بالعلم تزدهر في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم؛ فتقنياته ومجالاته تتطور، ومعه تتطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زادنا بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في هذه الحلقة، حلقتي الأخيرة من مادتنا، مادة التربية في مقرر أمراض القلوب في أكاديمية زاد المباركة، التي أسأل الله عز وجل أن ينفع بها، وأن يجعلها منارة علم وهداية لنا جميعاً.
كان الحديث أيها الأحبة في الحلقات الماضية وفي سلسلة هذه الدروس عن أمراض القلوب، أو أخذنا شيئاً من هذه الأمراض التي تعتري هذا القلب، وكيفية التخلص من هذه الأمراض التي تكون سبباً في هلاك الإنسان وفي شقائه في الدنيا والآخرة. فهذه الأمراض خطيرة، والقلب هو أهم ما يعتني به الإنسان، فهو محل نظر الرب، فعناية الإنسان بقلبه لابد أن تكون كبيرة وجليلة وعظيمة؛ ليكون صاحب قلب سليم، وهو الذي ينجو به الإنسان يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
نختم هذه السلسلة أيها الأحبة وهذه الدروس عن أمراض القلوب بأمر عظيم جداً، أمر عظيم جداً يلخص لنا ما سبق، وهو أمر نحتاجه جميعاً؛ من يخطئ ومن لا يخطئ، من كان في قلبه مرض ومن ليس في قلبه مرض، أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منه في يومه وفي ليلته صلوات ربي وسلامه عليه، وأعني بذلك التوبة، مداومة التوبة والاستغفار، خصوصاً من أصيب بشيء من هذه الأمراض. الذي عنده شيء من المرض في قلبه يعتني بهذا أكثر من غيره، لكن الجميع مطالب بالتوبة، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر ربه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة: «أستغفر الله وأتوب إليه»، وفي رواية أكثر من مئة مرة يستغفر ربه ويتوب إليه، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر صلوات ربي وسلامه عليه. أمر التوبة عظيم جداً أيها الأحبة للمذنب ولغير المذنب، الإنسان دائماً يجدد التوبة ويكثر من التلفظ بها، ويدعو الله عز وجل أن يرزقه التوبة النصوح، وأن يتوب عليه، وأن يتجاوز عنه، وأن يعفو عنه. هذه أدعية عظيمة يحرص عليها الإنسان دائماً في كل أحواله وفي كل شؤونه.
ومن فضل الله علينا أيها الأحبة ومن رحمته بنا المساكين الضعفاء، الله عز وجل رحمنا ورحم ضعفنا وتقصيرنا، أن جعل باب التوبة مفتوحاً. طالما أن الروح في الجسد فباب التوبة مفتوح لا ينقطع ولا يغلق، لا ينقطع ولا يغلق إلا إذا خرجت الروح من الجسد وبلغت الحلقوم، فإن هنا تنقطع التوبة، لكن طالما أن الإنسان منعم بحياته فإنه يتوب إلى الله عز وجل. وباب التوبة مفتوح للكافر وللمسلم، حتى الكافر يقبل الله عز وجل منه إذا تاب في وقت المهلة. والله عز وجل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. هذا أمر عظيم جداً أيها الأحبة، والله عز وجل رحيم بعباده، لطيف بهم، والله لطيف بعباده، ومن رحمته بنا أن جعل لنا باب التوبة مفتوحاً لا يغلق، لا يستطيع أحد أن يمنعك من التوبة مهما عظم ذنبك، حتى ولو كان الإنسان عياذاً بالله من أكفر عباد الله ومن أكثرهم شركاً وطغياناً وفساداً، فإن باب التوبة مفتوح لا يغلق؛ لأن هذا بيد الله وليس بيد أحد من الخلق.
ولذا انظروا في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، لما جاء إلى ذلك العابد الجاهل فقال له: هل لي من توبة؟ قال: لا. الجهل بدين الله، جاهل برحمة الله، جهل بعظمة الله وبما عند الله من الخير والفضل والإحسان، فقال: لا. فكمل به المئة قتله. فذهب إلى عالم وليس إلى عابد، العابد الذي يتعبد الله عز وجل قد لا يكون عنده شيء من العلم، فذهب إلى عالم فقال له: هل لي من توبة؟ قال: ومن يحجب عنك التوبة؟ هذا هو العلم، وهذا هو الفقه، وهذا هو العقل، وهذه هي المعرفة الحق بدين الله، أنه ليس أحد يستطيع أن يحجب عن مخلوق التوبة. فالتوبة بيد الله عز وجل، وباب التوبة بيد الله، وهو مفتوح طالما أن الروح في الجسد. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25].
وهو الذي يقبل التوبة عن عباده؛ عن جميع العباد مسلمهم وكافرهم، يقبل الله عز وجل منهم التوبة إذا تابوا. والله عز وجل يقول: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 39]. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، سواء كان هذا الظلم الظلم الأكبر وهو الشرك، أو ظلم النفس بالمعاصي والذنوب، فإن الله إذا أقبل العبد إليه فإن الله يقبل منه، يقبل منه ويتوب عليه. والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم». فالله عز وجل يتوب على عباده.
بل الله عز وجل عرض التوبة حتى على أهل الكفر والعناد والتجبر والطغيان في كتاب الله، كما قال الله عز وجل عن أصحاب الأخدود الذين قتلوا أهل الإيمان ورموهم في النار، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: 10]. يعني متى يكون لهم عذاب جهنم؟ إذا لم يتوبوا. لكن لو تابوا مع فعلهم الشنيع فإن الله يتوب عليهم. أيضاً الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة من اليهود والنصارى الله عز وجل عرض عليهم التوبة، قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: 74]، يعني بعد هذا الكفر العظيم بأن جعلوا لله الشريك والند، مع ذلك يعرض الله عز وجل عليهم التوبة.
حتى المنافقين الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء: 145-146]، بمعنى أنهم لو تابوا وأصلحوا في أعمالهم فإن الله يتوب عليهم. مع وجود النفاق الذي هو نفاق اعتقادي وليس نفاقاً عملياً؛ نفاق اعتقادي الذي في الدرك الأسفل من النار، أما المنافق نفاقاً عملياً فإن هذا يحاسب كأهل الإسلام، ينقى من الذنوب، النفاق العملي الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر»، هذا يحاسب به الإنسان ثم يكون من أهل الجنة.
ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا بالعلم. قال تعالى للمؤمنين والمؤمنات، وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، قد توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن أهمية التوبة، وأن باب التوبة مفتوح لا يغلق إلا إذا خرجت هذه الروح من الجسد، وهذا من فضل الله علينا، سواء على أهل الكفر والإلحاد والشرك، أن باب التوبة مفتوح، قد يعود الإنسان ويدخل في الإسلام ولو كان في آخر حياته، فهذا فضل من الله، كما حصل مع ذلك الغلام اليهودي الذي كان جاراً للنبي صلى الله عليه وسلم، مرض هذا الغلام فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فلما دخل عليه وجده في النزع الأخير، يعني مرض الموت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل لا إله إلا الله»؛ يعني يريد أن يدخل في الإسلام ليكون سبباً لنجاته يوم القيامة، ومن كان آخر كلامه في الدنيا «لا إله إلا الله» دخل الجنة. فنظر الغلام إلى والده كأنه يستشيره، يعني غلام ويريد أن يرد الأمر إلى والده، فقال الأب -وانظروا إلى حال اليهود وما يعرفونه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم- قال هذا اليهودي لابنه وهو في هذه الحالة: أطع أبا القاسم، أطع أبا القاسم -يقصد النبي صلى الله عليه وسلم وهي كنيته صلوات ربي وسلامه عليه- فنطق الغلام بالشهادتين ثم مات. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار».
وفي آخر لحظة، وكم نسمع الآن، كم نسمع من أناس يعيشون في شرق الأرض وفي غربها من النصارى ومن اليهود ومن البوذيين وغيرهم ممن يكتب الله عز وجل له الإسلام في اللحظات الأخيرة من حياته، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذه أمور بيد الله عز وجل، ولا يعلم الغيب إلا الله عز في علاه. فباب التوبة مفتوح، وللعاصي حتى للعاصي باب التوبة مفتوح، الإنسان يحرص على أن دائماً يجدد التوبة، يتخلص من الذنوب والمعاصي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». إذا الإنسان تاب فإن الله يتوب عليه، وهذا من رحمة الله بنا، والإنسان عندما يدعو الله عز وجل يستجيب الله عز وجل له، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
فإذا قال العبد: اللهم تب علي، فإن الله يستجيب له بإذن الله، وهذا من فضل الله. فالإنسان دائماً يجدد التوبة والاستغفار، والاستغفار توبة، «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه»، وكما كان النبي يكثر في مجلسه: «أستغفر الله وأتوب إليه، أستغفر الله وأتوب إليه»، هذا هو من تجديد التوبة الذي يكون عند الإنسان. وأيضاً الإنسان أيها الأحبة إذا كان وقع في ذنب أو في معصية فإنه يتوب إلى الله مباشرة فإن الله يتوب عليه. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم في آية يقول عنها بعض الصحابة كابن مسعود وغيره رضي الله عنهم أنها أرجى آية في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. لا تقنطوا، لا تيأسوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم.
فالله عز وجل لا يتعاظمه ذنب، لا يتعاظمه ذنب ولو كان الإشراك بالله، إذا تاب الإنسان تاب الله عليه، إذا تاب تاب الله عليه ولو كان مشركاً بالله، وهذا من فضل الله. ولهذا جاءت هذه الآية أيها الأحبة نداء عام: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾، كل عبد أسرف على نفسه، سواء كان هذا الإسراف بأعظم الظلم وهو الشرك، أو هذا الإسراف بالذنوب والمعاصي العظيمة التي يفعلها بعض أهل الإسلام، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم. وهذا أمر عظيم أيها الأحبة يحتاجه الإنسان دائماً ويكرره في التوبة إلى الله عز وجل.
والإنسان الموفق المسدد الحريص على الخير وعلى نجاة نفسه يوم القيامة هو البصير، البصير بأعماله، إذا وقع في الخطأ وقع في الزلل فإنه مباشرة يعود ويرجع ويتوب ويستغفر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. هذا من توفيق الله للإنسان، أنه إذا وقع في الخطأ وقع في الزلل فإنه يعود ويرجع. ومن البلاء الذي يحل ببعض الناس أنه يكون في غي وفي ضلالة وفي غواية وفي عماية يقع في الذنب ولا يشعر، ميت القلب، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وهذا والله من أعظم الكوارث، ومن أعظم الطوام، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً لفساد طوية هذا الإنسان والطبع الذي حصل على قلبه، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
ما هو الران كما فسره ابن عباس وغيره رضوان الله عليهم؟ الران هو الذنب إلى الذنب، الذنب بعد الذنب، يستمرئ الإنسان ويفعل الذنب كأنه لم يفعل شيئاً، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل فوق رأسه يخشى أن يسقط عليه، وأما المنافق فإنه يرى الذنوب التي يفعلها كالذبابة أتت على أنفه يقول بها هكذا، أمر يسير جداً. لكن المؤمن يرى الذنوب كالجبل فوق رأسه، يخشى هذه الذنوب ويخشى من عقاب الله ويخشى أن يطبع الله على قلبه، فلابد أن يجدد التوبة.
الله عز وجل في آية عظيمة أيها الأحبة يقول عن أهل الإيمان والتقوى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135]. لاحظ، وقع في الفواحش أو ظلموا أنفسهم بأي ظلم للنفس؛ وكل عاصٍ هو ظالم لنفسه. قال: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. ليس عندهم إصرار على الذنب، وإنما توبة وإنابة ورجوع واستغفار من هذا الذنب.
ما جزاؤهم؟ يقول الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]. هذه نعمة وفضل من الله عز وجل، أن الله إذا أذنب العبد وأخطأ وسول له الشيطان وزين له المعصية، فإنه يعود ويرجع ويتذكر. والله عز وجل يقول في كتابه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. الذين يتذكرون ويعقلون ويعرفون خطورة هذه الذنوب والمعاصي.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». فهذا من توفيق الله للإنسان أن يكون بصيراً بحاله، مراقباً لأعماله، عنده فطنة ونباهة واهتمام وحرص على إيمانه؛ لأن الإيمان أيها الأحبة هو رأس مال الإنسان. فإذا لم تحافظ على رأس المال فبماذا ستنجو يوم القيامة؟ فلا بد أن يكون عند الإنسان من البصر والعقل والفكر والتدبر ما يحتاط فيه لدينه ولإيمانه، ويحرص على ما يزكي هذه النفس ويطهرها ويحفظها من الذنوب والمعاصي التي تكون سبباً في هلاك العبد يوم القيامة. ويكفي أيها الأحبة أن نعرف أن التوبة يحبها الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. والله عز وجل يفرح بتوبة العبد، ونتحدث عن هذا بعد الفاصل إن شاء الله.
إمام عادل وخليفة زاهد من أشهر الخلفاء الأمويين وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين. قال عنه أنس بن مالك رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى. فمن هو؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة، ونشأ فيها عند أخواله فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة رضي الله عنهم، وحفظ القرآن وهو صغير. في سنة سبع وثمانين للهجرة ولاه الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة ليصير والياً على الحجاز كلها. وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة، وقد عين عشرة منهم كان لا يقطع أمراً دونهم أو من حضر منهم.
لما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قربه وجعله وزيراً له، وفي سنة تسع وتسعين للهجرة كتب سليمان بن عبد الملك قبل وفاته كتاباً يستخلف فيه عمر من بعده. صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة وقال: أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم. فأجابه الناس قائلين: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، أمرنا باليمن والبركة. اجتهد رحمه الله في فترة ولايته، وكانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، فعزل الولاة الظالمين ورد المظالم وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشره للعلم وعمله بالشورى وأمره بتدوين الحديث النبوي. في الخامس والعشرين من رجب عام مائة وواحد للهجرة، توفي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، توقفنا قبل الفاصل عند ذكر أهمية التوبة في حياة المسلم، وأنها سبب لنجاته وفلاحه وفوزه يوم القيامة، والله عز وجل يفرح بتوبتنا، وهذا والله من عظيم كرم المولى عز في علاه. نحن الضعفاء المساكين والله عز وجل يفرح بتوبتنا؛ فكما جاء في الحديث: «لله أشد فرحاً بتوبة العبد من ذلك الرجل»، وجاء الوصف عجيباً جداً: رجل معه راحلته عليها طعامه وشرابه في فلاة فأضاعها، جلس ينتظر الموت في صحراء قاحلة لا طعام ولا شراب، وأخذته غفوة فنام، فاستيقظ وإذا براحلته عليها الطعام والشراب، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أشد فرحاً بتوبة العبد من هذا بناقته».
وهذا يدل على كرم المولى عز في علاه الذي يحب لنا هذه التوبة لأنها سبب لنجاتنا يوم القيامة، وفيها تكفير للسيئات ومغفرة للذنوب والخطايا. فالله عز وجل ينادينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8]. وما هي التوبة النصوح؟ التوبة النصوح كما ذكر العلماء لها شروط: الأول الإقلاع عن الذنب مباشرة؛ إذا علم الإنسان أنه وقع في ذنب يقلع عنه. الأمر الثاني الندم على فعله لهذا الذنب، لا يكون راضياً بقلبه لهذا الذنب وإنما يندم. الأمر الثالث أن يعزم على عدم العودة إليه مرة أخرى. وإذا كان هذا الذنب يتعلق بحقوق العباد فإنه يتخلص منه ويعيد الحقوق إلى أهلها. هذه هي التوبة النصوح إذا تحققت في الإنسان فإنه يوفق ويسعد في دنياه وفي أخراه.
الإنسان طوال حياته يسعى في هذه التوبة ويسأل الله المغفرة والرحمة، والدعاء مستمر: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من كل ذنب وخطيئة. وإذا كان هناك ذنب يكثر من الدعاء، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عن ربه عن رجل أذنب ذنباً وقال: يا رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، فغفر الله له. ثم عاد مرة أخرى فقال: اللهم اغفر لي، فقال الله عز وجل: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب، فغفر الله عز وجل له. وكذلك في المرة الثالثة، لكن انظروا في المرة الثالثة ماذا قال الله عز وجل له؟ هذا فيه تربية لنا أيها الأحبة، أن الإنسان لا ينقطع ولا يدخل عليه الشيطان، لا يقل: أنت متلاعب، أنت مسوف. انظروا في الثالثة قال الله عز وجل: «علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك».
ما معنى: «اعمل ما شئت فقد غفرت لك»؟ أي ما دمت على هذه الحال، كلما أذنب استغفر، فإن الله يغفر له ويتوب عليه. الله لا يرد عبداً دعاه ورجاه وتوكل عليه واستعان به؛ فالله من رحمته لا يرد سائلاً يسأله، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. والله قريب من عباده، لطيف بعباده، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. الله عز وجل رحيم ويريد منا فقط العمل، فنسأل الله أن يعيننا على التوبة النصوح وعلى الاستمرار في الدعاء والاستغفار في كل وقت وحين، لعل الله أن يطهرنا من الذنوب والمعاصي، وأن يطهر قلوبنا من أمراض الشهوات والشبهات، وأن يعيننا على أنفسنا وأن يرزقنا القلب السليم الذي يكون سبباً لنجاتنا يوم القيامة.
هذا ما يتعلق أيها الأحبة بهذه المادة التي كان في ختامها الحديث عن التوبة، أسأل الله أن يرزقنا التوبة النصوح وأن يعيننا على أنفسنا وعلى المداومة على الطاعة والعبادة وعلى طلب العلم. وفي الختام أوجه نصيحة لنفسي ولإخواني في نهاية هذا الفصل ونهاية الأكاديمية لهذا المستوى بالمواصلة والمداومة والمواظبة والاستمرار على طلب العلم وعدم الانقطاع؛ فحياة العلم هي الحياة الحقيقية، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: العلم لا يعدله شيء إذا صحت النية. العلم هو الحياة، وهو النور، وهو السعادة، وهو الذي يكون فيه الإنسان وريثاً للأنبياء والرسل. إذا استمر في هذا العلم فهو في أرفع الدرجات يوم القيامة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. أصحاب العقول الذين يعرفون قيمة العلم؛ العلم أيها الأحبة حياة ونور وسعادة وأنس وفضل عظيم جداً لا يعلمه إلا الله. فالموفق والمسدد هو الذي يحرص على هذا الأمر. ومن كلام الناس ولا يصح حديثاً: "اطلب العلم من المهد إلى اللحد"، هو من حسن كلام الناس الجميل الذي يتواصى به الناس. ومن لطيف ما يتعلق بالعلم أن رجلاً رأى الإمام أحمد ومعه محبرة، فقال: يا إمام، أنت في هذه المكانة والمنزلة وتحمل المحبرة؟ فقال الإمام كلمته المشهورة: "معي المحبرة إلى المقبرة". فالمواصلة والاستمرار وعدم الانقطاع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة»، وأعظم الخير هو العلم.
وما يخفاكم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالم أو متعلم». فيحرص الإنسان على أن يكون من أهل العلم وممن يسيرون على هذه الطريق، ولا يغبن نفسه في وقته وفي صحته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فإذا رزقك الله الصحة ورزقك الفراغ فاصرفهما في طاعة الله وعبادته والاستزادة من العلم النافع الذي ينفعك ويرفعك عند ربك ومولاك. وأوصي إخواني بخصوص هذه المادة، مادة التربية والعناية بالأدب؛ فالإنسان كما يعتني بطلب العلم يعتني بجانب الأدب وهو مهم جداً ولا يقصر فيه، ولا يوفق الذي يخل بجانب الأدب ويهتم بالعلم فقط، فقد يصل إلى درجة الفظاظة والغلظة التي ينفر منها الناس.
هناك أيها الأحبة كتب يعتني بها الإنسان، مثل: "الشمائل المحمدية" للترمذي ومختصرها للألباني، كتاب عظيم. وأوصي أيضاً طلاب العلم بباب أخير في كتاب بلوغ المرام قد يغفل عنه كثير من الناس، "كتاب الجامع"، كتاب عظيم في بلوغ المرام، فيه الشيء الكثير من الآداب والسلوك والوصايا النبوية التي جاءت على لسان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. أيضاً هناك عدد من الكتب الجميلة، كتاب لطيف أوصي به في هذا الجانب وهو كتاب "الأخلاق والسير" لابن حزم ويسمى أيضاً "مداواة النفوس"، كتاب لطيف ورائع. وأيضاً من أواخر الكتب التي ألفت في هذا الجانب متن "حلية طالب العلم" للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله، متن مهم جداً يعتني به الإنسان.
وهناك منظومات شعرية يحرص عليها الإنسان وأوصي نفسي وإخواني بها لأنها تزكي وتنمي هذا الجانب عند الإنسان، وأختم بالوصية بقصيدتين عظيمتين من عيون شعر الحكم والوصايا. الأولى "لامية ابن الوردي" التي يوصي فيها ابنه، والتي يقول فيها: اعتزل ذكرى الأغاني والغزل ... وقل الحق وجانب من هزل ودع الذكرى لأيام الصبا ... فلأيام الصبا نجم أفل واتق الله فتقوى الله ما ... جاورت قلب امرئ إلا وصل ليس من يقطع طرقاً بطلاً ... إنما من يتق الله البطل ثم قال: أي بني اسمع وصايا جمعت ... حكمناً خصت بها خير الملل اطلب العلم ولا تكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسل لا تقل قد ذهبت أربابه ... كل من سار على الدرب وصل
ويقول في بيت جميل في أواخرها: "ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل"، وهو بيت جميل جداً. وأيضاً هناك "تائية الألبيري"، تائية جميلة يوصي بها شخصاً يقال له أبو بكر: تفتتُّكَ الأيام فتًّا وتنحتُ ... جسمك الساعات نحتاً وتدعوك المنون دعاء صدقٍ ... ألا يا صاحِ أنت أريدُ أنت
ويقول فيها: أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت، إلى علم تكون به مطاعا، إلى علم به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت، ينالك نفعه ما دمت حيا، ويبقى ذكره لك إن ذهبت، يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفا شددت. فلو قد ذقت من حلواه طعما، لآثرت التعلم واجتهدت.
ويقول من ضمن هذه الأبيات الجميلة: ويقبح بالفتى فعل التصابي، وأقبح منه شيخ قد تفتى. فما أجمل هذه الأبيات، وما أجمل هذه الوصايا التي يعتني بها طالب العلم.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا التقوى ومن العمل ما يرضى، وأن يطهر نفوسنا وأن يزكيها، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يثبتنا على دينه، وألا يميتنا إلا وهو راضٍ عنا.
وأسأل الله العظيم لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعل ما قيل في هذه الدروس حجة لنا لا حجة علينا، وأن يجعلها من العلم النافع والعمل الصالح الذي ينفعنا ويرفعنا عند ربنا ومولانا، وجزاكم الله خيرا، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا نوالي ميسرة يأتيك ميسورا بأي مكان، والسيرة العلياء عاطرة الشذا، طيب يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني