يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معًا: أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مادة التربية، وفي مقرر أمراض القلوب، الذي نتحدث في هذا المقرر عن بعض الآفات التي تعتري هذه القلوب فتهلكها أو تفسدها، عياذًا بالله من ذلك، فنسأل والله العظيم رب العرش الكريم أن يطهر قلوبنا وأن ينقيها من كل شبهة وشهوة.
تحدثنا أيها الأحبة في الحلقة الماضية عن مرض من أمراض القلوب، وهو من أقبحها وأشدها شناعة وأهلكها للإنسان، وهذا المرض هو مرض الكبر، الكبر الذي يعتري بعض القلوب فيوردها المهالك، قد يفسد على الإنسان حياته، قد يفسد عليه آخرته أيضًا عياذًا بالله.
فتحدثنا في اللقاء الماضي عما هو الكبر؟ الكبر الذي جاء في كلام النبي ﷺ هو: «بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق يعني رد الحق؛ فالإنسان إذا أراد أن يعرف هل هو من المتكبرين أو ليس من المتكبرين، فإنه ينظر إلى حاله عندما تأتيه النصيحة، عندما يأتيه الحق من غيره، هل يقبل هذا الحق أو يرده؟ وهذه هي الصفة الأولى.
الصفة الثانية: غمط الناس، بمعنى احتقار الناس وازدراؤهم؛ فالإنسان ينظر إلى حاله مع المساكين، مع الضعفاء، مع العمال، مع الخدم. هنا يأتي الاختبار الحقيقي للإنسان، وليس تعامله مع أقرانه، فهذا قد لا يكون عند الإنسان فيه ازدراء واحتقار لهم لأنهم في مستواه وفي مرتبته، لكن أيا هذا الأمر في حال الضعفاء والمساكين الذين يتعامل معهم.
ذكرنا أن من أسباب امتلاء القلب بهذه الصفة القبيحة هو الجهل ونقص عقل الإنسان الذي لا يعرف حقيقة نفسه، وكذلك الفخر والخيلاء والكبر الذي يكون في قلبه؛ الفخر والترفع الذي يكون في قلبه فيوصله إلى التكبر، هو في نفسه يرى شيئًا من الفخر من الخيلاء ويتكبر بالتالي على الناس.
أيضًا هناك اختلال في الموازين في المجتمع، كما قلنا في الحلقة الماضية، إن الإنسان يرى تفاوت الناس في المجتمع فيترفع على المساكين وعلى الضعفاء، مع أن هذا الضعيف وهذا المسكين قد يكون خيرًا من ملء الأرض من هذا المتكبر. قد ذكر النبي ﷺ يقول: «رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره». هذا المسكين الذي يراه الناس ضعيفًا وفي حالة يرثى لها، قد يكون عند الله عز وجل أرفع وأجل من ملء الأرض من هذا المتكبر.
وكما أعطى النبي ﷺ المثال الحي؛ في يوم من الأيام لما كان النبي ﷺ جالسًا مع أصحابه فمر رجل، قال: «ما تقولون في هذا؟»، قالوا: هذا رجل حري إذا قال أُسمع له، وإذا نكح أن يُنكح. فسكت النبي ﷺ، ثم جاء مسكين، رجل آخر، فقال: «ما تقولون في هذا؟»، قالوا: هذا رجل حري إذا قال ألا يُسمع له، وإذا نكح ألا يُنكح، يعني ليس له قيمة في المجتمع في عرف الناس. فأخبر النبي ﷺ أن هذا الذي نظرتم إليه بأنه مسكين وأنه لا يُسمع لقوله ولا يُزوج إذا خطب، أنه خير من ملء الأرض ممن هو في أعينكم كبير وعظيم.
فالموازين الدنيوية هي تسبب الخلل عند الإنسان في هذا الأمر، ولهذا لما قال النبي ﷺ: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والحافظ لكتاب الله»، الآن لو نظرنا في حال الناس، لما يكون هناك شيبة من المسلمين من الضعفاء المساكين العمال، هل نطبق عليه هذا الحديث؟ أم فقط الشيبة الذي يكون من بني جلدتنا ومن مجتمعنا ومن أقاربنا ومن مستوانا وطبقتنا؟ هذا اختلال في فهم كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. كذلك الحافظ لكتاب الله إذا كان مسكينًا فقيرًا عاملًا، فينظر الناس إليه قد يكون بازدراء، مع أن إجلال هذا الرجل واحترام هذا الرجل الحافظ لكتاب الله هو من إجلال الله ومن تعظيمه.
لكن هذه المفاهيم المجتمعية هي التي تسبب الخلل عند الناس، لكن المؤمن الموفق المسدد الذي يعرف كيف يتعامل مع هذه الأمور التي ربانا عليها هذا الدين العظيم، الذي يربي في هذه النفس الأمارة بالسوء ويجعلها تنكسر لأوامر الله، تذل له، فيكون المسلم هيناً ليناً متواضعاً لعباد الله إذا امتثل هذه الأوامر وهذه التوجيهات النبوية.
هناك أيها الأحبة أمور توصل الإنسان إلى أن يتكبر، فما هي العوامل أو الأسباب التي تجعل الإنسان يتكبر في هذه الدنيا؟ هناك عدة أشياء إذا تحققت في الإنسان قد توصله إلى الكبر، هذا يحتاط المسلم الموفق المسدد الذي نور الله بصيرته إذا تحصّل عنده شيء من هذه الأسباب.
وأول هذه الأسباب المال؛ المال هو الذي يؤدي أو يوصل الإنسان -إن لم يوفقه ويعصمه الله عز وجل- إلى هذه الصفة، الكبر. الغني يتكبر على الفقراء وعلى الضعفاء وعلى المساكين، وهذا حصل من قارون ومن غيره من الذين أعطاهم الله عز وجل هذا المال اختبارًا وابتلاءً منه، وكما ذكر الله عز وجل في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف لما قال له صاحبه وهو يحاوره، أراد أن ينصحه أن يوجهه، قال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34]. تنصحني أنا وتوجهني أنا وأنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا؟ كيف توجه لي النصيحة؟ الله عز وجل ابتلى وعاقبه بهذا الكبر الذي جاءه بسبب المال.
فالمال قد يكون سببًا لطغيان الإنسان، وكثير من الناس الآن يظن أنه أثر بسبب ذكائه وعقله وشطارته وحرفته وفطنته، وهذا والله ابتلاء من الله، لا يرد الفضل إلى الله. والله عز وجل ذكر في كتابه الكريم آيات تربينا على هذا الأمر، على أن الإنسان يعرف نعمة الله عليه ويرد الفضل إليه عز وجل، قال في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ [يونس: 12]، يعني إذا أصابه فقر أو مرض دعا الله عز وجل ولجأ إليه.
وأظهر فقره وحاجته إلى الله. فإذا مس الإنسان ضر دعانا، ثم إذا خولناه نعمة منا، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص: 78]. كان فقيرًا وأغناه الله، فقال: «إنما أوتيته على علم»، أي بشطارتي وذكائي وحرفتي وفطنتي ونباهتي واجتهادي، فينسب الفضل لنفسه.
مع أن الله عز وجل قال قبلها: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا﴾، هذه الألفاظ التي يجب أن يقف الإنسان معها في كتاب الله، هذه تربي الإنسان الموفق. «ثم إذا خولناه نعمة منا» يعني من الله، هذه النعمة من الله، فيعرف حق الله فيها. فإذا أعطاه الله عز وجل النعمة قال هذا المخذول: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، بل هي فتنة: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المائدة: 49].
ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله بالعلم، كالأزهر في البستان. هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم؛ إذ لا تصح العبادة إلا بإخلاص، قال تعالى: ﴿لِّيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: 3]، والمؤمنون والمؤمنات. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بأن لا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: «علامة المخلص أنه إذا عاتِب لا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي». ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: «ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف». فاخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو في الجاه والشهرة، أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿فَمَن عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]، و﴿أَمْ عَمِلُوا أَمْ لَمْ يُنذَّرُوا هُمْ﴾، ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ أيها الأحبة، توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن الأشياء التي تكون سببًا لدخول هذه الآفة في قلب العبد. وأول سبب ذكرناه هو المال؛ المال الذي يجعل الإنسان يطغى ويتكبر ويترفع على الآخرين لغناه ولثراه، فيجعل هذا الأمر عنده شيءًا من الكبر والتعالي على الآخرين. وهذا أمر مشاهد وملموس في حياة الناس، بل إن الله عز وجل يذكر في القرآن أن أول من يعاند الأنبياء ويجابههم ويقف في وجه الدعوة هم الأثرياء، وهذه لحكمة يريدها الله عز وجل. لكن من وفق وكان ثريًا وغنيًا ورزقه الله عز وجل هذا المال وكان تقيًا، فهو في أرفع الدرجات وأعلاها، ونعم المال الصالح في يد الرجل الصالح.
ومن الأشياء التي قد توصل الإنسان إلى هذه الآفة الخطيرة، وهذا حقيقة من الأشياء الغريبة والعجيبة، العلم. العلم المفترض أنه يهذب هذه النفس، ويهذبها ويقربها من الله، ويجعل هذا القلب ينكسر ويخضع ويذل لله. لكن مع الأسف، بعض الناس إذا رزقه الله علمًا فإنه يتعالى على الناس ويتفاخر ويتكبر عليهم، وهذا والله من نقص العقل، وهذا من العلم الذي لا يتزكى به الإنسان، وإنما يكون وبالًا عليه وحجة عليه.
هذا العلم الذي من المفترض أن يطهر القلب، ويزكي النفس، ويقرب الإنسان من الله، ويجعل الإنسان متواضعًا مع عباد الله، حصل العكس عند هذا الإنسان فتكبر وترفع على الناس بعلمه، وهذا من الخذلان وعدم التوفيق، وهذا من العلم الذي يكون حجة على الإنسان يوم القيامة، عياذًا بالله من ذلك.
ويدخل فيه أيضًا من الأشياء التي قد تجعل الإنسان يتكبر ويرى في نفسه الفخر والخيلاء: العمل والعبادة. العبادة التي تهذب النفس، هذا بالعكس؛ يعني اجتهاده في عبادة معينة جعلته يحتقر الآخرين. بعض الناس الآن قد يفعل عبادة بدل أن تكون هذه العبادة مقربة له من الله، وتجعله من أهل التقى والصلاح، قد تكون هذه العبادة مما يبعده عن الله عز وجل، وهذا من عدم التوفيق، ومن قلة العقل والجهل الذي يكون في عقل الإنسان وليس في قلبه.
أحيانًا الإنسان قد يفعل عبادة، مثلًا يحج، وينظر إلى الذين لم يحجوا بعين الاحتقار. إنسان يصوم، أحيانًا قد يصوم الاثنين والخميس، وعندما يرى مفطرًا في يوم الاثنين والخميس قد ينظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار؛ ما هؤلاء؟ قد يصلي الإنسان التراويح وينظر إلى الذين لا يصلون لأي أمر ولاي سبب من الأسباب فينظر إليهم بازدراء، وهذا من العجب. هذه الآفة تدخل إلى قلب الإنسان فتفسد عليه عبادته.
إذا وفق الإنسان لعمل صالح فإنه يحمد الله عز وجل أن وفقه لهذه العبادة، ولا يزدري الآخرين ولا يحتقرهم ولا ينظر إليهم بعين التقصير؛ فقد يكون لهم أسباب معينة، قد فُتح عليهم في أبواب أخرى من أبواب العبادات أفضل وأجل من العبادة التي قام بها. انظروا إلى فهم السلف أيها الأحبة للعبادة وعدم ازدراء الأعمال الأخرى؛ يقول أحد السلف: «بات أهمز رجل أمي، أمه مريضة وجلس طوال الليل وهو يهمز رجليها حتى يخفف عنها من الألم، بات أهمز رجل أمي وبات أخي يصلي، فما أحب أن ليلتي بليلته». يرى أن هذه العبادة التي قد ينظر إليها أخوه بأنه مقصر لما قام الليل، يرى أن عمله هذا في تهميز رجل أمه أفضل من فعل أخيه في قيام الليل.
وهذا من العقل ومن النباهة التي يوفق لها العبد؛ أن يعرف قيمة ما يفعل ويطبقه دون أن يحتقر بقية الناس، ودون أن ينظر إلى الآخرين بعين القصور، ودون أن يدخل في قلبه من الرياء والكبر والعجب الذي يفسد عليه دينه. ومن الأسباب التي توصل الإنسان إلى هذا الأمر أيضًا: النسب؛ إذا كان الإنسان يرى في نفسه أنه من نسب رفيع، أو من قبيلة مرموقة معروفة في بلده أو في حيه أو في مجتمعه، فهذا النسب قد يوصل الإنسان إلى الكبر والترفع.
يتكبر على الآخرين ويتفاخر عليهم، وهذا والله من نقص العقل. هل أنت الذي وجدت نفسك في هذه القبيلة أو في هذه العائلة أو في هذه الأسرة؟ هذا من توفيق الله عز وجل، أنت نشأت وليس هذا من فعلك.
ولهذا يقول الشاعر في بيت جميل: إذا افتخرت بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
ليس هذا الفعل الذي فعلته هو الصواب، أن تفتخر بهذا النسب على الآخرين؛ فهذا من نقص العقل وعدم التوفيق. الإنسان الذي يتفاخر ويتعالى على الآخرين بنسبه قد يبتليه الله عز وجل بالخذلان وعدم التوفيق.
النبي ﷺ في يوم من الأيام كان جالسا مع الصحابة، قال أحد الصحابة لآخر: «أنا ابن فلان ابن فلان»، يفتخر بأبيه وجده، فقال له الآخر: «فمن أنت؟ لا أم لك!»، وكأنه يزدري هذا الرجل الذي أمامه ويفتخر عليه بشرفه وبنسبه.
ذكر النبي ﷺ مباشرة قصة حصلت في بني إسرائيل، وما أكثر القصص التي في بني إسرائيل والقرآن مليء بذلك، فقال النبي ﷺ يحكي حال هذين الرجلين بقصة فيها العبرة والعظة والحكمة: «افتخر رجلان في عهد موسى عليه السلام من قوم موسى عليه السلام، فقال أحدهما: أنا ابن فلان ابن فلان ابن فلان ابن فلان»، فعد تسعة يفتخر بهم، فقال للآخر: «فمن أنت؟ لا أم لك؟»، كما فعل هذا الصحابي.
فقال الآخر: «أنا ابن فلان ابن فلان ابن الإسلام»، فأوحى الله إلى موسى أن هذا الرجل الذي افتخر بتسعة من أهل النار فهو عاشرهم، فهو من أهل النار بافتخاره بهؤلاء العشرة الذين لم يكونوا على دين موسى عليه السلام، وأما الآخر فافتخر باثنين من أهل الإيمان، وهو ثالثهم، وهذا والله فيه عبرة وعظة؛ أن الإنسان لا يتطاول على الناس لا بنسبه ولا بعائلته ولا بقبيلته.
نواصل بعد الفاصل إن شاء الله، من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشا ضعيفا: جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. وبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة.
فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ أيها الأحبة، نواصل الحديث عن هذه الصفة القبيحة والكبيرة من كبائر الذنوب التي يتمثل بها بعض المخذولين، وهي صفة الكبر، عياذا بالله من ذلك.
تحدثنا قبل الفاصل عن الأشياء التي توصل الإنسان إلى هذا الأمر؛ من المال والجاه والمنصب والنسب الذي يجعل الإنسان يفتخر على الآخرين ويتعالى عليهم. وأيضا هناك بعض القلوب المريضة التي تتكبر بدون سبب، أصبح هذا الأمر في قلبها صفة دائمة، مرض في القلب تشرب القلب بهذا المرض دون أن يكون هناك دوافع له، وهذا والله أشد وأبلى.
الإنسان قد يتكبر بماله، بجاهه، بمنصبه، بنسبه، لكن الكارثة أن الإنسان يتكبر وليس عنده شيء، وإنما مجرد مرض قلبي ونفس خبيثة دنيئة تتكبر على الآخرين حتى بدون سبب، وهذا في أخبث المنازل.
ولهذا قال النبي ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». لاحظوا العقوبة العظيمة في الآخرة؛ من هم يا رسول الله؟ ذكر الثلاثة: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر.
لأن هؤلاء الثلاثة ليس عندهم المقومات والأسباب التي تدعوهم إلى هذا الفعل؛ فالشيخ الزاني يعني شيخ في ضعفه وفي كبر سنه، فدواعي الشهوة ضعيفة عنده، فإذا وقع في الزنا فهو من أفسد الناس ومن أخبثهم. والملك الكذاب، والملك ليس فوقه إلا الله، فيكذب لماذا؟ الإنسان يكذب ليتجمل أو ليغطي شيئا، لكن إذا كان في أعلى المراتب لماذا يكذب؟ إلا لخبث وقذارة ودناءة، فهذا أيضا من أخبث المنازل.
الثالث: عائل مستكبر، والعائل هو الفقير، إنسان ما عنده المقومات ليتكبر على الآخرين؛ لا مال، لا جاه، لا منصب، لا مكانة اجتماعية، ومع ذلك يتكبر، وهذا دليل على خبث النفس ودنائتها وانحطاطها وتشبعها بهذا المرض الخبيث، وهو مرض الكبر الذي ليس هناك من الدوافع له. فهؤلاء من أخبث الناس ومن أشدهم دناءة وحقارة، ولهذا كانت العقوبة لهم يوم القيامة شديدة.
الكبر أيها الأحبة له آثار على الإنسان، إذا تشبع القلب به له آثار في الدنيا وأيضا في الآخرة؛ هذا يجعل الإنسان يحتاط لنفسه، يزكي هذه النفس ويطهر هذا القلب من هذا المرض الخبيث المكروه والممقوت عند الله وعند خلقه.
فهناك أيها الأحبة عقوبات تترتب على هذه الصفة، صفة التكبر عند الإنسان؛ هناك عقوبات دنيوية وهناك عقوبات أخروية. من العقوبات الدنيوية أن الإنسان يعاقب بخلاف قصده، هو يتكبر ليترفع لكن الحقيقة أنه يحتقر. والنبي ﷺ يقول: «حق على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه». فحق على الله أن الإنسان إذا ترفع وتعالى وتكبر، أن الله يضع هذا الإنسان ويذله.
وهذا أمر عظيم جدا لا بد أن يستحضره الإنسان في عقله. ولهذا قيل في المتكبر، وهذا والله مثال جميل ذكره العلماء، قالوا: المتكبر كالصاعد فوق الجبل؛ يرى الناس صغارًا ويرونه صغيرًا. الإنسان الذي في قمة الجبل أو في أعلى عمارة شاهقة، عندما ينظر إلى الناس يراهم صغارًا، وأيضًا الناس الذين يراهم صغارًا هم عندما يرونه في قمة الجبل أو في أعلى العمارة يرونه أيضًا صغيرًا، فهذا هو حاله في أعين الناس، وهذا هو قدره في أعين الناس.
فالله عز وجل يعاقب المتكبر بخلاف قصده أيضًا الحرمان من العلم والنظر والتدبر والتفكر والاستنباط، الذي يوفق له أهل العلم الذين يبتعدون عن هذه الصفة. ولهذا ذكر الله عز وجل في كتابه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۖ وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۖ وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146].
يصرف الله عز وجل قلبه، يصرف عقله عن فهم القرآن، عن فهم السنة، عن تدبر آيات الله، عن جمال العلم ولذته في القلب بسبب هذا التكبر الذي يكون في قلبه. لهذا ذكرنا في الحلقة الماضية أن من الخذلان أن الإنسان يتكبر بالعلم، وهذا قد يكون من العقوبة التي تكون في قلب الإنسان؛ أن الله عز وجل يصرف عنه هذه البركة التي تكون في العلم، والعلم كله بركة وخير ونور. ولهذا يقول الإمام أحمد في كلمة جميلة: «العلم لا يعدله شيء إذا صحت النية». فالعلم عظيم، لكن إذا كان الإنسان في قلبه هذا الكبر فإنه يحرم بركة العلم.
أيضًا من نتائج وعقوبات الكبر في الدنيا أن الله يطبع على قلب الإنسان؛ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار، يطبع الله على قلبه فلا يعرف الحق، ولا يكون عنده نور البصيرة، وإنما يكون مخذولًا غير موفق في الدنيا عياذًا بالله، وهذا بسبب هذه الصفة القبيحة التي تكون في قلب الإنسان.
أيضًا حلول البلاء؛ فالإنسان المتكبر الذي لا يعرف نعمة الله عليه يحل عليه البلاء، إذا تكبر فقد يكون هذا عقوبة معجلة دنيوية أو أخروية. كما حصل مع الرجل الذي كان عند النبي ﷺ بشماله، فقال له النبي ﷺ: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، وأكل بشماله. طبعًا لا يستطيع، ليس معناه أن يمينه مشلولة أو فيها شيء، وإلا النبي ﷺ ابتداءً لم ينصحه لو كان عنده عذر، لكن النبي ﷺ نصحه فترفع وتكبر وتعالى على نصيحة النبي ﷺ، قال: لا أستطيع. فقال النبي ﷺ: «لا استطعت»، دعا عليه النبي ﷺ فشلت يده. شل يده عقوبة معجلة بسبب الكبر الذي كان في قلب الإنسان والترفع الذي حصل له، وكم الآن نرى عندما يُنصح الإنسان عن يمينه إما يتحجج أو يتعلل أو يستهزئ ويسخر من هذا الأمر.
وهذا حديث عظيم من أحاديث النبي ﷺ في هذا الأمر. وخصوصًا هناك أيضًا عقوبات أخروية تجعل الإنسان العاقل الحصيف الذي يعرف ما ينفعه مما يضره، ويخاف عقاب الله عز وجل، يبتعد عن هذه الصفة القبيحة؛ فإن الإنسان المتكبر يلقى الله وهو غضبان عليه. والنبي ﷺ يقول: «من تعظم في نفسه أو اغتال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان». يلقى الله يوم القيامة والله عز وجل غاضب عليه بسبب هذه الصفة؛ لأنه نازع الله في صفة من صفاته وفي اسم من أسمائه، كما ذكرنا في لقاء ماضٍ، الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني أحدهما قذفته في النار».
أيضًا التكبر أيها الأحبة مما يلقاه الإنسان في الآخرة عياذًا بالله، أنه يعاقب بأشد العقاب جزاءً وفاقًا. أخبر النبي ﷺ أنه يحشر يوم القيامة المتكبرون كأمثال الذر، النمل الصغار الذي لا نراه إلا إذا دققنا، عندما نمشي لا نراه وندوسه في الأرض ونحن لا نراه. يقول النبي ﷺ إنهم يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يطأهم الناس يوم القيامة جزاءً وفاقًا؛ تكبر في الدنيا أذله الله عز وجل في الآخرة.
وأيضًا من أعظم ذلك أنه يحرم الإنسان من دخول الجنة ابتداءً، فكما قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» عياذًا بالله. فنسأل الله عز وجل أن يحمينا من هذه الصفة القبيحة، وأن يطهر قلوبنا منها. وباذن الله نتحدث في الحلقة القادمة عن علاج هذه الآفة الخطيرة والكبيرة من كبائر الذنوب. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغبا في كل علم نافع ... متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلا يأتيك ميسورا ... بأي مكان والسيرة العلياء عاطرة الشذى يفوح لأهل كل زمان بشرى ... لنا زادنا بالعلم كالأزهار في البستان
د. عبد العزيز بن محمد الجهني