طيب، نقول الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فكنا قد أخذنا في اللقاءات السابقة مجموعة من القضايا المرتبطة بيوم الفرقان، يوم بدر العظيم.
وكان هناك وقفات متعدده وكثيرة، لأن هذا اليوم كما ذكرت يعني لا يصلح أن يتناول من جهة العرض التاريخي فقط، وإنما يجب أن يوقف معه وقفات كبيرة تليق بقدر ذلك اليوم بمقامه، ومهما وقف الإنسان فلن يبلغ يعني قدر ما ينبغي أن يتحدث عن ذلك اليوم العظيم الذي هو من أيام الله.
في اللقاء الماضي، كنا قد وصلنا إلى وصول الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن القافلة أو أبي سفيان قريش راجعة من بلاد الشام، وقلنا إنه النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرصد رجلا يتتبع الأخبار حتى يعرف متى تعود القافلة ويحدد موقعها ويتلمس الأخبار، وقلنا إنه هذا كان من الأمور المهمة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هي اتخاذ الأسباب من الناحية الأمنية ومن ناحية الوعي بالأعداء ومن ناحية يعني التورية بحيث إنه إذا أراد أن يذهب إلى غزوة يوري بغيرها.
وقلنا إنه هذا شيء تعلمه الصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الصحابه يحملون العلم والإيمان والقرآن، ويحملون الوعي السياسي والوعي العسكري والتجربة العسكرية والوعي الأمن، وما إلى ذلك من القضايا التي تجعلهم يعني قادرين على أن يدافعوا عن الحق ويبطلوا الباطل.
لما جاء الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكرنا أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان ظهره حاضرا فليقم معنا.
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في البداية تحرك من المدينة، وهذا التحرك وافقه تحرك المشركين من مكة بمعنى أنه سبحان الله هي ثلاثة أطراف: طرف النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وطرف أبو سفيان القافلة، والطرف الثالث الجيش المكي أو الجيش القرشي.
كل هذه الأطراف كانت تتحرك بتقدير إلهي دون أن يعرف كل واحد بالضبط أينما كان الآخر، وإن كان يعني موضوع القافلة نقدر نقول إنه هو مرصود، لكن موضوع قريش بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابه ما كان مرصودا، ما كان متوقعا أن يخرجوا هكذا.
وفي نفس الوقت الذين خرجوا من مكة لم يكونوا يعلمون بأن قافلة أبي سفيان قد تجاوزت الخطر أو ستتجاوز الخطر بعد قليل، فكل كان يتحرك لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يحق الحق في ذلك اليوم وأراد أن يبطل الباطل في ذلك اليوم، وقد قال سبحانه وتعالى في سورة الأنفال التي نزلت متعلقة بشأن بدر: وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ، وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
يعني قد كتب الله في اللوح المحفوظ أن يكون في ذلك اليوم لقاء وقتال ومعرجة وحرب بين الحق والباطل، والله يحب هذه الحرب ويريد هذه الحرب، ويريد أن يحق الحق وأن يبطل الباطل، ولذلك ما كانت القضية محسوبة بهذه الطريقة تماما، وإنما كانت القضية أنه النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يذهب مع جيشه لاعتراض القافلة التي اصلا خرج لها قبل عدة أشهر، كما تعلمون مر معنا في اللقاءات الماضية أنه النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة العشيرة لنفس القافلة هذه التي خرج لأجلها يوم بدر، لكن في ذلك الوقت كانت في الذهاب ويوم بدر كانت في الإياب.
فخرج المشركون في ذلك اليوم من مكة بعد أن أرسل أبو سفيان إليهم أن ادركوا أموالكم وادركوا قافلتكم، جاءه الخبر لأنه حتى هو أيضا عنده استخبارات وعنده تتبع أمني وعنده كذا، وإن كان حقيقة الرواية التي تذكر هي تذكر أنه هناك من تطوع باخباره، لكنهم كانوا متحفزين عموما أنه أن أباب سفيان لما رجع أخبر من بعض القبائل في الطريق أن ترى هناك تربص من النبي صلى الله عليه وسلم بكم وكذا، فارسل إلى قريش أن تخرج.
أرسل أبو سفيان رجلا يقال له ضمضم، لكن قبل أن أذكر قصة ضمضم هذه سبحان الله انظروا كيف اعتنى أو كيف أن الله سبحانه وتعالى بنفسه ذكر مشهد الخروج يعني في القرآن الكريم، في سورة الأنفال ذكر الله مشهد الخروج من المدينة ومشهد الخروج من مكة، ولذلك احنا إن شاء الله في هذه اللقاءات سنهتم بسورة الأنفال بحكم أنها هي السورة المتعلقة بهذا اليوم بيوم بدر وننظر ما الذي اهتم الله سبحانه وتعالى بذكره أو ما الذي ذكره الله سبحانه وتعالى لنهتم نحن بذكره.
فالعجب أنه لحظة الخروج هذه ذكرها الله في هذا القرآن الذي يتلى إلى يوم القيامة، فقال في حق المؤمنين: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ.
إذا هذا الخروج الأول الذي هو خروج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وهو خروج بالحق، وإن كان هذا الخروج قد صحبه نوع من شعور الكراهية داخل بعض النفوس، اللي هم فريقان فريقا من المؤمنين لكارهون.
طبعا هذه شوف لاحظوا لفظ كارهون، لاحظوا لفظ كارهون، وتاملوا في السورة اللي نزلت قبل سورة الأنفال اللي هي سورة البقرة في كثير من آياته نزلت قبل الأنفال، كيف قال الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
سبحان الله هذه الآية وإن كانت نزلت في سورة البقرة، إلا أن الخروج من المدينة يوم بدر يعني ينطبق عليه هذه تنطبق عليه هذه الآية، كيف أن أنه كان فريق من المؤمنين كانوا كارهين لهذا الخروج ليس لعدم محبتهم لنصره النبي صلى الله عليه وسلم ولا لاحقاق لعدم محبتهم لاحقاق الحق ولا لعدم رغبتهم في إبطال الباطل، وإنما الخوف الفطري الطبيعي والكراهية الفطرية الطبيعية لهذا الخروج، خاصة وأن هذا أول لقاء أول لقاء مع المشركين، وخاصة أنه كانت الإمكانات ضعيفة جدا بالنسبة للمؤمنين يا جماعة الإمكانات.
احنا نتكلم عن 314 رجلا خرجوا من المدينة، وهؤلاء معهم 70 بعيرا ومعهم فرس واحد، فرس واحد يعني وقيل فرسان، والفارس الذي من المؤكد كان يعني كان موجود مع المؤمنين في بدر هو المقداد كان معه فرسه، وقيل إنه الزبير أيضا كان بفرسه، لكن الأشهر أنه هو فرس واحد، فتخيلوا جيش معه خيل واحد، خيل واحد ايش هذا الجيش اللي هو لا يمتلك الإمكانات لا يمتلك القدرات العسكرية الواسعة، وكل واحد ترى بسيفه وبدلر وبإمكانات البسيطة جدا يعني.
أما قريش فسمعتها وتاريخها وتجاربها في في الحياة وفي القتال وإمكاناتها الاقتصادية، هذه كلها كان لها هيبة ووقع في النفوس، فلذلك الموضوع هذا ما هو سهل يعني، وهذا مهم جدا أننا ننتبه له، لأنه يعني القرآن دائما والسنة يعرضان لنا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنهم هم النموذج الأعلى، إلا أنهم بشر، وكونهم بشر وتعتريهم المشاعر البشرية هذا يسهل علينا أن نقتدي بهم وأن نسير مع يعني على طريقهم في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فليس الصحابه بمعصومين ولا بمنزلين من أن يكون لديهم المشاعر البشرية التي فيها الخوف والكره ولقاء بعض.
وبنفس الوقت يا جماعة الخير هناك من الصحابه عكس ذلك، يعني هناك من الصحابه كانوا يتمنون اللقاء، وهذا ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران فيما يتعلق بأحد فقال: وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ.
طيب، احنا قلنا إن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن مشهد الخروج للطرفين، الطرف الأول ذكرناه: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ.
الفريق الثاني الذي ذكر الله سبحانه وتعالى خروجهم قال في نفس السورة في سورة الأنفال قال الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.
لاحظوا لما ذكر الله خروج المؤمنين خروج النبي صلى الله عليه وسلم قال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. ولما ذكر المشركين وخروجهم من مكة قال: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله.
وهذا البداية بالقصة في القرآن من مشهد الخروج أو ذكر مشهد الخروج في القرآن هذا أمر يعني يجعلنا نهتم بهذه اللحظة، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة يعني حتى قيل إنه لم يخرج لم يتجاوز المدينة بعد.
يعني بعض أهل السير يذكر أنه في منطقة قريبة من المدينة يعني تعتبر الآن قريبة جدا من المسجد النبوي من الجهة الغربية، الجهة الغربية هي الطريق الذي يسلكه النبي صلى الله عليه وسلم ويسلك الناس للذهاب إلى منطقة بدر يعني إلى الذهاب إلى جهة ساحل، لأنه تعرفوا القافلة هي جاية من الشام وموازية للساحل تنزل إلى أن تصل قريبا من مكة ثم تعطف إلى جهة الشرق.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم الآن توجه من جهة الغرب في منطقة قريبة جدا من المسجد النبوي توقف الجيش، أو توقف النبي صلى الله عليه وسلم ليستعرض الجيش، أخذ يستعرض الجيش النبي صلى الله عليه وسلم.
وهنا في هذا الاستعراض أو قبله أو نحوه، وجد النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصغار في السن من الفتيان أرادوا الالتحاق بهذا الجيش والخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم للقتال في سبيل الله، وهؤلاء الأولاد الذين خرجوا أو الفتيان الذين خرجوا أحدهم كان عمره 13 عاما وهو صحابي مشهور جدا وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
هذا الصحابي الجليل عبد الله بن عمر كان عمره 13 عاما، وأخذ يحاول أن يشارك في هذا الجيش، وكان معه شخص آخر قريب من عمره جدا واسمه البراء بن عازب، وهو أيضا من الصحابه المشهورين وهذه القضية موجودة في صحيح البخاري، قضية ثابتة وهي قولة قول البراء: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر.
استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، استصغر يعني لما رئينا مقبلين على المشاركة رددنا بسبب صغر سننا، لكن احنا الآن بناخذ العبرة، طبعا وين حد السن المقبول من 15 وفوق، 15 سنة وفوق هذا السن المقبول لالتحاق بالجيش مع النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعا 15، 16، 17 في العرف المعاصر يعد صاحبها طفل تعد طفلا أو قاصرا، ولذلك يعني يعفى عن يعفى عنه أو يعفى من كثير من الأمور ومن كثير من الواجبات ومن كثير من كذا، لكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هذا السن اللي هو من 15 إلى 18 هؤلاء ليس فقط كانوا يشاركون، هؤلاء بعضهم كان يقود.
ومن الادله على ذلك لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد في آخر عمره كان عمره بهذه الحدود تقريبا يعني، وكذلك أحد الذين قتلوا واستشهدوا يوم بدر الصحابي الجليل عمير بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أخو الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، يقال إن عمره حين استشهد يوم بدر كان 16 عاما، 16 سنة قاصر بالعمر أو بالتقييم أو بالمعيار المعاصر.
لكنه أذهبوا إلى يعني مقبرة شهداء بدر الموجودة إلى اليوم يوجد فيها يعني لوحة رخامية كبيرة، اقرأوا الأسماء مكتوب فيها أسماء الشهداء، اقرأوا أسماء الشهداء ستجدون واحد منها عمير بن أبي وقاص، هذا كان شابا صغيرا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المعركة واستشهد في ذلك اليوم.
هذا المشهد الآن في الخروج واستصغار بعض الصغار اللي هم دون الخامس عشر يقودنا إلى التفكر ويقودنا إلى التامل ويقودنا إلى مراجعة بعض المعايير ومراجعة بعض طبيعة تعاملنا مع الصغار ومع الشباب الآن تماما.
يعني عبد الله بن عمر رد واستصغر لأنه كان عمره 13، لكن احنا نبغى الآن ما قبل أن يستصغر، يعني ما قبل أن يرد ما الذي أوصله إلى هذه هذه النقاطة؟ ما الذي أوصله؟ هو خارج من جد يعني، هو ما هو خارج يمزح، هو خارج بسلاحه يريد أن يشارك مع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه يوم بدر.
ما الذي أوصله إلى هذه النقطة؟ هو لو لم يعامل في الأيام الفائتة والايام السالفة قبل يوم بدر، لو لم يعامل كرجل، ولو لم يكن يحضر المجالس مع النبي صلى الله عليه وسلم والرجال، ولو لم يكن يتابع الأخبار ولو لم يكن يعرف ما الذي يدور، ولو لم يكن محل اهتمام، ولو لم يكن قريبا من هذه يعني من هذه المجالس التي يعتنى بها بذكر الواقع ويعتنى بها بذكر نصرة الإسلام وما إلى ذلك، لما تجرأ أن يخرج ليحاول أن يشارك مع جيش النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان عمره 13 عاما.
وهذا يقودنا إلى قضية مهمة وخطيرة وكبيرة جدا مرتبطة بطبيعة تربية الأجيال في زماننا هذا، وانه هي حقيقة تربية خطيرة جدا فيها إشكالات كبيرة جدا.
لا شك أنه يعني احنا أتيح لنا ما لم يتح لغيرنا وفي بعض الإمكانات الجيدة لتطوير مهارات الفتيان وما إلى ذلك وهذه من النعم المعاصرة، لكن في نفس الوقت عندنا أشياء وإشكالات كبيرة جدا تجعل الإنسان الفتى مهمشا مبعدا، منشغلا بلذته منشغلا بالتفاهات.
وهذا طبعا يسهم فيه أشياء كثيرة، ليس فقط الذي يسهم في ذلك الآباء والأمهات بالضرورة وإنما هم جزء، وهو أو طبيعة الفتيان والأجيال جزء آخر، طبيعة مثلا التربية الشرعية من خلينا نقول الدعاة، من معلمي الحلقات من المربين أيا كان، أيضا هي قد يكون لها إسهام أما سلبي أو إيجابي بحسب طبيعة التربية.
وال يعني خلينا نقول الأكثر تأثيرًا من الناحية السلبية في مثل هذه القضايا هي طبيعة الحياة المعاصرة، وطبيعة ترتيب نظام الحياة المعاصرة الذي يلزم فيه الإنسان بالتسلسل أو السير المتسلسل بطريقة معينة يمر بها بسنوات طويلة في الدراسة بكيفية معينة بهيئة معينة باجتماع معين ثقافة معينة إلى آخره، تبعد الإنسان عن أن يمكن للفتيان أن يحققوا مثل تلك الدرجات ومثل تلك الانجازات التي حققت للفتيان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
والكلام في هذه القضية كثير ليس يعني هذا مقامه، لكن اردت أن اقول إنه كان من المواقف عند الخروج أن كان هناك بعض الصغار الذين ردوا عن الجيش لصغر أعمارهم، يعني أنهم دون الخامس عشرة، أما الكبار اللي أعمارهم 15 و16 و17 هذول كبار، هذول يعني تجاوزوا القنطره وهذول خلاص أساسيون في الجيش، وكما قلت كان منهم عمير بن أبي وقاص الذي استشهد رضي الله تعالى عنه في ذلك اليوم.
هذا إذن من مواقف الخروج من المدينه، أما بالنسبة للخروج من مكة، خروج المشركين، فهذه أيضًا كانت فيها مواقف مهمة جداً؛ من ذلك يروى في كتب السيار، وهي رواية مشهورة، أنه أرسل أبو سفيان أحد الرسل ليبلغ قريش نذيرًا، يقول لهم: إن أموالكم، إن قافلتكم في خطر، وأن محمدًا قد خرج يريد أن يقطع علينا هذا الطريق، فأخرجوا بما يمكنكم، النفير النفير.
وهذه كانت وصية خاصة وقوية جداً من أبي سفيان لضمضم، أنه هو يستنفر الناس استنفارًا مصيريًا، أنه يعني: يا تخرج الآن يا يعني خلاص كل شيء راح، وسبحان الله قدر الله قبل أن يصل هذا الرسول من أبي سفيان، قدر الله أن رأت إحدى عمات النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا وكانت في مكة في ذلك الوقت، ورأت وقصت هذه الرؤيا على العباس رضي الله تعالى عنه، وكان في ذلك الوقت مع قريش.
قصت عليه الرؤيا وكانت هذه الرؤيا سبحان الله واضحة تدل على ما الذي سيحدث في قريش إذا خرجوا استجابة لهذا النفير الذي سياتيه قريبا، ما هي هذه الرؤيا؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارع في ثلاث.
تقول: فأرى الناس اجتمعوا عليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هو حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: النفير يا آل غدر لمصارع في ثلاث، ثم أيضاً مثلها في على رأس أبي قبيس، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي هذه الصخرة حتى إذا كانت باسفل الجبل ارفضت -يعني تكسرت أو تفتتت- فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.
قال العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنت فكتمها، لا تذكريها لأحد.
الشاهد أنه العباس لقي الوليد بن عتبه، والوليد بن عتبه معروف أحد يعني رموز قريش من المشركين، كان بينهم صداقة، وذكر له هذه الرؤية واستكتمه إياها، الوليد بن عتبه أخبر بها أباه عتبة، وعتبة يعني أخبر بها غيره، المهم فشا حديث هذه الرؤيا إلى أن وصل الموضوع لمين؟ وصل الموضوع لأبي جهل، فلما جاء في اليوم الثاني، أو في يعني في نفس اليوم يعني لما وصل الخبر لأبي جهل، العباس رضي الله تعالى عنه كان يطوف فرآه أبو جهل، فقال له: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا.
فلما فرغ العباس أقبل فقال له أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبيه؟ قال: قلت وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة. قال: قلت وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نسائكم؟ شوفوا المنطق الذي يتعامل فيه أبو جهل هذا الآن، سبحان الله هذا الكلام يمثل شخصية أبي جهل تماماً، هذه طريقة أبي جهل؛ غطرسة وكلام عالي وصوت مرفوع ومزايدات، هذه هي الطريقة التي كان يسير فيها أبو جهل مع هذا، الآن لاحظوا الآن مع مع الموافقين له ولو ظاهرا فكيف بالمخالفين له؟ طبعا هو قتل سمية رضي الله تعالى عنها طعنها بالرمح.
الشاهد أنه كان هذا واحد من المشاهد عند الخروج خروج المشركين إلى بدر من مكة، لكن المشهد الاصعب هو أنه لما خرجوا وتجهزوا وجهزوا اسلحتهم ولبسوا وخلاص تحركوا أو سيتحركوا تذكروا شيئاً، تذكروا أن بينهم وبين بني كنانة عداوة، وأن بينهم وبين بني كنانه ثاراً، وأن هناك دماء لم تنتهي أو لم يقضى فيها بينهم وبين بني كنانه.
وبنو كنانه أيضاً من المشركين وكانوا قريبين من مكة، فخشي المشركون لما تذكروا في ذلك الوقت أنهم إذا خرجوا إلى بدر أن يأتي بنو كنانه هؤلاء فيهاجمون مكة ويقتلون من يستطيعون ممن بقي فيها، خاصة أن هذا الجيش يمثل العصبة الأساسية العسكرية لقوة قريش، هذا موقف صعب جداً، اخذوا يتداولون الأمر فيما بينهم يفكرون اهتموا بالموضوع، هنا كان هناك تدخل مباشر من إبليس من الشيطان.
وهذا التدخل ذكره الله في القرآن، سبحان الله يعني هذا التدخل الشيطاني في المعارك بين الحق والباطل هو أمر متكرر، وامر لا ينبغي أن يغفل عنه الإنسان المؤمن، طبعا نحن مؤمنون نؤمن بالغيب ونؤمن بهذه القضايا والأحداث التي حصلت؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في سورة الأنفال: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ.
هذا الشاهد، واني جار لكم ايش معناها هذه؟ لما تذهب إلى السيار وكتب السيرة النبوية وما إلى ذلك تجد أنهم حين اهتموا بشأن بني كنانه، تمثل لهم الشيطان في صورة أحد سادة بني كنانه اللي هو سراقة بن مالك، وقال لهم: لا تخشوا شيئاً أنا جار لكم من الناس، أنا جار لكم من بني كنانه لن يتعرضوا لكم بشيء.
هذا التدخل طبعا هو سراقة لا جاء ولا عمل مثل هذا، وإنما هو تدخل من الشيطان ليمضي هذا الجيش؛ لأنه يريد هذا القتال، الشيطان يريد أن يحدث هذا القتال لأجل استئصال شوكة المسلمين، ولاجل قتل النبي صلى الله عليه وسلم هكذا ظن وهكذا غرهم، وذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في القرآن، وهذا يشبه أيضاً ما ثبت في الصحيح في معركة أحد، لما احتدمت الأمور يوم أحد صرخ الشيطان في آخر الجيش فقال: يا عباد الله أخراكم، أو نحو هذه العبارة.
وحصل اختلال في الصفوف في يوم أحد بسبب هذا خلينا نقول الصراخ الشيطاني الذي أدى إلى حالة من الاختلال في الصفوف، وكذلك الله سبحانه وتعالى ذكر في قصة موسى عليه السلام مع فتاه قال: وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ.
الشيطان هو اللي نسى هذا الفتى أنه يذكر موسى عليه السلام بتضييع الحوت؛ لأنه لا يريد هذا اللقاء، وكذلك في قصة يوسف: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.
والراجح أن هذا الشخص الذي نسي أن يذكر هو الفتى الذي خرج وليس يوسف عليه السلام، فالشيطان نسى ذلك الفتى حتى ما يسعى لإخراج يوسف عليه السلام من السجن، وهذا جزء من الحرب المفتوحة بين الشيطان وبين المؤمنين، وهذا كما قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا.
الشاهد أن مشهد الخروج من المدينة ومشهد الخروج من مكة كلا المشهدين قد ذكره الله في القرآن؛ أما المشهد الأول فقوله سبحانه: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، وأما المشهد الثاني فقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارِ.
الشاهد أنه يعني بعد أن حصلت هذه المشاهد تحرك جيش المشركين إلى بدر، طبعا هناك أناس من سادة قريش لم يخرجوا أو أرادوا عدم الخروج وخافوا من الخروج، وأبرزهم على الإطلاق أو من أبرزهم اللي هو أمية بن خلف، أمية بن خلف هذا أحد المذكورين الكبار في تعذيب المسلمين في المرحلة المكية كما تعلمون، أمية هو الذي كان يعذب بلالاً رضي الله تعالى عنه.
هذا أمية حصلت له قصة وهذه القصة مذكوره في صحيح البخاري، هذه القصة جعلته لا يريد الخروج مع المشركين يوم بدر؛ وذلك أن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه قبل بدر أتى إلى مكة يطوف البيت يعني عمرة، وطبعاً بعد الهجرة النبوية يعني في هذه المرحلة اللي هي في السنتين الأولى، ذهب سعد بن معاذ -طبعاً سعد بن معاذ سيد الأوس وسيد من سادات يثرب سيد من سادات المدينة- وكان له علاقة قوية بأمية بن خلف، وكان كلاهما يعني له علاقة قوية بالآخر، بحيث إن هذا له مصلحة عند الأول والثاني عنده مصلحة يرعيان بعض المصالح في حفظ بعض الأموال وما إلى ذلك والأهل وما إلى ذلك.
الشاهد أنه لما ذهب سعد بن معاذ إلى مكة الذي أدخله إليها والذي كما يقال استقبله هو أمية بن خلف، وكان أقرأ لكم من نص البخاري -طبعاً ذهب قبل أن أذكر لكم ذهب يعني أمية بن خلف عفوا ذهب سعد يطوف بالبيت، هو طبعاً ايش قال سعد بن معاذ؟ قال لأمية: أنظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت.
قال: فخرج به قريبا من نصف النهار، فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، أمية من هذا معك؟ أبو جهل طبعا زي ما قلنا قبل شوي هذا أسلوبه الغطرسة، المزايدات، رفع الصوت، الأذية، الهمز واللمز، السب والشتم، هذه طريقته وهذه الشخصية من شخصيات أهل الباطل عادة ما تكون شرسة في محاربة الحق، ولكنها تودي بأهل الباطل وتاتي بعكس المقصود باذن الله تعالى.
من الذي غر وغرر بالمشركين ليخرجوا يوم بدر؟ وخليني نقول حتى لما أرادوا أن يرجعوا؛ لأنه كما تعلمون جاء الخبر إلى قريش أنه خلاص القافلة نجت، من الذي أرجعهم؟ ومن الذي عزز فيهم قضية أنه لا، لازم نكمل ولازم نروح ولابد أن يرانا العرب ولابد أن تضرب القيان على رؤوسنا ولابد ولابد وإلى آخره؟ من هو هذا؟ هذا أبو جهل.
الشاهد أنه أبو جهل لما رأى سعد بن معاذ يطوف بالبيت فقال أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد آويت الصباح وزعمتم أنكم تنصرون وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً.
كذا أذية الآن، بس يعني أنه ليش تطوف بمكة وقد آويت محمداً ومن معه؟ قال له: لكن عشان أبو صفوان بس وإلا كان ما ترجع إلى المدينة سالماً، طبعا سعد بن معاذ مع كونه وحيداً هنا في مكة ومع كون هذا الرجل رجل طاغية متجبر، ومع كون هذا الوادي وادي مكة كاملاً يستجيب لأمره بالإشارة، إلا أن سعد بن معاذ فيه العزة والكرامة والاباء والتي كانت عنده من وقت الجاهلية، لكن جاء الإسلام فزادها وقواها وصلب في النفس، بحيث إنه يعني في أنفس عزيزة وقوية جداً منهم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه.
فلاحظ الرواية في البخاري كيف عجيب سبحان الله بعد ما قال له أبو جهل هذا الكلام، فقال له سعد -هكذا في البخاري ورفع صوته عليه-: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينه.
فقاله أمية: أمية الآن اخذته الحمية مع أبي جهل، قال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي. فققال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنهم قاتلوك.
هذه الجمله كانت مزلزلة لكيان أمية بن خلف، هم هم كفار ومشركون وكذا، لكنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، كان من جملة الحديث الذي كان في المدينه قبل معركة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمية بن خلف وذكر أنهم أي المسلمين سيقتلونه، كان هذا الخبر عند سعد بن معاذ لكنه كان كاتماً له.
لما أتى هذا الاستفزاز وأبو جهل وأمية وقف معاه، قال له: طيب أجل خذها ترى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنهم قاتلوك، مباشرة أمية بن خلف خاف وغير الحديث، قال: بمكة؟ غير الحديث اللي هي أن المشكله بينك وبين أبو جهل، قال: بمكة؟ قال: لا أدري. قال أمية: والله لا أخرج من مكة.
فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس فقال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فاتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، انك متى يراك الناس قد تخلفت وانت سيد اهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة.
ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان نسيت ما قال لك أخوك اليثربي -اللي هو سعد-؟ قال: لا، وما اريد أن أجوز معهم إلا قريباً.
فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلاً إلا عقل بعيره، فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر. هذه كلها مشاهد من المشاهد التي كانت في لحظة الخروج، عند الخروج في سياق الخروج، وكما قلنا المشهدان الخروج من الطرفين ذكرهما الله.
سبحانه وتعالى في كتابه في سورة الأنفال، وهي السورة المتعلقة ببدر. طيب، أكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله لعل الله سبحانه وتعالى يسهل الإكمال في اللقاءات القادمة. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، ونسأل الله سبحانه وتعالى الستر ونسأله العافية والهدى والرشاد. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، واعف عنا يا عفو يا حميد، ونسألك اللهم أن تعز الإسلام والمسلمين، ونسألك اللهم أن تنجي المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. التقيكم إن شاء الله على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ أحمد السيد