يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد وفي مقرر التربية الإسلامية، وفي هذه المادة في هذا الفصل، الفصل الرابع، والذي نتحدث فيه عن مفسدات أو أمراض القلوب.
مر معنا في الحلقة الماضية أيها الأحبة أهمية القلب والعناية بالقلب، وحرص الإنسان على ما يحيي قلبه، وأن يبتعد عن أمراض القلوب التي تعتريه؛ ولا شك أن أمراض القلوب هي أشد من أمراض الأبدان. هناك أيها الأحبة أمراض تعتري القلب، فلا بد أن يعرف الإنسان وأن يعلم ما يصيب هذا القلب من أمراض ومن أدواء، يسعى في صلاح قلبه وفي طهارة قلبه وفي شفاء قلبه من هذه الأدواء التي تضره في دينه وفي دنياه، بل تفسد عليه آخرته إذا استمرت هذه الأمراض في هذا القلب حتى يلقى الإنسان ربه بهذا القلب المريض، الذي إذا لقي الله عز وجل به فإنه يكون سبباً في هلاكه.
وهذا في مقابل الذي يلقى الله عز وجل بقلب سليم، هذا يكون سبباً في نجاته، كما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. سليم؛ أي خالٍ من أمراض القلوب من الشهوات ومن الشبهات بأنواعها، فهذا الذي يكون سبباً في نجاته يوم القيامة.
والله عز وجل في كتابه الكريم حذرنا كثيراً من هذه الأدواء وهذه الأمراض، والعناية والحرص على مسألة طهارة القلب وتزكية القلب. الله عز وجل يقول في القرآن: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120]. وذروا أي اتركوا واجتنبوا وابتعدوا. وذروا ظاهر الإثم؛ ظاهره هو ما كان أمام الناس وبشكل علني بعمل الجوارح؛ بالنظر، بالسمع، بالكلام، بالأخذ والعطاء، بالمشي، بهذه الأمور التي تكون في الجوارح.
وباطنه؛ ما هو باطن الإثم؟ الإثم هو الذي يكون في القلب من أعمال تخالف شرع الله عز وجل، من الرياء، من الكبر، من الحسد، من الغفلة، من الهوى، من الشهوة، من الأمور التي تكون من أمراض القلوب وتخالف شرع الله عز وجل. ولهذا الله عز وجل أمرنا بالابتعاد عن الآثام وعن الذنوب الظاهرة والباطنة ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾.
وهذا القلب أيها الأحبة هو يتغير ويتحول ولا يثبت على حال، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، ولهذا الإنسان يسأل الله عز وجل أن يثبت قلبه على دينه وألا يزيغ هذا القلب حتى يلقى الله وهو راض عنه. وما أجمل قول الشاعر: ما سمي القلب إلا من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل فهذا القلب يتغير؛ تجد اليوم في انشراح وإقبال على الطاعة، تجد بعد فترة عند الإنسان شيئاً من عدم الإقبال على الطاعة، عنده إقبال على العبادة، وتجد فيه ضعفاً وفتوراً، وهكذا أحوال الإنسان لا تثبت على حال، وهذه من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
فالقلب تبعاً لهذا، الذي يؤثر في هذا الأمر هو ما يفعله الإنسان من أعمال صالحة؛ فبقدر ما يقدم الإنسان لنفسه من الخير يكون القلب مخبتاً لربه ومولاه، وهذا جاء نصاً في كلام نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله».
من أخطر ما يكون أيها الأحبة في أعمال القلوب أنها تكون سبباً في فساد الأعمال، ولو كان هذا العمل في ظاهره صالحاً؛ قد يكون العمل فيه خير عظيم، أو يكون هذا العمل عبادة وقربة إلى الله عز وجل، كأن يصلي الإنسان أو يقرأ القرآن أو يتصدق أو يحج أو يعتمر، لكن في قلبه من الرياء وحب الظهور والتسميع للناس الشيء الكثير، فيبطل ويفسد هذا العمل، وهذا من أخطر ما يكون أيها الأحبة.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر عظيم خطير شديد أيها الأحبة يدل على عظم أهمية صلاح القلب وأثر ذلك في الأعمال؛ لا يكفي أن يكون العمل في ظاهره صالحاً، قد يكون الإنسان يصلي لكنه يطلب ما عند الناس من ثناء وسمعة، أو يقرأ القرآن ويبكي وهو يريد التسميع ويريد الثناء ويريد الشهرة من الناس.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم أيها الأحبة يجب على كل مسلم ومؤمن حريص على دينه وحريص على إيمانه وحريص على قلبه وحريص على نجاته أن يقف مع هذا الحديث؛ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ للقرآن، ومجاهد، ومتصدق. ألحظ أيها الأحبة أعمالاً عظيمة في شرعنا وفي ديننا، الجهاد أعظم ذروة سنام الإسلام، والصدقة من أعظم القربات إلى الله عز وجل، وقراءة القرآن من أعظم الطاعات وأعظم القربات والعبادات؛ لكن هذا جاهد ليقال شجاع، ليقال بطل، ليقال مقدام، وهذا تصدق ليقال كريم، ليقال منفق، ليقال سخي، وهذا قرأ القرآن ليقال قارئ، ليقال حافظ، ليقال صوت جميل، فهؤلاء رجوا ما عند الناس ولم يرجوا ما عند الله، لم يطلبوا الثواب من الله عز وجل وإنما أرادوا الثواب من الناس، أرادوا السمعة، أرادوا الثناء، أرادوا الشهرة، أرادوا المدح، فأخذوا جزاءهم في الدنيا، لكن يوم القيامة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يسحبون على وجوههم إلى نار جهنم عياذاً بالله؛ لماذا؟ لأنه لم يرد وجه الله.
ولهذا أيها الأحبة، النية تكبر العمل ولو كان صغيراً؛ إنسان قد يتصدق بريال وفيه إخلاص وفيه إخبات وفيه طلب ما عند الله عز وجل، أعظم من ملايين ينفقها الإنسان ليحصل الثناء والشهرة من الناس. النية تكبر العمل وإن كان صغيراً، وتصغر العمل وإن كان كبيراً؛ إنسان قد يعمل أعمالاً عظيمة، قد يحج، قد يبني مسجداً، لكن هو يريد الثناء من الناس، فهذا العمل العظيم يكون صغيراً جداً ولا ينفعه إلا بمقدار ما أخلص فيه لله. وهذا الأمر أيها الأحبة أمر عظيم جداً جداً، الإنسان لو اقتصد في عمله لكن يراعي قلبه ويراعي الله عز وجل في هذه الأعمال الصالحة، ويحاول قدر المستطاع أن يجاهد هذه النفس الأمارة بالسوء؛ ولهذا كان بعض السلف يقول إنهم كانوا يخفون أعمالهم كما يخفي بعض الناس سيئاته في عمله الصالح ليتحقق فيه الإخلاص، ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحاً، ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره، وما يشترط فيه التقابض والتماثل معاً أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا.
ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع ما لا يملك والقمار، ويلزمه تعلم أنواع الخيار كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض، ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم.
ويتعلم القبض وصوره، فقبض كل شيء بحسبه؛ فإن كان موزوناً فقبضه بوزنه، وإن كان ثياباً ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة، ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند بلاء عظيم يحل بالإنسان إذا فسد قلبه وإذا لم يتحقق هذا الصلاح في القلب، اتبع هواه وتمادى في غيه في بعده عن أوامر الله عز في علاه؛ فيكون ذلك الفساد الذي في القلب سبباً في فساد الأعمال وعدم صلاحها، بل عدم قبولها؛ فلا يقبل الله عز وجل إلا ما كان خالصاً له.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز في علاه، يقول الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». إذا أشرك مع الله عز وجل في عمله الذي عمله من صلاة، من صدقة، من صيام، من حج، من عمرة، من أي عمل صالح، إذا أراد غير الله عز وجل في عمله هذا، فإن الله عز وجل لا يقبل منه عدلاً ولا صرفاً ولا يقبل منه هذا العمل، وإنما يحبط هذا العمل عياذاً بالله، وأعظم بلاء يحل بالإنسان أن يحبط عمله.
أيضاً من البلاء الذي يحل بسبب فساد القلب وعدم صلاحه وعدم إخباته لربه أن الإنسان تنقلب عنده الموازين؛ يعني البلاء الأول الذي ذكرناه أن العمل يفسد، البلاء الثاني والشؤم الثاني الذي يحصل للإنسان أن الموازين تختل عنده فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، وهذا والله بحد ذاته بلاء عظيم، أن الإنسان لا يفرق بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين ما ينفعه وما يضره، هذا والله من أشد البلاء ومن أعظم البلاء في هذه الدنيا أن الإنسان لا يعرف ما ينفعه مما يضره، وهذا والله بلاء عظيم لا يستشعره إلا من نور الله عز وجل قلبه.
ولهذا أيها الأحبة كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح في قيام الليل دعاء عظيم أيها الأحبة وهو يصب في هذا الأمر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح عندما يستفتح الإنسان قيام الليل: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
طلب الهداية من الله عز وجل فيما قد يلبس على الإنسان فلا يعرف ما هو الخير من الشر في هذا الأمر، ما الذي ينفعه مما يضره، ما هو الحق من الباطل، ما هو طريق الحق طريق الخير طريق النور طريق الهداية، وما هو طريق الضلالة طريق الغواية طريق الفساد؛ هنا الإنسان يدعو الله عز وجل ويحرص على هذا الأمر. والبلاء العظيم الذي يحل بالإنسان بسبب فساد قلبه أنه تختلط وتلتبس عليه الأمور فلا يفرق بين خير وبين شر وبين حق وباطل.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر وهو حديث عظيم أيها الأحبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً». الفتن طبعاً الدنيا كلها فتن، نحن الآن نعيش في عصر الفتن، الإنسان يفتن في دينه في الطرقات في الأسواق في المستشفيات، حتى الآن في البيوت، بل الإنسان وهو لوحده مع هذه الأجهزة التقنية الحديثة الآن في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها وفي النت، أصبح الفتنة حتى مع الإنسان وهو على فراشه وفي غرفته.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً»، الحصيرة الذي هو يكون الأعواد مثل الفرش القديمة البسط القديمة التي تعمل من أعواد النخيل، تعرض هذه الفتن فتنة بعد فتنة على القلوب كالحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أُشربها، أي تلبس بها وأحبها وعمل بها، نُكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نُكت فيه نكتة بيضاء.
إذاً الفتنة إذا جاءت إلى الإنسان وعُرضت عليه فإن أحب هذه الفتنة وتمادى فيها وعمل بها فإنه يُنكت في قلبه ويُنقط في قلبه نقطة سوداء، وإذا رفضها وصدها بتوفيق الله عز وجل وبإيمانه بعد عون الله عز وجل له، يُنكت في قلبه نقطة بيضاء، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «نُكت في قلبه نكتة بيضاء»؛ فيصير القلب على قلبين، قلوب الناس تصير على قلبين، تصير على قلب أبيض مثل الصفا، يعني قلب أبيض هذا الذي نُكت فيه نكتة بيضاء عندما رفض هذه الفتنة وابتعد عنها وسأل الله عز وجل أن يصرفه عنها وحمى نفسه من الوقوع فيها؛ فعندما تنكت فيه هذه النكت البيضاء هذه لا تذهب عبثاً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى يصير على أبيض مثل الصفا»، يعني أبيض نقياً.
يعرف المعروف وينكر المنكر، ويعرف الخير من الشر والحق من الباطل، وطريق الهداية من طريق الغواية، على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
هذه والله نعمة عظيمة جداً على الإنسان الذي يسلم قلبه من هذه الفتن ويحمي قلبه منها. على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، إلى أن ينقضي هذا العمر، إلى أن ينقضي عمره وهو محفوظ بإذن الله من هذه الفتن.
والآخر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في وصفه قال: «والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه». أعوذ بالله.
والآخر الذي تقبل هذه الفتنة وسمح لنفسه بالتمادي فيها والوقوع فيها، بل بعضهم قد يحب هذا الأمر ويتفاخر به، كما يحصل عياذاً بالله من بعض الناس عندما يقع في المعصية ويقع في الفتنة يفتخر بذلك. وكل أمتي معافى كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا المجاهرون». فهذا القلب الذي أشرب هذه الفتنة تنكت فيه نكتة سوداء، سوداء، سوداء، حتى يصبح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا القلب أسود مرباداً، والربد أيها الأحبة هي الخليط من السواد الذي تخالطه ألوان أخرى.
يصبح هذا القلب فيه من الظلمة وفيه من خليط الألوان التي غير محببة فيصبح مرباداً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كالكوز مجخياً، وهذا وصف عظيم، وصف يكفي أنه من لسان الصادق المصدوق الذي أوتي جوامع الكلم صلوات ربي وسلامه عليه.
كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه. كيف أيها الأحبة كالكوز مجخياً؟ طبعاً عرفنا المرباد هو الخليط، يعني لون فيه سواد وفيه غبرة وقترة، فهذا هو لونه. أما حاله فهو وصف عجيب والله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كالكوز مجخياً». كيف كالكوز مجخياً؟ الكوز هو الإناء، والإناء يكون منكوساً. الآن لاحظوا أيها الأحبة الإناء مثل هذه الكأس في حالتها الطبيعية نضع فيها ما نريد من ماء أو قهوة أو عصير، لكن لو قلبت الكأس لو قلبته ونكسته فإنه لا يمكن أن تضع فيه شيئاً.
فوصف النبي صلى الله عليه وسلم حال القلب بالإناء المقلوب الذي مهما صببت فيه لن يبقى فيه شيء. يعني تمر عليه المواعظ والآيات والعبر والعظات ولا تؤثر في هذا القلب، كالكوز مجخياً عياذاً بالله من ذلك. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
خلق الله الإنسان وجبله على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين، فهو لا يستطيع العيش وحيداً مهما توفرت له سبل الراحة والرفاهية، لذا كانت الصحبة أمراً ضرورياً للغاية. وقد جاء القرآن والسنة ببيان أهمية الصحبة ومدى خطورتها على الإنسان.
في الحديث: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فالصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك، فإما أن يؤثر فيه خيراً فيذكره بالله ويأمره بالصالحات ويحثه على الطاعات فيكون من أسباب نجاته يوم القيامة، وإما أن يؤثر فيه شراً فيأمره بالخبائث ويحثه على المفاسد ويصده عن ذكر الله تعالى، فيكون سبباً في ضياعه وهلاكه يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29].
ومن أوضح الأمثلة المبينة لأثر الصحبة ما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لتأثير الجليس على جليسه، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة». فالعاقل يتخير الصالحين والأخيار لمجالستهم والقرب منهم، ويبتعد كل البعد عن صحبة الذين يوردونه المهالك ويورثونه الندامة في الدنيا والآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
كان الحديث قبل الفاصل أيها الأحبة عن حال قلوب العباد عندما تعرض عليهم الفتن كما جاء في حديث نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخبر أن الفتن تعرض على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها -يعني أحبها وعمل بها- نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وعلى أسود مرباداً -يعني أسود مخلوطاً بالشبهة والألوان القبيحة- كالكوز مجخياً.
ووصفنا الكوز أيها الأحبة بالإناء المقلوب الذي مهما وضعت فيه لن يبقى فيه شيء، لن تستفيد منه. كذلك القلب يصبح مغلفاً، وهذا هو القتم الذي أخبر الله عز وجل عنه في القرآن، والطبع أيضاً، تمر المواعظ وتمر الآيات وتمر العظات وتمر الأشياء العظيمة التي تؤثر في القلوب، فتمر وكأنها تمر على صخر.
كما قال الله عز وجل عن اليهود قال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74]. يعني هي أشد قسوة من الحجارة نعوذ بالله من ذلك، يسمع الآيات والعبر والعظات والمواعظ ولا تؤثر فيه. فهذا الوصف العظيم أيها الأحبة الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، لا يفرق بين حق وباطل، الكل عنده سواء إلا ما أشرب من هواه، يعني إلا ما أراده هو بنفسه، يعني يحب شيئاً هوى في نفسه وليس طاعة لله عز وجل.
فهذا القلب أيها الأحبة على خطر عظيم، بل هو سبب في شقاء الإنسان وضياعه ونكبته يوم القيامة. أيضاً من البلاء الذي يحل بالقلب إذا وقعت فيه هذه الأمراض، أنه يعرض عن شرع الله وعن أحكامه. يعني في الأول ذكرنا أن ذلك سبب في حبوط العمل وعدم قبوله، والأمر الثاني أن الإنسان تنقلب عنده الموازين، والأمر الثالث أنه زيادة عن ذلك هو يعرض عن شرع الله. لا يريد شرع الله، ينفر من شرع الله، يتأفف ويتضايق عندما يسمع كلام الله وكلام نبيه صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا بلاء عظيم جداً.
وهذا مع الأسف قد يحصل عند بعض الناس إذا سمع كلمة ضايق وتأفف ولا يريد مثل هذه الأمور، كأن هذا ينشر البؤس وينشر الكآبة في قلبه عياذاً بالله من ذلك. هذا الأمر أيها الأحبة خطير جداً، خطير جداً أن الإنسان يصبح معرضاً عن شرع الله وعن طاعة الله وعن عبادة الله وعن المواعظ والآيات والعبر والعظات، فهذا بلاء عظيم يحل بالمرء، وهذا لا يأتي أيها الأحبة -الله عز وجل لا يعاقب العبد بذلك- إلا إذا هو تسبب في هذا الأمر، تسبب في هذا الأمر ببعده عن شرع الله وبعدم محبته لطاعة الله.
ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم في آية عظيمة أيها الأحبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، ما الذي يحيينا أيها الأحبة؟ الذي يحيينا هو طاعة الله وعبادة الله، هذه الحياة الحقيقية، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122].
أو من كان ميتاً؟ ما الموت هنا أيها الأحبة؟ يعني ميت بعثه الله؟ لا، هذا لا يكون إلا يوم القيامة أو في آيات وعبر وعظات ذكرها الله عز وجل في مواضع في القرآن، لكن المقصود بها هنا هو موت القلب وحياة القلب، أو من كان ميتاً يعني ميت القلب فأحييناه، أحييناه بطاعة الله عز وجل وبحياة قلبه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ عنده بصر، عنده بصيرة، عنده نور في قلبه، يفرق فيه بين الخير والشر وبين الحق والباطل.
الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]. اعلموا هنا أيها الأحبة، يجب أن يقف الإنسان مع هذه الآية، اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون. اعلم أنك إذا لم تستجب لله ولا لرسوله صلوات ربي وسلامه عليه، فإن الله يحول بينك وبين قلبك. كيف يحول بينك وبين قلبك؟ يحول بينك وبين قلبك أيها الأحبة بأن يجعل الإنسان لا ينشرح صدره لكلام الله ولا لكلام نبيه صلى الله عليه وسلم. مغلق، هذا القلب مقفل، مطبوع عليه ختم، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، وإنما تمر عليه المواعظ والعبر والعظات والآيات وتمر وكأنه لم يسمع شيئاً، يصرف عن طاعة الله عياذاً بالله من ذلك.
وهذا والله أعظم عقوبة تحل بالإنسان، أعظم عقوبة تحل بالإنسان أنه يصرف ويحال بينه وبين شرع الله عز وجل وبين آيات الله وبين العبر والعظات. هذا والله من أعظم البلاء ومن أعظم الشقاء، وهذا لا يكون أيها الأحبة إلا عقوبة من الله لهذا العبد بسبب ما جنته يداه، لهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]. لما زاغ هذا العبد أزاغ الله قلبه، ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]. الإنسان هو السبب، الله عز وجل رحيم، لطيف بعباده، الله عز وجل يريد بنا الخير، لكن الإنسان إذا سعى في غواية نفسه وفي ضلالها وعدم إرادة الخير لها، فإنه يكون العقاب والجزاء من جنس العمل.
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، يحول الله عز وجل بين المرء وقلبه فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، وهذا خطر عظيم أيها الأحبة، خطر عظيم لا بد أن يقف الإنسان مع نفسه في قضية أعماله في قلبه وصلاح قلبه وما يتعلق بهذا القلب من نور وهداية وتوفيق وسعادة له في دنياه وفي أخراه. وما أجمل قول القائل:
رأيت الذنوب تميت القلوب .. وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب .. وخير لنفسك عصيانها
فالإنسان إذا سعى في صلاح قلبه فإنه يوفق بإذن الله، ويكثر من دعاء الله عز وجل بأن يرزقه الصلاح في قلبه، وكما مر معنا أيها الأحبة في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل ربه القلب السليم: «وارزقني قلباً سليماً ولساناً صادقاً». فالإنسان يسأل الله عز وجل دائماً أن يرزقه هذا القلب السليم.
أيضاً البعد عن شرع الله عز وجل وعدم صلاح القلب هذا يؤدي بالإنسان إلى النفاق. يؤدي بالإنسان كيف النفاق؟ النفاق أن تظهر شيئاً خلاف ما تبطنه، يعني تتعامل مع الله عز وجل بالخديعة والمكر، تظهر للناس الصلاح، تظهر للناس الطاعة، وأنك من أهل الخير، وأنك فيك دين وفيك عبادة، وأنت في قلبك من الفساد ومن البلاء ومن البغض للدين ما يعلمه الله عز وجل، ولا يخفى على الله عز وجل.
وهذا هو النفاق، والنفاق على نوعين أيها الأحبة: نفاق اعتقادي ونفاق عملي. النفاق الاعتقادي يخرج الإنسان من الملة، أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر عياذاً بالله. أما النفاق العملي فهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، يعني هذه الصفات التي تكون في الإنسان، يكون فيه النفاق العملي، وهذا أيضاً مرض يحرص الإنسان على الابتعاد عنه.
فبقدر ما يكون في قلب الإنسان من توفيق وسعادة وحب للطاعة، يوفق في قلبه ويسعد بإذن الله. وإذا سعى في شقاء نفسه وتمادى في فساد قلبه في الأعمال السيئة، فإنه يتوالى على قلبه من الران ومن الفساد الذي يكون سبباً في بلائه وشقائه يوم القيامة. ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. الران كما قال الحسن البصري رحمه الله: هو الذنب بعد الذنب والذنب بعد الذنب حتى يعمى القلب فيموت عياذاً بالله، حتى يعمى القلب فيموت. فيحرص الإنسان على صلاح قلبه وعلى الإكثار من الدعاء بأن يطهر الله عز وجل قلبه وأن يرزقه القلب السليم.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يرزقنا القلب السليم، وأن يطهر قلوبنا من كل شبهة وشهوة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني