بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله أيها الأحبة في هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، التي أسأل الله رب العرش الكريم أن ينفعنا بها جميعًا، وأن يجعل ما يلقى فيها من علم نافع وعمل صالح في ميزان حسناتنا أجمعين.
ما زال الحديث أيها الأحبة في هذه المادة، مادة التربية، وفي مقرر أمراض القلوب، ما زال الحديث عن ما يتعلق بالقلب وما يعتريه من أمراض ومن آفات ومن شبهات ومن شهوات. وقد مر معنا في الحلقات الماضية عدد من هذه الأمراض التي تعتري القلب كالحسد والرياء والكبر والغفلة وغير ذلك من الآفات التي تعتري هذا القلب.
المسلم الموفق المسدد الحريص على دينه، حريص على إيمانه، الحريص على سلامة قلبه، فإنه لا بد أن يعتني بهذا الأمر؛ وهو ليس بالأمر الهين. كما أن الإنسان يعتني بمسائل العلم الكثيرة في جوانبه المتعددة، لا بد أن يكون لهذا الأمر نصيب في قراءته في دراسته في سماعه في اطلاعه؛ لأن القلب شأنه عظيم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم». القلب هو محل نظر الرب والعناية به عظيمة جدًا، ولهذا سلامة القلب وصلاح القلب هو الذي يكون سببًا لنجاة الإنسان يوم القيامة.
الإنسان يعيش بهناء وسعادة إذا صلح قلبه في الدنيا، ويكون أيضًا سببًا في نجاحه وفوزه وفلاحه يوم القيامة. الله عز وجل يقول عن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. والقلب السليم كما ذكر أهل التفسير هو السليم من الشرك، السليم من البدعة، السليم من الكبائر، السليم من آفات الشهوات والشبهات. فهذا الإنسان إذا جاء بهذا القلب السليم فإنه بإذن الله يكون من الناجين يوم القيامة، ويكون من الفائزين ويهنأ ويسعد ويفرح في ذلك اليوم بسبب سلامة قلبه، لأنه هو الذي يكون محط الاعتبار يوم القيامة والنظر إليه يوم القيامة بهذا القلب، فهو سبب صلاح الأعمال بإذن الله، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».
قد يأتي الإنسان بأعمال كثيرة جدًا يوم القيامة، لكن بسبب فساد قلبه وفساد نيته وعدم صلاحه تذهب هذه الأعمال هباءً منثورًا، وهذا جاء في عدد من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أخطرها وأشدها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة: مجاهد في سبيل الله، ومتصدق، وحافظ لكتاب الله». وهذا والله كارثة ومصيبة إذا تفكر فيه الإنسان؛ السبب هو فساد القلب. هي أعمال عظيمة، لكن هذا عمل وفي قلبه الرياء، في قلبه السمعة، في قلبه حب الظهور والشهرة وعدم إرادة الله عز وجل في عمله، ففسد هذا العمل مع كثرته.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه يأتي بعض الناس يوم القيامة بحسنات مثل جبال تهامة، فيجعلها الله هباءً منثورًا. فالصحابة خافوا، يعني هذه الحسنات التي مثل جبال تهامة وتكون هباءً منثورًا لا قيمة لها، لا وزن لها؛ الهباء هو القشور التي تطير في الهواء، لا قيمة لها، مع أنها مثل الجبال، لكن هؤلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». بمعنى أن هذا القلب كان فاسدًا، لم يعظم الله عز وجل، يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله، ضعف الرقيب في قلبه، ضعف الخوف من الله في قلبه، ضعفت الخشية في قلبه والمراقبة.
فساد القلب أيها الأحبة شيء عظيم جدًا، يجب أن يعتني به الإنسان، بدءًا من الشرك عياذًا بالله، وهذا إن شاء الله أهل الإيمان بعيدون عنه، لكن ما هو أقل من الشرك من الكبائر من البدع من الشهوات من الشبهات التي تعتري هذا القلب حتى لو كان من أهل الإيمان؛ فإنها تعتري هذا القلب. وقد مر معنا في الحلقة الماضية عندما سئل الحسن البصري رحمه الله: هل يحسد المؤمن؟ وقال لسائله: ما أنساك بني يعقوب؟ يعني هؤلاء أبناء نبي ومع ذلك حسدوا أخاهم. فهذا المرض قد يعتري حتى أهل الإيمان، فنسأل الله عز وجل أن يطهر قلوبنا.
الله عز وجل عندما قال في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، هنا يجب على الإنسان أن يقف مع هذه الآية ويتدبرها ويربطها بغيرها من الآيات. الله عز وجل ذكر عن إبراهيم إمام الحنفاء قال: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 83-84]. بمعنى أنه حقق سلامة القلب، وقد اختبره الله عز وجل اختبارًا عظيمًا بأمره بقتل ابنه إسماعيل، فظهر صدق إبراهيم وما في قلبه من إيمان وتسليم لأمر الله عز وجل وتقديم حب الله على حب الولد، فتخلص إبراهيم عليه السلام من كل شيء ينافي تعظيم الله ومحبة الله، ولم يقدم شيئًا على هذا الأمر، فنال هذه المنزلة، فأثنى الله عز وجل عليه بأنه ممن يأتي يوم القيامة بقلب سليم ويكون في أعظم المنازل.
النبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب أطهر قلب وأعظم قلب وأصفى قلب وأنقى قلب وأتقى قلب صلوات ربي وسلامه عليه، يقول الله عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. يعز عليه ما يكون فيه عنت لنا ومشقة، وحريص علينا أيضًا، ورؤوف رحيم بنا أيضًا صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا يدل على صفاء قلبه ونقائه، ولا شك أن هذا ليس بمستغرب على أطهر وأنقى قلب وهو قلب نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. وأيضًا تحقق هذا في صحابة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل.
وقد توقفنا قبل الفاصل كالحديث عن سلامة القلب وهو سبب نجاة الإنسان يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: القلب السليم هو الخالص من الأوصاف الذميمة والمتصف بالأوصاف الجميلة، يعني التخلية وتحلية القلب. الخالص من الأوصاف الذميمة هذه التخلية، يعني خلاه من هذه الأمراض الذميمة التي ذكرنا شيئًا منها في الحلقات الماضية. والتحلية هي الاتصاف بالأخلاق المحمودة، بالأخلاق الجميلة.
هذا هو حال الإنسان الموفق، أن يطهر القلب من كل مرض يعتريه، سواء من أمراض الشهوات أو الشبهات، وأن يعمر هذا القلب بالأوصاف الجميلة، حب الخير للناس والثناء عليهم وتمني سعادة والخير والفلاح لإخوانه المسلمين، يعمر هذا القلب بهذه الأعمال الخيرة التي تدل على سلامة القلب بإذن الله، والذي يكون سببًا لنجاته يوم القيامة.
ذكرنا أيضًا أن هذا الأمر تحقق في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعلاهم ومن أجلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي إيمانه يزن إيمان الأمة كاملًا. ومن أجمل ما قيل فيه ما جاء عن شعبة بن عياش عندما ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع الصحابة، فقال شعبة بن عياش وهو من التابعين: والله ما سبقهم أبو بكر بكثير علم ولا عمل، يعني ما تميز عنهم بكثرة العلم والعمل، ولكن بشيء وقر في قلبه. وهذا يدل يا أحبة على أهمية العناية بصلاح القلب وبتقوى القلب وبالإيمان الذي يكون في القلب، أنه يوصل الإنسان إلى منازل عالية قد لا يصلها أهل العلم بسبب هذا القلب الذي يمتلئ بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب الخير للناس.
وانظروا إلى قصة الرجل الذي جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه، في ذلك الرجل الذي يدخل المسجد ثلاثة أيام والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل عليكم رجل من أهل الجنة»، فيدخل ذلك الرجل تقطر لحيته من الوضوء ويحمل نعاله تحت إبطه ويصلي. نتعجب، عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وهو كان من أحرص الصحابة على اقتفاء أثر النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الخير وعلى الأعمال الصالحة، تعجب من هذا الرجل الذي ليس من مشاهير الصحابة ولا من كبارهم، فذهب إليه وطلب منه أن يبيت عنده لأنه حصل خصام بينه وبين أبيه كما قال، فهذه تورية يريد أن يرى ما عند هذا الرجل من أعمال.
فبات عنده ثلاثة أيام، فيقول عبد الله بن عمرو: ما وجدت عنده كثير عمل، يعني مثله مثل بقية الناس، صلاة يصلي مثل الناس، يقوم الليل مثل الناس، ليس هناك عمل زائد، ويتوقع أن هناك اجتهاد عظيم في جوانب من العبادة. فبعد ثلاثة أيام قال له عبد الله بن عمرو: أنا لم يكن هناك بيني وبين أبي شيء، ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا: «يدخل عليكم رجل من أهل الجنة»، فما وجدت كثير علم أو كثير عمل عندك. فقال: هو ذاك يا ابن أخي.
فلما هم عبد الله بالخروج ناداه هذا الرجل وقال له: أما وقد قلت ذاك، فإني لا أبيت وفي قلبي غش على مسلم ولا حسد على رجل آتاه الله نعمة. فقال عبد الله بن عمرو: هذا الذي بلغك هذه المنزلة، وهي التي لا نستطيع. قضية العناية بصلاح القلب وعمل القلب وما يكون في القلب هذا أمر ليس بالهين، انظروا كيف أوصل هذا الرجل إلى أن يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام بأنه من أهل الجنة، مع أن عمله لا يتميز عن بقية الصحابة، لكن لهذا الأمر الذي قال عنه عبد الله بن عمرو بن العاص: هذا الذي أوصلك إلى هذه المنزلة، وهو الذي لا نستطيع؛ لأنه في مجاهدة عظيمة. قد يجاهد الإنسان النفس على قيام الليل أو على الصيام، لكن مجاهدة القلب وتطهيره من الغش والحسد هي الغاية القصوى.
الصيام كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يقرأ القرآن في ثلاث. أنا من أشد الصحابة اجتهاداً في العبادة، لكن هذا الأمر مجاهدة القلب وكبت هذه النفس والتخلص من هذه الأمراض وحب الخير للناس وإعمار هذا القلب بطاعة الله وعدم الاعتراض على حكم الله وعلى قدر الله أمور تحتاج إلى مجاهدة.
قال: وهذه التي لا نستطيع؛ لأنها تحتاج إلى مداومة الجهاد لهذه النفس والمصابرة والمثابرة والمجاهدة المستمرة التي لا تنقطع، لا يمكن الإنسان يترك، لا يمكن الشيطان أن يترك الإنسان ويسعى في صلاح قلبه، لا يمكن؛ هو عدو لنا وقد أقسم أمام ربنا أنه لن يتركنا ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82].
ومن أعظم ما يشتغل عليه الشيطان ويعمل عليه الشيطان هو فساد القلب؛ إنه إذا فسد القلب فسد العمل. أما مر معنا قبل قليل في قضية المجاهد والمتصدق والمنفق والقارئ للقرآن، هؤلاء بطلت وفسدت أعمالهم بسبب ما حصل في قلوبهم من رياء وسمعة وشهرة وحب للثناء والظهور، وكذلك الذين أتوا بحسنات مثل جبال تهامة تبيد لما خلوا بمحارم الله، وضعف الخوف من الله في قلوبهم ولم يعظموا الله، وإنما كانوا يراؤون الناس في أعمالهم، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً.
لكنهم لم تكن هذه القضية في أذهانهم ولا في قلوبهم، فنالوا هذا الجزاء العظيم يوم القيامة بأن ذهبت حسناتهم أدراج الرياح فكانت هباءً منثوراً، عياذاً بالله من ذلك. فالإنسان أيها الأحبة يحرص على طهارة قلبه، على سلامة قلبه، يجاهد هذه النفس ويستمر، القضية ليست بين يوم وليلة أو في وقت محدد؛ أبداً هي مجاهدة ومصابرة ومثابرة واستمرار طوال حال الإنسان؛ لأنه يرى من نعم الله عز وجل على عباده في كل وقت، كلما خرج الإنسان وكلما قلب ناظريه فإنه يرى من نعم الله عز وجل على عباده، فلابد أن يجاهد هذه النفس وأن يربي هذه النفس على البعد عن هذه الأمراض وأن يطهرها وأن يزكيها؛ لعل الله عز وجل أن يرزقه القلب السليم الذي يكون سبباً لنجاته يوم القيامة.
إذا وُفّق العبد لهذا الأمر فهو على خير عظيم، أن يكون سليم القلب. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا القلب السليم، وأن يجعلنا ممن يأتي يوم القيامة بقلب سليم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال؛ هكذا كان الحال، فيأذن الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات، محمد رسول الله. وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر؛ فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجودهم نفساً، أرحمهم صدراً، أشدهم حياءً، كان أشجع الناس وأزهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين، ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير.
كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان. أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين؛ فيقول الألماني يوهان جوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد. ويقول الإنجليزي جورج برنارد شو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة. ولنصرته نعرف قدره ومكانته، ولننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي به ونمتثل أمره، ولنذب عن شريعته وندفع عنها الشبهات.
فلو لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته؛ فقد عاش حياته يبلغ خيراً لأمته، ولم يكتفِ بهذا بل سأل ربه أن يشفعه فيهم يوم القيامة. وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
بشرى لنا زاد، أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، أيها الأحبة، لقد توقفنا قبل الفاصل عند الكلام عن العناية بسلامة القلب وطهارته ونقائه وصفائه وتقواه، الذي يكون بإذن الله سبباً في نجاته يوم القيامة. وكما ذكرنا في قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
الذي يتحلى بهذه الصفة بسلامة القلب فهو والله من أسعد الناس ومن أفضل الناس، وهذا جاء بنص كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، عندما سُئل عليه الصلاة والسلام: أي الناس أفضل؟ لاحظوا الصحابة حتى الأسئلة فيها فائدة عظيمة وفيها دلالة على حبهم للخير والترقي بتقواهم وإيمانهم، فسألوا هذا السؤال العجيب: أي الناس أفضل؟ هم يريدون أن يكونوا من أفضل الناس وفي أفضل المنازل وفي أعلى الدرجات، وهذا هو المنافسة في الخير: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
فقالوا: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان». قالوا: يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه؛ يعني معروف صدوق اللسان هو الصادق الذي يتكلم بالصدق ولا يكذب، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ ما معنى مخموم القلب؟ أول مرة يسمعون بهذه العبارة، وهذه من الألفاظ النبوية التي جاءت على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم مما لا يعرفه العرب في سياق كلامهم بهذا التركيب.
بيّن النبي صلى الله عليه وسلم المقصود بمخموم القلب، قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حقد ولا حسد». الله أكبر، وصف عجيب جداً لهذا القلب الذي وُصف بأنه مخموم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا من أفضل الناس، هو الذي كان قلبه خالياً من هذه الأمور، قال: «هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حقد ولا حسد». تخلص من هذه الصفات وهذه الأمراض التي تكون في القلوب، تخلص منها فكان مخموم القلب، فأصبح من خير الناس ومن أفضل الناس.
وهذا حديث عظيم أيها الأحبة يتفكر فيه الإنسان ويسأل الله دائماً أن يكون مخموم القلب، أن يجعله مخموم القلب، وهذه من الأدعية التي تُستنبط من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومن سياق حديثه. فالإنسان يسأل الله: اللهم اجعلني مخموم القلب صدوق اللسان؛ حتى تكون من أفضل الناس ومن خير الناس.
أسأل الله أن يجعلك مخموم القلب صدوق اللسان لتتصف بهذه الصفة التي جاءت على لسان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا جانب أيها الأحبة جانب جميل جداً ولطيف جداً في استنباط الأدعية من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومن الآيات القرآنية؛ أي في مثل هذا الحديث يستنبط الإنسان منه هذا الدعاء: اللهم اجعلني مخموم القلب صدوق اللسان. ومن القرآن أمثلة كثيرة جداً، يعني مثلاً في قول الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122].
يدعو الإنسان يقول: اللهم أحيِ قلبي واجعل لي نوراً أمشي به في الناس. أدعية عظيمة مستنبطة من الكتاب والسنة لها أثر عظيم في إيمان الإنسان وفي تقواه وفي صلاحه بإذن الله. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يبين حال أفضل الناس، أو الذي يتصف بهذه الصفات.
أمراض القلوب أيها الأحبة، ذكر ابن القيم رحمه الله في أول المجلد الرابع من كتاب زاد المعاد في طبعة الأرناؤوط، وهذا المجلد يتكلم فيه عن الطب النبوي، ذكر في بدايته قسم الأمراض إلى أمراض أبدان وأمراض قلوب، وبيّن أن أمراض القلوب على نوعين: أمراض شبهة وشك، وأمراض شهوة وغي؛ يعني أمراض القلوب التي تعتري القلوب على نوعين: أمراض شبهات وشكوك، وأمراض شهوات وغي وفساد يعتري القلب.
وضرب لها أمثلة من القرآن؛ النوع الأول وهو أمراض الشبهات والشكوك مثّل له بقول الله عز وجل عن المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]، في قلوبهم مرض؛ يعني شك ونفاق فزادهم الله مرضاً جزاءً وفاقاً، فهذا مرض الشبهة ومرض الشك والنفاق الذي يكون في قلب الإنسان. وأيضاً في سورة المدثر: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: 31]، فهذا يكون في قلب هؤلاء المنافقين؛ أمراض الشبهات والشكوك التي يعترضون فيها على دين الله ويخالفون فيها أوامر الله عز في علاه؛ هذا نوع.
النوع الثاني وهو أمراض الشهوات والغي والفساد الذي يكون في القلب، حب الفساد، حب المحرمات، حب الخمر، حب الزنا، حب الربا، حب الغنى الذي يكون في قلب الإنسان عياذاً بالله؛ هذا البلاء الذي يحل بالقلب أيضاً هو من الأمراض التي تعتري القلب والتي يجب على المسلم أن يطهر قلبه منها. وضرب لها مثلاً بقول الله عز وجل في سياق الحديث عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32].
في قلبه مرض؛ يعني حب الشهوة، حب الزنا، حب الجلوس مع النساء بالحرام، ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]. وهذه الآية عجيبة أيها الأحبة، يجب على الإنسان أن يقف معها؛ إذا كان هذا الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي هن أطهر نساء يعشن في زمن الصحابة، يعني الذين يتعاملون مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم هم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يقول الله عز وجل لهن: لا تخضعن بالقول، تلن بالكلام مع الرجال الأجانب فيطمع الذي في قلبه مرض، قد يكون هذا الإنسان في قلبه شيء من حب التعلق بالنساء، حب الشهوة، حب المحرم الزنا.
المرأة تحرص على ألا تلين بالقول مع الرجال الأجانب، وهذا توجيه نبوي عظيم لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن الصحابة الذين هم خير الناس بعد الأنبياء والرسل؛ فلا يحتج إنسان بأن هذا الأمر فيه سوء ظن بالناس وغير هذا من الكلام الذي يقال الآن في تشريع الاختلاط والخلوة المحرمة، يعني أن هذا فيه شك بالناس وسوء ظن، أبداً، هذا توجيه رباني لأطهر النساء ولخير النساء وهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمرأة العاقلة هي التي تتكلم بالأدب، بالحشمة، بالاحترام، بالعقل، بعدم الخضوع وعدم اللين مع الرجال الأجانب، وهذا لا يعني القسوة في الكلام والحدة والغلظة، هذا لا يعني ذلك، ولهذا بماذا ختم الله عز وجل الآية؟ وهذا والله من جميل تدبر القرآن، ختم الله عز وجل الآية بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]؛ يعني ليس المقصود أن تغلظ المرأة في الكلام وأن تحتد في كلامها مع الأجانب، وإنما تبتعد عن اللين والخضوع الذي قد يكون سبباً في تعلق الرجال بها.
المرأة تحرص على هذا الأمر، والإنسان أيضاً يحرص على تطهير نفسه من أمراض الشبهات ومن أمراض الشهوات. ولا شك أيها الأحبة أن الإنسان إذا اعترته هذه الأمراض؛ أمراض الشبهات والشهوات، حصل له البلاء؛ فإن الإنسان يكون متبعاً لشهواته، يكون كارهاً للحق، ضعيفاً في العبادة وفي الطاعة غير مقبل عليها، وإنما ينفر حتى من الخير الذي يُدعى إليه، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45].
يجد وحشة من ذكر الله، ومن الجلوس مع الصالحين، وأُنس بالكلام البذيء والكلام المحرم؛ لما في قلبه من مرض شهوات أو مرض شبهات، وهذا أمر خطير جداً، يحرص الإنسان على تطهير قلبه وتزكيته من هذه الأمراض، فلابد للإنسان أن يكون حصيفاً عاقلاً حكيماً، منتبهاً بصيراً بحال قلبه؛ ليتطهر من هذه الأمراض والآفات التي تعتريه، لعل الله عز وجل أن يحفظ قلبه وأن يرزقه سلامة القلب التي تكون سبباً في نجاته يوم القيامة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يطهر قلوبنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
يأتيك ميسوراً بأي مكان، أكاديمية ينبوعها صافٍ، اليوم غلة الظمآن والسيرة العلياء عطرة الشذى، طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زاد.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني