تسجيل الدخول

يوم الفرقان... يوم بدر العظيم 02

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً، حياكم الله جميعاً، شرفتم ونورتم هذا اللقاء الثاني من لقاءات يوم الفرقان يوم بدر العظيم.

وهذا الحديث عن هذا اليوم، كما تقدم في المساحة السابقة، هو حديث عن أمر عظيم جداً، وعن حدث مهول، وعن يوم استثنائي في التاريخ. ولذلك لا يصلح أن نتناول هذا اليوم يعني بطريقة الحكاية فقط، أو بطريقة حتى الروايات والأخبار المجردة، وإنما يجب أن ننظر إلى هذا اليوم باعتبار الحكمة الإلهية والسنن الإلهية، وباعتبار مجموع حال مجموع ما يمكن أن يفهم من مسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ما يمكن أن ننظر إلى هذا اليوم نظراً عادياً، ونحن إلى يومنا هذا بعد 1400 أكثر من 1400 سنة لا نزال نستقي العبرة، ولا نزال نستقي الفائدة العظيمة في ديننا، في إيماننا، في عقولنا من أحداث ذلك اليوم أو من أحداث ذلك اليوم العظيم. الله سبحانه وتعالى سمى ذلك اليوم يوم الفرقان.

والفرقان هذا اللفظ شريف جداً جداً، وهو من مقاصد الدين أن يكون هناك فرقان بين الحق والباطل. الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه العزيز سورة كاملة باسم الفرقان. معنى هذا أن موضوع الفرقان مهم جداً عند الله سبحانه وتعالى، أو له أو هو من مقاصد الدين. لما تقرا في السورة وتقرا في يعني الله سبحانه وتعالى سمى القرآن كاملاً فرقاناً، وهذا موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى في غير آية.

الفرقان، من يتامل في النصوص الشرعية، يجد أن الفرقان بين الحق والباطل يتحقق عبر وسيلتين أو عبر مجالين اثنين. المجال الأول اللي هو مجال الحجة والبيان والبرهان، وهذا موضوع سورة الفرقان بالمناسبة: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. إذا قرانا السورة وتأمل فيها وتدبر، سنجد أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها الحجة والبيان الذي يفرق بين الحق والباطل عن طريق هذه المنظومة البرهانية. ولذلك جاء في سورة الفرقان: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا. ومن المعلوم أنه هذه الآية مكية، وسورة الفرقان مكية، والجهاد الكبير المذكور في هذه الآية هو الجهاد بالقرآن بالحجة والبيان. هذا النوع الأول من الفرقان الذي يصدق على سورة الفرقان والذي يصدق على حجج القرآن وما إلى ذلك.

هناك نوع آخر من الفرقان، وهو الفرقان الذي يحصل بالجهاد في سبيل الله، الذي يحصل في ميادين المعارك، وهذا هو الفرقان الذي حصل يوم بدر. وقد جمع الله لنبيه صلى الله عليه وسلم النوعين من الفرقان، فجعل الله سبحانه وتعالى جعل نبيه صلى الله عليه وسلم يفرق بين الحق والباطل بالحجة والبيان، ويفرق بين الحق والباطل بالسلاح والسنان. ودائماً الأمة تحتاج إلى هذين النوعين من الفرقان، وإلا ما تميزت هذه الأمة وعلت كلمتها وظهر دينها على الدين كله. وبلا شك أن الأساس هو الفرقان الأول، الفرقان الذي هو الحق، الذي هو البيان عن الحق أولاً، وجود الحق في ذاته ثم البيان عنه ومحا اهل الباطل. الشاهد أن الله سبحانه وتعالى سمى يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل، وتميز فيه الحق عن الباطل، وعلت فيه كلمة الحق على الباطل.

والذي يقرا سورة الانفال، طبعا تعلمون سورة الانفال هي السورة التي انزلها الله سبحانه وتعالى في شان يوم بدر، نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر في هذه السورة انه اراد ان يحق الحق وان يبطل الباطل، فقال سبحانه وتعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. احقاق الحق وابطال الباطل مقصد قراني عظيم.

ولذلك اليوم تجد الناس يعني كل فئة من الناس، كل مجتمع من المجتمعات، كل أناس تجمعوا على قضية ما، تجدهم يعني يفعلون تجاه هذه القضية من الولاء والبراء واحقاق الحق وابطال الباطل في نظرهم، وهو الذي يتمحور حول قضيتهم، ما يفنون فيه الاعمار والأوقات وما إلى ذلك. الله سبحانه وتعالى يريد أن يكون احقاق الحق وابطال الباطل هو مرتبطاً به سبحانه فيما يتعلق بالولاء لله سبحانه وتعالى والمحبه له ولاوليائه، واحقاق الحق الذي انزله الله سبحانه وتعالى، والبراءة من اعداء الله سبحانه وتعالى، وابطال الباطل الذي يعادي الحق الذي انزله الله. هكذا تعاد المعايير وتصحح.

الشاهد أن يوم بدر، أن يوم بدر الذي هو يوم الفرقان، فرق الله فيه بين الحق والباطل عبر النوع الثاني من الفرقان، الذي هو الفرقان بالجهاد في سبيل الله، بالقتال، برفع كلمة الإسلام في ميدان المعركة. وكما قلت، هما فرقان، والأمة يجب أن تسير عموماً وقد سارت على مر التاريخ بتفاوت في مراحلها بهذين النوعين من الفرقان. ولذلك الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة الفرقان بالم يعني من الموافقات انها في سورة الفرقان، قال سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا، وكفى بربك هاديا ونصيرا.

طيب، الآن نحن حين ننظر أو نتحدث عن تفاصيل الأحداث في معركة بدر في يجب أن ننظر باعتبار يوم بدر يوم فرقان، يوم فرق الله فيه بين الحق والباطل، فاحق الحق وأبطل الباطل سبحانه وتعالى. إذاً هذا المعنى الثاني.

في اللقاء الماضي قلت إنه يجب أن ننظر إلى يوم بدر وإلى يوم الفرقان باعتباره يوم تحقق السنن الإلهية، الوعود الإلهية التي وعد الله بها في مكة تحققت يوم بدر. وقد ذكرت الأمثلة على ذلك في اللقاء الماضي، لكن دعوني فقط أذكر حديثاً من الأحاديث الصحيحة في قصة حصلت في مكة وتحقق مصداق يوم بدر. وهذه القصة أخرجها الإامام البخاري في صحيحه، وهي يعني حفيّة أن يتأمل بها، وحرية أن يتامل فيها تأملاً يعني واسعاً، يعني لفهم فكرة أنه كيف أن يوم بدر هو اليوم الذي تحققت فيه الوعود الإلهية والذي كمل الأحداث.

في مكة كان النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي عند البيت ساجداً، هكذا بدات القصة في الحديث في البخاري. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجداً عند الكعبة. كان الملأ من قريش، الكفار الطغاة الذين هم علية القوم، الذين صارت قضيتهم الأولى محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء كانوا جالسون بجوار البيت بجوار الكعبة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمامهم ساجد. فأخذوا يتغامزون ويسخرون وأشاروا لبعضهم أنه من يمكن أن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم؟ والايذاء الذي اشاروا في بعضهم اليه هو انه في تلك المنطقة، يعني في في منطقة قريبة من ال يعني تعرفوا الكعبة أصلاً ترى كانت وسط الحي، يعني يعني ترى ما كانت بهذه حدودها مثلاً، دار الندوة نسمع عن دار الندوة دائماً. دار الندوة الآن تعتبر شمال حجر إسماعيل بأمتار قليلة.

الشاهد أنه في بين البيوت هناك كان كان شيء من الزبائن ملقى، وهذه الزبائن كان فيها مشيمة من من ناقة مذبوحة أو ميتة ولا تزال في في تلك في ذلك الطرف. فأشار إلى بعضهم أنه لو آذينا النبي صلى الله عليه وسلم عبر هذه الأوساخ؟ قام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط إلى ذلك الوسخ وأخذه وتوجه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، ووضع هذا الوسخ على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد.

ظل النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا لم يرفع رأسه. الذي يروي القصة هو عبد الله بن مسعود. عبد الله بن مسعود كان من الضعفاء، وكما تعلمون كان من قبيلة هذيل ولم يكن من قريش، وما كان يستطيع أن يعمل شيئاً، وما كان في أحد يحميه من الداخل. وسبق أنه جرب عبد الله بن مسعود، جرب أن يصدح بشيء من الحق كما في السيرة، فضرب ضرباً يعني مبرحاً. الشاهد أنه في ذلك المقام لم يستطع أن يفعل شيئاً، ولم يستطع أن يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فذهب أحدهم إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكانت كما في الحديث في البخاري جويرية فتاة صغيراً جداً طفلة، يعني أنه وضعوا سلا الجزور على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم. انطلقت فاطمة تركض حتى جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأزالت هذا الوسخ وهذا القذر الذي وضعوه عليه. لما أزالت، انتقلت إليهم، التفتت إليهم وأخذت تسبهم.

النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك رفع رأسه، ولما انتهى من الصلاة أخذ يدعو على هؤلاء المجرمين الطغاة بالأسماء، فقال: اللهم عليك بعمر بن هشام، اللي هو أبو جهل. اللهم عليك بعتبة بن ربيعة. اللهم عليك بشيبة بن ربيعة. اللهم عليك بالوليد بن عتبة. اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط.

هنا هؤلاء لما سمعوا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم خافوا، لما سمعوا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم خافوا. الشاهد من الكلام، عبد الله بن مسعود الذي يشاهد هذا الحدث والذي نقله تاما كما هو، قال: فوالله لقد رايت الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، لقد رايتهم صرعى في القليب، قليب بدر، راهم وقد القيت جثثهم في قليب في بدر بعد أن قتلوا في تلك المعركة.

يعني أن يوم بدر كان هو يوم إجابة الدعاء، يوم بدر كان هو يوم الانتصار للمظلومين، يوم بدر كان هو يوم قطع دابر الكافرين، يوم بدر كان هو يوم الانتقام من الظالمين. ودائماً في سنن الله وفي ميزان الله هذه الأمور تطول، تاخذ وقتاً؛ لان الله يريد أن يبتلي عباده. الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده المؤمنين، والابتلاء الابتلاء في ميزان الله ترى حكمة عظيمة وأمر عظيم وكبير جداً. الشاهد أيها الكرام أن يوم بدر، هذا اليوم العظيم كما ذكرت في اللقاء السابق، هو يوم لتحقق الوعد الإلهي، وكما ذكرت في هذا اللقاء هو يوم للفرقان بين الحق والباطل، فيجب أن ننظر إليه بهذين الاعتبارين الكبيرين العظيمين.

طيب، احنا إلى الآن ما بدأنا في أي تفاصيل متعلقة بالقصة، بالأحداث، بالمقدمات. لكن قبل أن أبدأ بهذه التفاصيل، ساذكر شيئاً آخر أيضاً مهماً جداً ينبغي أن ننظر إلى يوم بدر من خلاله. الآن تعلمون حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم، قام بالامر من بعده أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ثم عمر رضي الله تعالى عنه، ثم عثمان رضي الله تعالى عنه، ثم علي رضي الله تعالى عنه. هؤلاء هم الخلفاء الراشدون كما نعلم جميعاً. وهذه الخلافة على منهاج النبوة كما في الحديث الصحيح، النبي صلى الله عليه وسلم قال: تكون النبوة ما شاء الله فيكم أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله فيكم أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. الخلافة على منهاج النبوة التي كانت بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت هؤلاء بهؤلاء الأربع خلفاء.

الآن لما ننظر إلى هؤلاء الأربعة على أنهم قاموا بالدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم وحكموا العالم وساسوا الناس بالدين ومكن للاسلام وجمعوا القرآن وجاهدوا في سبيل الله وفتحوا الفتوحات وقاتلوا المرتدين وسقطوا يعني إمبراطورية كسرى وفارس وهذه الأمور العظيمة والعجيبة. دعونا نرجع بالذاكرة إلى الوراء، ترى لو لم يكن هؤلاء الأربعة في ظل السيرة النبوية؟ لو لم يشهد هؤلاء الأربع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لو لم يدخلوا في هذا الدين وتربوا في ظلاله وتعلموا من القرآن وأخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وزكوا ورباهم وعلمهم وشهدوا معه المشاهد وراوا بأم أعينهم كيف ينصر الله المؤمنين بعد طول البلاء؟ لأنهم شهدوا بدرا راوا هذا النصر، ومن تخلف منهم عن بدر فانما تخلف لمعالجة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وهو عثمان رضي الله تعالى عنه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم له سهما كسهْم من شهد بدراً.

الآن هؤلاء الأربعة لو لم يشهدوا بدراً ولا أحداً ولا المشاهد الأخرى، ولو لم يحضروا في مكة ولو لم يتلقوا القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترى ما كان شأنهم؟ يعني ما كان عاقبة أمرهم؟ يعني إلى أين سيصلون بدون هذه الرسالة؟ بدون هذه التربية؟ بدون هذه التجارب؟ بدون هذه المعارك؟ بدون هذا الصبر؟ بدون هذا الابتلاء؟ بدون هذه التضحية في سبيل الله؟ بدون أن يعيشوا لتكون كلمة الله هي العليا؟ بدون هذا كله، أين كانوا سيصلون؟ أين كانوا يصلون؟ آخر ما كان يمكن أن يصل إليه أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله تعالى عنهم بدون كل هذا؟

ومن هنا نقول إن يوم بدر ويوم أحد ويوم الخندق وبقية الأيام وفتح مكة وغير ذلك من من الغزوات والمعارك، وأن الآيات التي نزلت وأن الصبر الذي كان في مكة وأن الهجرة إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة وأن كل هذه المعيشة التي كانت لله وفي ذات الله وفي سبيل الله هي التي ربى الله بها عباده المؤمنين وهي التي هيأ بها ليقود الدنيا، وانه لولا هذه الأيام لما حصلت تلك النتائج.

لذلك نحن نرجع فنقول: والله عبر التاريخ 1400 سنة من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ما مر مثل حقبة الخلفاء الراشدين، الذين والذين والذين. قبل أن نقول هذه النتيجة، لنرجع إلى المقدمة: ما الذي صنع هؤلاء الخلفاء؟ ما

الذي جعلهم على هذه النتيجة ترى أولئك الخلفاء كانوا يوم بدر أذلة، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ. ما كان عندهم شيء حين ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم بدر، ترى ما كان، حتى يعني ما أقول الخيول ولا ما كان في، يعني هم كان معهم فرسان، لكن من ناحية الإبل، حتى الإبل كانت قليلة، كان كل ثلاثة يعتبون على بعير، يتعاقبون على بعير، حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان كان في هذه التقسيمة الثلاثية.

وما كان حتى ما كان عندهم شيء، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ مساكين، ما كان عندهم شيء، ولما خرجوا من مكة ما عندهم شيء، لما كانوا في مكة كانوا يعذبون وكانوا يسامون سوء العذاب، حتى ذهبوا إلى الحبشة ما في شيء، لكن هذا القرآن صنعهم وهذه الأيام صنعتهم وهذه الشدائد صنعتهم وهذا البلاء صنعهم وهذه التجارب صنعتهم.

فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم حملوا الراية بعده وساروا على طريقه، وكانوا الأمناء على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مرة على أصحابهم وهم ينتظرون الصلاة، فنظر إلى السماء كما في صحيح مسلم نظر إلى السماء صلى الله عليه وسلم، وقال، أبو موسى وكان كثيرا ما ينظر إلى السماء صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إلى السماء قال: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا تُوعَدُونَ.

أولئك النجوم هم الذين صنعوا يوم بدر، لا تقل لي بعد ذلك الذي شهد بدرا، لا تقل لي بعد ذلك إنه سيشك في وعد الله أو سيقول: أين الله عنا؟ أو سيقول: لماذا لا لا؟ لان هو شهد يوم بدر وعرف نتيجة الصبر وراى بأم عينيه كيف يتنزل نصر الله على المؤمنين وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ. كل اللي في بدر كانوا 314 رجل أمام 1000 رجل، والقضية ليست حتى أنه 300 أمام 1000، القضية أنك تعرف من هم هؤلاء الألف، هؤلاء الألف هم الذين كانوا يعذبون هؤلاء الـ 300، هؤلاء الألف هم الذين كانت لهم السمعة في الجزيرة العربية كلها، هؤلاء الألف هم الذين لهم الشرف ولهم المكانة ولهم السيادة ولهم الريادة ولهم التاريخ ولهم الهيبة ولهم السمعة المخيفة ولهم القيادة ولهم إلى آخره.

أما هؤلاء الـ 300 فقد طردوا من ديارهم وهجروا، يعني باعتبار قريش يعني باعتبار الطغاة والمجرمين هؤلاء مجموعة من المشردين ومجموعة من المهجرين ومجموعة من يعني إيش أهل المعصية والبغاة الذين خرجوا من قومهم وخرجوا من بلادهم، هذه نظرة الكفار من كفار قريش لهؤلاء، فهؤلاء 314 ما كان حتى ما كان عندهم شيء كما قلت، حتى لا من ناحية الدواب ولا من ناحية، لكنهم راوا بأعينهم كيف ينصر الله عباده المؤمنين.

لذلك بعد ذلك لما شاركوا في القادسية ولما شاركوا في اليرموك وللما فتحوا الفتوح ولما أسقطوا دولة كسرى ولما تتبعوا كسرى بين البلدان إلى أن وصل إلى مرو وإلى إلى أن وصل إلى جهة تركمانستان وحتى وصل إلى شرق أفغانستان على الحدود من تاجكستان، كل هذه الفتوحات وصلت في زمن عمر رضي الله تعالى عنه بدايه زمن عثمان، وشمالا إلى أذربيجان، كل هذا حصل في زمن عمر رضي الله تعالى عنه.

هؤلاء الذين تمددوا في هذه الآفاق وساصوا هذه الدنيا هم الذين صنعوا يوم بدر وهم الذين صنعوا يوم أحد وهم الذين راوا أثر المعصية يوم أحد ماذا تفعل المعصية، وهم الذين راوا يوم الأحزاب كيف أنه البلاء الشديد وبلغت القلوب الحناجر ثم بعد ذلك الدعاء والثبات والصبر إلى أن جاء نصر الله، وهم الذين جربوا وجربوا وجربوا وعاشوا حقائق هذا الدين على أرض الواقع، ما كانوا ناس يعطوا الدين ساعة في اليوم ولا ولا يمحون حياتهم حول الدنيا والرصيد الشخصي ثم بعد ذلك لا ينسون نصيبهم من الآخرة، لا كانت حياتهم متمحورة حول العيش لله وفي سبيل الله، ولذلك حصلت تلك النتيجة.

الشاهد من الكلام أيها الكرام أن يوم بدر هو يوم أساسي في صناعة تلك الثلة المؤمنة التي حملت راية الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسادت الدنيا وفتحتها وساصت الناس بعد ذلك بالدين الذي حملوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا نقول إن الذين ينتظر منهم أن يحملوا راية الدين والاسلام لا يمكن لهم أن يحملوا هذه الراية إلا إذا عاشوا مثل تلك الحقائق، إلا إذا عاشوا بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوها هي المركزية في حياتهم وسعوا لاحقاق الحق الذي فيها وإبطال الباطل الذي يعارضها في كل زمان بحسبه، وتحملوا الأذى في سبيل الله الذي يمكن أن ينالهم بسبب تلك الحقائق بسبب إحقاق تلك الحقائق وبسبب إبطال الباطل الذي يعارضها، ولا بد أن يروا من سنن الله وأيامه ومن نصره ومن ومن إلى آخره ما يثبت الحقائق النظرية في قلوبهم.

ولذلك يرجح بعض المفسرين ومنهم الإام الطبري أن قوله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، يرجح الإام الطبري رحمه الله أن الطائفة التي تتفقه في الدين هي الطائفة النافرة وليست الطائفة القاعدة، والطائفة النافرة تتفقه في الدين، ما وجه تفقهه في الدين؟ بطبيعة الحال إذا كانت طائفة نافرة في سبيل الله فلن تجد وقتا للجلوس والدفاتر والكتابة واستماع الدروس، فكيف تتفقه في الدين؟ فذكر رحمه الله أن التفقه في الدين لهذه الطائفة النافرة هو بما تعاين، وهذه الفكرة تعاين يعني ترى، بما تعاين من نصر الله للمؤمنين ومن إهلاكه لأعدائه، لما تعاين بسبب هذا الفعل وبسبب هذه التضحية وبسبب هذا الخروج في سبيل الله وبسبب هذا العيش في سبيل الله هذا فقه من الدين، فقه في الدين لا يتحقق إلا بمثل ذلك.

إذا هذه مقدمة ثانية للحديث عن يوم بدر والحديث عن يوم الفرقان، وإن شاء الله باذن الله تعالى في اللقاءات القادمة أيضا لعلنا ندخل مباشرة في بداية الأحداث ومقدماتها، لكن هذا اللقاء واللقاء السابق كان عبارة عن مدخل للحديث عن هذا اليوم العظيم.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يهدينا ويسددنا، وأكرر الترحيب بكم مرة أخرى في هذه المساحة، وبإذن الله تعالى تكون هذه البث وهذه المساحة يومية أو شبه يومية في مثل هذا الوقت بإذن الله تعالى نتذاكر فيه حول قصة يوم بدر وقصة يوم الفرقان ونأخذ الدروس والعبر بإذن الله تعالى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح وأن يبارك.

حياكم الله مرة أخرى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.