بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حياكم الله أيها الأحبة في هذه الحلقة من مادة التربية، وفي مقرر أمراض القلوب في أكاديمية زاد المباركة، التي أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفع بها وفي طلابها وفي أساتذتها. تحدثنا في الحلقة الماضية عن مرض خطير جدا من أمراض القلوب، بل هو آفة شديدة تحل بالقلب، وأعني بذلك الحسد؛ الحسد الذي هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهذا يدل على فساد القلب وعدم صلاحه، وعلى سوء طوية هذا الإنسان الذي يكره الخير لإخوانه المسلمين.
تحدثنا في اللقاء الماضي عن الحسد وعن الفرق بينه وبين الغبطة. وإن الحسد صفة من صفات اليهود، وأنه أيضًا أول ذنب عصي الله عز وجل به في السماء، في حسد إبليس لآدم عليه السلام، وأول ذنب عصي الله عز وجل به في الأرض، في حسد قابيل لهابيل، وكذلك اليهود عندما حسدوا النبي ﷺ وحسدوا العرب وحسدوا المؤمنين على ما نالوه من شرف النبوة والرسالة.
الحسد أيها الأحبة داء عظيم ولابد له من علاج. وقد ذكرنا في اللقاء الماضي أنه كما قيل لا يخلو جسد من حسد، لكن المؤمن يكبته، وهذا هو العلاج؛ أن الإنسان لا يظهر هذا الحسد ويحاول إذا رأى من نفسه هذا الأمر أن يزكي نفسه دائمًا، أن يطهرها بالإيمان، بالقرآن، بالتقوى، بالعمل الصالح، وبالعلم الذي يرفع بإذن الله هذه الآفة من قلب الإنسان. فالإنسان يجاهد، وهذا جهاد عظيم جدا، جهاد هذه الآفة هو جهاد عظيم وهو من جهاد الهوى والنفس. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وإن الله لمع المحسنين، فإذا الإنسان جاهد هذه النفس فإن الله يعينه ويساعده.
وهذا يكون بأمور لابد أن تتحقق في هذا الإنسان، أعظم جهاد لهذه الآفة أن الإنسان يعظم الله عز وجل في قلبه؛ فإذا عظم الإنسان الله في قلبه لا يمكن أن يقع في هذه الآفة. لماذا؟ لأن حقيقة الحسد هو اعتراض على حكم الله، بمعنى أن الإنسان عندما يحسد أخاه على نعمة، على صحة، على مال، على علم، على منصب، على شهادة، على أي أمر، في حقيقته هو كأنه يقول: يا رب، إن هذا لا يستحق، كأنه يقول إن الله عز وجل ليس حكيمًا في إعطائه هذه النعمة لهذا الشخص، وهذا أمر خطير جدًا.
فإذا تفكر الإنسان في حقيقة الحسد، علم أنه هو في حقيقته اعتراض على حكم الله، وعلى قدر الله، وعلى عطاء الله، وعلى نعم الله على عباده. لهذا يقول الشاعر: ألا قل لمن بات حاسدًا .. أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في فعله .. لأنك لم ترضَ ما قد وهب
هذه هي حقيقة الحسد، ولهذا الإنسان الذي يريد أن يعالج قلبه من هذا لابد أن يعظم الله، أن يقدر الله حق قدره، ألا يعترض على حكم الله، ألا يعترض على قدره؛ هو الذي أعطى هذا الشخص هذه النعمة وهذا المنصب وهذا المال وهذه الشهادة وهذه الصحة وهذه الذرية، الله عز وجل هو الذي قسم هذه الأرزاق، فلا تعترض على حكم الله وعلى قدر الله وعلى أمر الله وعلى عطاء الله وعلى نعم الله، هذا أمر خطير جدًا أيها الأحبة إذا تنبه له الإنسان، تنبه له الإنسان بإذن الله أنه يعالج نفسه من هذه الآفة الخطيرة.
ولهذا يقول النبي ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد». لماذا؟ لأن الاعتراض على حكم الله وعلى قدر الله ينافي الإيمان الكامل، فلا يجتمع الإيمان الكامل في قلب العبد مع الحسد الذي هو في حقيقته اعتراض على حكم الله وعلى قدر الله. فهذا أمر خطير، وإذا تفكر فيه الإنسان فهو أعظم علاج، أعظم سبب لتخلص الإنسان من هذه الآفة، أن يرضى، وأن يسلم، وأن يقنع بأمر الله عز وجل، وأن يخضع لأمر الله، وأن يعرف أن هذه النعم هي من عند الله؛ هو الذي أعطى فلانًا وفلانًا وفلانًا وحرم فلانًا وفلانًا وفلانًا، كله بأمر الله، وبقدر الله، وبحكم الله. فالإنسان إذا تفكر وعرف هذا الأمر فإنه بإذن الله يكون هذا سببًا في تخلصه من هذه الآفة العظيمة.
ولا شك أيها الأحبة أن الحسد إذا امتلأ قلب المسلم به فإن هذا يكون سببًا وضررًا عليه في دينه وفي دنياه. يكون ضررًا عليه في دينه كما ذكرنا قبل قليل أنه يعترض على حكم الله، ويعترض على أمر الله، ويعترض على قدر الله، فهذا ضرر كبير جدًا، وفساد في القلب، وخلل في العقيدة، وخلل في الإيمان؛ إذا تشبع قلب الإنسان بهذا الأمر فهو خلل عظيم في إيمانه وفي عقيدته، فيحرص الإنسان على البعد عن هذا الأمر.
ولهذا نهى عنه النبي ﷺ، فعندما نهى النبي ﷺ ويعلم ما في هذا الحسد من آفة لقلب الإنسان وضرر عليه في دينه، يقول النبي ﷺ: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا». فنهى النبي ﷺ عن هذا الحسد الذي يكون ضررًا على الإنسان في دينه. أيضًا الإنسان إذا تشبع بهذه الصفة فإنه يخالف أهل الإيمان، ويخالف من يسير على منهج الأنبياء الذين امتلأت قلوبهم بحب الخير للناس.
من نظر في سير الأنبياء، وعلى رأسهم نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، رأى عظم حبه للخير ورأفته ورحمته بالمؤمنين، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، ويقول الله عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. فهذا هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فالذي يريد أن يسير على منهجه وعلى طريقته لابد أن يعالج قلبه من هذه الآفة الخطيرة الفاسدة التي تضر بدين الإنسان وتضر بإيمانه.
إذا ابتلي الإنسان بهذا الأمر، فإن القلب يحصل فيه من الفساد ومن كره الخير، وعدم الإقبال حتى على الطاعة وعلى العبادة. ونواصل الحديث بعد الفاصل إن شاء الله.
اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك موجبات رحمتك، ودائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً كان صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم؛ إنك أنت علام الغيوب، لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، اللهم إني أسألك يا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم. ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]. واستغفر الله إنه غفور رحيم. ربي إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. فقد تحدثنا قبل الفاصل عن ضرر الحسد على إيمان الإنسان وعلى دينه، وأيضاً على دنياه. ففي الدين، وفي حقيقته، اعتراض على حكم الله وعلى قدر الله وعلى نعم الله. وكما أخبر النبي ﷺ أنه لا يجتمع في قلب العبد الإيمان والحسد؛ والمقصود بذلك الإيمان الكامل الذي لا يمكن أن يتحقق في قلب الإنسان وهو يكره الخير لإخوانه، «لا يؤمن أحدكم أي إيماناً كاملاً حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
هذا في ضرر الإنسان في الدين، أيضاً ضرره في الدنيا وهو عظيم جداً. الإنسان إذا ابتلي بهذه الآفة فإنه يعيش في كرب شديد، ويعيش في قلق وفي كآبة وفي هم وفي غم وفي نكد طوال حياته؛ لماذا؟ لأنه يرى على هذا نعمة، فلا يمتلئ قلبه غيظاً وبغضاً، ويرى على هذا نعمة المال، ويرى على هذا نعمة العلم، نعمة القرآن، نعمة الصحة، نعمة الذرية، فيبقى يقلب ناظريه في نعم الله على عباده، وكل نعمة من هذه النعم تزيده هماً وغماً ونكداً وكرباً في قلبه، عياذاً بالله من ذلك.
هذا هو البلاء الذي يحل بالإنسان الحاسد الذي يكره الخير لإخوانه؛ كل ما رأى نعمة على أخيه المسلم فإن قلبه يمتلئ غيظاً، ويمتلئ هماً ونكداً بما أصاب المسلم من خير ومن فضل ومن نعمة. ولا شك أن هذا بلاء عظيم ونكد في حياة الإنسان إذا ابتلي بهذه الآفة الخطيرة، وهذا يدل على فساد هذه الطوية وهذا الأمر.
الله عز وجل ذكره في القرآن في صفة إبليس وفي صفة اليهود عليهم لعائن الله، فيحذر الإنسان منه أشد الحذر؛ الذي يحول حياة الإنسان إلى نكد، وإلى هم، وإلى غم، وإلى كدر بسبب هذه النعم التي يراها على عباد الله. وأيضاً ينتج عنه أحياناً بلاء على الإنسان بلاء عظيم جداً؛ انظروا ماذا فعل الحسد في إبليس عليه لعائن الله، أخرجه من الجنة وحكم الله عز وجل عليه بالنار خالداً مخلداً فيها. وهذا والله من أشد البلاء؛ رجل أو إبليس كان مع الملائكة ثم يناله هذا العقاب الشديد العظيم، وهو الطرد من الجنة والحكم عليه بالنار خالداً مخلداً فيها. أي بلاء وأي شقاء ما حل به بسبب هذا الحسد الذي كان في قلبه لآدم عليه السلام عندما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].
أيضاً انظر ماذا فعل الحسد في قابيل عندما حسد أخاه هابيل؛ ماذا فعل؟ ما النتيجة التي أدى إليها أو أوصله الحسد إليها؟ إنه قتل أخاه، عياذاً بالله من ذلك. قتل أخاه بسبب الحسد الذي في قلبه على أخيه، نتج عنه هذا الفعل وهذا العمل بأن قتل أخاه، وهذه طامة وآفة كبيرة على الإنسان وضرر عليه في دنياه أيضاً. ففضلاً عن الدين، إنه ينتج عنه من الأعمال البشعة والشنيعة والخطيرة التي تكون سبباً في هلاكه وفي دماره.
ننظر إلى ما فعل إخوة يوسف بيوسف عليهم السلام عندما حسدوه؛ لما حسدوا يوسف ما هي النتيجة عليهم في دنياهم؟ لاحظوا: عقوا أباهم، أضروا بأخيهم، عقوا أباهم. حتى في كلامهم عندما وصف الله عز وجل حالهم قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8]. أعوذ بالله! انظروا كيف أوصلهم الحسد أن يعقوا أباهم حتى في اللفظ، في الكلام؛ كيف الإنسان يقول على أبيه إنه في ضلال مبين؟ إلا بسبب هذه الآفة الخطيرة أوصلتهم إلى هذا الأمر، أنهم تسببوا في عقوقهم لأبيهم بوصفهم لأبيهم بهذا الوصف القبيح وهو نبي من أنبياء الله وهم يعلمون، قالوا إنه لفي ضلال مبين.
عياذاً بالله من ذلك، وقعوا أيضاً في الجرم العظيم بأن ألقوا أخاهم في ذلك البئر وباعوه كالعبيد وهو أخوهم، وهذه والله كارثة وطامة؛ أن يصل الحسد بالإنسان إلى أن يلحق الضرر الكبير الشديد بأخيه الذي هو من أحب الناس إليه، لكن هذا هو الحسد، وهذا ما يوصل إليه؛ عقوق للآباء، وضرر بالإخوان، وبلاء في الدنيا وبلاء أيضاً في الآخرة.
فالإنسان يحتاط أيها الأحبة، والقضية ليست قضية سهلة ويسيرة، الحسد آفة خطيرة جداً وبلاء عظيم. إذا امتلأ قلب الإنسان منه فلا بد من مجاهدة هذه النفس، ومحاولة التخلص والشفاء من هذه الآفة كما قلنا، بأن يعظم الإنسان الله في قلبه، بأن يمتلئ قلب الإنسان بالإيمان والتقوى والخوف من الله والرضا والتسليم لأوامر الله عز وجل.
ولذا أيها الأحبة، هناك أسباب يحرص عليها الإنسان تكون سبباً بإذن الله في علاج الحسد. من أعظم هذه الأسباب ما ذكرناه قبل قليل: إصلاح هذا القلب، مراعاة حاله وتفقد القلب دائماً. الإنسان إذا رأى من نفسه مثل هذا الأمر، كره نعمة على أخيه، فإنه يراجع نفسه ويستغفر، ويدعو لأخيه بأن يبارك الله له فيما أعطاه من نعمة، ويدعو الله عز وجل أن يرزقه مثلها.
يحاول دائما الإنسان أن يجاهد هذه النفس، وأن يصحح هذا الخطأ، وأن يعالج هذا الفساد الذي في قلبه باستمرار، بمجاهدة مستمرة لا تنقطع. بعض الناس قد يوفق الله عز وجل لرزق القلب المخموم الذي فيه النقاء والصفاء وحب الخير للآخرين، وهذا توفيق من الله عز وجل ونعمة، والله من أكبر النعم ومن أعظم النعم.
لكن هناك أناس قد يبتلون بفساد قلوبهم وكرههم للخير الذي يحصل لإخوانهم، فهذا الذي يحتاج إلى مجاهدة وجهاد ومثابرة ومداومة واستمرار حتى يتخلص بإذن الله من هذه الآفة، أو على الأقل أن يكون في جهاد مع هذه النفس ولا يتسلط الشيطان عليه، فيوصله إلى هذا البلاء العظيم.
ما الذي قد يوصل الإنسان أن يكون ممن يضر إخوانه بإصابتهم بالعين؟ لأن الحسد هو مقدمة العين، فكل عائن حاسد كما يقول العلماء، وليس كل حاسد عائنا؛ فالعائن لا بد أن يكون قبله حسد ثم يوصله إلى العين، لكن ليس شرطًا أن يكون الحاسد عائنًا إذا كبت هذا الأمر ولم يتمادى فيه.
أيضًا من الأسباب العظيمة التي تعين على علاج القلب من هذا المرض ومن هذه الآفة: الرضا بحكم الله، والرضا بما قسم الله وبما أعطى الله عز وجل عباده من نعم. هذا التسليم والرضا أمر عظيم جدًا وليس بالهين، ليس بالهين أن الإنسان يرضى بما قسمه الله سواء له أو لإخوانه، فهذا التسليم ومعرفة أن هذا داخل في حكمة الله عز وجل الذي يقسم الأرزاق ويعطي بلا حساب، يعطي هذا ويمنع هذا، ومن أسماء الله عز وجل المعطي والمانع. فإذا استشعر الإنسان هذا الأمر واستقر في قلبه، فبإذن الله يتخلص من هذه الآفة الخطيرة.
نواصل بعد الفاصل إن شاء الله. القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لا بد من استعمال مفاتيحه، وهي آداب تلاوة القرآن، فمنها إخلاص النية لله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقرآن يقال له: قرأت القرآن ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة، وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان، ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله».
ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع لتلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند علاج عظيم لهذه الآفة وهذا المرض وهو الحسد في قلب الإنسان. وهذا العلاج إذا استقر في قلب الإنسان واطمأنت نفسه به، وأعني بذلك الرضا بحكم الله والرضا بما قسمه الله، هو أمر ليس بالهين.
والإنسان يعرف أن من صفات الله عز وجل ومن أسمائه المعطي والمانع، فالإنسان إذا عرف هذا الأمر، وأن الله عز وجل هو الذي يعطي وهو الذي يمنع بحكمة، فإن الإنسان يرضى بما قسمه الله له، ويقنع، ولا يتشوف ويتطلع إلى ما عند الناس بعين الحسد وعين البغض والكره لهذه النعم على إخوانه، لأنها من عند الله عز وجل المعطي ومن عند الله عز وجل المانع.
انظروا أيها الأحبة إلى قول الله عز وجل، وهذا فيه تربية لنا والقرآن عظيم، فتدبر القرآن إن رمت الهدى، فالعلم تحت تدبر القرآن. القرآن يعطينا بعض المواقف التي تربي فينا هذا الأمر وتخلصنا من هذه الآفة، وتبين لنا خطورتها، وتجعلنا نعود إلى أنفسنا ونعرف قيمة الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره والتسليم بما قسم الله عز وجل لعباده.
لقد ذكر الله في كتابه الكريم حسد الكفار في مكة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فعندما جاءته الرسالة قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. كيف ينزل القرآن على محمد وهناك من هو أفضل؟ حسدوه صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا لا شك من البغض الذي في قلوبهم والحسد، والنبي صلى الله عليه وسلم هو من أفضلهم وأجلهم وخيرهم، والذي كان يسمى قبل الإسلام بالصادق الأمين. لكن هذا الحسد الذي في قلوبهم جعلهم يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، يقصدون مكة والطائف، أي على أحد الكبار من هاتين القريتين.
ماذا رد الله عز وجل عليهم في كتابه الكريم؟ رد يا إخوان برد يربي الإيمان في قلب الإنسان، ويطهر هذه النفس ويزكيها، رد إذا تدبره الإنسان واستشعر نعمة الله، تخلص من هذه الآفة التي قد تدخل في قلب الإنسان وهو لا يشعر. يقول الله عز وجل رداً عليهم وعلى كل من دخل في قلبه شيء من الحسد: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۚ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].
رد عظيم جداً، والقرآن كله عظيم، لكن من ناحية تربوية هذه الآية لها شأن عظيم جداً أيها الأحبة، يجب على المسلم أن يتوقف عندها ويتدبر ما فيها من معاني: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. هذا غني وهذا فقير، هذا أمير وهذا حقير، هذا عنده صحة وهذا مريض، وهذا أنعم الله عز وجل عليه بالذرية وهذا عقيم، هذا عالم وهذا جاهل، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
معنى أن هذا يخدم هذا، وهذا يستفيد من هذا؛ لتقوم الحياة وتستمر الحياة. وهذا والله إذا تفكر فيه الإنسان شيء ليس بالهين؛ فالفقير يستفيد من الغني، والغني يستفيد من الفقير. لو كان كل الناس أغنياء، من خدمهم؟ ولو كان كل الناس فقراء، من أعطى من يعطيهم؟ من ينفق عليهم؟ وهكذا حتى تستمر الحياة.
الإنسان إذا تفكر فيها من تدبر كلام الله العظيم، انظر إلى ختام الآية: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [القصص: 83]. هذه الدنيا والله لا قيمة لها، ورحمة الله أفضل وأعظم وأكبر. قد يكون الإنسان غنيًا، وعنده من الإيمان والتقوى ما يكون خيرًا من ملء الأرض؛ من مثل هذا الغني؟ وهذه من نعم الله التي يقسمها بين عباده.
أيضًا من أعظم الأسباب التي تعين الإنسان على التخلص من هذه الآفة، وهو أمر عظيم جداً أيها الأحبة: القناعة. القناعة أن الإنسان يقنع بما أعطاه الله، ويقنع بما رزقه الله إياه. هذه والله القناعة كما قيل: "القناعة كنز لا يفنى". القناعة هذه قد تكون في فقير ويعيش حياة هانئة وسعيدة، وقد يحرمها الغني الثري ويعيش في تعاسة؛ لأنه ينظر دائما إلى من هو أغنى منه، والفقير يقنع بما رزقه الله عز وجل ويعيش في سعادة وفي هناء.
يقول النبي ﷺ في حديث عظيم أيها الأحبة: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». أي والله إنما الغنى غنى النفس. إذا الإنسان اغتنى بقلبه وبنفسه عن التشوف إلى ما عند الناس، ورضي بما قسمه الله عز وجل له، فإنه يعيش في سعادة وفي هناء.
ويقول النبي ﷺ في حديث عظيم أيضًا أيها الأحبة: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه». قد أفلح؛ يعني فاز من أسلم ورزق كفافًا على قدر حاله، وقنعه الله بما آتاه؛ لأنه إذا كانت عنده هذه القناعة فإنه يرضى بما قسمه الله له ويعيش في هناء وفي سعادة ولو كان قليل ذات اليد.
ما أجمل قول الشاعر: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
يعني لا يتطلع ولا يتشوف الإنسان إلى ما عند الناس، ويرضى بما قسمه الله له، ويعرف أن نعم الله كثيرة عليه؛ حتى ولو كان حُرم نعمة من النعم، قد عوضه الله بنعمة أخرى. قد يكون فقيراً وأنعم الله عليه بصلاح الذرية، قد يكون فقيراً وأنعم الله عليه بالصحة والعافية التي حُرم منها بعض الأغنياء؛ فالإنسان يعرف فضل الله عز وجل عليه، ويعرف أنه غني بنعم الله. لو نظر الإنسان في نعمة البصر، في نعمة السمع، في نعمة المشي، في نعمة الصحة؛ يعيش فيها الإنسان، لكنه دائماً الإنسان الذي في قلبه مرض ينظر إلى النعم التي عند الآخرين ولا ينظر إلى النعمة التي عنده.
ولهذا يقول النبي ﷺ ليربينا على هذا الأمر، على القناعة: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». الإنسان إذا كان في نعمة من النعم الدنيوية لا ينظر إلى من هو فوقه؛ لأنه سيزدري نعمة الله، لكن ينظر إلى من هو أقل منه. إنسان عنده مثلاً بيت بسيط متواضع، إذا نظر إلى أصحاب القصور والفلل فإنه يزدري هذا البيت، لكن لو نظر إلى من لا يملك بيتاً أصلاً، فإنه يعرف فضل الله عليه ونعمة الله عليه.
إذا كان الإنسان في ستر وعافية وفي صحة، ينظر إلى أصحاب الغنى والثراء فيزدري نعمة الله عليه، لكن لو نظر إلى هذا الفقير، نظر إلى من هو أقل منه، نظر إلى من هو مريض يغسل كلاه أو يتعالج من مرض السرطان أو غيره، فإنه يعرف والله قيمة النعمة التي يتقلب فيها وهو لا يشعر. وكما قيل: هي القناعة لا تبغي بها بدلاً ... فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير الكفن والبدن
والله الإنسان إذا تفكر في هذا الأمر عرف نعم الله عز وجل عليه. والنبي ﷺ مما جاء في الوصية له في كتاب الله، وهي لنا أيضاً وتربية لنا أيضاً، كل ما خطب بها النبي ﷺ فهو تربية لنا، يقول الله عز وجل له: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]. فعطاء الله عز وجل إذا كان في الإيمان والقرآن والصحة والعافية والإسلام والتقوى، والله من أعظم النعم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
ولذا كانت هذه القناعة سبباً للحياة الطيبة كما قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. يقول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: "الحياة الطيبة هي القناعة".
فنسأل الله عز وجل أن يقنعنا بما رزقنا، وأن يطهر قلوبنا من كل شبهة وشهوة، وأن يحفظ علينا ديننا وإيماننا وتقوانا، وأن يسلمنا من آفات القلوب ومن أمراضها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغباً في كل علم نافع ... متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً ... بأي مكان والسيرة العلياء عطرة الشداد طيب يفوح لأهل كل زمان ... بشرى لنا زدنا كاذبين للعلم كالآزهار في البستان
د. عبد العزيز بن محمد الجهني