تسجيل الدخول

يوم الفرقان... يوم بدر العظيم 01

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، حياكم الله يا أهلاً وسهلاً ومرحباً. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلاً، يا أهلاً، يا مرحباً. هذه المساحات الصباحية في رمضان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا فيها الرشد والسداد والصواب، ستكون عن السيرة النبوية، ستكون عن يوم عظيم، عن يوم جليل، عن يوم خالد، عن يوم أنزل الله فيه قرآناً، بل أنزل فيه سورة كاملة.

وهذا اليوم هو يوم بدر. يوم بدر يعني إن شاء الله سيأخذ معنا، إن يسر الله رمضان كاملاً، يعني كل يوم إن شاء الله نتحدث عن هذا اليوم وما يكفيه حتى رمضان كامل؛ ما يكفي الحديث عن عن يوم بدر. ممكن البعض تعود أنه هو يسمع عن معركة بدر أو عن غزوة بدر، يمكن البعض تعود أنه هو يسمعها في عرض سريع، قصة الغزوة، القصة المباشرة واصطفاف الجيوش والمبارزة، وبعدين يعني نهاية الجولة وما يتعلق بالغنائم وما إلى ذلك، وخلاص، أنه هذه هي يعني غزوة يوم بدر وهذه معركة بدر، بينما الأمر أعظم من ذلك بكثير، وأكبر من ذلك بكثير، وأوسع من ذلك بكثير.

وهذا اليوم، يوم بدر، يوم يتطلب كلاماً كثيراً بمقدمات كثيرة. وإن شاء الله في هذه المجالس وفي هذه البثوث التي لن تأخذ وقتاً طويلاً في البث الواحد، لكن إن شاء الله يعني يكون فيها حديث من جهات متنوعة ومختلفة حتى نعيش الحدث وناخذ عبرة، وفي نفس الوقت نربط بين السيرة وبين القرآن، وبين السيرة وبين الأحاديث. فنحاول أن ننظر من جهات مختلفة ليوم بدر، يوم الفرقان الذي أنزل الله سبحانه وتعالى فيه سورة كاملة كما تقدم، وهي سورة الأنفال.

هذا اليوم العظيم، من أهميته أنه صار صبغة للهوية بالنسبة لمن شارك فيه؛ يعني الآن الذين شاركوا من الصحابة رضي الله عنهم في يوم بدر، أُضيف للتعريف الشخصي المتعلق بالهوية أنه البدري. ممكن بعضكم لما يقرأ أسماء الصحابة يجد أن فلاناً مثلاً، حتى في الحديث مثلاً يقول عن عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري. ممكن الواحد إذا ما كان عارباً النسبَة أو كذا، أو حتى غيره من الصحابة، يظن أن البدري ممكن، البدري يعني هذه مثلاً نسبة قبيلة أو نسبة كذا، بينما البدري هي نسبة عمل، نسبة مشاركة في يوم بدر.

هذه المشاركة في يوم بدر طبعت من شارك فيها بحيث إنه صار في الهوية الشخصية عنده أنه البدري. هذا مثل ما كانت الهجرة من مكة إلى المدينة طبعت من هاجر فصار في اسم الهوية عنده أنه مهاجر؛ لذلك المهاجرون والأنصار، وحتى أحياناً مثلاً في بعض الروايات أو الأحاديث يُبهم الاسم وتذكر هذه الصفة في الهوية، فمثلاً تجد في بعض الأحاديث أن رجلاً من المهاجرين، أن رجلاً من المهاجرين، صار كون من المهاجرين تعريف شخصي، مثل ما تقول اليوم أنا مثلاً رأيت مثلاً رأيت شخصاً، تأتي باسم بلد: مصري، سوري، سعودي إلى آخره، هذا جزء من الهوية. ممكن تقول مرة أخرى: رأيت شخصاً من قبيلة كذا، أو يعني بالنسبة.

هذه كلها أجزاء من الهوية. في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان العمل الكبير المرتبط بنصرة الإسلام والتضحية في سبيل الله يؤدي إلى أن يُضاف هذا العمل في الهوية، يُضاف هذا العمل في الهوية: فلان البدري. ليش البدري صار قريناً للقبيلة؟ يعني الأنصاري البدري. لماذا صار، أو طبعاً الأنصار هو أيضاً وصف، نفس الشيء هو وصف مرتبط بالعمل، لكن مثلاً فلان من أياً كانت نسبته القبلية، الأنصاري البدري. هذه الآن مجرد هذه النسبة وهذه الهوية، هذه فيها عبرة كبيرة جداً وعجيبة جداً.

هذه العبرة هي مركزية الأعمال المتعلقة بنصرة الإسلام والتضحية في سبيل الله، مركزيتها في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومركزيتها في حياة الجيل الأول، ذاك الجيل. القيمة ليست بمجرد الانتساب للقبيلة، وليست بمجرد الانتساب إلى وطن معين ولا إلى بلد معين، القيمة تضاف أيضاً بانتسابه بمدى حضور أعمال نصرة الإسلام في حياتك، بمدى حضور أعمال نصرة الإسلام في حياتك. فبقدر المواقف الكبيرة التي نصرت فيها الإسلام يُضاف تعريف شخصي، وهذا يعني أمر استمر، ترى موضوع البدر، أهل بدر، هذا موضوع استمر إلى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني مثلاً عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما كان يوزع العطاء، تعرفوا، توسعت الدولة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وانفتحت الأموال، فكان كل شخص يعيش في ظل هذه الخلافة، خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كان له نصيب في المال، بغض النظر هو موظف، غير موظف، عنده تجارة، عنده عمل، عنده أياً كان، هو له نصيب، يأخذ شيئاً.

هذا الأخذ بالطبع استمر في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، وكذلك في أزمنة أخرى؛ يعني على مر التاريخ ربما تفاوتت هذه القضية ثم قلت ونُظمت. لكن اختلف الأمر بين زمن عمر رضي الله تعالى عنه وزمن عثمان؛ اختلفوا في قضية ايش؟ القضية أنه هذا العطاء الذي يُعطى بالمال، هل يُعطى بالتساوي لكل أحد؟ لكل الشعب كما يقال اليوم في التسمية المعاصرة، أم هناك تفاوت؟ بالنسبة لعثمان رضي الله عنه كان يعطي بالتساوي، بالنسبة لعمر كان يعطي بالتفاوت بحسب ايش؟ بحسب ما قدمت في نصرة الإسلام، ولذلك عمر بن الخطاب كان يقدم البدريين.

كان يقدم البدريين، طبعاً هذا واحد من معايير التقديم، يوجد معايير أخرى، لكن لما تقرا في سيرة عمر وفي سياسته المالية، تجد أنه كان يعطي البدريين الذين شهدوا بدراً أكثر من غيرهم. هذا معناه ايش؟ هذا معناه أنه هذا يوم عظيم خالد في التاريخ، كبير، عجيب، مؤثر، عميق الجذور، ممتد الأثر. ولذلك لما حين نتكلم عن هذا اليوم، ما يصلح أننا نتكلم عنه باعتبار أنه معركة مهمة صارت وخلاص؛ ولذلك ما يصلح أن نتحدث عن يوم الفرقان وعن يوم بدر مثل ما ذكرت قبل قليل، أنه والله كانت قافلة قريش متوجهة إلى الشام وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ليدركها في ذهابها ولم يدركها، ثم جاء في الرجوع وكذا، ثم بدأت المعركه والتجهيز للمعركة وما إلى ذلك.

هذا يعني هذه زاويَة من الزوايا، لكنها زاوية مختصرة جداً جداً، يعني زاوية مختزلة جداً جداً، لا تعطي الصورة التي ينبغي أن يعيشها المؤمن تجاه هذا اليوم العظيم الذي أنزل الله فيه الملائكة من السماء، وأنزل فيه الآيات من عنده من السماء سبحانه وتعالى. وهذا يعني أمر عظيم، وأمر كبير، وأمر في غاية الأهمية التي تفتح للإنسان المسلم آفاقاً من التأمل، تفتح للإنسان المسلم آفاقاً من النظر.

لذلك، إن شاء الله في هذه البثوث، نحاول أن نعيش هذه الأبعاد، نحاول أن نفهم لماذا أخذ هذا اليوم ذاكرته؟ لماذا أخذ هذا اليوم محله من ذاكرة التاريخ؟ لماذا أخذ هذا اليوم محله عند الله سبحانه وتعالى؟ لماذا نزل في شأنه قرآن؟ لماذا نزل في شأنه سورة من السور، سورة ليست بالقصيرة؟ لماذا كان الملائكة الذين حضروا ذلك اليوم كان لهم شرف من بين الملائكة؟ وهذا حديث صحيح في البخاري، جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أفضل المسلمين. قال جبريل: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. تخيلوا! يوم واحد حضرته الملائكة، بقي لهم شرف خالد في التاريخ لمجرد حضورهم ذاك اليوم. وكذلك الصحابة، ليش؟ لماذا؟ لماذا كل هذا ليوم واحد لم تستغرق المعركه فيه نصف نهار حتى؟! فهذا إن شاء الله ما سنسير فيه في هذه البثوث لنأمل ولنتفكر.

دعوني أذكر لكم في هذا البث الأول، دعوني أذكر لكم وجهاً واحداً من الوجوه التي تبين قيمة هذا اليوم. وهذا الوجه يا جماعة الخير يعني يمكن يغفل عنه الكثير، أو ربما لم يعتنِ به الكثير، أو ربما حتى لم يسمع به الكثير: لماذا كان يوم بدر فيه هذه الأهمية الكبيرة؟ الوجه الأول حقيقة هو أنه هذا يوم كان يوم تحقق السنن الإلهية والوعود التي وعد الله بها في القرآن المكي. تعرفون القرآن المكي؟ القرآن الذي نزل في مكة، نزل وقت استضعاف المؤمنين، كان هذا الاستضعاف بتسلط المشركين المجرمين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابه، عذبوهم وطردوهم وشردوهم.

تعلمون خلال الثلاثة عشر عاماً التي في مكة، كان القرآن يتنزل، يتنزل يعالج هذه الأحداث. هذا القرآن الذي كان يتنزل كان من موضوعاته تهديد المشركين، مع أنهم هم الذين بيهم السطوة، تهديدهم وأنهم سينالون جزاءً في الدنيا وسيرون عاقبة ظلمهم. وكانت هذه التهديدات تتكرر في القرآن المكي. لما تنظر إلى أرض الواقع، ما في شيء، يعني ما في شيء يقول إن هذه التهديدات ستوقع من ناحية الحسابات المادية؛ يعني حتى الصحابة اللي هم أصلاً اللي أسلموا وعددهم كان قليلاً في مكة، كثير منهم راح للحبشه، يعني ما في حتى، ما في معطيات تدافع مرتبطة بالميدان، يعني عسكرية أو شيء، ما في! فكيف تاتي التهديدات الكثيرة بأن هؤلاء المتسلطين سينالون جزاءهم في الدنيا، لا، وعلى أيدي المؤمنين هؤلاء، على أيدي المستضعفين؟! شيء غريب، شيء عجيب جداً!

تكررت هذه الآيات وجاء فيها نحو قوله سبحانه وتعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ۝ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ۝ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبْرَ. هذا الآن آيات مكية في سورة القمر. من الجمع الذي سيهزم؟ وكيف سيولون الدبر؟ يعني أبو جهل بن هشام بسطوته، وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط، وهذا الملأ من قريش، هذا الذي يعني يهز الجزيرة العربية، هؤلاء سيهزمون ويولون الدبر؟! ومن الذي سيهزم ومتى وكيف؟ هذه نزلت في مكة، لم تدر الأعوام القليلة حتى هزم هذا الجمع يوم بدر وولوا الدبر. ولذلك كان المفسرون، وخاصة من كبارهم والموفقين منهم مثل الإام الطبري رحمه الله، الإام الطبري كان يعتني دائماً في تفسيره في الآيات المكية التي فيها التهديد، يقول: وقد وقع ذلك يوم بدر، وقد وقع ذلك يوم بدر، وقد وقع ذلك يوم بدر.

احنا هذه الأيام في رمضان تنشر إن شاء الله دروس دراسة سورة الأنعام. سورة الأنعام من السور المكية التي وقعت فيها التهديدات، وكيف الطبري دائماً يقول لك: ها، متى وقع؟ مثلاً في بداية سورة الأنعام: فَكَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. سوف يأتيهم، طب متى ياتيهم؟ هل فقط يوم القيامة؟ لا، يقول لك الطبري: وقد أَتتهم هذه الأنباء يوم بدر. مثلاً في سورة الأنعام أيضاً: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. طب متى استقر هذا النبا الذي أنزله الله؟ استقر يوم بدر يوم رأوا سيوف المؤمنين مسلطة في وجوههم هم، وأطاحت بكبريائهم وأطاحت بنفوسهم وقذفوا في القليب، قليب بدر.

هذا وجه من وجوه أهمية يوم بدر، أنه يوم تحققت فيه الوعود الإلهية الكثيرة التي نزلت في القرآن المكي في ظل استضعاف وفي ظل حالة صعبة، ولم يكن هناك بوادر لتحقق هذه الوعود من ناحية أرض الواقع، لكن لما جاء يوم بدر تحققت كل تلك الوعود. حتى إن بعض الصحابة كانوا ينزلون بعض الآيات العظيمة في التهديد على يوم بدر، ولذلك وقع خلاف بين المفسرين حتى فيها؛ مثلاً في سورة الدخان قال الله سبحانه وتعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى. شوف الآية كيف مخيفه! يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى. معروف قول ابن مسعود وهذا صحيح أنه معروف يقول: البطشة الكبرى يوم بدر، كانت وقعت يوم بدر، بطش الله بهم البطشة الكبرى. وهناك من المفسرين من يعني يقول في تحديدا في هذه الآية يفسرها على غير ذلك، لكن الشاهد من عظمة يوم بدر وجلاله وأهميته أنه يعني كانت تفاسير العلماء المتعلقة بالايات المكية المرتبطة بتهديد المشركين نزلوها على ذلك اليوم.

إذاً، هذا وجه أول وكما قلت هو وجه ليس يعني خلينا نقول مكرراً كثيراً أو ليس مطروقاً كثيراً في التعبير عن أهمية هذا اليوم العظيم. لذلك نحن اليوم في هذه الأيام إن شاء الله الطيبة، لما نتحدث عن هذا اليوم ونتذكر شأن هذا اليوم، احنا لازم ندخل بنفسية متهيئة لعظمة هذا اليوم، ونحاول أن نربط بين ذلك الحدث الأرضي وبين ما كان ينزل من السماء من آيات الله سبحانه وتعالى، وندمج بين الحدث وبين العبرة وبين التعليق الإلهي على الحدث وبين نفوس المؤمنين.

ويوم بدر كما قلت يعني يحتمل عشرات المجالس التي يمكن أن نتفكر فيها في هذه الأحداث. هذه المقدمة لا أزيد أن أطيل فيها أكثر من ذلك، خلونا نبدأ بداية تكون خفيفة وسهلة ولطيفة. بعد كذا، إن شاء الله في الأيام القادمة بإذن الله تعالى، كل يوم على وقت الفجرية، ناخذ لنا مجلس جديد مرتبط بيوم بدر، يوم الفرقان. نسال الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، ونسال الله أن يعيننا وإياكم على الصيام والقيام، والله يا رب يحفظنا وإياكم ويفتح علينا وعليكم، ونستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.