تسجيل الدخول

يوم الفرقان... يوم بدر العظيم 03

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا مرحبا يا أهلاً وسهلاً، حياكم الله. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن تقبل منا ومنكم صالح العمل.

هذا اللقاء الثالث من لقاءات سلسلة يوم الفرقان الحديث عن معركة بدر، وعن أثر ذلك اليوم، وعن سياقاته ومقدماته، وعن العبر التي نستخرجها في حياتنا اليوم في واقع الأمة من خلال هذا اليوم العظيم الذي أنزل الله فيه سورة كاملة من كتابه العزيز.

هذا اليوم أيها الكرام، أنا ذكرت في اللقائين السابقين بعض المقدمات المهمة، فذكرت مثلاً أنه هذا اليوم أثر في هوية من شارك فيه، يعني صار الشخص اللي شارك، الذي شارك في هذا اليوم صار يضاف إلى لقبه البدري، وهذا أصلاً يدل على معيار التقييم في ذلك الزمن، معيار التقييم بقدر الأعمال. فتخيل، يعني تخيل في فلان، يعني مثلاً ينسب إلى قبيلته مثلاً الجهني أو العوفي أو كذا، البدري، وهذا فقط نسبة لمشاركته في ذلك اليوم، وما ذاك إلا لأهمية ومركز ومفصل ذلك اليوم العظيم.

وبعد ذلك ذكرت أنه يوم الفرقان، هذا يجب أن ننظر إليه باعتباره يوماً لتحقق الوعود الإلهية، فكل التهديدات الإلهية التي نزلت في القرآن المكي تحققت يوم بدر، وهذا كان أو يعني كثير من الوعود، فهذا باب مهم جداً للنظر إلى يوم بدر.

وايضاً ذكرت في اللقاء الماضي أنه هذا يوم الفرقان، سماه الله يوم الفرقان، وأنه الفرقان بين الحق والباطل هو من المقاصد الإلهية، وأنه يتحقق بأمرين بالحجة والبيان وبالقوة والسنان. ففي أيام مكة كان الفرقان بين الحق والباطل قد تحقق عبر الحجة، وأنزل الله في ذلك سورة الفرقان. وأما الفرقان الثاني الذي بالسيف والسنان فقد تحقق يوم بدر، وكلاهما يسمى الفرقان، سورة الفرقان في فرقان الحجة، ويوم الفرقان يوم بدر في فرقان السيف والسنان.

طيب، إذا كان اللقاء الماضيان عبارة عن مقدمات مرتبطة بذلك اليوم، وهي مقدمات مداخل مهمة جداً للنظر إلى ذلك اليوم، وذكرت أكثر من مرة أنه ما يصلح ننظر إلى ذلك اليوم العظيم فقط بسياق الأحداث، نقول والله بدأت المعركة بسبب كذا وتحقق فيها كذا وعدد الجيش وكذا، لا، وإنما يجب أن ننظر إلى القضية بما هو أعمق من ذلك بكثير.

حسناً أيها الكرام، الإنسان يحتار من أين يبدأ الحديث عن هذه المعركة بعد المقدمات، احنا أخذنا لقائين كله مقدمات، من أين يبدأ الحديث؟ يعني اخترت حدثاً من الأحداث التي أرى أنه من المهم جداً أن نبدأ بها في الحديث عن معركة بدر، وهذا الحدث وقع قبل معركة بدر بسنوات، وله ارتباط وثيق جداً جداً بمعركة بدر.

لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى معركة بدر، وصل إلى وادي ذفران، استعرض الناس، وجلس، أو اخذ النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الصحابه، استشار الصحابة: ما رايكم؟ هل أنتم مستعدون للقتال؟ فأجاب المهاجرون، وكلهم أجابوا بالإيجاب وقالوا نعم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر رأي الأنصار.

لماذا كان ينتظر رأي الأنصار؟ أولاً هم الأكثر في الجيش، لكن الأساس في اختيار الراي أنه كان في عهد سابق، وهو الحدث الذي أريد أن أتحدث عنه، كان في عهد سابق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار، كان في بيعة سابقه بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار بيعة العقبة، وكان من بنود هذه البيعة أن يدافع الأنصار عن هذا الدين، أن يدافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم.

ولكن ربما يعني فهموا من هذه البيعة أن هذه الحمايه طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم في دارهم في المدينة، وانه إذا خرج من المدينه فلا تشمل بنود البيعة، لا تشمل هذه القضية، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستشيرهم أو أن يسالهم. فلما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، أجابوا بما يشفي الصدر ويسر الخاطر، ولذلك سعد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق إلى المعركة.

إذاً من هذا الحدث المهم سنرجع إلى بيعة العقبة، لأنه لولا بيعة العقبة لما كان يوم بدر. بيعة العقبة هي المقدمة الأساسية ليوم بدر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعيش في مكة سنوات، يعيش يعني في حال من الاستضعاف الشديد، ثم أراد الله سبحانه وتعالى أن يعز نبيه وأن يعز دينه، فساق إليه نفراً من الأنصار، ساق إليه نفراً من الأنصار في البداية كانوا عدداً قليلاً، يعني التقاهم النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام، عرض عليهم الدين، فانشرحت صدورهم وأسلموا، ثم رجعوا إلى قومهم فكلموه، وبدا الإسلام يتفشى في هذا الحي من العرب، الذين هم من الأوس والخزرج الذين يسكنون يثرب، بدأ يتفشى فيهم الدين.

وأحد هؤلاء الأنصار، أحد هؤلاء الذين من الأوس والخزرج، من الذين يسكنون في يثرب، سجل هذه الملاحظة فقال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة -وهذا هذه أسماء أسواق- وكذلك ذو المجاز، هذه أسواق ثلاثة من أسواق العرب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتبع الناس فيها.

وكان يعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل وعلى الوفود، من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي؟ وتارة فقط يدعوهم، يقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا.

وهذه القصة سبحان الله يعني قصة عجيبة وقصة يعني عظيمة، وفيها عبرة كبيرة جداً، أنه نحن نعتبر بها، وننظر كيف رسل الله كيف ضحوا وكيف بذلوا وكيف كذبوا وأوذوا. النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يطوف في سوق ذي المجاز، وسوق ذي المجاز في قريب من مكة يعني هو يعتبر شمال عرفة تقريباً بـ10 كيلو، تقريباً بـ10 كيلو في منطقة معروفة الآن ومنطقة أثرية، يعني سوق ذي المجاز من أسواق العرب الكبيرة.

جاءت الأحاديث في أكثر من كتاب من كتب السنة في مسند الإام أحمد وغيره، أنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى ذي المجاز يطوف بالناس، ويقول لهم: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا.

طبعاً كل الذين في السوق هؤلاء اللي هم من وفود العرب المختلفة، كلهم من أهل الشرك، ما كان في أحد من أهل الإسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى الإسلام.

وفي هذه الأثناء كان خلفه أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتبعه، وكلما مر النبي صلى الله عليه وسلم بمجموعة يقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ينادي أبو لهب: لا تسمعوا له، هذا الكذاب، هذا الصابئ!

وفي بعض الروايات أنه كان أبو لهب يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاره حتى أدمى عرقوبه وكعبه، كان يرمي، يعني يتخيلوا يمشي خلف النبي صلى الله عليه وسلم ويرمي بالحجارة على أرجل النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: لا تصدقوا هذا الكاذب.

والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف في الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يتحرى أحياناً الحجاج فيجلس معهم: من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي؟ والناس ما كانوا يستجيبون، ما كانوا يستجيبون، حتى أراد الله سبحانه وتعالى أن يعز رسوله.

طبعاً قبل ذلك يا جماعة أنا سبحان الله أخذت أتفكر في هذه القضية، أقول إنه الله سبحانه وتعالى يعلم أن الناس لن يصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم ولن يؤووه، كان يععلم والله سبحانه وتعالى يعلم أن الذين سيصدقون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤوونه هم الأنصار.

فأخذت أتفكر: لماذا لم يسق الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من البداية إلى الأنصار؟ ليش يعني كانت القضية أنه اضطر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف على قبيلة قبيلة وعلى وفد وفد وعلى مجموعة مجموعة؟

الله سبحانه وتعالى كان يراه ويعلم حاله، ولكنه أراد من نبيه أن يأخذ بالاسباب، وأراد من نبيه أن يجتهد، وأراد من نبيه أن يبذل، وأراد من نبيه صلى الله عليه وسلم أن يضحي، والله سبحانه وتعالى يراه، والله سبحانه وتعالى يثبت قلبه، والله سبحانه وتعالى يكتب أجره.

والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف في هذه الأسواق ويكذب ويرمى بالحجارة، وقد علم الله أنهم لن يستجيبوا، لكن القضية ليست في اختصار المسافات ولا في إجادة الحلول المفاجئة، لا، هناك سنن إلهية، حتى محمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله وخليله يمشي في هذه السنن، ويبتلى هذه الابتلاءات، وينال هذه الصعوبات، ويتعبد لله سبحانه وتعالى بصبره.

فكتب الله له هذه الأجور العظيمة، وضاعف ونما حتى صارت هذه الأمة المحمدية على مر العصور والقرون تصلي عليه صلاة دائمة في صلواتها وفي دعائها.

الشاهد أيها الكرام، لما أراد الله أن يعز رسوله صلى الله عليه وسلم ساق له مجموعة من الأنصار، هؤلاء الأنصار طبعاً ما كان في شيء اسمه الأنصار، ما كان في شيء اسمه الأنصار، هؤلاء قوم من يثرب، حتى بالمناسبة في رواية لطيفة يعني أن أول وفد التقى به النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هل أنتم من موالي يهود؟

لما قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا تجلسون أكلمكم؟ أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام وتلى عليهم القرآن، وكان إلى آخر الحديث.

وهذه الرواية جميلة ولطيفة تدل أنه هم ما، يعني هم كانوا معروفين أنه هم الخزرج والأوس، والمعروف عنهم أنه بينهم مشاكل، ولذلك ترى قبل فتره يعني قبلها يعني بفترة يسيرة، كان في وفد من الأوس جاء إلى مكه يستعين بقريش على الأوس على الخزرج عفواً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله لا يشرك به شيئاً، وأنزل علي كتاباً إلى آخر الحديث.

فما كان في شيء اسمه أنصار، هذا الأنصار اسم شرعي، هذا الأنصار اسم استحقوه بسبب العمل، هذا الأنصار اسم صار أشهر من القبيلة بالنسبة لهم، وهم الذين كانت الدنيا تقوم وتقعد لأجل اسم القبيلة، ما كان في انتماء عندهم إلا اسم القبيلة الأوس والخزرج، وكل يعني كل واحدة من هاتين القبيلتين فيها يعني ايش قبائل فرعية أو يعني فروع للقبيلة.

وكلهم كان يجمعهم طرف الأوس وطرف الخزرج، وكان بينهم من الحروب ما كان، إلى أن جاء يوم بعاث، هذا يوم بعاث أفضى قادته، وكان يوم بعاث قبل الهجرة بثلاث سنوات أو خمس سنوات، وكان يوماً قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

الشاهد أنه احنا الان نقول الأنصار وبيعة الأنصار وبيعة العقبة والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار الذين قاموا معه في بدر، ما كان اسمهم الأنصار، ما استحقوه إلا بهذه البيعة وبهذه النصرة، ما استحقوه إلا بهذا العمل.

وأنا يا جماعة بالله يعني خلينا نتفكر كده في هذه القضية، كيف أنه العمل للدين كان جزءاً من، كان يؤثر في اسم الشخص في هويته. كل الصحابة ايش كانوا قسمين؟ كانوا قسم مهاجرين وقسم أنصار. طيب آباؤهم أين قبائلهم؟ نعم كلهم لهم قبائل معروفة وكذا، لكن الاسم الأول ترى صار مهاجرين وأنصار، مهاجرين بناء على ايش؟ بناء على عمل واحد عملوه، اللي هو الهجرة في سبيل الله. الأنصار بناء على ايش؟ بناء على نصرتهم لرسول الله، فصارت الهوية، التعريف الأساسي للهوية: مهاجرون وأنصار.

هذا يوم أن كانت الموازين مختلفة، هذا يوم أن كانت المعايير مختلفة، هذا يوم أن كانت الحياة تبنى على مبدأ نصرة الدين، تبنى على مبدأ نصرة الإسلام. لما كانت الحياة تبنى على هذا المبدأ، كانت الهوية تتشكل بناءً على ذلك، هوية مهاجري وهوية أنصاري.

الشاهد بدأ الإسلام يسمع في المدينه، في يثرب، كان في ذلك الوقت كان اسمها يثرب، ثم بعد ذلك غيرها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فجاء في الموسم التالي بعد الذين جاؤوا في البداية، هؤلاء السته أول شيء جاؤوا ستة، بعضهم يعدها بيعة، بيعة العقبة الأولى، ولكن كثير من العلماء لا يعدها بيعة عقبة، هذه الذين حضروا فيها الستة.

ثم بعد ذلك جاءت بيعة العقبة الأولى، اللي كان فيها اثنا عشر رجلاً من الأنصار. وأنا يعني سبحان الله أيضاً دائماً الذين لهم السبق، الذين لهم السبق، سواء الذين سبقوا في مكة أو الذين سبقوا في المدينة من الأنصار، هؤلاء يجب أن تعرف أسماءهم، هؤلاء يا جماعة ترى هم السبب في نصرة الإسلام وفي نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءنا ووصلنا هذا الدين عن طريقهم.

هم الذين، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى في سورة الفتح: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ. هذا الحديث عن الصحابة، هذه الآية عن الصحابة، لأنه بداية هذه الآية: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا إلى آخر الآية.

فهذه الأسماء الأولى، هذه الأسماء لها قيمه وقدر كبير في الإسلام. وأعجبني الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء لما عقد فصلاً في المجلد الأول من السير وسمى السابقين الأولين الذين في مكة عدهم تقريباً 50 أو 51 شخصاً من الرجال والنساء كذلك، الذين جاؤوا في

بداية البيعة أو في بداية بيعة العقبة للنبي صلى الله عليه وسلم، أول الستة كانوا: أسعد بن زرارة، عوف بن الحارث، رافع بن مالك، قطبة بن عامر، عقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رئاب وليس جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام اللي هو المعروف الصحابي جابر بن عبد الله، لا، هذا جابر بن عبد الله آخر.

هؤلاء الستة الذين أتوا في البداية. الذين أتوا بعدهم اللي هي بيعة العقبة الأولى التي فيها الاثنا عشر المشهورة المعروفة، هذه كانت: أسعد بن زرارة أيضاً، عوف بن الحارث، معاذ بن الحارث، رافع بن مالك، ذكوان بن عبد القيس، عبادة بن الصامت -وعبادة بن الصامت هو يمكن أهم شخصية أو من أهم الشخصيات في هذول الاثني عشر بحكم أن هو راوي الرواية الأساسي، هو اللي روى رواية البيعة وكان معروفا بها- ثم يزيد بن ثعلبة، العباس بن عبادة بن نضلة، قطبة بن عامر، عقبة بن عامر، أبو الهيثم مالك بن التيهان، وعويس.

عدة أنا أدرك جيدا أنه في عدد من هذه الأسماء ربما البعض يسمعهم لأول مرة، ربما البعض لا يعرف سيرهم شيئا. وسبق في سلسلة خير القرون لما يأتي أحد من هؤلاء الذين بايعوا في العقبة أو كذا، مباشرة يعني أقف عنده وقفة؛ لأنه هؤلاء لهم سجل شرف خاص، هؤلاء هم الذين بسببهم بإذن الله تعالى انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين والعز والجهاد في سبيل الله وإلى آخره مما هو معلوم. هؤلاء هم الذين كانوا السبب الذي ساقه الله سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

الشاهد، بعد ذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معهم من يعلمهم الدين؛ لأنه القضية ليست هي مجرد قتال أو انتصار، لا، هي رسالة. هي رسالة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً وهو يبلغها ويؤذى في سبيلها ويحاجج، ستنقله بإذن الله تعالى إلى المدينة. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من رباهم، من تعب في بنائهم، من علمهم، من كانوا معه في دار الأرقم، من درسوا على يديه القرآن، من عرفوا عن طريقه الحقائق الكبرى، من تشربوا هذه الحقائق، من ثبتوا في مكة أمام سياط التعذيب. اختار منهم النبي صلى الله عليه وسلم رجلين: مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم، فبعثهما إلى المدينة يسبقان، يعلمان الأنصار الإسلام، يعلمان الأوس والخزرج القرآن.

ولذلك أخرج الإمام البخاري في الصحيح، قال عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرآن القرآن. ومن هنا دخل مجموعة كبيرة من الأوس والخزرج في الاسلام، وكان من أهمهم ومن أشهرهم ومن أعزهم ومن أقواهم ومن أعظمهم إيماناً ومن أعلاهم منزلة عند رب العالمين سبحانه وتعالى: سعد بن معاذ.

سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ لما استشهد في غزوة الخندق. طيب، السنة التالية -لاحظوا يا جماعة إحنا ترى موضوعنا معركة بدر، مو موضوعنا كل السيرة، بس لا يمكن أن يعني خلينا نقول نتناول يوم بدر على تمامه وعلى حقيقته إلا إذا عرفنا السبب الذي جعل هذه المعركة ممكنة، إلا إذا علمنا السبب الذي جعل هذا القوام من الأوس والخزرج الذين قاتلوا في تلك المعركة والذين حموا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قاتلوا دونه والذين جاهدوا في سبيله، ما الذي أوصلهم إلى هذه الحالة؟- الذي أوصلهم هي بيعة العقبة. هذا هو الشيء الذي لاجله سموا بالانصار؛ لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشاهد أنه السنة التي بعدها جاءت بيعة العقبة اللي هي البيعة الأساسية الكبيرة التي كانت بيعة النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه كانت كما رواها كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في رواية جميلة جدا وأخرجها الإمام أحمد في مسنده.

قال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه -طبعا كما تعلمون كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلفوا، وهو غاب عن غزوة تبوك ولم يكن لديه عذر كما حكى هو عن نفسه- لكن لما اخذ يحكي القصة دخل لها بمدخل لطيف، ويعني ايش نفس الفكره اللي جلس أتكلم عنها من ناحيه الربط بين بيعه العقبة وبين بدر؛ لأنه قال: لم أشهد يوم بدر، ولكني شهدت العقبة، وما أحب أن لي بها بدرا! يعني لو خيرت بين بيعة العقبة وبين معركة بدر -تخيلوا معركة بدر هذه اللي فيها كل هذا الفضل العظيم- كعب بن مالك يقول: لو خيرت بين بيعة العقبة وبين حضور بدر لاخترت العقبة، يقول: وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، أنه يعني هي الأشهر، ولكن بيعة العقبة بالنسبة له كان لها شأن.

هذا كعب بن مالك أحد شهود العيان، أحد المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ناصره في تلك البيعة العظيمة، يروي القصة كما أخرجها الإمام أحمد في مسنده وكذلك ابن حبان. قال كعب رضي الله تعالى عنه: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا -كيف صلوا وفقهوا؟ بسبب الصحابه الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم- ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا. فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال: خرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه -هؤلاء من الذين أسلموا، ما كانوا حضروا سابقاً، لم نره قبل ذلك- فلقينا رجل من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفانه؟ قال: قلنا لا. ثم ذكروا قصتهم مع العباس بن عبد المطلب. وبعد ذلك قال كعب رضي الله تعالى عنه: فواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق.

العقبة هذه في منى، وهذه العقبة ومكان الاجتماع كان يعني لا يزال معروفا إلى اليوم، واليوم قريب من الجمرات في مسجد اسمه مسجد البيعة أو مسجد العقبة، وهو معروف، وفيه يعني مسجد تاريخي جداً. هو هذا المكان الذي اجتمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة.

قال: وكانت الليله التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من سادتنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا -يعني هم أصلاً خرجوا الأوس والخزرج من المدينة جايين الحج وجایین في الجاهلية، يعني في الشرك، ولكن من بين هذا الوفد الكبير كان هناك ثلاثة وسبعون من المسلمين، وكانوا يخفون إسلامهم عن بقية قومهم، وكان معهم من المسلمين امرأتان والبقية من الرجال-.

الشاهد قال: قالوا له -قالوا لعبد الله بن عمرو بن حرام- انك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا! ثم دعوته إلى الإسلام، وأخبرته بمعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا.

والله سبحان الله، كمان لما تقرا الروايات التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدور على الناس، وكان يعني يدعوهم إلى الإسلام ويطلب منهم الإواء ويطلب منهم النصرة، سبحان الله لما أتفكر في مقدار إعراض الناس ومقدار إقبال الأنصار، أمر عجيب! هؤلاء الأنصار، هؤلاء الله سبحانه وتعالى جعل في نفوسهم شيئاً سبحان الله، أقبلوا مباشرة وكان الأمر يعني قريبا جداً، حتى هذا الآن عبد الله بن عمرو واحد من سادتهم، تخيلوا إلى أن أتى معهم غير مسلم، فهذا كعب رضي الله تعالى عنه يكلمه ويقول له يعني إن نرغب بك أن تكون حطباً من حطب النار، أسلم مباشرة! وتعرفون قصة سعد بن معاذ مع مصعب بن عمير، فاسلم، وكان الإسلام يفشو فيهم سريعا.

الشاهد قال كعب: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أم عمارة، والأخرى أسماء بنت عمرو إحدى نساء بني سلمة.

قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظر من؟ ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلسنا، كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم، فقال: يا معشر الخزرج -وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج، أوسها وخزرج- قال العباس: إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده.

طبعا هذا الآن العباس رضي الله تعالى عنه يتكلم من باب الاستيثاق، أنه بيتاكد أن هذول الجماعة فعلاً سيحمون النبي صلى الله عليه وسلم ولا لا. طبعا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة نعم، وإن كان محميا بقومه، لكن هذه حماية يعني حماية محدودة، حماية بسيطة، ليست هي المنعة الحقيقية، ليست هي المنعة التي يمكن أن يعز بها الإسلام وترفع رايته ويقاتل الأعداء، لا، وإنما أساس هذه الحماية هي ألا يقتل أو ألا يعتدى عليه اعتداءات مثلا متقدمة جدا، وإلا ترى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حماية بني هاشم، ظلم النبي صلى الله عليه وسلم وألقي عليه سلا الجزور كما تعلمون في مكة وكذا، لكنه لم يتعرض لما تعرض له كثير من الصحابه الذين لم يكن لهم من قومهم من يمنعهم من مثل هذا.

الشاهد فقال: قال الأنصار قد سمعت ما قلت، سمعنا ما قلت يا العباس، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور رضي الله عنه بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا! فبايعناه يا رسول الله، فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة -أي الحلقة التي هي السلاح- ورثناها كابرا عن كابر.

فبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه بيعة النصرة: والنصرة ولكم الجنة، النصرة ولكم الجنة. في تلك الليلة العظيمة، في تلك الليلة الخالدة، في تلك الليلة الزكية، في تلك الليلة التي تواثر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحموه ويمنعوه.

في تلك الليلة رسمت معالم معركة بدر، لولا تلك الليلة لما كانت معركة بدر، لولا تلك البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الفرقان الذي جاء بعد هذه البيعة بسنتين.

ومن هنا كانت هذه المقدمة وكان هذا المدخل لمعركة بدر قبل أن نبدأ في الأحداث التفصيلية، رجعنا إلى الوراء حتى نربط بين حدث وادي ذفران قبل المعركة لما قام النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الناس، فأشار الأنصار بعد المهاجرين وقالوا: نحن معك يا رسول الله، وكان ذلك امتدادا للعهد الذي عاهدوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل سنتين.

هذه كل أحداث فيها من العبر والعضات، وفيها بيان التضحية التي مر بها المسلمون، والتضحية التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم قام بها الأنصار والصحابة عموما من المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم اجمعين. ثم بعد ذلك تغيرت المعالم، وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ثم بدات بعد ذلك السرايا التي سنعرج على بعضها إن شاء الله لعله في اللقاء القادم أو الذي يليه، حتى نصل إلى التحرك والمسير إلى يوم بدر.

رضي الله تعالى عن المهاجرين والأنصار، وصلى الله على محمد وسلم. نسأل الله أن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه حميد مجيد، اللهم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وآته الوسيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، واحشرنا في زمرته، واجعلنا من الواردين على حوضه.

الله يعطيكم العافية وإن شاء الله نلقاكم في الأيام القادمة لمزيد من الحديث عن يوم الفرقان عن معركة بدر، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.