دخولتسجيل الدخول

راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. مكارم الأخلاق ندرسها معا، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد وفي مادة التربية وفي مقرر أمراض القلوب.

في هذه الحلقة سنقف مع داء عظيم يحل بقلب الإنسان، وهو حقيقة من الأدواء التي تدل على فساد القلب، عياذا بالله من ذلك. وينبغي للمسلم الحريص على دينه، الحريص على إيمانه، الحريص على قلبه وعلى سلامته، أن يحذر من هذه الآفة الخطيرة، وأعني بها آفة ومرض الحسد.

الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهذا يدل على فساد قلب هذا الإنسان الذي تشبع بهذا المرض، أنه يتمنى زوال النعمة عن إخوانه المسلمين، وإلا فالقلب السليم، القلب الصافي النقي التقي، هو الذي يحب الخير لإخوانه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

فماذا يستفيد الإنسان إذا كره الخير الذي يناله إخوانه المسلمون؟ ماذا يستفيد الإنسان إذا حسد أخاه وتمنى زوال النعمة عنه؟ وكما قيل في الأمثال: «هدم ألف منزل لا يزيد في بيتك طوبة». إذا أنت لا تستفيد إذا حلت النقم بإخوانك المسلمين أو زالت عنهم النعم، فإن هذا لا يزيد في نعمك ولا يرفع في درجتك ولا مكانتك شيئا، وإنما هو فقط فساد في القلب ومرض وبغضاء تكون في قلب هذا الإنسان الذي يكره الخير لإخوانه.

ولا شك أن هذا فساد عظيم في قلب الإنسان، ولهذا يجب على المسلم أن يحتاط من هذا الداء ومن هذا البلاء الذي يحل بكثير من الناس مع الأسف، بسبب حسد الأقران، وهذا يكون مع الأسف حتى عند بعض طلاب العلم، أو يكون بين الأقارب عندما يتميز أحدهم بشيء معين، كما قال الشاعر: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه .. فالناس أعداء له وخصوم

فهذا لا يحل بالناس، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا البلاء موجود في الأمم السابقة، وقد دب إلى هذه الأمة هذا المرض الذي ينتشر في قلوب الناس بسبب هذه النعم التي يراها بعض الناس على إخوانه، فيمتلئ قلبه بغضا وكيدا وخبثا وفسادا لإخوانه المسلمين.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء». هذا كان داء ومرضا في الأمم السابقة، وهذا يدل على أن الحسد يكون في قلوب البشر جميعا إذا لم يعن الله عز وجل العبد على كبته وعلى إذهابه، ويطهر قلبه بقدر المستطاع.

وقد ذكر العلماء سبب ذكر هاتين الآفتين، وإن كان هناك آفات كثيرة عظيمة، لكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحسد والبغضاء؛ فالحسد هو آفة قلبية وتكون باطنة، والبغضاء هي التي تكون ظاهرة، هي آفة ظاهرة في جوارح الإنسان، البغضاء هو الذي يظهره الإنسان على جوارحه في كلامه وفي أفعاله. هذا الذي يكون من الإنسان من البلاء الذي يحل بالعبد، أن يكون في قلبه الحسد، وأن تكون في تصرفاته البغضاء.

الحسد أيها الأحبة مرض خطير، وبلاء كبير، وآفة تحل بقلب الإنسان فتفسد هذا القلب عياذا بالله. ولذا قيل: «لا يخلو جسد من حسد». الغالب في طبيعة البشر أن هناك يحصل غير من تميز بعض المسلمين، فالإنسان في الغالب يكون في قلبه شيء من هذا الحسد، لكن المؤمن الموفق المسدد الذي يحرص على سلامة قلبه فإنه يكبت هذا الأمر، ويستعيذ بالله عز وجل، ويحاول أن يصفي قلبه وأن يطهر قلبه من هذه الآفة.

ولذا لما سئل الحسن البصري رحمه الله رضي الله عنه: أيحسد المؤمن؟ قال: «ما أنساك بني يعقوب!»، يعني إذا هل نسيت فعل أبناء يعقوب بأخيهم يوسف وهم مؤمنون؟ قال: «نعم، ولكن المؤمن يكبت والمنافق يظهر». والمنافق يظهر، فالإنسان يكبت هذا، وكما قال الحسن البصري رحمه الله: «ولكن عمه فإنه لا يضرك»، يعني أخفه واستعذ بالله من هذه الوساوس وهذه الخطرات التي تأتي تسويل الشيطان للإنسان ومحاولة إفساد قلب هذا المسلم.

يكفي أيها الأحبة أن نعلم أن الحسد هو أول ذنب عصي الله به في السماء، وهو حسد إبليس لأبينا آدم، وأول ذنب عصي الله به في الأرض، وهو حسد قابيل لأخيه هابيل، فهذا أول معصية كانت في السماء وأول معصية كانت في الأرض، فهو بلاء عظيم.

أيضا هو صفة قبيحة من أقبح الصفات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم من صفات اليهود عليهم لعنة الله؛ من أخس صفاتهم وأقبحها وأدناها هي صفة الحسد التي تمتلئ قلوب اليهود بها، فهم قد حسدوا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وحسدوا المؤمنين.

فالله عز وجل ذكر عن حسدهم لنبينا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. أم يحسدون أي اليهود الناس؟ والمقصود بالناس هنا إما النبي صلى الله عليه وسلم، فحسدوه على الرسالة، أو العرب وأهل الإيمان من العرب، حسدوهم على النبوة التي كانت فيهم.

فالله عز وجل يقول: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فهم حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم وحسدوا أهل الإيمان وحسدوا العرب أيضا على وجود الرسالة فيهم؛ لأن اليهود كانوا يستفتحون على كفار العرب في المدينة، كالأوس والخزرج، بأن أنه سيظهر نبي منا، أي من اليهود، ونقتلكم به قتل عاد وثمود. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العرب حسده اليهود وهم يعلمون حقيقته ويعلمون صفته في كتابهم.

ولذا لما خرج أبو ياسر وحيي بن أخطب، والد صفية أم المؤمنين رضي الله عنها، خرجا وهما من أحبار اليهود، خرجا في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم عند خروج أهل المدينة ليستقبلوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو ياسر ليحيى: «أهو هو؟»، قال: «نعم هو هو»، قال: «وما تكن له؟»، قال: «العداء ما حييت، العداء ما حييت». وهذا هو الحسد الذي كان في قلوبهم مع معرفتهم للحق.

ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.

القدوة، الرموز الشخصية، الأسوة؛ جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وهي ذات أهمية كبرى وتأثير قوي لدى الشباب. ولا شك أن العاقل هو من يلتمس لنفسه قدوة حسنة ذات خلق عظيم ونهج قويم، تمتلك مقومات النجاح وأسباب الفلاح فيقتدي بها ويقتفي أثرها.

ومهما التمس الشاب المسلم لنفسه قدوة، فلن يجد خيرًا من النبي ﷺ، ثم أصحابه الكرام رضي الله عنهم. ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، كلفه النبي ﷺ بتعلم لغة اليهود فتعلمها وأصبح ماهرًا بها في خمس عشرة ليلة. وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما اجتهد حتى جمع علمًا غزيرًا تناقله كل من جاء بعده. ومصعب بن عمير رضي الله عنه أرسله النبي ﷺ سفيراً إلى المدينة ففتحها بالقرآن. ومعاذ بن جبل رضي الله عنه بعثه النبي ﷺ داعيًا إلى اليمن. وأسامة بن زيد رضي الله عنهما ولاه النبي ﷺ قيادة جيش المسلمين لغزو الروم ولم يبلغ العشرين من عمره. وهكذا كانوا على صغر سنهم يتحملون الأخطار ويحفظون الأسرار ويعبدون الله بالليل والنهار، فكانوا خير قدوة وأروع مثال.

قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: 100].

بشرى، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فقد توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن حسد اليهود للنبي ﷺ، وهذا يدل على خبث طوية هؤلاء القوم. ولا ينبغي لمسلم عاقل حريص على دينه وعلى إيمانه أن يتشبه باليهود في هذه الصفة القبيحة الخسيسة التي هي من أمراض القلوب.

فاليهود حسدوا النبي ﷺ، وحسدوا العرب على كون النبوة فيهم، أيضًا حسدوا أهل الإيمان على إيمانهم وأنهم اتبعوا النبي ﷺ وساروا على نهج نبيهم ﷺ، وهم يعرفون أن هذا هو الحق وأنهم بهذا سيكونون من أهل الإيمان ومن أهل الجنة، وهم معاندون خارجون عن الدين وخارجون عن الإسلام إذا استمروا على حالهم. فحسدوا أهل الإيمان، ولهذا ذكر الله عز وجل عنهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: 109].

ودَّ كثير من أهل الكتاب، أي أحبَّ ذلك، اليهود كثير من أهل الكتاب ودوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا، يعني هم يحبون أن يعيدوكم إلى الكفر الذي كنتم عليه قبل البعثة وقبل رسالة النبي ﷺ. لماذا يا الله؟ قال: ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]. مجرد الحسد فقط، وإلا لو كانت هذه القلوب صافية لدخلوا في الإسلام وأصروا وأصبحوا من أهل الإيمان وينالون أجرين؛ فمن آمن بنبي سابق ومن دخل في الإسلام من أهل الكتاب فإنه ينال أجرين كما أخبر النبي ﷺ.

لكن لمرض هذه القلوب وفسادها فإنهم لم يدخلوا في الإيمان، وأيضًا كرهوا لأهل الإيمان أن يستمروا في إيمانهم، وودوا لو أنهم يعودون إلى الكفر الذي كانوا عليه قبل بعثة النبي ﷺ. أيضًا جاء في السنة ما يدل على حسد اليهود وكرههم وبغضهم لأهل الإيمان، وهذا هو حالهم، هم أعداء لنا الآن من زمن النبي ﷺ وإلى قيام الساعة: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم».

فأخبر النبي ﷺ بحسد اليهود لنا حتى في العبادات التي تكون سببًا في تكفير السيئات ورفعة الدرجات، كما قال النبي ﷺ: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين». فهم حسدونا على هاتين العبادتين والشعيرتين العظيمتين، السلام والتأمين. لماذا؟ لأن السلام فيه حسنات وفيه بث للمحبة كما قال النبي ﷺ: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».

والإنسان إذا قال: «السلام عليكم» حصل عشر درجات، «السلام عليكم ورحمة الله» عشرون درجة، «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ثلاثون درجة، وهكذا الإنسان في خير وفي نعمة في هذا السلام الذي يستخدمه مع إخوانه المسلمين. كذلك التأمين، يقول النبي ﷺ: «من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». ونحن نؤمن في صلاتنا ست مرات في اليوم والليلة، في الصلوات الجهرية مرتان في صلاة المغرب ومرتان في صلاة العشاء ومرتان في صلاة الفجر، في كل مرة إذا آمن الإنسان ووفق لإدراك التأمين مع الإمام فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه. وهذه نعمة عظيمة أن يغفر للإنسان ما تقدم من ذنب ست مرات في اليوم والليلة، هذا فضل عظيم، ولهذا حسدتنا اليهود على هذه النعمة وهذا الفضل وهذا الكرم وهذا العطاء من ربنا ومولانا عز في علاه.

فهذه صفة اليهود، صفة الحسد، فلا ينبغي لمسلم أن يتمثل هذه الصفة أو يتشبع قلبه بهذه الصفة، وإنما الإنسان يجاهد هذه النفس ويحارب الهوى والشيطان الذي يدلّه أو يزين له هذا الأمر. وإذا رأى على أخيه نعمة أو رأى من أخيه نعمة فإنه يبرك على نعمة أخيه ويدعو الله عز وجل أن يبارك له فيها، وإذا أراد أن يسأل الله عز وجل أن يعطيه مثلها فله ذلك.

لأن الحسد كما ذكر العلماء على نوعين في مفهومه اللغوي: هناك حسد وهناك غبطة. الحسد أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن أخيه، وهذا هو المذموم وهذا هو القبيح وهذا هو الذي يدل على فساد القلب وخبثه، عياذًا بالله من ذلك؛ أن يتمنى زوال النعمة عن أخيه المسلم مع أنه لو فكر بعقله هو لا يستفيد شيئًا. وكما قلنا في المثل الذي قبل الفاصل: إن الإنسان هدم ألف بيت لا يزيد في بيتك طوبة. يعني لو ذهبت عن الإنسان النعم، لو ذهب عنه المال، لو ذهبت عنه الصحة، هل سيزيد هذا في صحتك أو في مالك؟ أبدًا والله. لكن هو طول خبيثة وفساد قلب يحصل عند هذا الإنسان، ولهذا يجب على المسلم أن يجاهد نفسه وأن يطهر قلبه وأن يزكي هذه النفس من هذا المرض الخبيث الذي يدل على دنائتها، عياذًا بالله من ذلك. الحسد المذموم هو الذي يتمنى فيه الإنسان زوال النعمة عن أخيه، هناك نوع آخر.

وهو يسمى بالمفهوم اللغوي بالحسد، لكنه محمود وليس مذمومًا، وهو الذي يطلق عليه الغبطة. والغبطة هي أن يتمنى الإنسان النعمة التي على أخيه، لا يتمنى زوالها عن أخيه، وإنما يتمنى أن يعطيه الله عز وجل مثل هذه النعمة؛ كأن يرى الإنسان أخاه حافظًا لكتاب الله، فيتمنى أن يكون مثله دون أن يتمنى زوال هذه النعمة عنه.

أو أن يكون الإنسان عنده ذرية صالحة، أو مال، أو تجارة، أو منصب، أو شهادة، أو علم، يعني عنده فضل من الله عز وجل، فلا يتمنى زوال النعمة عنه، وإنما يطلب من الله عز وجل أن يرزقه مثل هذه النعمة. فهذا ليس من باب الحسد المذموم، وإنما هذا من الغبطة المحمودة؛ فالإنسان يريد أن يستزيد من الخير ولا مانع في ذلك. إذا رأيت على أخيك نعمة فتسأل الله عز وجل أن يبارك له فيها وأن يعطيك مثلها، هذا لا بأس به وهذا محمود، وهو الذي يسمى الغبطة.

والنبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين»، وهنا الحسد بالمفهوم اللغوي؛ «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق»، يعني إنسان أعطاه الله عز وجل مالًا وفيرًا فهو يتصدق وينفق ويكفل أيتامًا ويحفر آبارًا ويبني مساجد، فهو يسلط هذا المال أو يهلكه في الحق وينفقه ويتصدق به. فالإنسان الفقير أو قليل ذات اليد عندما يرى هذا التاجر أو هذا الثري الذي أنعم الله عز وجل عليه بالمال وأنعم أيضًا بالتوفيق بأن عرف كيف يصرف هذا المال في حقه، فإنه يتمنى أن يرزقه الله عز وجل مثل هذا الرجل دون أن يتمنى زوال النعمة عن هذا التاجر أو عن هذا الثري.

والآخر الذي قال عنه النبي ﷺ: «ورجل آتاه الله علمًا فهو يعمل به ويعلم الناس»، هذا أيضًا الغبطة فيه محمودة والحسد بمعناه اللغوي محمود؛ بمعنى أن ترى إنسانًا رزقه الله عز وجل العلم فيعلم الناس ويفتي وينشر دين الله عز وجل، وهذه والله نعمة عظيمة. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. لا شك أن الذي يدعو إلى الله عز وجل هو وريث الأنبياء، وريث نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، والعلماء ورثة الأنبياء.

فالإنسان عندما يرى مثل هؤلاء يتمنى أن يكون مثلهم، دون أن يكون في قلبه بغض أو حسد لهؤلاء ويتمنى زوال النعمة عنهم، بل يتمنى أن يزيدهم الله من فضله وأن يعطيه مثلهم، وهذه هي المحمودة التي يتمنى فيها الإنسان أن يكون مثل إخوانه الذين أنعم الله عز وجل عليهم بالعلم أو بالمال.

نواصل بعد الفاصل إن شاء الله. يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم. فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم، لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.

قال سفيان الثوري: «كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا»، وقال عبد الله بن المبارك: «طلبتُ الأدب ثلاثين سنة، وطلبتُ العلم عشرين سنة». وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديمًا يدفعون أولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: «كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه»، وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق.

ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم على العلماء لا على الكتب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بأدبهم ويظهر عليه سمت العلم، والأدب هو نوره. قال عبد الله بن وهب: «ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه». ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي ﷺ قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد تحدثنا قبل الفاصل أيها الأحبة عن الفرق بين الحسد والغبطة، فالحسد مذموم وهو تمني زوال النعمة عن الغير، والغبطة محمودة وهي أن يتمنى الإنسان أن يناله من الخير كما نال إخوانه دون أن يتمنى زوال النعمة عنهم.

وهذا أيضًا فيه تربية للنفس، تربية للنفس أن الإنسان يحاول دائمًا أن يزكي هذه النفس، أن يطهر هذه النفس، وأن ينقيها من هذه الشوائب ومن هذه الأمراض وهذا الفساد الذي يكون في القلوب بأن يكره لإخوانه، وكما قلنا سابقًا في بداية هذه الحلقة إن الغالب أن هذه القلوب يعتريها هذا المرض، وكما قيل في الحكمة: «لا يخلو جسد من حسد».

ولهذا لما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5]. الاستعاذة من شر الحاسد متى؟ إذا أظهر هذا الحسد، لكن إذا كبته إذا كتمه في قلبه إذا لم يخرجه واستعاذ بالله من وسواسه فإنه لا يضر هذا المحسود، فإنه لا يضره.

لكن إذا تمادى فيه الإنسان، وإذا قال الله عز وجل: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، متى؟ إذا تمادى الإنسان في هذا الأمر، أي مشى مع هذه الطوية الخبيثة والنفس الأمارة بالسوء في أن يكره الخير لإخوانه، ولا شك أن الإنسان إذا تمادى في ذلك أيها الأحبة يوصله إلى ما هو أشد وأبلى، فالحسد هو مقدمة العين؛ الإنسان إذا امتلأ قلبه بالحسد فإنه قد يصيب هذا المحسود بالعين، قد يصيبه بالعين عياذًا بالله من ذلك، ولا شك أن هذا يدل على خبث في هذا الإنسان الذي يضر إخوانه المسلمين، نسأل الله عز وجل أن يطهر قلوبنا.

هناك أيها الأحبة أسباب للحسد، أسباب للحسد يجب على المسلم أن يراعيها وأن ينتبه لها حتى يطهر هذه النفس ويسلم من هذه الصفة القبيحة. من أسباب الحسد العداوة والبغضاء، بمعنى أن الإنسان يكره شخصًا معينًا ويبغضه، سواء كان قريبًا أو صديقًا أو زميلًا في العمل أو قرينًا له أو جارًا، فإنه يبغضه ويكرهه، فيكره كل نعمة تصيب هذا الشخص.

ويحسده عليها، يكره كل نعمة تصيب هذا الشخص ويحسده عليها. وهذا ولا شك أنه يدل على خبث قوي عند هذا الإنسان، وفيه البغضاء التي في قلبه لإخوانه المسلمين، وهذا ينافي صفة الإيمان؛ فالمؤمن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه.

أيضاً من أسباب الحسد قد لا يكون هناك بغض للآخرين، لكن هناك نفس خبيثة تكره الخير دائماً لأي أحد، لا يحب الخير إلا لنفسه، ففيه الأنانية وحب الذات، لا يحب لأحد من المسلمين الخير وإنما فقط يريد الخير لنفسه، ولا شك أن هذا يعني خبثاً في النفس عظيماً جداً. والإنسان يتمنى الخير لكل أحد، بل الإنسان الموفق هو الذي يدعو لنفسه ويدعو لإخوانه، وهذا أيضاً فيه بركة له؛ لأن الإنسان إذا دعا لإخوانه وكل الله عز وجل به ملكاً يقول: «ولك مثل ذلك، ولك مثل ذلك». وهذا من توفيق الله للإنسان الذي يحب الخير لإخوانه.

أيضاً من أسباب ظهور الحسد، وهو أمر مهم جداً خصوصاً في هذا الزمن، وحبذا حقيقة أن نعتني به، وهو ظهور النعمة على المحسود. بعض الناس يعرض نفسه للحسد، ما من نعمة تظهر عليه إلا ويبرزها أمام الناس، والناس ليسوا جميعاً محبين للخير له، فهناك الحاسد، وهناك العائن، وهناك المبغض، وهناك الكاره. فالإنسان يحاول دائماً ألا يظهر هذه النعم التي قد تحصل له أو لأولاده أو لأهل بيته أو في نفسه، فيحاول دائماً أن يخفي شيئاً من هذه النعم؛ لأنه لن تستفيد شيئاً من إظهارها للناس.

ولهذا يقال في الحكمة: «كل ذي نعمة محسود»، ويقول بعض الحكماء: «الناس حاسد ومحسود، ولكل نعمة حسود». فالإنسان يحاول أن يقلل من إظهار النعم. وطبعاً ليس معنى ذلك أن يخفي نعم الله عز وجل عليها التي هي تظهر بطبيعتها، إما من إظهار فضل الله عز وجل عليه بالمال أو بالسكن أو المنصب أو بالشهادة أو بغيره أو بالعلم، لكن يحاول أن يخفي بعض النعم التي ليست هناك حاجة لإظهارها؛ لأن الناس في الغالب لا يعطون خيراً، والنبي ﷺ يقول: «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود».

ولنا في كتاب الله عز وجل عبرة وعظة وآية عظيمة جداً في قصة يوسف وإخوانه. الإنسان عندما يتفكر في هذه القصة يرى العجب العجاب؛ يعقوب عليه السلام يقول لأبنائه لما أرسلهم إلى مصر: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: 67]. خشي عليهم العين، خشي عليهم الحسد، والعين أخوة، وكانوا في صحة وعافية ومنظر حسن، فخشي عليهم من العين. فهذا نبي من أنبياء الله عز وجل يوصي أبناءه بأن يتفرقوا حتى لا يصيبهم الناس بالعين ويحسدونهم على هذه النعمة.

وهذا أمر مطلوب أيها الأحبة، لكن مع الأسف حال الناس الآن العكس؛ أي نعمة ولو صغرت فإنه يحاول أن يظهرها إلى الناس، ما من نعمة تظهر عليه أو على أهل بيته إلا مصوراً. وقد ابتلينا الآن في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه حقيقة مع ما فيها من خير، لكن أيضاً ما فيها من مضرة الشيء الكثير؛ أضرت بأناس وأصابتهم بالأمراض والعيون، وفرقت بيوت وهدمت بيوت، وطلقت نساء بسبب هذه الوسائل، التصوير الذي يكون داخل البيوت في سناب شات وغيرها؛ ما من شيء يفعل إلا ويصور. الأكل يصور، الرحلة تصور، المطعم يصور، الغرفة تصور، الأثاث يصور، كل شيء يصور.

وهذه والله من الملايا ومن المصائب التي حلت ببيوت المسلمين أنها أصبحت مكشوفة ومعراة أمام الناس، الجميع يعرف ما بالبيت، الجميع يعرف ما حصل لهذه العائلة من نعمة، وهذا خطأ كبير جداً ويخالف ما أوصى به نبي الله يعقوب عليه السلام عندما أوصى بنيه بهذا الأمر: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾. فالإنسان يحرص على عدم إظهار أسرار بيته وما ينعم الله عز وجل عليه من نعم في بيته وعلى نفسه وعلى أهله، فليس هناك داعي لإظهار هذه النعم وإبرازها أمام الناس وتصويرها وكأنه يقول للناس انظروا هذه النعم.

كم من أناس ينظرون إليك وقد حرموا هذه النعم؟ حرموا نعمة السكن، حرموا نعمة الزوجة الصالحة، حرموا كثيراً من هذه النعم التي تتقلب فيها. فبماذا ينظرون إليك؟ وماذا تستفيد من نظر هؤلاء الذين حرموا هذه النعم التي تتباهى بها أمام الناس بتصويرها؟ وهذا ليس من شكر النعمة؛ ليس من شكر النعمة أن يتباهى الإنسان ويظهرها على سبيل الافتخار أمام الناس، بل الإنسان يحرص على أن يشكر الله عز وجل على نعمه وألا يفتخر بها على الآخرين، وإنما يحافظ على هذه النعمة بشكرها بالعمل الصالح فيها، كما قال ربنا عز وجل: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].

هذا ما يتعلق أيها الأحبة بشيء من هذا البلاء وهذه الآفة، آفة الحسد. وهناك بقية في هذا الموضوع نؤجلها إلى الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يطهر قلوبنا من كل شبهة وشهوة، وأن يعيننا على أنفسنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً بأي مكان، والسيرة طيب يفوح لأهل كل زمان، للعلم كالآزهار في البستان.