بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديميتكم أكاديمية زاد، التي أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك فيها وفي طلابها وفيما يلقى فيها من علم، وأن يجعلنا جميعاً مباركين موفقين مسددين في كل أعمالنا.
ما زال الحديث أيها الأحبة في مادة التربية وفي مقرر أمراض القلوب، ما زال الحديث عن مرض عظيم جداً من أمراض القلوب، ومفسد من مفسدات القلوب أيضاً، الذي يفسد على الإنسان دنياه وقد يفسد عليه آخرته أيضاً إذا تشبع القلب من هذه الآفة الخطيرة، وهي آفة الكبر التي تكلمنا عنها في حلقتين ماضيتين، ونختم الحديث عن هذه الآفة الخطيرة جداً في هذه الحلقة.
تكلمنا في الحلقتين الماضيتين عن الكبر، ما هو معناه ومفهومه وكيف يكون الكبر عند الإنسان، وأيضاً عن أسباب هذا الكبر، وعن الأمور التي تجعل الإنسان يتكبر ويترفع عن الناس، والمظاهر التي تكون في هذه الصفة القبيحة. قد يكون الكبر عند الإنسان في كلامه، يتكبر على الناس بكلامه؛ يتعالى ويترفع عليهم، وقد يكون بازدرائهم واحتقارهم، وقد يكون بعدم السلام عليهم؛ لا يسلم عليهم، وبعدم الجلوس معهم، هناك أحوال كثيرة تكون فيها هذه الصفة وتظهر على الإنسان عندما يتعامل مع الآخرين تكبراً ترفعاً؛ لا يسلم، لا يجلس، لا يتواضع، لا يرحم الآخرين. يكون عنده هذه الصفة القبيحة وهي صفة التكبر، وهي ظاهرة فيه، قد تكون في أعماله وقد تكون في كلامه.
علاج هذه الآفة أيها الأحبة -ونختم هذا الحديث عن هذه الآفة العظيمة والكبيرة من كبائر الذنوب- متيسر بحمد الله، خصوصاً إذا نور الله عز وجل بصيرة العبد وعرف ما هي النتيجة إذا تمثل الإنسان بهذه الصفة القبيحة. ذكرنا في اللقاء الماضي أن الكبر آفة على الإنسان في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا يعاقبه الله بخلاف قصده، ويحتقره الناس، ويذله الله، ويحرمه أيضاً لذة العلم ونور البصيرة، آفات كثيرة تتوالى على الإنسان بسبب هذه المعصية العظيمة. أيضاً في الآخرة يعاقب الإنسان؛ يعاقب بأن يحرم من دخول الجنة ابتداءً، ويعذب إن لم يتب الله عز وجل عليه، فلو تفكر الإنسان فيما يحصل له من هذه الآفة الخطيرة لتاب إلى الله ورجع وأناب، وخضع لله عز وجل، وتطهر وزكى هذه النفس، وطهر هذا القلب من هذه الآفة القبيحة التي تملأ بعض القلوب.
من أعظم أنواع العلاج للإنسان ولهذا القلب من هذه الآفة: كثرة الدعاء والاستعانة بالله عز وجل. أولاً يا إخوان لا بد أن الإنسان يكتشف هذا المرض في قلبه؛ لأن بعض الناس يكابر ويعاند حتى في إثبات هذه الصفة، هو يقول: أنا لست من المتكبرين، وفيه من الكبر ما ليس في قارون ولا فرعون وينفي هذا الأمر! فكيف يعالج نفسه؟ الإنسان إذا ما أقر بمرضه كيف يتعالج؟ فلابد أن الإنسان إذا وفقه الله عز وجل واكتشف عنده صفة من صفات المتكبرين؛ يمر ببعض الناس الفقراء المساكين لا يسلم عليهم، يزدريهم في كلامه، يحتقرهم؛ فإذا وجد من نفسه هذه الصفة فإنه يعالج هذه النفس الأمارة بالسوء.
وأعظم ذلك الاستعانة بالله وكثرة الدعاء، والدعاء فيه نوع من الذل والانكسار والخضوع الذي يربي هذه النفس؛ لا يجعلها تترفع. الإنسان يا إخوان لا يمكن أن يكون في قلبه شيء من الكبر وهو كثير الدعاء، كثير الخضوع، كثير الذل والانكسار بين يدي الله؛ لأن الدعاء يربي الإنسان على الانكسار، على اللين، على الخضوع، على الاستكانة، على الرحمة. انظروا إلى حال الداعي عندما يرفع يديه ولو كان من أغنى الأغنياء، هو يرفع يديه كالفقير والمحتاج، لكنه فقير إلى الله محتاج إلى الله، فهذا الأمر يا إخوان يجعل الإنسان يتربى على التواضع، على الاستكانة، على عدم الترفع.
وهذا نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. أي أن الذي يستكبر عن عبادة الله ويترفع، فمن باب أولى أنه سيترفع على خلق الله؛ فإذا كان هو يستكبر عن دعاء الله وعن عبادة الله، فمن باب أولى أن يتكبر ويترفع عن الناس، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي صاغرين.
ذكرنا في الحلقة الماضية أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر يطأهم الناس، ويغشاهم الذل من كل مكان عياذاً بالله. فما أقبحها من صفة وما أشده من عذاب يوم القيامة، عندما يتخيل الإنسان أنه في ذلك اليوم الذي يكون محتاجاً فيه لرحمة الله، محتاج لحسنة واحدة تقربه عند الله وترفعه عند ربه وتنجيه من عذاب الله، لكن يكون في ذلك اليوم في أحقر مكان وفي أذل مكان وفي أخزى حال، عياذاً بالله من ذلك؛ يكون كالذر يحشرون، يحتقرهم الناس ويغشاهم الذل من كل مكان. فيحرص الإنسان أيها الأحبة على كثرة الدعاء والإلحاح على الله عز وجل أن يطهر قلبه من هذا المرض، وأن يزكي هذه النفس، وأن يجعلها خاضعة ذليلة رحيمة متواضعة لله عز وجل ولخلقه أيضاً.
من الأدعية التي يحسن بالمسلم أن يحرص عليها ما جاء عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه من دعاء الاستفتاح في الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح صلاته بقوله: «الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً» ويقولها ثلاثاً، ويقول: «سبحان الله بكرة وأصيلاً» ثلاثاً، ثم يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه وهمزه ونفثه». وجاء في الحديث تفسير هذه الثلاثة: النفخ هو الكبر الذي ينفخ فيه الشيطان في قلب الإنسان ليوصله إلى هذه الصفة القبيحة، التي هي من صفات إبليس عندما تكبر على أبينا آدم، لما أمره الله عز وجل بالسجود قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَنِي مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] فتكبر، فكان هذا الذنب الذي ابتلاه الله عز وجل به بأن طرده من الجنة وحكم عليه بالنار يوم القيامة.
ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما؛ أما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل؛ النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: "سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور". ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم.
لا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. إن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم. ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل، وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
توقفنا قبل الفاصل عند أعظم سبب يعين الإنسان على التخلص من هذه الآفة الخطيرة التي في القلوب، وهو الدعاء وكثرة الإلحاح على الله عز وجل والاستعانة بالله. وذكرنا دعاء الاستفتاح الذي كان يستفتح به النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته؛ «الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً» يقولها ثلاثاً، ويقول: «سبحان الله بكرة وأصيلاً» ثلاثاً، ثم يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه». النفخ هو الكبر؛ ينفخ فيه الشيطان، ينفخ فيه الإنسان حتى يوصله إلى هذه الآفة، والشيطان لا يريد بنا خيراً؛ الشيطان يريد من الإنسان أن يتكبر لأنه يعلم أن هذا الكبر سيكون سبباً في دخوله النار، وهذا الذي يريده هذا العدو لنا أن ندخل معه النار، فيكون بهذه الصفة؛ النفخ الذي ينفخ الشيطان في قلب العبد المسكين الذليل حتى يتكبر ويتعاظم ويتعالى على الناس.
أيضاً من الأسباب التي تعين الإنسان على التخلص من هذه الآفة هو كثرة السجود والذكر والعبادة لله عز وجل، الذي يعتاد العبادة ويعتاد على كثرة السجود لله عز وجل، ويضع هذه الجبهة وهذا الأنف على الأرض خضوعاً وذلاً واستكانة وانطراحاً بين يدي الله وفقراً لله عز وجل، فإنه لا يمكن أن يتكبر؛ لا يمكن لإنسان يكثر السجود ويستعين بالله عز وجل بهذه العبادة في تطهير هذه النفس وتزكيتها أن يدخل الكبر إلى قلبه أبداً.
كيف يدخل الكبر إلى قلب إنسان هو دائماً خاضع لله، يكثر السجود لله عز وجل والانطراح بين يديه، ويكسر هذه النفس ويذل هذا الجسد ويجعل ما يعلو الجسد -الذي هو يتعاظم فيه الإنسان- يجعله على الأرض خضوعاً وذلاً واستكانة وانطراحاً بين يدي الله عز وجل؟ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15]. إذا سمعوا آيات الله خروا وخضعوا لها وسجدوا خضوعاً لله عز وجل، هذا لا يمكن أن يكون في قلبه شيء من الكبر. ولهذا يقول الحسن البصري رحمه الله -أبو سعيد التابعي الجليل عليه نور النبوة، كلماته عظيمة وجليلة-: "السجود يذهب بالكبر، والتوحيد يذهب بالرياء".
السجود يذهب بالكبر؛ الإنسان الذي يعتاد السجود والخضوع والذل بين يدي الله لا يمكن أن يتمكن هذا الداء من قلبه، وتتمكن هذه الآفة من قلبه، ويكون في نفسه هذه الكبيرة من كبائر الذنوب. فلا بد للإنسان أن يحرص على هذا الأمر وأن يربي نفسه على الانطراح بين يدي الله. إذا كان السجود يكون سبباً لرفعة الإنسان ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وكلنا نعلم حديث ربيعة بن كعب الأسلمي الشاب الصغير الذي قرب للنبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام وضوءه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ربيعة سلني» حتى يكافئه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العمل، وهو خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من رحمته عليه الصلاة والسلام وحبه للخير للناس، فقال: «سلني يا ربيعة».
فقال ربيعة -وانظروا شاباً صغيراً، انظروا بماذا يفكر- قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة. استغرب النبي صلى الله عليه وسلم من جواب شاب صغير، يفكر الإنسان قد يكون بأمور دنيوية عندما يعرض عليه عظيم من العظماء شيئاً من الحاجات الدنيوية أو غيرها. فبماذا نفكر؟ لو عرض هذا علينا، بماذا نفكر؟ في المال، في البيت، في السيارة، في أشياء قد لا يصل إلى مستوى هذا التفكير عند هذا الشاب الموفق المبارك المسدد الصحابي رضوان الله عليه. فقال: «أو غير ذلك يا ربيعة؟» قال: هو ذاك يا رسول الله. وما يريد إلا مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم، وما أعظمها من مسألة وطلب ورغبة عظيمة جداً تقصر عندها كل الرغبات الدنيوية، وكلنا يحلم بهذا الأمر، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يرافق النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى من الجنة.
فقال: أو غير ذاك يا ربيعة؟ قال: هو ذاك يا رسول الله. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، أعني على نفسك بكثرة السجود. هنا النبي صلى الله عليه وسلم خص السجود بهذا الأمر، لأن في السجود معاني عظيمة جداً لا يتخيلها الإنسان. منها أن هذا السجود يكسر هذه النفس ويربيها، ويجعلها تتواضع وتستكين ولا تترفع ولا تغتر، ولا يكون فيها الفخر والخيلاء على الناس، وإنما السجود يربي هذه النفس.
فما أعظم هذه العبادة أيها الأحبة التي يحرص عليها الإنسان ويكثر منها، والإكثار في الحديث هو دلالة على كثرة النوافل، وإلا فكل الناس تصلي الفرائض. ولكن كيف أعني على نفسك بكثرة السجود؟ يعني كثرة النوافل التي يكون فيها هذا السجود، الذي هو أعظم ركن من أركان الصلاة. كثرة السجود يربي الإنسان على هذا الأمر، ويسل هذه الآفة من القلب. الإنسان إذا كان دائماً في خضوع وذل واستكانة لله عز وجل، فلا يمكن أن يتمكن الشيطان من قلب العبد فينفخ فيه هذا الكبر، وهذه الآفة الخطيرة والكبيرة من كبائر الذنوب.
أيضاً مما يعين الإنسان أيها الأحبة ويطهر القلب من هذه الآفة، محاولة أن يعرف الإنسان حقيقة نفسه. الإنسان الذي نور الله بصيرته يعرف، أنا من؟ وكيف خلقت؟ فهذا الإنسان الذي خلق من ماء مهين، الله عز وجل يقول: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 17-19]. كيف يتكبر الإنسان إذا عرف حقيقة نفسه؟ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54]. الإنسان إذا عرف حقيقة نفسه، خلقه الله عز وجل من ماء مهين، كيف يتكبر الإنسان وكيف يترفع وهو يعلم حقيقة نفسه؟ وهذا والله من نور البصيرة الذي يوفق لها بعض العباد.
ولهذا يقول الأحنف بن قيس، وهو الرجل الحليم الذي أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة. يقول الأحنف رضي الله عنه: عجباً لابن آدم، عجباً لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين. وكلنا يعلم ذلك، خرج المرة الأولى نطفة من الرجل، ويخرج مرة أخرى بالولادة من المرأة، كيف يتكبر الإنسان وقد خرج من مجرى البول مرتين؟ هذا إذا الإنسان أعطاه الله عز وجل نور البصيرة والتفكر في حاله.
ولذا يروى أن أحد التابعين، هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، يروى عنه أنه رأى أحد الأمراء وهو المهلب بن أبي صفرة، رآه يتبختر في مشيته ويتكبر، وهو أمير ويشعر بالفخر والخيلاء، فنصحه ونهاه عن هذه المشية، فرد عليه برد أيضاً فيه فخر وخيلاء وكبر، فقال: أما تعرفني؟ حتى أسلوب الكلام فيه كبر عياذا بالله من ذلك. قال: نعم أعرفك، بلى أعرفك؛ أعرفك أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين جنبيك تحمل العذرة. فسبحان الله، أعطاه وصفاً جعل هذا الأمير كما جاء في القصة ينكسر ويترك هذه المشية التي فيها التكبر والترفع.
فستاني يقتل كل عام ستة ملايين شخص تقريباً، منهم أكثر من خمسة ملايين ممن يتعاطونه أو سبق لهم، وأكثر من ستمائة ألف شخص ممن يتعرضون له بشكل غير مباشر. إنه التدخين، مدمر الصحة وقاتل الملايين. ووفقاً لما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن شخصاً واحداً يقضي نحبه من جراء التدخين كل ست ثوانٍ تقريباً، مما يمثل عشر وفيات البالغين. ونظراً للسنوات العديدة التي تفصل بين بدء الناس في تعاطي التدخين وبدء معاناتهم الصحية منه، فإن العالم قد بدأ يشهد زيادة الأمراض والوفيات ذات الصلة بالتدخين. ففي مقابل مائة مليون وفاة في القرن العشرين قد سببها تعاطي التدخين، قد تبلغ الوفيات في القرن الحادي والعشرين نحو مليار وفاة متى استمر تعاطيه بتلك الصورة المتزايدة.
هذا وقد أثبتت التجارب والأبحاث العلمية الحديثة خطر التدخين المميت على جسم الإنسان بأجهزته المختلفة، حيث يصاب المدخن بأمراض خطيرة منها: سرطان الرئة، ضعف الأعصاب، جلطات القلب، وموت الفجأة، التهاب الشريان التاجي المغذي للقلب، الذبحة الصدرية، سرطان المريء، وسرطان المثانة والكلى، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن معرفة الإنسان لحقيقة نفسه، وهذا من أعظم الأسباب التي تعين على طرد هذه الصفة من قلب الإنسان واستئصالها، وهي أن الإنسان يعرف قيمة نفسه، يعرف قدر نفسه، يعرف ضعف نفسه، وأنه فقير محتاج إلى الله عز وجل، وينظر أيضاً في خلقه الذي خلق من ماء مهين.
أيضاً من الأسباب المعينة والعظيمة أن الإنسان ينظر في هذه الأسباب التي قد تكون دافعة للكبر: النسب، المال، الحسب، المكانة، الجاه، المنصب. هذه كلها نعم من الله، وليست بجدك وليس باجتهادك، وإنما هي فضل محض من الله. فالإنسان إذا عرف هذا الأمر فلا يمكن أن يتفاخر. كيف يتفاخر مثلاً بالنسب؟ وهو لم يختر لنفسه أن يكون من العائلة الفلانية أو من البلد الفلاني، هذا أنت خلقت هكذا، ليس شيء من فعل يدك حتى تفتخر به. ولهذا يقول الناس الآن: الرجل عصامي أو عظامي، العصامي الذي يفتخر بعمله، والعظامي الذي يفتخر بعظام آبائه البالية. وهذا الإنسان إذا عرف يفتخر بشيء لم يكن من فعله، هذا والله من الخذلان وعدم التوفيق، وكيف يفتخر بشيء ما جعله الله عز وجل مكاناً للفخر؟ مثلاً الذي يفتخر بنسبه، هل هو اختار هذا النسب؟ وبعدين كلنا لآدم وآدم من تراب، كما قال الشاعر: الناس من جهة التمثيل أكفاءُ ... أبوهُمُ آدمُ والأُمُّ حواءُ فإن يكن لهم من أصلهم شرفٌ ... يفاخرون به فالطينُ والماءُ يعني كلنا لآدم وآدم من تراب.
الإنسان إذا عرف هذه الحقيقة، أنت الآن تفتخر على من؟ تفتخر على من تجتمع معه في أصل واحد وهو آدم، وآدم من تراب، فلماذا تفتخر على أخيك المسلم؟ هنا الإنسان إذا نور الله عز وجل بصيرته وعقله عرف حقيقة هذا الأمر. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. لماذا خلقنا الله عز وجل شعوباً وقبائل؟ هل لنتفاخر؟ انظروا إلى التعليل، اللام التي تأتي بعد هذا الخبر، قال: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ وليس لتتفاخروا، وإنما لتعارفوا؛ حتى يعرف الإنسان نسبه وعائلته ويصل رحمه بهذا الأمر. لكن أن يكون هذا سبباً للفخر، هذا والله من نقص العقل. ثم ختم الله عز وجل هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. يعني ليس الفضل بالنسب، وإنما هو بالتقوى. فكيف يفتخر الإنسان بأمر ليس من فعل يده، وليس هو سبب للفخر، وإنما هو مدعاة للتواضع؟
وهذا أيضاً يأتي بالأمر العظيم الذي يربي هذه النفس ويهذب هذه النفس ويطهر هذا القلب من هذه الكبيرة، ومن أعظم ذلك التواضع؛ أن يتحلى الإنسان بصفة التواضع، وهي والله صفة عظيمة جداً، وإذا وفق لها العبد فهو على خير عظيم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». أوحى الله إليه أن تواضعوا. والنبي صلى الله عليه وسلم طبق هذه الحقيقة في حياته، فهو سيد المتواضعين صلوات ربي وسلامه عليه. كما جاء في وصفه في بيته وفي تعامله مع أهله، كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق الذي وصل إلى سدرة المنتهى والذي اصطفاه الله عز وجل على العالمين، ومع ذلك كان في بيته كما تقول عائشة رضي الله عنها: كان في مهنة أهله، يعني يخدم أهله، كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته صلوات ربي وسلامه عليه.
فهذا والله حقيقة التواضع، وقمة التواضع في خلق نبينا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا صلوات ربي وسلامه عليه. كان يركب على الدابة، ويردف على الحمار، ويمشي مع الناس، ويحدث الجارية، ويتعامل مع الصغار ويسلم عليهم، في حياته التواضع الذي يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يرى التواضع ظاهراً جلياً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أراد القدوة فهذا هو القدوة، هذه هي القدوة الحقيقية لنا، هو حبيبنا ونبينا وإمامنا صلوات ربي وسلامه عليه. فحياته كلها تواضع، حتى مع الصغار، مع الموالي، مع الرقيق، مع الفقراء، مع المساكين، النبي صلى الله عليه وسلم كان يمتثل هذا الخلق في كل حياته.
فإذا الإنسان أيها الأحبة ربى نفسه على خلق التواضع، وهو من أعظم الصفات التي تكون في العبد الموفق المسدد الذي يكسر هذه النفس ويتواضع لخلق الله عز وجل، والله إنه من أعلى الناس وأعظمهم وأجلهم في أعين الناس وأيضاً عند الله عز وجل، ومن تواضع لله رفعه، كما أن من تكبر وترفع على الناس أذله الله، الجزاء من جنس العمل. إذا تواضع الإنسان رفعه الله، وإذا تكبر أذله الله. والإنسان يختار لنفسه.
وما أجمل قول أبي العتاهية في قصيدته المعروفة والمشهورة: نأتي إلى الدنيا ونحن سواسية ... طفل الملوك كطفل الحاشية ونغادر الدنيا ونحن كما ترى ... متشابهون على قبور حافية أعمالنا تعلي وتخفض شأننا ... وحسابنا بالحق يوم الغاشية حور وأنهار قصور عالية ... وجهنم تصلى ونار حامية فاختر لنفسك ما تحب وتبتغي ... ما دام يومك والليالي باقية وغداً مصيرك لا تراجع بعده ... إما جنان الخلد وإما الهاوية
يختار الإنسان لنفسه من هذا الخلق الكريم أو ذلك الخلق الذميم، فالإنسان هو الذي يربي نفسه، هو الذي يهذب نفسه، هو الذي يعرف حقيقة نفسه، هو الذي يطهر هذه النفس ويزكيها. يتعامل مع خلق الله عز وجل بما يحبه الله من صفة التواضع، ويبتعد ويجتنب الصفات القبيحة، ومن أخسها ومن أدناها وأذلها هي صفة الكبر التي تكون في الإنسان. فما أعظمها أن يربي الإنسان هذه النفس ويذل هذه النفس ويزكي هذه النفس ويطهرها، حتى تخضع وتذل لأمر الله فلا تتكبر ولا تترفع.
والإنسان أيها الأحبة طبيب نفسه، قد يخادع الناس، قد يخادع الآخرين لكنه لا يمكن أن يخادع الله، لا يمكن أن يخادع الله الذي يعلم السر وأخفى. الإنسان قد يقول بلسانه ويدعي بأنه ليس من المتكبرين، والدعاوى إن لم تكن عليها بينات أصحابها أدعياء، فالقضية ليست بالكلام والادعاء وإنما بالفعل. الإنسان يعرف كما يتعامل مع الناس خصوصاً مع المساكين، مع الفقراء، مع الضعفاء، هنا يظهر حقيقة الإنسان ويظهر ما في قلبه من هذه الآفة الخطيرة والكبيرة من كبائر الذنوب. يظهر على الإنسان عندما يترفع عن السلام على المساكين على الضعفاء، عندما ينظر إليهم بازدراء واحتقار، عندما لا يرى لهم مكانة ولا منزلة وإنما يرى أنه في منزلة أعلى وأجل وأعظم منهم، هنا تكون حقيقة الكبر في قلب هذا المخذول المسكين الذي لا يوفق لا في الدنيا ولا في الآخرة. في الدنيا يعاقب بخلاف قصده، وأيضاً هو مبغوض مكروه عند الناس، وفي الآخرة يعاقب بالعقاب الشديد أنه لا يدخل الجنة ابتداء، عياذاً بالله من ذلك.
فنسأل الله عز وجل أن يطهر قلوبنا، وأن يزكي نفوسنا، وأن يجعلها رحيمة، وأن يجعلنا من عباده المتقين المنيبين الأوابين التائبين العابدين الخاضعين الذليلين له، ويجعلنا ممن يوفق ويسدد في دنياه وفي أخراه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني