بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مقرر التربية الإسلامية في هذه الأكاديمية المباركة. نشرع بإذن الله في هذا الفصل الرابع في موضوع مهم جداً ونحتاجه جميعاً في حياتنا، وهو يتعلق بالقلب. في هذا الفصل سندرس ما يتعلق بأمراض القلوب ومفسداتها، الأمور التي تعرض لهذا القلب الذي هو أعظم جارحة في جسد الإنسان.
القلب أيها الأحبة هو ملك الأعضاء، ولا بد للإنسان أن يعتني بقلبه، ولهذا كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وأيضاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا القلب هو الذي يتعلق به صلاح المرء وفساده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».
فالقلب أيها الأحبة له شأن عظيم، صلاحه يعين على الإقبال على الله عز وجل، ويجعل القلب منيباً مخبتاً منكسراً خاضعاً لله عز وجل في كل أحواله وفي كل شؤونه، ويتعلق بالله عز وجل. فالله عز وجل لا ينظر إلى صورنا وأشكالنا وأموالنا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ينظر إلى قلوبنا، فالقلب هو محل نظر الرب. فإذا اعتنى الإنسان بصلاح قلبه فإنه على خير عظيم، وهو الموفق والمسدد بإذن الله.
والقلوب أيها الأحبة تمرض كما تمرض الأبدان، بل مرض القلوب أشد من مرض الأبدان، فقد يمرض البدن ويبقى القلب معلقاً بالله، يبقى القلب فيه الطاعة فيه الإيمان فيه التقوى. لكن إذا مرض القلب فإنه يصرف عن طاعة الله، ويحرم الخير ولا يوفق لا في دنياه ولا في أخراه إذا مرض هذا القلب. ولهذا الله عز وجل جعل لنا من آياته في كتابه الكريم، وأيضاً مما جاء على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ما يصلح هذا القلب، ويجب على الإنسان أن يعتني بهذه الأمور التي تكون سبباً في شفاء قلبه وسلامته من هذه الأمراض وممن هذه المفسدات التي تعيقه عن طاعة الله.
وأعظم ذلك هو ما ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم، هو هذا القرآن الذي نزل على قلب نبينا صلوات ربي وسلامه عليه الذي هو أطهر قلب، الله عز وجل يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44]. فالقرآن شفاء للقلوب وشفاء للأبدان أيضاً، وشفاؤه للقلوب أعظم، يستشفي به الإنسان بكثرة القراءة وكثرة التلاوة وكثرة التدبر والاتعاظ بآيات الله وبكلام الله عز في علاه، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في أسباب شفاء وعلاج القلوب بإذن الله.
فالقلب أيها الأحبة هو ملك الأعضاء، ولهذا يقول كعب الأحبار: القلب ملك الأعضاء، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده. القلب هو الملك وهذه الأعضاء هي الجنود. ولهذا إذا اعتنى الإنسان بصلاح قلبه ظهر هذا الصلاح على جوارحه، وبعض الناس هداهم الله عندما يقع في بعض الأخطاء أو يقصر في دين الله عز وجل ويسأل عن ذلك أو ينصح ويدل على الخير فيقول: التقوى هاهنا، كما قال نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا كلام حق، لكن قد يكون من مداخل الشيطان على الإنسان، لا شك أن التقوى هاهنا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال هذا الكلام وأشار إلى قلبه أشار إلى أطهر قلب على الوجود.
لكن عندما نقولها نحن هل نحن نزكي أنفسنا فنقول التقوى هاهنا والجوارح في المحرمات؟ لا شك أن هذا من الخطأ، لا شك أن هذا من الخطأ. القلب إذا صلح وطهر فإن هذه الطهارة التي في القلب تظهر على الجوارح وتبدو على أعمال الإنسان وأفعاله، ولهذا العناية أيها الأحبة بالقلب لا بد أن تكون كبيرة جداً. الإنسان يعتني بقلبه يعتني بطهارة قلبه لعل الله عز وجل أن يوفقه وأن يفتح عليه.
سلامة القلب أيها الأحبة لا تأتي من فراغ، وليست بالأمر الهين؛ هي فيها مجاهدة ومثابرة ومرابطة، فيها تعلق بالله عز وجل وطلب العون من الله عز وجل في أن يصلح الله عز وجل للعبد قلبه. ولهذا كما ذكرنا قبل قليل كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وأيضاً كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: «اللهم مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعلم الخلق بالله عز وجل، وهو يعرف ويعلم أهمية هذا القلب الذي ذكره في هذا الحديث الذي ذكرناه قبل قليل: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».
فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما يخبر بذلك وعندما يدعو أيضاً، وهو امتثال وتطبيق في هذا الأمر. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بصلاح هذه المضغة: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». والمؤمن الموفق المسدد أيها الأحبة هو الذي يكثر من هذا الدعاء، يكثر منه في سجوده في صلاته في أوقات الإجابة بين الأذان والإقامة وفي الثلث الأخير من الليل وفي آخر ساعة من عصر الجمعة، يستغل هذه الأوقات المباركة ليدعو بصلاح قلبه، إنه يعلم أنه إذا صلح هذا القلب واطمأن وسكن وخضع وذل لله عز في علاه، فإن العبد يوفق أيما توفيق.
بإذن الله إذا صلح هذا القلب فإن العبد يوفق في أعماله، فيقترب من الله عز وجل ويكثر من الطاعات، ويحجب بإذن الله عن الذنوب وعن المعاصي. فهذا القلب أيها الأحبة له شأن عظيم وله أثر كبير جداً في صلاح الأعمال وفي فسادها، فالإنسان الموفق هو الذي يحرص على صلاح قلبه فسيظهر بإذن الله هذا على أعماله صلاحاً وتوفيقاً وسداداً. أسأل الله عز وجل أن يصلح قلوبنا وأن يثبتها على دينه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لا بد من استعمال مفاتيحه وهي آداب تلاوة القرآن. فمنها إخلاص النية لله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقرآن يقال له: قرأت القرآن ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة، وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98].
ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله. ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع لتلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تكلمنا أيها الأحبة قبل الفاصل عن أهمية القلب وأثر صلاح القلب في صلاح الأعمال، وأيضاً أثر فساد القلب في فساد الأعمال، وذكرنا أيضاً ما كان يحرص عليه النبي صلى الله عليه وسلم ويكثر منه في سجوده وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك».
القلب أيها الأحبة هو محل التفكير، ومحل العقل أيضاً. وقضية وجود العقل هل هو في القلب أو في الدماغ؟ هذه مسألة خلافية من قديم، خلاف بين الفلاسفة والأطباء وأهل الشرع من قديم، لكن الذي عليه أكثر أهل العلم خصوصاً العلم الشرعي أن العقل في القلب، أن العقل في القلب. ولهذا إذا صلح هذا القلب الذي فيه العقل فإن ذلك يكون مؤثراً في أعمال الإنسان وفي تصرفاته وفي أخلاقه وفي طبعه وفي أموره كلها؛ لأنه هو الموجه هو الملك الذي يوجه هذه الأعضاء. فالعقل هو الذي يوجه، والعقل مكانه القلب، فإذا صلح هذا القلب فلا شك أنه يؤثر على بقية الأعضاء.
أخذ العلماء من آيات في كتاب الله عز وجل وأيضاً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن العقل في القلب، وهذا كما قلت خلاف قديم، لكنه لا يعنينا كثيراً، لكن الذي يعنينا هو كلام نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأيضاً ما جاء في كتاب الله عز وجل أن إدراك الإنسان وتكليف الإنسان معلق بقلبه. ولهذا يقول الله عز وجل في آية عظيمة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
لاحظوا أيها الأحبة هذا الدليل الذي استند عليه كثير من علماء الشريعة في أن العقل في القلب، قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، ﴿وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. فعمى القلب هو الذي يجعل الإنسان يخبط خبط عشواء في حياته كلها، وبصيرة القلب هي التي تجعل الإنسان يوفق ويسدد في حياته كلها. الله عز وجل يقول في ختام هذه الآية: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وأيضاً الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]. فالفقه والإدراك والعقل والفهم هو في القلب، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. عندهم هذه الجارحة هذه المضغة موجودة عند المؤمن وعند الكافر، لكن الكافر عطل هذه المضغة ولم يستفد منها، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾.
ولهذا يقول الله عز وجل أيضاً في آية أخرى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]، أي لمن كان له عقل يستعمل هذا العقل ويوظفه فيما ينفعه في دينه وفي دنياه. لمن كان له عقل يستخدمه في معرفة ما ينفعه مما يضره ويفرق بين الحق والباطل، وهذا هو الفرقان الذي جعله الله عز وجل في قلوب أهل الإيمان.
أيضاً الله عز وجل يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، ما قال على عقول، قال: ﴿أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، يعني مغلقة لا تنتفع بكلام الله عز وجل. وهذه الآية جاءت في سياق ذم المنافقين، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، فهي مقفلة عن وصول الخير إليها، وهذا مشاهد أيها الأحبة ويراه الإنسان عياناً؛ هذا يسمع القرآن فيعرض ويصد ويكذب ويعاند ويستهزئ، وهذا يسمع القرآن فينشرح صدره ويطمئن قلبه ويستكين لله عز وجل وينشرح ويفرح بكلام الله ويرى فيه السعادة والأنس ومحبة الإيمان الذي يذوق حلاوته بسماعه لكلام الله عز وجل.
وهو الذي سماه الله عز وجل أحسن الحديث، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. فالقرآن أيها الأحبة يلين هذه القلوب، لكن الذي أغلق قلبه وأغلق عقله الذي في قلبه عن تدبر القرآن وعن فهم القرآن وسماع المواعظ ما يجعله ينيب ويخشع ويخضع لربه عز وجل، فإذا أغلق هذه الجارحة فإنه لا يوفق ولا يسعد لا في دنيا ولا في أخراه.
ولهذا الله عز وجل ذكر في هذه الآية هذا الأمر العظيم الذي يجعل المسلم الذي يعرف قيمة القرآن ويعرف أهمية القرآن ويعرف أثر القرآن، فيقبل عليه ويحاول أن يجعل هذا القلب ينشرح قدر الإمكان بتدبر الآيات وإعادتها وتكرارها وفهم معانيها والقراءة في تفسيرها ومحاولة البكاء والخشوع عند تلاوة الآيات حتى يفتح مغاليق القلب. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. ولاحظ هنا الله عز وجل نسب الأقفال إلى القلوب لأنها موجودة فيها، فإذا استعان الإنسان بالله عز وجل هي ليست مغاليق أو أقفال من خارج القلب، بل هي داخل القلب، فإذا استعان الإنسان.
فتحت هذه المغاليق وفتحت هذه الأقفال إذا استعان الإنسان بربه، وأقبل على الله عز وجل، وأكثر من الدعاء والاستعانة بالله عز وجل في أن يوفق ويسدد، وأن يشرح الله عز وجل هذا الصدر وهذا القلب لكلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.
ولسماع المواعظ التي تؤثر في القلب وتشرح الصدر، وتعين الإنسان على طاعة الله عز وجل وتجعله قريباً من الله، وينشرح هذا الصدر فيذوق الإنسان حلاوة الإيمان ويذوق طعم الإيمان. ولا شك أيها الأحبة، لا شك أن للإيمان حلاوة، وأن للإيمان لذة، وأن له طعماً يشعر به المؤمن. أسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكم حلاوة الإيمان ولذة الإيمان وطعم الإيمان.
فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً». وأيضاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «ثلاث من كن به وجد بهن حلاوة الإيمان». فيجدها الإنسان في قلبه ويجدها في صدره انشراحاً وطمأنينة ورضاً وسكينة ومحبة وأنساً بالله عز وجل.
إذا تحقق هذا الأمر في قلبه وانشرح هذا الصدر لكلام ربه وكلام نبيه صلوات ربي وسلامه عليه، فهذا القلب أيها الأحبة هو محل العقل الذي يدل الإنسان على الخير ويوفقه إليه ويصرفه عن الشر ويحجبه عن معصية ربه. ولهذا كما قلنا سابقاً أيها الأحبة، العناية بصلاح القلب والعناية بطهارة القلب وتزكية القلب أمر ليس بالهين، أمر عظيم جداً.
وما اختلف الناس بين مؤمن حق الإيمان وبين مؤمن مقصر وبين ضعيف الإيمان إلا بأعمال القلوب، فهذا الذي يفرق بين شخص وشخص. ولهذا ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وذكرت مكانته عند التابعين؛ قال أحد التابعين وهو أبو بكر شعبة العياش كلمة جميلة عن أبي بكر الصديق قال: والله ما سبقهم أبو بكر بكثير علم ولا عمل، ولكن بشيء وقر في صدره، بشيء وقر في قلبه.
ونواصل الحديث بعد الفاصل إن شاء الله.
القوة، الحماس، الإرادة، الوقت؛ أهم ما يميز مرحلة الشباب، وتلك الصفات مجتمعة تشكل منه طاقة هائلة، إما أن تستثمر في البناء والتقدم، وإما أن تكون معولاً للهدم والتأخر. وحتى لا تتحول القوة والحماس إلى طيش وتهور واندفاع، أو تتحول الإرادة والوقت إلى انهزام نفسي وفراغ قاتل، فلا بد من صيانة هذه الطاقة الشبابية من آفات العصر.
فكثيرة هي المشكلات التي ربما عصفت بشباب اليوم؛ اهتمام بمظاهر جوفاء، حب للظهور والشهرة، علاقات محرمة، لهو وتضييع للأوقات، إهدار للطاقة في متابعة الشاشات ومواقع التواصل، أصدقاء السوء، ارتياد أماكن المحرمات، المخدرات والمسكرات، الخوض في الفتن، اعتناق الأفكار المنحرفة، تأثر بالشبهات العقدية، البطالة وانعدام المسؤولية.
فما الحل؟ الحل الأمثل لتلك المشكلات يتمثل في منهج إسلامي مدروس محاط بالحكمة والتعقل، تستثمر فيه هذه الطاقات الشبابية بما يعود بالمصلحة على الفرد والمجتمع، وأهم دعائم هذا المنهج التربية الإيمانية، والبيئة، والقدوات المميزة. فلا بد من توافر التطبيق الواقعي المشاهد للمناهج والأفكار، ودعم الجوانب الإيجابية كتنمية المواهب ورعاية الملكات، وشحذ الأفكار بإقامة الدورات العلمية والورش العملية. وليتذكر فرسان تلك المرحلة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعن شبابه فيما أبلاه».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. توقفنا أيها الأحبة قبل الفاصل عند الحديث عن أهمية القلب وأنه هو الذي يفرق بين الناس في إيمانهم وفي تقواهم وفي إخباتهم لله عز في علاه.
من الأمور المهمة في قضية القلب أيها الأحبة هي أن القلب هو محل نظر الرب، ولهذا كانت العناية فيه شديدة جداً لكون الله عز وجل لا ينظر إلى صورنا وأشكالنا كما أخبر نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه في قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم». فالله عز وجل ينظر إلى قلوبنا وإلى أعمالنا، فمهما أظهر الإنسان للناس من الحسن وأظهر الأعمال الصالحة، لكن الذي في القلب يخالف ذلك، فالله عز وجل مطلع عليه ويعلم سريرة هذا الإنسان ويحاسبه ويعاقبه ويعامله ربنا ومولانا بما في قلبه.
ولهذا الله عز وجل ذكر عن المنافقين قال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108]. فالإنسان عندما يتعامل مع الله عز وجل هو يتعامل مع الذي يعلم السر وأخفى، لا يمكن للإنسان أن يظهر شيئاً ويخادع الله عز وجل أبداً، وكما قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾.
هل هذا الخداع وهذا المكر وهذه السريرة الفاسدة سيعود وبالها عليهم؟ الإنسان عندما يتعامل مع الله عز وجل يعرف حق اليقين أن الله عز وجل يعلم ما يخفيه هذا الإنسان، وهو يعلم السر وأخفى عز في علاه. ولهذا كان الأمر بتطهير القلب والعناية به عظيماً جداً، ولهذا في أوائل ما نزل على نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].
وهذه آية في سورة المدثر، التي في بعض الروايات أنها ثاني سورة بعد سورة العلق نزولاً على النبي صلى الله عليه وسلم. الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أكثر المفسرين هنا في هذه الآية على أن الثياب هنا بمعنى القلب، أنها جاءت تعبيراً عن القلب، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي وقلبك فطهر، ونيتك فطهر، وسريرتك فطهر. فهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ينسحب على أمته، ولا شك أن قلب نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أطهر قلب وأزكى قلب، لكن هذا الأمر أيها الأحبة هو عظة وعبرة لنا لنمتثل هذا الأمر الذي جاء في كتاب ربنا عز في علاه.
أيضاً سلامة القلب أيها الأحبة هو سبب سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. سعادة الإنسان في الدنيا يعيش براحة وطمأنينة وسكينة ورضا عن ربه عز وجل؛ إذا كان هذا القلب فيه الإيمان وفيه التقوى، مهما حصل الإنسان من أمور قد تضره في بدنه أو في حياته أو في أهله، لكن طالما هذا القلب مطمئن بالله عز وجل ومنشرح بطاعة الله فإن الإنسان موفق ومسدد وسعيد في دنياه. لا يضره شيء إذا كان متعلقاً بالله، يعلم أن هذه الدنيا قصيرة، والسعادة الأبدية الدائمة السرمدية هي في الجنة.
الله عز وجل يقول في كتابه الكريم منبهاً العباد على هذا الأمر: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. يعني في ذلك اليوم لا ينفعه ماله ولا أهله ولا ينفعه إلا عمله الصالح. وهنا نص الله عز وجل على أمر القلب قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. سليم أي خالياً من الشرك، ومن البدعة، ومن المخالفة، ومن الهوى، ومن الرياء، ومن أمراض القلوب؛ أمراض الشهوات وأمراض الشبهات التي تعتري القلب.
فهذا الذي يكون سعيداً يوم القيامة هو الذي يفوز وينجو، هو الذي يفرح يوم القيامة وينادي على رؤوس الأشهاد: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 19-21]. أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم منهم. فهذا الذي أتى الله عز وجل بقلب سليم هو الذي نجا وفاز يوم القيامة بسلامة قلبه من هذه الأدواء وهذه الأمراض؛ أمراض القلوب من الشهوات والشبهات، فلقي الله عز وجل بهذه السلامة التي في قلبه فكانت سبباً في نجاته يوم القيامة.
وابن القيم رحمه الله له كلام جميل في هذا الأمر، ذكر أن سلامة القلب لا تتم إلا إذا تحصلت فيه خمسة أشياء، ذكرها بالإجمال وهي تحتاج إلى تفصيل لكن لا يتسع المقام لتفصيلها. بشكل إجمالي ذكرها: من الشرك الذي يناقض التوحيد، ومن البدعة التي تخالف السنة، ومن الهوى الذي يخالف أوامر الله عز وجل، ومن الغفلة التي تناقض الذكر، ومن الشهوة التي تناقض الإخلاص.
فكل نوع من هذه الأنواع يحتاج إلى تفصيل ووقفة، لكن بشكل إجمالي إذا سلم القلب من الشرك ومن البدعة ومن الهوى ومن الغفلة ومن الشهوة، فإنه بإذن الله يكون قلباً سليماً، وهو الذي ينجو صاحبه يوم القيامة.
وهذا القلب السليم الذي ذكره الله عز وجل هو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به خصوصاً، وهذا الدعاء أيها الأحبة ضمن دعاء عظيم جداً علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة، وأخبره أنه إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة، فاكنز هذه الكلمات.
ولهذا أوصي نفسي وإخواني بالإكثار من هذه الدعوات التي جاء فيها الدعاء بالقلب السليم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم».
الإنسان يدعو بهذه الدعوات العظيمة التي جاءت على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، والتي علمها لهذا الصحابي الذي طلب منه إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكتنز هذه الدعوات لعظم شأنها، فيحرص الإنسان على هذا الدعاء. أسأل الله رب العرش الكريم أن يرزقني وإياكم القلب السليم، وأن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يصرفها على طاعته، وأن يعيذنا من كل شهوة وشبهة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني