره بما ينفعه ويرفعه عند ربه، وهذا لا بد أيها الأحبة أن يستشعره الإنسان في قضية الدعاء. عائشة رضي الله عنها ذكرت أن من أكثر دعاء النبي ﷺ: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
حياة القلوب عظيمة أيها الأحبة، ولهذا يدعو الله الإنسان أن يطهر قلبه من أمراض الشهوات والشبهات، وأن يطهره من الغل والحقد والحسد والبغي والظلم والكبر والعجب والخيلاء؛ هذه الأمراض التي تكبس على قلب الإنسان حتى تصرفه عن طاعة الله عز وجل وتشغله بدنياه عن دينه، فنسأل الله أن يعافينا. والنبي ﷺ كان من ضمن دعائه أن يسلمه الله من الغفلة: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»، ويتعوذ النبي ﷺ من الجبن ومن البخل ومن القسوة والغفلة والذلة؛ هذا جاء في دعاء النبي ﷺ، فيحرص الإنسان على الإكثار منه أن يسلمه الله عز وجل من الغفلة وألا يجعله من الغافلين.
أيضًا من الأمور التي تحمي الإنسان من الغفلة، وهو أمر عظيم جدًا أيها الأحبة، هو قيام الليل؛ قيام الليل وما أعظمه من عبادة.
من أعظم العبادات وأجلها، أخبر النبي ﷺ أن أفضل الصلوات بعد المكتوبة قيام الليل. بعد الفرائض أفضل النوافل قيام الليل، ولا شك أنها عبادة عظيمة جدًا، ولهذا أمر الله عز وجل بها النبي ﷺ في بداية الرسالة؛ لأن قيام الليل سبب عظيم في ثبات الإنسان على دين الله، وعلى مقاومة العدو اللدود وهو الشيطان.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 1-6]. والله عز وجل جعل قيام الليل في بداية الرسالة في بداية البعثة واجبًا على النبي ﷺ، واستمر هذا مدة سنة كاملة كما جاء في نزول سورة المزمل.
فقيام الليل عظيم أيها الأحبة، وأخبر النبي ﷺ أن من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، وهذا أدنى المراتب؛ ألا يكون الإنسان من أهل الغفلة. القيام بعشر آيات يحميك أن تكون من أهل الغفلة، وعشر آيات أيها الأحبة ليس بالأمر العظيم ولا الكبير، ركعة واحدة إذا صلاها الإنسان يقرأ الفاتحة سبع آيات، ومثلًا سورة الإخلاص أربع آيات، هذه إحدى عشرة آية فيصل الإنسان إلى العشرة وأكثر، من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين.
هذا أقل القليل أن لا يكون الإنسان من أهل الغفلة، وما يليق بالمسلم أن يترك قيام الليل نهائيًا، أو يترك الوتر نهائيًا؛ هذا لا شك أنه من تسلط الشيطان على العبد، لأنه لا يريد أن يوفق هذا العبد، وإن يسلم من الغفلة فهو يتسلط عليه ويريد أن يشغله عن هذه العبادة العظيمة.
ثم يقول النبي ﷺ في هذا الحديث العظيم: «ومن قام بمائة آية كتب من القانتين»، أن يكون قانتًا لله في كل ليلة. وأيضا أيها الأحبة، القيام بمئة آية أيضًا ليس بالأمر الكبير أو العظيم كما يتخيل بعض الناس، لو صلى ثلاث ركعات أوتار، سورة الفاتحة إحدى وعشرون آية، ثم بعد ذلك لو قرأ سورة النبأ أو سورة عبس أو سورة المرسلات، من قصار المفصل؛ ثلاثة سور من قصار المفصل فإنه يصل إلى مئة آية، فبعض قصار المفصل النبأ والمرسلات وعبس أربعون واثنتان وأربعون آية، فيستطيع الإنسان أن يصل بكل يسر وسهولة أن يكون قانتًا لله في كل ليلة.
هذا والله أمر عظيم عند الله عز وجل، أن تكون من أهل القنوت من القانتين، صفة عظيمة تكون في الإنسان أن يكون من هذا الصنف من الناس الذين هم قانتون لربهم قائمون عابدون لله عز وجل، ولا شك أن هذا أمر يحتاج من الإنسان مجاهدة ومثابرة. ولهذا يقول النبي ﷺ: «عليكم بقيام الليل، عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم»، فإنه دأب أي عادة الصالحين، ولا شك أن كل إنسان يريد أن يكون من الصالحين.
«فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم»، يعني هو عادة الصالحين، عادة أهل الصلاح والتقوى والإيمان من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ عادتهم قيام الليل لا يتركون قيام الليل. وأيضا هو مكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم، يكفر سيئاتك وينهاك ويحجزك عن الآثام والذنوب.
وأيضا قيام الليل أيها الأحبة يجعل الإنسان نورًا في وجهه وقوة في بدنه. ولهذا لما سئل الحسن البصري رحمه الله عن ما بال قيام الليل في وجوههم النور، قال كلمة جميلة والحسن البصري من التابعين الذين كلامهم عليه نور النبوة: «هؤلاء أقوام فلو بربهم في ظلمة الليل فكساهم من نوره». أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم منهم.
أيضا أيها الأحبة مما يدل على عظم قيام الليل الحوار الذي دار بين أمين السماء وأمين الأرض، بين جبريل عليه السلام وبين نبينا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمد ﷺ، جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له يا محمد، واسمعوا أيها الأحبة حديثًا عظيمًا، والله كل جملة من جمله تحتاج إلى وقفات، لكن المقام لا يتسع لذلك: «يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به».
واعلم أن قيام الليل شرف المؤمن وعزه، استغناؤه عن الناس شاهد في هذا الحوار أو في هذا الحديث: «واعلم أن قيام الليل شرف المؤمن». قيام الليل أيها الأحبة هو الشرف الحقيقي، والله ليس الشرف بالانتساب لبلد ولا لقبيلة ولا لعائلة ولا تجارة ولا لأي أمر من هذه الأمور، ولا شهادات ولا مناصب، الشرف الحقيقي هو قيام الليل، الشرف الحقيقي هو الذي يدخل معك في قبرك من الأعمال الصالحة التي تؤديها لربك ومولاك.
أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل قيام الليل، وأن يحيي قلوبنا، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني