دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً: أدب وتربية على الإحسان. بشرى لنا زدنا كاذبين.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة بأكاديمية زاد وفي مادة التربية الإسلامية. ومقررنا في هذا الفصل كما مر معنا في الحلقات الماضية هو أمراض القلوب ومفسدات القلوب.

تكلمنا في اللقاء الماضي أيها الأحبة عما يتعلق بالقلب من صلاح وفساد، وأهمية هذا الأمر، ووجوب عناية الإنسان بصلاح قلبه، وما يعين على ذلك، والأعمال التي تدفع الإنسان إلى أن يكون صالحاً في نفسه، وأن يكون أيضاً طاهراً في ظاهره وفي باطنه. حلقة اليوم سنتكلم إن شاء الله عن مرض من أمراض القلوب، نسأل الله عز وجل أن يعافينا من أمراض القلوب جميعاً.

وهذا المرض أيها الأحبة هو بلاء يحل بكثير من المسلمين إلا ما رحم ربي، وأعني بذلك الغفلة. الغفلة هي ذهول الإنسان عما ينفعه ويرفعه عند ربه، أن يغفل الإنسان عن الأمور التي تنفعه في دينه وفي دنياه وما يقربه من ربه ومولاه. وهذا بلاء عظيم يحل ببعض المسلمين، أن يغفل عما ينفعه وينشغل بما لا ينفعه. ولهذا كان من الأدعية الجميلة أن يدعو الإنسان بأن يشغله الله بما يعنيه، وألا يشغله بما لا يفيده ولا يعنيه.

هذا أمر أيها الأحبة إذا استشعره الإنسان عرف قيمة هذا الأمر. الله عز وجل ذكر الغفلة في كثير من آياته في كتابه الكريم؛ أحياناً ينص عليها، وذكر الكفار الذين جاءهم وداهمهم الموت وهم على هذه الغفلة والبعد عن الإسلام والبعد عن دين الله عز وجل، وأحياناً تذكر مع أهل الإيمان وأهل الإسلام الذين ينشغلون ويغفلون في كثير من أوقاتهم عن دين عز في علاه. الله عز وجل ذكر هذا الأمر لأهميته وتكرر في كتاب الله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1].

اقترب للناس حسابهم يعني اقتربت القيامة، إما القيامة الصغرى أو القيامة الكبرى. القيامة الصغرى تقوم للإنسان عند موته، فالإنسان إذا مات قامت قيامته، أو القيامة الكبرى وهي آخر الزمان الذي تقوم فيه الساعة. وهذه الغفلة أيها الأحبة هي صفة نقص، ولهذا الله عز وجل نزه نفسه عنها؛ في آيات كثيرة تكرر في القرآن قول الله عز وجل: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. تكررت هاتان الآيتان في كثير من سور القرآن، فهذا تنزيه لله عز وجل عن هذه الصفة التي هي صفة نقص لا تليق بمقام ربنا ومولانا عز في علاه.

أيضاً الله عز وجل ذكر أنه لا يغفل، سواء عن المسلم الذي يفرط في أمور دينه، أو أيضاً الكافر الذي ابتعد عن دين الله وصد عنه. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]. لا تحسبن، لا تظنن أن الله عز وجل يغفل عما يعمله الظالمون، سواء كان هذا الظالم من أهل الإسلام ممن يطغى ويبغي على إخوانه وعلى المسلمين، أو من أهل الكفر والضلال؛ الله عز وجل ليس بغافل عن هذا ولا عن هذا عز في علاه.

أيضاً ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم أن أكثر الناس يعيشون في غفلة إلا ما رحم ربي، وهذا يدل أيها الأحبة على أن الأمر خطير وأنه يجب العناية به، طالما أن الله عز وجل ذكر أن كثيراً من الناس هم في هذه الغفلة؛ سواء كانت هذه الغفلة عند أهل الإسلام في غفلتهم عن الأعمال الصالحة التي تقربهم من ربهم ومولاهم، أو غفلة أهل الضلال والزيغ الذين خرجوا عن دين الله عز في علاه.

وهناك آية عظيمة أيها الأحبة ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم في قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يوسف: 105]. وهذه الآية أيها الأحبة جاءت في سياق قصة غرق فرعون، وهذه فيها عبرة واعظة، جاءت في سياق قصة غرق فرعون في سورة يونس عندما قال الله عز وجل عن فرعون: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ بِالَّذِي آمَنتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: 90-92].

وهذا والله فيه عبرة وعظة لنا جميعاً. هذه جثة فرعون موجودة الآن في مصر ويراها كثير من الناس، ويراها كثير من الطغاة الذين يتجبرون على الناس، ومع ذلك هم غافلون عن هذه الآية العظيمة والعبرة التي خلدها الله عز وجل في كتابه الكريم.

الغفلة أيضاً مما يدل على أنها من الشقاء والبلاء، الله عز وجل نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون من أصحاب هذه الصفة، ولهذا قال الله عز وجل لنبيه صلوات ربي وسلامه عليه -وهو المنزه والطاهر صلوات ربي وسلامه عليه عن هذا الأمر- لكن فيه تنبيه لنا، تنبيه لأمته من بعده أن يحذروا من هذه الصفة. الله عز وجل يقول لنبينا صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]. ولا تكن من الغافلين؛ لأنه لا يليق بأهل الإيمان والتقوى والصلاح أن يكونوا من أهل الغفلة الذين لا يهتمون بما ينفعهم ويرفعهم عند ربهم.

أيضاً ليس فقط أن يحذر الإنسان من الغفلة، بل يحذر أيضاً من مجالسة الغافلين، فهذا يؤدي أيضاً إلى الغفلة كما سيأتي معنا إن شاء الله. الله عز وجل يقول لنبيه صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. أي ضائعاً. لا ينبغي للإنسان أن يطيع أهل الغفلة أو أن يجالس أهل الغفلة، أو أن يستمر في الجلوس معهم ليحصل له هذا الأمر في هذه الطامة والمصيبة التي تنسي الإنسان أوامر الله عز وجل.

يصلح دنيا الإنسان ويصلح دينه أيضاً، الله عز وجل ذم أهل الغفلة في آيات كثيرة، حتى من كان منهم على علم في الدنيا ذمهم الله عز وجل، وسنتكلم عن هذا الأمر بعد الفاصل إن شاء الله.

صيانة للمرأة عن الأذى، وأمان لغيرها من الفتنة، وحفاظ على المجتمع من السقوط في مهاوي الرذائل والشهوات. الحجاب فرضه الله على المرأة المسلمة وأمرها بالالتزام به أمام كل رجل أجنبي عنها ولو كان من غير المحارم.

وحجاب المرأة هو ما ستر جميع البدن، وكان موافقًا للشروط الآتية: أن يكون كثيف النسيج لا يشف ما تحته، أن يكون فضفاضًا لا يصف ما دونه، ألا يكون زينة في نفسه، ألا يكون مبخرًا أو مطيبًا، ألا يشبه ثياب الرجال، ألا يشبه زي الكافرات، ألا يكون ثوب شهرة تمتاز به عن قريناتها. ما دون ذلك كان داخلًا في التبرج الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33].

فالمرأة المسلمة تلتزم أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ كي تفوز برضى الله تعالى وجنته، وتنجو من الوعيد الوارد في قول النبي ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تحدثنا قبل الفاصل أيها الأحبة عن الغفلة، وعن هذا البلاء الذي قد يحل ببعض المسلمين يصرفهم عن طاعة الله عز وجل، وعن تقديم ما ينفعهم عند ربهم ويكون سببًا في نجاتهم.

الله عز وجل ذكر هذا الأمر في آيات عظيمة كما مر معنا قبل الفاصل، وحذر منه، بل خاطب به نبيه صلوات ربي وسلامه عليه. من الأمور التي يجب أن يعتني بها الإنسان في تدبره لكلام الله، ما جاء في قول الله عز وجل؛ حتى لا يغتر الإنسان بهذه الدنيا ولا يعجب بفعل الذين تميزوا وأبدعوا في دنياهم ونسوا آخرتهم.

لا شك أن هذا ضلال مبين، فحذر الله عز وجل منه وقال في آية عظيمة عن هؤلاء: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]. ماذا ينفع الإنسان إذا أصلح دنياه وخرب آخرته؟ إذا عمر دنياه وأفسد آخرته؟ ما الذي ينفعه؟

كم سيعيش في هذه الدنيا؟ الدنيا هي أقل الدور الثلاثة التي يعيش فيها الإنسان؛ دار الدنيا، وهي كما قال النبي ﷺ: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين وأقلهم من يجاوز ذلك»، ثم دار البرزخ وهو القبر، وهو أول منازل الآخرة، وهو أطول من دار الدنيا لكنه أقل من دار الآخرة، ثم تأتي الدار الآخرة الثالثة وهي الباقية التي لا تفنى ولا تبيد، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 108].

وهذه الدار هي الباقية، فإذا عمر الإنسان الدار الفانية وخرب الدار الباقية، فهل هذا عنده عقل؟ لا شك أن هذا جهل عظيم بدين الله عز وجل في علاه. ولهذا الله عز وجل ذكر عن الكفار في آيات كثيرة أنهم لا يعقلون، بل وصفهم أشد من ذلك قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179]. الله عز وجل شبههم بالأنعام، ثم قال "بل" وهو استدراك، بل هم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام ليست مكلفة لم يعطها الله عز وجل العقل، أما الإنسان فأعطاه الله عز وجل العقل وبصره بهذا الأمر، وعلم أن هذه الدنيا فانية وأنه سيموت، وهذا لا يوجد عاقل ينكر أن نهايته هي الموت، كما قال الله عز وجل لنبيه صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8].

ولهذا يحسن بالمسلم أيها الأحبة أن يراجع دائمًا نفسه في هذا الأمر، والله عز وجل كرر علينا هذه الآيات في كتابه الكريم، كما قال الله عز وجل في آية عظيمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 18-19].

الله عز وجل يخاطب أهل الإيمان: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد؛ انظر ماذا تقدم لحياتك الباقية، حياتك الدائمة، الحياة الحقيقية وليست الحياة الفانية. ولا تكونوا يا أهل الإيمان كالذين نسوا الله، نسوا ذكر الله، نسوا طاعة الله، نسوا ما ينفعهم عند الله، فنسيهم الله أنفسهم، فكانت العقوبة أن الله عز وجل أشغلهم وألهاهم عن أنفسهم وعن ما ينفعها ويرفعها عند ربهم، فأنساهم أنفسهم، ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

وهذه قضية خطيرة أيها الأحبة، أن الإنسان ينسى نفسه، ينشغل عن نفسه ويلهو في هذه الدنيا، نسوا الله فنسيهم، وهذه طامة وكارثة أيها الأحبة تحل بالمرء أنه لا يعرف ما ينفعه ولا يدرك ما يكون سببًا في نجاته يوم القيامة وينشغل في هذه الدنيا، ثم بعد ذلك يوم القيامة يتحسر، لكن في وقت لا ينفع الندم، في ذلك الوقت لا ينفع الندم مهما ندم الإنسان وعض أصابع الندم، فإنه لا ينفعه.

انقضى الأمر، فالمنكر أن يقدم الإنسان لنفسه في ذلك اليوم، فإذا مات الإنسان انقطع عمله كما يقول النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث».

الله عز وجل ذكر أيضًا في آية عظيمة أيها الأحبة، ويحسن بالمسلم أن يتفكر فيها وأن يتدبر لأنها تحيي القلب، الله عز وجل يقول: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39]. "وأنذرهم" أي يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، "يوم الحسرة"؛ يوم الحسرة هو يوم القيامة، يتحسر الذي فرط، الذي قصر، الذي لم يقدم لنفسه، الذي انشغل بدنياه عن دينه.

"إذ قضي الأمر" في ذلك اليوم لا يمكن للإنسان أن يقول "رب ارجعون"، "قضي الأمر" جاءهم الموت وخرجت الروح من الجسد وانقطع العمل، "وهم في غفلة" وهو في حالة غفلة وانشغال في هذه الدنيا. ولهذا الإنسان أيها الأحبة في سكرات الموت عندما تخرج هذه الروح، هنا يتذكر الإنسان ويبصر، لكن بصرًا لا ينفعه، لهذا يقول الله عز وجل في سورة قاف: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]، يرى الملائكة، يرى ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، لكنه لا يستطيع أن يقدم لنفسه ولو حسنة واحدة.

وقد انتهى الأمر، وليس هناك عمل، انتهى وخرجت هذه الروح من الجسد؛ ولهذا سمى الله عز وجل هذا الأمر في ذلك اليوم حسرة على الإنسان، ﴿وَأَنْذَرَهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 48]. فلا شك أيها الأحبة أن الإنسان إذا انشغل بالدنيا عن الآخرة فإنه يكون في حسرة يوم القيامة، وهذه هي الغفلة المذمومة التي نهى عنها ربنا عز وجل في علاه.

وهذا لا يعني أن يترك الدنيا، لكن يجب أن يكون هناك توازن بين الدنيا وبين الآخرة، ولا شك أن الآخرة هي المقدمة، الدنيا مزرعة للآخرة يبذل الإنسان ويقدم فيها، وهي حياة محدودة، وهي أصلاً ما خلقنا الله عز وجل في هذه الدنيا إلا لعبادته وطاعته، ولنقدم لأنفسنا من الأعمال الصالحة ما ينفعنا ويرفعنا عند ربنا.

وهنا يأتي العقل والحكمة عند الإنسان في أن يكون متوازناً في حياته؛ أن يأخذ بالأسباب، أن يعيش في الدنيا ويمارس حياته، لكن لا تشغله عن آخرته. وإذا تعارض أمران، أمر الله عز وجل وأمر الدنيا، فإنه يقدم أمر الله.

ولهذا لاحظوا أيها الأحبة في حياة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، كما ذكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئلت عن حاله في بيته -وهذا والله شيء عجيب في سيرة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم- تقول عائشة إنه يكون في مهنة أهله؛ يحلب شاته، ويخصف نعله، ويخيط ثوبه. كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه من التواضع والرحمة الكثير، لكن انظروا ماذا قالت عائشة رضي الله عنها: «فإذا أذن المؤذن فكأنه لا يعرفنا».

هنا انتهى أمر الدنيا وجاء أمر الله عز وجل، وأمر الله مقدم على كل شيء. فإذا أذن المؤذن جاء داعي الله عز وجل، فلا يقدم عليه شيء أبداً. وهذا هو العقل وهو الذكاء، وهذا هو الفطنة والنباهة التي تكون عند المسلم الموفق المسدد الذي يعرف ما ينفعه ويرفعه عند ربه.

الغفلة أيها الأحبة لها أنواع وتكون عند أناس مختلفين، سنتكلم عن هذه الأنواع بعد الفاصل بإذن الله.

بشرى، هل تريد تعلم استنباط الأحكام من الأدلة؟ هل تريد معرفة أدلة الفقه الإجمالية وكيف تستفيد منها؟ تعلم أصول الفقه؛ وأصول أدلة الأحكام هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. والسنة الصحيحة المتواترة منها والأحاد هي حجة في العقيدة والأحكام وجميع الأبواب، وإجماع فقهاء الأمة حجة لأنهم لا يجتمعون على ضلال، والعبرة بأقوال المجتهدين لا المقلدين ولا أهل الأهواء.

والأحكام التكليفية: الواجب هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وعكسه الحرام. والمندوب وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وعكسه المكروه. والمباح ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. والأصل في العبادات ألا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العبادات ألا يحظر منها إلا ما حظر الله.

وإن دل اللفظ على معنى واحد فهو النص، وإن دل على معنيين على السواء فهو المجمل، وإن تفاوت المعنيان فالراجح يسمى الظاهر والمرجوح يسمى المؤول. والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف إلى الاستحباب أو غيره، والنهي يدل على التحريم ما لم يصرفه إلى الكراهة أو غيرها. فإن أردت سلوك طريق العلماء الراسخين فتعلم استنباط الحكم من الدليل، وصدق من قال: «لا تطعمني سمكاً، ولكن علمني كيف أصطاد». العلم كالأزهار في البستان. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند قولنا إن الغفلة تكون على أنواع، وتكون عند أناس دون أناس، هناك أيها الأحبة الغفلة العارضة، الغفلة العارضة التي ليست هي أصل في الإنسان المؤمن، وإنما تأتي في أوقات دون أوقات وهذا قل من يسلم منه. قل من يسلم منه أن يكون الإنسان في بعض الأحيان يغفل عن طاعة الله، ينشغل عن طاعة الله، يصيبه شيء من النسيان.

فهنا ذكر الله عز وجل هؤلاء في كتابه الكريم وأثنى الله عز وجل عليهم، لكن متى؟ عندما يرجع الإنسان مباشرة عندما يتذكر، يكون عنده الواعظ القلبي، يكون عنده منتبهاً وحاضراً، وأيضاً هذا القلب حي متى ما غفل الإنسان أعاده إلى طاعة الله وإلى ذكر الله. يقول الله عز وجل عن هذا الصنف من الناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

لاحظوا أيها الأحبة وصفهم الله عز وجل بأنه من أهل التقوى؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. إذا مسهم طائف من الشيطان، جاءتهم لحظة أو لحظات من الغفلة التي يتسلط فيها الشيطان أحياناً على العبد، وهذا أمر جعله الله عز وجل في سنة كونية في هذه الدنيا، وهو الصراع بيننا وبين عدونا الأول وهو الشيطان.

الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، عدو لا يريد لنا الخير، وأقسم أمام ربنا عز وجل: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]. لماذا أيها الأحبة؟ لأن الشيطان عنده حجز مؤكد إلى جهنم، وضامن هو يعرف أنه سيذهب في ذلك اليوم العظيم في يوم القيامة أنه من أهل النار، وهو يريد أن يأخذ معه أكبر عدد من بني آدم انتقاماً من أبينا آدم الذي كان سبباً في خروجه من الجنة.

فهو عدو، والله عز وجل قال: اتخذوه عدواً، فلن يتركنا الشيطان، فهو يشغلنا حتى أهل الإيمان أهل التقوى لا يتركهم في حالهم. ولهذا قال الله عز وجل عن هؤلاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾، يعني جاءتهم لحظات، سحابة من هذه الغفلة، ﴿تَذَكَّرُوا﴾ ورجعوا وعادوا، ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، يعرف الله الخير من الشر ويعرف ما ينفعه مما يضره ويقبل على طاعة الله عز وجل ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

أيضاً من أنواع الغفلة، هذه الغفلة الأولى الغفلة العارضة التي تكون لأهل الإيمان لأهل الصلاح لأهل التقوى، هناك أيضاً الغفلة المتكررة وتكون عند أهل الإسلام عموماً؛ الغفلة المتكررة وينشغل الإنسان ويذهل عن دينه، وهذا يعني الآن كثير من الناس يشغل بدنياه عن دينه.

ولهذا تجد بعض الناس الآن حتى في صلاته وهو في المسجد كأنه على صفيح ساخن، مستعجل، ينظر في الساعة، في الجوال، الإقامة تأخرت، كأنه في مكان غير مريح، وهذا مع الأسف والله من الشيطان الرجيم. فإن المسجد هو بيت من بيوت الله، والإنسان عندما يدخل إلى المسجد يشعر بالراحة والسكينة والطمأنينة والإيمان، ويكفي أن الملائكة تدعو له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، طالما...

إنه في المسجد وعلى طهارة، فالملائكة تدعو له. فعجيب أن الإنسان يترك هذه الأمور ولا ينشرح صدره بهذا الأمر، ويفكر خارج الصلاة ويريد فقط أن يصلي وأن يسلم الإمام ثم ينطلق مباشرة، ويريد أن يخرج إلى الدنيا، لا يريد أن تشغله هذه الصلاة عن دنياه. هذا والله من البلاء العظيم الذي يحل ببعض المسلمين، نسأل الله أن يعافينا وأن يجعلنا من أهل الإيمان والتقوى والبصيرة.

الله عز وجل ذكر هؤلاء، وأيضًا أصحاب الغفلة المتكررة. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صنفًا منهم، ومن باب التنبيه أخبر ﷺ: «من سكن البادية جفى، ومن اتبع الصيد غفل». يعني من سكن البادية أصبح من أهل الجفاء، أي يبتعد عن مخالطة الناس. ومن اتبع الصيد غفل، هنا تأتي قضية الغفلة المتكررة؛ لأن اتباع الصيد يشغله عن الصلاة، قد يؤخر الصلاة إلى أن يخرج وقتها.

فالإنسان إذا انشغل بالصيد -وهذا كمثال، وكثير من الناس الآن قد ينشغل بتجارته، أو بأولاده، أو بأعماله الخاصة، أو بأمور كثيرة عن أمور دينه- هنا تأتي هذه الغفلة التي يحتاج الإنسان أن يراجع نفسه دائمًا في هذا الأمر، إن هذا الأمر خطير. إذا تمادى فيه الإنسان أصبح في غفلة عظيمة، بل قد يصل إلى درجة أنه قد يتضايق من طاعة الله ومن عباده، وهذا والله كارثة، كارثة وطامة ومصيبة عظمى تحل بالعبد، خصوصًا من انشغل بقضية التجارة والمال والكسب، حتى يسيطر هذا الأمر على فكره وعقله، ولا يريد أن يشغله شيء حتى في طاعة الله عز وجل.

ولهذا يقول الشاعر في بيت جميل يحذر فيه ابنه من هذه الصفة ومن هذا الصنف من الناس: ابني إن من الرجال مصيبة .. في صورة الرجل السميع المبصر فطن لكل مصيبة في ماله .. وإذا أصيب بدينه لم يشعر

"ابني إن من الرجال مصيبة" هذه كارثة في صورة الرجل السميع المبصر، يعني تراه مثل بقية الناس، رجل لا يختلف عنهم في الشكل والمظهر والملبس، لكنه "فطن لكل مصيبة في ماله"، يعني إذا أصاب شيئًا من ماله من الخسارات أو في المكاسب فإنه فطن ونبيه ويتحرى هذا الأمر. "وإذا أصيب بدينه لم يشعر" عياذًا بالله؛ فاتت الصلاة، خرج وقت الصلاة، قصر في حقوق والديه، عَق والديه، أكل حرامًا، تعامل بالربا، هذه الأمور عنده ولد ولا تعنيه، أمر بسيط جدًا.

وإذا أصيب بدينه لم يشعر، وهذا والله من أعظم البلاء الذي يحل، أن يموت هذا القلب وأن تستحكم فيه الغفلة حتى لا يشعر الإنسان بأنه قصر في حق الله عز وجل أو انتهك حرمات الله عز وجلا، فنسأل الله عز وجل العفو والعافية.

النوع الثالث والأخير أيها الأحبة هي الغفلة التامة، وهذه التي تحصل للكفار، غفلة دائمة مستمرة لا تنقطع إلا أن يشاء الله عز وجل، إذا أراد بهم خيرًا ودخلوا في الإسلام. لكن هذه الغفلة مستحكمة على عقولهم ما داموا في هذه الحياة إلا أن يشاء الله عز وجل لهم الهداية.

ولهذا قال الله عز وجل عن الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12]. يعني هم يعيشون في هذه الدنيا في غفلة، يأكلون ويتمتعون مثل بقية الأنعام، ويتزاوجون ويتوالدون مثل الأنعام، لا فرق بين الأنعام، ثم يوم القيامة النار مثوى لهم. ولو أقسم الله عز وجل على ذلك: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]. يعني عايش في هذه الدنيا ولا يخطر بباله أن يفكر في سبب مجيئه وفي سبب خلقه ومن خلقه ولماذا خلقه، هو في سكرة عن هذا الأمر وفي عمه وفي غفلة عنه حتى يقضي الله عز وجل أمرًا كان مفعولًا.

فهذا صنف من الناس وهم أهل الكفر، هؤلاء أيها الأحبة نسأل الله عز وجل أن يعافينا، لا قيمة لهم في هذه الدنيا وهم في الآخرة من حطب جهنم. ولهذا الله عز وجل وصفهم في هذه الدنيا بالدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 22-23].

فنسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يعافينا، وأن يسلمنا من الغفلة ومن الإعراض، وأن يبصرنا بما ينفعنا ويرفعنا عنده، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.