تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس السابع: سورة البقرة من الآية 142 إلى الآية 167

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا مع سورة البقرة، يا أصحاب سورة البقرة، ونحن نعيش في أفياء هذه السورة التي تبني فينا معاني الإيمان ومعاني الاستسلام للهداية، البقرة عظيمة في بناء هذه المفاهيم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا ما فيها من الذخائر والمعاني العظيمة.

في المجلس الماضي أيها الكرام، انهينا الجزء الأول من المصحف، انهينا الجزء الأول من سورة البقرة، وكانت نهايته بملة إبراهيم وشعارها: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، بعد أن ذكر الله عز وجل في بداية هذا الجزء قصة الإنسان منذ بدايتها، وأن نزوله إلى الأرض كان نتيجة عصيانه للهدى الإلهي في جزئية، ثم أخبر هذا الإنسان: أنك إذا هبطت إلى الأرض فإني سأرسل لك هدايات، والمطلوب منك أن تقبل على هذه الهدايات، فمن تبعها فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واما الذين كفروا وكذبوا بهذه الهدايات فمصيرهم جهنم.

ثم ذكر بعد ذلك سبحانه وتعالى قصة بني إسرائيل، وهي أطول أمة استخلف الله عز وجل على الأرض، وكيف كانت طريقة هؤلاء القوم في استقبال الهدايات والتعامل معها، وكانوا يناورون ويماحكون ويجادلون مع أن الله أنعم عليهم وأكرمهم وفضلهم على عالم زمانهم، وأعطاهم من النعم والآيات والمعجزات الباهرات على يد أنبيائهم ما أعطاهم، ولم يزدهم ذلك إلا إعراضاً وتلاعباً وكتماناً للهدى وتحريفاً له، وإذا فعلوا شيئاً فانما يفعلونه بعد اعتراض ومجادلات كثيرة.

هذا النموذج لا يريده الله سبحانه وتعالى أن يكون لنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما النموذج الذي يريده لنا هو ذلك النموذج الجميل نموذج إبراهيم عليه السلام، فقال سبحانه وتعالى: وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. اتمام الاختبارات واتمام التشريعات الإلهية هذا شعار المسلم، ومرة أخرى إبراهيم يعلن استسلامه لتشريعات الله، ويوصي بها إبراهيم بنيه ويعقوب: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وكان من الضروري في هذا السياق إبطال ادعاءات اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم.

كل هذا العصيان، وكل هذا التمرد، وكل هذا الجدل، وكل هذه المماحكات، وملة الاعتراض، وملة الشك، وملة الكتمان، وملة التبديل، بل إبراهيم عليه السلام ملته ملة التسليم لله رب العالمين في تشريعاته وأحكامه دون اعتراض، ودون كتمان، ودون تحريف، ودون تبديل.

بعد أن استقر هذا الدرس في قلوبنا أيها الكرام، يبدأ الجزء الثاني بأول اختبار أو باختبار من الاختبارات الأول، دعوني أقول: باختبار من الاختبارات الأول التي تعرض لها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في مطلع الهجرة إلى المدينة، لنتاكد هل تعلموا من الدرس السابق أو لا؟ كان هذا الاختبار وهو اختبار تحويل القبلة من بيت المقدس باتجاه بيت الله الحرام.

هو أول أو من أوائل الاختبارات التي حصلت للصحابه الكرام داخل المجتمع المدني، حتى ننظر هل فهم الصحابه الدرس؟ هل سيقولون لربهم كما قال إبراهيم: أسلمت لرب العالمين؟ هل سيسمعون ويطيعون لله؟ جاء هذا الاختبار وهذا المشهد الأولي.

النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة جلس قرابه السنة والنصف وقبلته في الصلاة باتجاه بيت المقدس، ثم بعد ذلك بعد أن انتهت مصلحة هذا الحكم أمر صلى الله عليه وسلم بأن يتوجه إلى الكعبة إلى البيت الحرام.

هنا لما حصلت هذه الواقعة، تباينت آراء الناس تجاه هذا الحكم الجديد، تباينت آراء الناس تجاه هذا الحكم الجديد، أول المعترضين كالعادة اليهود.

اليهود بدأوا يشككوا في دين محمد صلى الله عليه وسلم، طبعا هم ملئوا غيظاً كيف أن النبي عليه الصلاه والسلام ترك قبلتهم، واستغلوا هذه الفرصة لمحاولة تشكيك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في هذا الدين، وقد عرفنا سابقاً أن اليهود كانوا لا يؤمنون بالنسخ، ويقولون لا يجوز لله سبحانه وتعالى أن ينسخ شيئاً من أحكامه، وكيف أن الله أبطل هذا سابقاً عندما قال: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا. المهم اليهود استغلوا الفرصة وبدأوا يقنعوا الصحابة والمسلمين الجدد، خاصة من ضعاف الإيمان، بدأوا يقنعونهم أن هذا الدين يتلاعب بكم، اليوم تصلون للمغرب، غداً تصلون للمشرق، ثم بعد ذلك سيقولون لكم: صلوا للشمال، صلوا للجنوب، بدأت محاولة التشكيك من اليهود.

الآن في المقابل داخل المجتمع المدني، انقسم المجتمع المدني إلى قسمين، قسم من أقوياء الإيمان الذين لم يتاثروا بدعاية اليهود، والقسم الثاني من ضعاف الإيمان والمنافقين، انتبهوا لمسألة أساسية، وهي أن المجتمع المدني سكان المدينة الأصليين من الأوس والخزرج هم أصالة كانوا على علاقة وثيقة باليهود، وكانوا يثقون بهم باعتبار أن اليهود كانوا يمثلون في جزيرة العرب نموذجاً معرفياً وحالة علمية، والعرب كانوا يشعرون بعقده النقص كما قلنا، وهذه انتبهوا لها أن العرب أمة أمية لا تقرا ولا تكتب وليس بين يديها كتاب سماوي، فكانت نظرتهم لليهود أنه النموذج المعرفي المعاصر.

كيف للأسف نظرة كثير من الشباب المسلم في بلادنا إلى الغرب أنه نموذج معرفي هائل، وأنه يجب أن نسمع لهم ونصت لكلامهم، انظروا ماذا في نفس الشيء هذه كانت الحالة المخيم عليهم الثقة باليهود باعتبارهم أصحاب كتاب سماوي ونحن أمة أمية، فهذه الدعايات اليهودية أثرت على المنافقين وعلى من في قلبه مرض وشككت بعضهم في موضوع الإسلام وبدا يراجع حساباته.

الطائفة الثالثة التي علقت على هذا الموضوع كفار قريش في مكة، الذين وصلتهم الأنباء أن محمد صلى الله عليه وسلم ترك قبلة بيت المقدس قبله الود ود إلى الكعبة، وهبلة كفار قريش، طبعا كفار قريش سروا بهذا القرار، وكانوا يقولون: ها هو محمد عليه الصلاه والسلام عاد إلى قبلتنا وغدا سيعود إلى ديننا.

إذاً هذه الواقعة تباينت تجاه الآراء والمواقف، ولذلك جاء القرآن ليحعالها ابتداءً حتى نقيس عليها ما سيأتي بعد ذلك من الأحكام والتشريعات، يعني كان هذه القضية الأولى استفيدوا منها يا أيها الصحابة الكرام ويا أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، استفيدوا منها دروساً كثيرة حتى تفهموا ما هو القادم وماذا ينتظركم في قابل الأيام.

كل هذا الخلاف كان بسبب تغيير قبلة، كنتم تصلون لبيت المقدس فقط غيرنا اتجاهها باتجاه بيت الله الحرام، وانظروا هذه المسألة وهي من الدين لكنها تعتبر من مسائل الجزئية، كيف سببت كل هذا اللغط والضجيج الاعلامي ومحاولة حرفكم والتشكيك؟ كل هذا هو تجهيز حقيقه للصحابة الكرام للأحكام الكبرى التي ستاتي، والتي سيغيرون بها معالم وجه الأرض، حيث يلغون الثقافات الجاهلية والأفكار المنحرفة ويحاربون ويقاتلون، فكان هذا الدرس ابتدائي هو تهيئة لهم للصعب القادم، ويدركوا من بداية الأمر كيف هو الصراع الذي سيحصل في إقامة هذه الدولة المسلمة، وماذا ينتظركم في التعامل مع الفئات من المشركين واليهود والمنافقين الذين بين أظهركم.

قال سبحانه وتعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. لاحظ هنا بداية التعليق على هذه الواقعة.

سيقول السفهاء، سمى الله عز وجل اليهود هنا سفهاء، واختيار هذا الاسم لهم هنا هو في الحقيقه فيما أظنه هو إسقاط لنموذج المعرفة، كيف لما يكون هناك شخص أنت تراه شيء كبير في المعرفة، أجي أقول لك: ترى هذا فلان سفح شاف، هذا الشخص الذي أنت تراه وصل القمر وفعل وفصل في التكنولوجيا ما وصل وحقق من علوم الدنيا ما حقق، هذا سفيه! أنا ماذا أعمل به؟ أنا حطمت نموذج المعرفة، وكان الصحابة في المدينه يحتاجون لهذه الدفعة، كانوا يحتاجون أن يحطم نموذج بني إسرائيل المعرفي.

ولو قلت أن كل ما استعرضه القرآن في الجزء الأول من خيانات بني إسرائيل وتلاعب بني إسرائيل كما هو تهديد لبني إسرائيل في زمن النبي عليه الصلاه والسلام ألا تسلكوا سبيل أجدادكم وآمنوا بهذا النبي، هو في نفس الوقت هو تعرية لبني إسرائيل أمام الأوس والخزرج، الأوس والخزرج والعرب عموماً ما كانوا يعرفون جرائم بني إسرائيل مع أنبيائهم كما قلت أمة أمية ما كانت تقرا ولا تكتب، فما كانوا يعرفون أن هذه أخلاق بني إسرائيل وهكذا فعل بنو إسرائيل، القرآن أدهشهم وأبهر عندما عر بني إسرائيل أمامهم يا أيها العرب هذا النموذج المعرفي الذي تعودون إليه دوما في قضاياكم وتحتكم إليه ترى هؤلاء هكذا كانوا تاريخهم قتل للانبياء، مجادل في شرع الله، مبدل، كاتبون، لا يعلمون الكتاب إلا أماني، فعلوا فعلوا، فالقرآن عر بني إسرائيل أمام الأوس والخزرج، فعرف العرب عندئذ فضائحهم، وعرف العرب عندئذ أن هؤلاء الذين كنا نراهم شيء مهول إنما هم قوم مجموعة من العصاة الآثمين المعتدين على الرسل والرسالات، وإن كانوا يسوقون علينا أنهم أهل كتاب ويعرفون وعلى اتصال بالسماء.

خرجوا إذاً هم مجموعة من القوم المعاندين المتكبرين العتا المعتدين على شرائع الله، فكان هذا تحطيم لهذا النموذج المعرفي، وهذا حقيقه لماذا أركز عليه؟ لأننا اليوم نحتاج إلى هذه الفكرة، اليوم نحتاج إخواني الكرام في الدعوة إلى الله في خطاباتنا الإصلاحية أن نحطم نموذج الغرب المعرفي، أن نبين للناس على طريقة القرآن مفاسد هذا النموذج المعرفي.

بحمد الله كثير من علمائنا ودعاتنا قديماً وحديثاً اشتغلوا على هذا في مصنفاتهم وخطاباتهم الدعوية، بيان أن هذا النموذج الذي يبهر شباب المسلمين الحالة التكنولوجية الغربية والمعرفة الغربية ترى هي مليئه بالفجوات المخزية والأحوال الدنيئة، مليئة بالمفاسد والعرى والقبايا إلى ما فيها، إنما يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، لكن لو دخلت في مجتمعاتهم وحياتهم وأسرهم هي أسر مدمرة ومجتمع معاري وقبائح وجنس وكل ما تراه قبيحاً ستجده في مجتمعاتهم.

تعرية هذه المجتمعات وبيان فشل نموذجها المعرفي هذا من وظائفنا كدعاة ومصلحين، وهكذا علمنا القرآن أن نفعل، ولذلك للاسف -أقول للأسف- أنه في فترة الستينات والسبعينات الماضية بعض المحسوبين على الخطاب الإسلامي أو الدعوي وبعضهم كان صادقاً لكنه أخطأ، كان للأسف تجده مهزوماً أمام سلطة الثقافة الغالبة، يعني كما يقول الشيخ إبراهيم السكران تجده مهزوماً، وأنه يحاول أن يطوع أحكام الشريعة الإسلامية من أجل إرضاء النموذج الغربي والحالة الغربية، بل تجده مستحياً من بعض أحكام الشريعة، ويقول: ماذا سيقول الغرب عنا إذا قلنا في الميراث أن الرجل مثل حظ الأنثيين أو للذكر مثل حظ الأنثيين؟ ماذا سيقول الغرب عنا إذا قلنا أن المرأة لا يجوز أن تتولى منصب القيادة قيادة الدولة؟ وهذا موجود للأسف.

بعض الدعاة المصلحين في فترة الستينات والسبعينات بل حتى إلى يومنا هذا ما زالوا يشعرون بعظمة النموذج الغربي، وأننا لن نصلح إلا إذا اقتدينا بهؤلاء القوم، هذا جزء من أو شكل من أشكال تشوه الهدى، هذا شكل من أشكال الانهزام الداخلي أمام الثقافة الكافرة.

القرآن يعلمك: كل من اعترض على رب العالمين في تشريعاته هو سفيه ولو وصل إلى القمر، ولو بلغ إلى أقصى الأرض، كل من يعاند الوحي الإلهي الذي نزل من فوق سبع سماوات هو انسان جاهل أحمق ولو كان دكتور في الجامعة، ولو كان لديه أبحاث في علم الفيزياء والميكانيكا والحياء وما شابه ذلك، إياكم أن تعظموا أقواماً أعرضوا عن هدى الله سبحانه وتعالى.

فإذاً اختيار كلمة السفهاء جداً محورية في هذا النطاق، هؤلاء اليهود نموذج معرفي ساقط يا أهل المدينة، سفهاء يعترضون على شريعة ربكم ويقولون: مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا. قل أجيبهم: قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. الله سبحانه وتعالى يملك الشرق والغرب والشمال والجنوب، هو من يختار الجهة التي سنتجه إليها، هذا أولاً.

أن سأتي بعد قليل وأبيّن أنه ليس فقط الحكمة هو اختبار الصحابة هل يطيعون ويسلمون، وإن كان هذا من أعظم الحكم، لكن أيضاً التوجه إلى بيت الله الحرام بالتحديد له حكمة أخرى ظهرت لي والله أعلم، لكن المهم ابتداءً يعني بغض النظر بغض النظر إلى أي جهة أمركم الله أن تتجهوا، الله يملك كل الجهات، فله الأحقية أن يوجههم إلى أي جهة، وليس لكم أن تعترضوا، هذه القضية الأولى.

ثم قال: يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. كأنه يقول: أنتم يا أيها السفهاء، يا أيها اليهود، لم تهتدوا إلى منهج التسليم لله، دائماً تعترضون وتطلبون العلل، صحيح ما ولاهم عن قبلتهم، إيش اللي خلاهم ابتعدوا عن القبله؟ يحاولون دائماً أن يبحثوا عن العلل، وإذا لم يقتنعوا لا يفعلوا، وهذا قلنا النموذج لا يريده الله، نموذج أنه أنا ما أفعل الشيء حتى أقتنع، هذا نموذج بني إسرائيل، والله عز وجل يريد أن يمحيه من حياتك يا أيها المسلم، هكذا تفعل بنا سورة البقرة تعلمك أنه أنت ليس لك علاقة لماذا ولاك الله من المشرق إلى المغرب أو من المغرب إلى المشرق، أنت علاقتك بالله علاقة عبد مع إله، قال لك: اتجه شرقا، اتجه غربا، اتجه شمالا، اتجه جنوبا، سمعنا وأطعنا.

الآن قضية البحث عن العلل والأحكام تأتي أو الحكم عذراً تأتي مرحلة ثانية، بعد أن تعلن التسليم والرضا التام، تأتي قضية والله اه والله خلينا نبحث جميل أن ننظر في العلل جميل وليس لازماً أن نعرفها.

وهنا لاحظ جمالية القرآن ثم يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ. دائماً أنا حتى أتدبر القرآن أضع سؤالاً: لماذا؟ يعني لماذا أتى الله سبحانه وتعالى بذكر قضية الأمة الوسط هنا في هذا السياق ونحن نتكلم عن قضية تحويل القبلة؟ والله أعلم هكذا تدبرت، لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يسقط النموذج المعرفي لبني إسرائيل ويقول إن هؤلاء سفهاء، أراد أن يعلي من قيمة العرب.

الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويخبرك ويخبرهم أنكم أنتم الآن الحالة الحضارية الجديدة، أنتم النموذج الجديد العالي في المعرفة لأنكم أصبحتم الأمة الوسط. ما معنى الوسط؟ الوسط هو الخير، أنتم، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. وسطا قال المفسرون يعني عدولا خيارا، هذا معنى الوسط هنا. فاليهود نزلت قيمتهم وفضحهم الله وكشف نموذجهم، وأعلى الآن من نموذج أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

والصحابة كانوا يحتاجون إلى هذه الدفعة، أقول لأنه كان هناك تأثرا ما زالت بعض رواسبها في العقول عن قيمة اليهود، والعرب كان عندهم عقدة نقص. لا، الآن أنتم ستعلو قيمتكم يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فكذلك جعلناكم، الخطاب للمؤمنين بهذه الرسالة، نموذج بني إسرائيل المعرفي سقط، ونموذج أتباع محمد صلى الله عليه وسلم الآن هو الذي يعلو، أنتم أصبحتم الخيار، أنتم أصبحتم الأفاضل ببركة ماذا؟ ببركة قبولكم للوحي.

يعني بنو إسرائيل لماذا سقط نموذجهم المعرفي؟ لاعتراضات على الوحي، وانتم لماذا اصبحتم خيار الأمم وأفاضل الأمم يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟ ببركة اتباعكم للوحي، جميل. إذا، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا خيارا، لماذا؟ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ. لها معاني كثيرة، من معانيها الجميلة أنكم ستكونون شهداء على الناس بمعنى أنكم نموذج من نماذج الاهتداء بهدايات الله، لأنه لما يأتي الكفار يوم القيامة بعضهم سيقول في ساحة الحشر: مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ يارب، بعضهم سيقول: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.

فسيأتني الإجابة: انظروا ها هم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم نموذج شاهد على وجود الرسل والرسالة، كيف تكذبون وتقولون يوم القيامة ما جاءنا من بشير ولا نذير؟ وتقولون: احنا يا رب ما كنا عارفين عن قضية الإسلام؟ ها هم نموذج أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نموذج لأمة كاملة استهدفت بهدى الله سبحانه وتعالى، فأمة الإسلام هي نموذج يشهد أمام جميع الناس يوم القيامة على أن الله أرسل رسل ورسالات، وإلا من أين هذه الخيرية والوسطية حصلنا؟ إنما حصلنا باتباع الوحي.

فإذا نحن شهداء على الناس بأن الله أرسل رسل ورسالات، أفعالنا وسلامنا لله هذا دليل على وجود الرسل والرسالات. إذا جعلنا خير أمة لتكونوا نموذجا يشهد على وجود الرسل والرسالات، ويكون طبعا لها معاني أخر لكن أذكر هذا المعنى في هذا السياق، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وما أجملها هذه والرسول يشهد علينا، عليكم شهيدا، يعني هو شهيد عليكم بأنكم سلمتم وأجبتم.

إذا نحن سنكون نموذج شاهد على وجود الرسل والرسالات، وكيف أن هذه الرسل والرسالات صنع أمة مستسلمه لله، والرسول سيكون شاهدا عليكم أنكم سلمتم وطعتم واتبعتم ولم تعصوا ولم تفعلوا نموذج بني إسرائيل، لكن سيشهد لمن عليه الصلاة والسلام؟ سيشهد لكل من كان على دربه وسار على سنته بأبي هو وأمي.

طيب، فهذه كانت يعني خلينا نقول إشارة سريعة إلى رفع النموذج المعرفي لأمة العرب. خلاص، كاننا حطمنا صورة بني إسرائيل المعرفية وأنتم أصبحتم سدة الأمم. ثم قال: الآن سيعود يعلق على الموضوع نفسه، قال: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا. كنت هنا في اختلاف في تفسيرها وأنا سأختار تفسير واحد منها، أن كنت بمعنى صرت، كان في العربية كما ذكر ابن هشام مغني اللبيب وفي قطر الندى وغيرها كانت تاتي بمعنى صار.

فيقول سبحانه: وما جعلنا القبلة التي صرت إليها، كانه يقول، فيقول: كنت عليها بمعنى صرت إليها. يعني لم نحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. إذا هنا الله سبحانه يعطينا الحكمة الأبرز في هذا المشهد. الحكمة الأبرز في هذا المشهد، مشهد تحويل القبلة، هو أننا نريد أن نعلم من يتبع محمد صلى الله عليه وسلم ويقول سمعنا وأطعنا، ومن لا ينقلب على عقبيه من المنافقين ومن الذين في قلبهم ضعف ومرض ويبدأ يتشكك.

روي في بعض كتب التاريخ والسير أن بعض من آمن كفر في تلك اللحظة، تخيل أن بعض من آمن كفر، وراجت عليه أي قضايا بني إسرائيل ودخلت الشبهة في قلبه فكفر. فالله عز وجل يقول: أنا فعلت ذلك لأرى من منكم سيتبع ومن منكم سينقلب على عقبيه ويعترض ويصبح على نماذج بني إسرائيل.

ثم سبحانه وتعالى يضع حقيقة كبرى فيقول: وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهَ. يخبرنا هنا أنه أن يترك الإنسان المألوف والمحبوب هذا فعلا كبير في النفس، إلا على الذين رزقهم الله هدى القلب فقبلوا شرائع الله ولو كانت مخالفة لمألوفاتهم وحباتهم. احنا قلنا الأوس والخزرج كانوا يحبون موافقة اليهود، لأنه كان بينه وبينهم علاقة قديمة وطيدة، شاركوا مع بعض في حروب، وكان كما قلت نموذج اليهود عندهم نموذج عالي ودائما هم يعودون إليهم، فكان في هناك نوع من الرغبة بالبقاء مع اليهود وأنه تبقى القبلة باتجاه بيت المقدس.

فجاء هذا الاختبار ليمتحن الله تلك القلوب، ويخبر سبحانه ويرصد لنا ما وقع في تلك القلوب أنه فعلا كان هناك مجهود نفسي كبير على ترك هذا المألوف والمحبوب وأن يخالفوا أهوائهم في موافقة اليهود ويتجهوا نحو بيت الله الحرام، وان كان هذا التحويل وإن كانت لكبيرة، العملية كبيرة شاقة على تلك إلا على أي نفوس؟ قال: إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهَ، اللي ربناداهم، اللي سمعنا وأطعنا ما وجدوا مشكلة في هذا التحويل.

ثم بعض الصحابه حزنوا على من مات قبل أن يصلي إلى الكعبة، وظنوا أن هؤلاء الصحابة الذين صلوا إلى بيت المقدس وأدركتهم الوفاة قبل أن يصلوا إلى الكعبة أن الله سيضيع ثواب صلاتهم، فأخبرهم الله: كلا كلا، لا تعتقدوا هذا الاعتقاد. الله سبحانه وتعالى رحيم كريم، لا يمكن أن يحاسب إنسان ويضيع أجره فقط لأن منيته انتهت، فقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ. معنى الإيمان هنا الصلاة، يعني وما كان الله ليضيع ثواب صلاتكم إلى بيت المقدس.

يعني أنا صحيح حولت إلى الكعبة لكن هذا لا يعني إلغاء ثواب الصلوات التي صليت باتجاه بيت المقدس ابتداء، لأنكم لما صليتم إلى بيت المقدس ابتداء كان هذا بأمر من الله، ولما تحولتم إلى الكعبة كان هذا بأمر من الله تمام، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ. إياك أن تسيء ظنك بربك وتظن أن الله يريد أن يشق عليك، الله يريد أن يربي قلبك على الاستسلام لكنه في نفس الوقت رؤوف رحيم يساعدك ولا يكلفك ما لا تطيق.

طيب، الآن الله سبحانه وتعالى يقول لنا في هذه الآية: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ. النبي عليه الصلاه والسلام في بادئ الأمر أول ما هاجر إلى المدينه كان يحب موافقة بني إسرائيل لأنه كان يراهم أصحاب كتاب سماوي، يعني حتى النبي عليه الصلاه والسلام كان يحب موافقة بني إسرائيل فيما لم يؤمر فيه بشيء هكذا جاء الحديث، وكان في ذلك أيضا مناكفة لكفار قريش الذين هجروه وأخرجوه من دياره وكانوا أصحاب عقيدة وثنية ويعبدون الأصنام.

لكنه عليه الصلاه والسلام مع الوقت أصبح يحب مخالفة بني إسرائيل وأصبح يحب أن يعود إلى الكعبة، إلى بيت الله الحرام، فالله عز وجل يخبر نبيه عليه الصلاة والسلام: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ. كان عليه الصلاه والسلام ينظر إلى السماء كثيرا ويترقب نزول جبريل عليه لعله في يوم من الأيام ينزل ويقول لي توجه إلى الكعبه، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا وتحبها وتانس بها يا محمد صلى الله عليه وسلم، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ عَلَى هَذِهِ البسيطة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.

الآن أيها الكرام بدنا نتكلم سريعا هنا في قضية البيت الحرام. نحن عرفنا أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة أراد أن يختبر به مدى الطاعة والاستسلام وهل فهموا من الدرس الذي وقع في الجزء الأول أم لا، لكن هذا لا يمنع أن ننظر إلى حكمة أخرى في قضية التحول إلى بيت الله الحرام، وهي أن الله عز وجل أراد أن يعيد إلى الكعبة البيت الحرام قيمتها على هذه الأرض، لأن اليهود والنصارى دنسوا قيمتها وشوهوا قيمتها.

تذكر كتب التاريخ أن الله سبحانه وتعالى أمر اليهود والنصارى أن يتوجهوا إلى الكعبة إلى البيت الحرام، فاعترض اليهود والنصارى على ذلك، فاليهود توجهوا إلى بيت المقدس والنصارى توجهوا إلى المشرق، وكانوا يعتقدون أن عيسى صلب باتجاه المشرق فأصبحت هذه قبلتهم جهة الشرق دائما، فالله سبحانه وتعالى لا يريد ذلك بل يريد أن تبقى المكان العظمى وأشرف مكان على هذه الأرض يجب أن يبقى الكعبه البيت الحرام.

اليهود والنصارى شوهوا مكانة البيت الحرام وحقيقتهم أعرضوا عن ملة إبراهيم، لأن ملة إبراهيم وهي التي قصها الله علينا في الجزء الأول، ولعل ولعل هذا هو سبب ذكر قصة إبراهيم في بناء الكعبة: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً. الله يقول: أنا أردت أن يكون الكعبة هي أعلى مكان على وجه الأرض، هي المكان الذي يطاف به وهي المكان الذي يحج ويقصد ابتداء، وأنتم يا أيها اليهود ويا أيها النصارى طلبت منكم الحج إلى الكعبة إلى البيت الحرام فلم تحجوا وشوهتم مكانته، ساعيد لهذا البيت مكانته وساجعله قبله العالمين إلى يوم القيامة، ساجعله قبله العالمين.

بالتالي قضية التحويل إلى البيت الحرام هي أيضا إعادة لمركز الكعبة باعتبارها أشرف منطقة على وجه الأرض الكعبة البيت الحرام، وهذا حقيقة هو تجديد لملة إبراهيم عليه السلام، هذا تجديد لملة إبراهيم، لأن إبراهيم أذن في الناس بالحج إلى الكعبة البيت الحرام، واليهود والنصارى شوهوا ملة إبراهيم وصرفوا الناس عن الكعبة البيت الحرام وزهد الناس فيها، فهذا أيضا يجب أن ينظر إليه بعين الاعتبار، وهو إعادة ملة إبراهيم على إلى حقيقتها التي كانت عليها بعد تشويه اليهود والنصارى لها تمام.

طيب، سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ يقول: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ. أهل الكتاب يعرفون أن القبلة التي يريدها الله عز وجل على الأرض هي الكعبة، وأنما صلاتهم لبيت المقدس أو صلاة النصارى للمشرق إنما هو قرار اتخذوه بأهوائهم ورغباتهم ولم يأمرهم الله عز وجل بهذا.

وهذا أيضا وقع في يوم الجمعة، الله سبحانه وتعالى أمر اليهود والنصارى أن يعظموا يوم الجمعة كما جاء في الحديث الصحيح، فاليهود رفضوا تعظيم يوم الجمعة وعظموا السبت، والنصارى رفضت تعظيم الجمعة وعظموا الأحد، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم يوم الجمعة. فاليهود ظلوا عن الزمان الشريف وظلوا عن المكان الشريف، هي بدك تفهموها، اليهود والنصارى ضلوا عن الزمان الشريف فلم يختاروا يوم الجمعة وهدانا الله إليه واختاروا السبت والأحد بدلا عنه، وضلوا عن المكان الشريف فلم يختاروا الكعبة البيت الحرام قبلة وطريقا وإنما ظلوا واتخذوا قبلات أخرى، فاليهود لبيت المقدس والنصارى للشرق.

طبعا هذا لا يعني أن بيت المقدس أية ليست منطقة مباركة، هي منطقة مباركة، لكن في النهاية تبقى الكعبه الكعبة وتبقى هي قبلة المسلمين عبر العالم. طيب، فالله يقول: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ من اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وأن هذه هي القبلة الحق، لكن هم شوهوا وبدلوا، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، يعني الله شاهد على تمردهم وعدوانهم وطمسهم لمعالم هذه القبلة.

إذا إعادة القبلة إلى مركزيتها الصحيحة هي ليست فقط جهة، لا، هو حقيقة إعادة للدين إلى قبلته الصحيحة وأركز في هالفكرة، إعادة القبلة إلى المكان الصحيح هو إعادة الدين بكله، إعادة ملة إبراهيم بكليتها بالاتجاه الصحيح بعد أن تعرضت للتشوه على يد اليهود والنصارى ممتاز.

ثم سبحانه وتعالى بعد موقف اليهود أراد أن يعطي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه والامة الإسلامية إلى يوم القيامة قاعدة مع اليهود بدك تفهموها، ما هي؟ قال: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، لو أتيتم بكل الشواهد والأدلة والبراهين التي تؤكد أن ملة إبراهيم أن الكعبة هي القبلة وليست أي جهة أخرى، لو أتيتم بكل الأدلة والبراهين الصحيحة على أن هذا هو المكان الذي يجب أن تتجه إليه القلوب والاجساد ما تبعوا قبلتك.

قوم متمردون، قوم عصاة، هؤلاء قوم ليسوا قوم اتباع وإنما هم قوم عناد للهدى الإلهي، وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، ولا يحق لك والكلام للأمة جميعا أن تتبعوا قبلتهم ولا أن تسيروا، وكما أنه لا يجوز لنا أن نتبع قبلتهم الحسية فلا يجوز لنا أن نتبع طرائقهم الدنيوية.

لاحظ هذا لأن هذا هو القياس وتوسيع دائرة النص، كما أننا لا نتبع قبلتهم الحسية لا يجوز لنا أن نتبع طرائقهم في الدنيا، أقصد طبعا لا أقصد الطب والهندسة وإنما أقصد طرائقهم في التعامل مع الفكر والنظرة للوجود والحياة والبشرية، نحن لنا قبلتنا الحسية وقبلتنا الفكرية التي ناخذها من الوحي الإلهي وهم لهم قبلتهم ولهم طرائقهم وأنماطهم في التفكير، لا يجتمع هذا مع هذا أبدا.

طيب، ثم قال: وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ. اليهود والنصارى أيضا هم مختلفون فيما بينهم، كما قلنا فاليهود لبيت المقدس والنصارى لجهة الشرق، وحتى هذا في باب الأفكار وهم أيضا في باب الأفكار يقول اليهود ليست النصارى على شيء وتقول النصارى ليست اليهود على شيء، فهم مختلفون في القبلة الحسية ومختلفون أيضا في القبلة الفكرية فيما بينهم وهكذا أهل الباطل دوما في أمر مريج.

ثم سبحانه وتعالى يرسل تهديدا لكل من سيتجه إلى قبلة اليهود والنصارى الحسية أو المعنوية فيقول: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ من العلم، والعلم هنا الوحي الإلهي، إِنَّكَ إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ. شوف التهديد، وهذا التهديد ورد إخواني في القبلة، يعني إذا اتبعت أهواءهم في موضوع القبلة فقط وهي جهة من الجهات مسألة جزئية واحدة قد لا تعتبر من

المسائل الضخمة في الشريعة مجرد أن تتبع أهواء اليهود والنصارى وترد الهدى الإلهي في القبلة ستكون من قمة الظالمين. فما بالكم إخواني من يتبع أهواء اليهود والنصارى في التشريعات العظمى والأحكام الكبرى في سياسة الدول والمجتمعات؟

لاحظ هذا التهديد: إذا بس اتبعت أهواءهم في موضوع القبلة ورفضت أن تتجه للكعبة وقلت لا خلص يعني أرضاء لليهود والصليبيين سنتجه إلى بيت المقدس من باب أن نصنع ديانة إبراهيمية مشتركة أو نصنع حوارا ثقافيا بيننا خلص بنصلي مع بعض إيش بدكم يا أيها اليهود والنصارى نصلي وبعدين يا شيخ هي شكليات. بتعرف كيف بيجي بعض الضعاف الإيمان حتى ولو كان يحمل اسم دكتور شريعة الذي يحاول يهون القضايا الشرعية إيش بيجي بقول لك؟ بقول لك يعني موضوع القبلة بتعرف بيجي فلسفة بقول لك موضوع القبلة هي شكليات لازم يعني ما تاخذ منا مساحة كبيرة نحن لازم نقارب بين الإنسانية والأديان السماوية ما بصير نضلنا هيك معقدين يعني مشرق أو مغرب شمال أو جنوب نحن كلنا لإله واحد خلص نرضيكم يا أيها اليهود والنصارى ونصلي معكم؟ احذر، الله يقول فقط في القبلة: لو اتبعت أهواءهم أنت مجرم، فما بالك أن تتبع أهواءهم في التشريعات والقوانين والدساتير والأفكار والمناهج وسير الحياة العامة؟ هذا ماذا سيكون عند الله؟ هذا تنبيه عظيم من الله لضرورة أن تختلف قبلتنا الذهنية والفكرية والتشريعية عن قبلة اليهود والصليبيين تماما.

طيب، ثم يقول سبحانه: ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡ. يقول المفسرون: اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن من صفات نبي آخر الزمان أنه سيصلي باتجاه البيت الحرام. يعني ماذا يعني هذا؟ يعني أن اليهود والنصارى لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه البيت الحرام ترى هذا زادهم يقينا بصدق هذا النبي، ليه؟ لأنه في كتبهم السماوية هم يعرفون من صفات محمد صلى الله عليه وسلم وقبلته البيت الحرام. ففعل هو لما توجه إلى البيت الحرام هم داخليا ازدادوا يقينا ومعرفة أنه نبي آخر الزمان لأنه هكذا يجدون وصفه في كتبهم، وإن كانوا شكليا وظاهرا أمام الأنصار والأوس والخزرج بدأوا يشككون وهذا يلعب بعقولكم وهذا يسفه أحلامكم وهم في الظهر كانوا يشككون الأنصار بهذه القضية. لكن في الداخل الله عز وجل يرصد بواطنهم رصدا دقيقا: والله يا أيها اليهود ويا أيها النصارى إنكم لتجدون في كتابكم في التوراة والإنجيل أن نبي آخر الزمان يصلي إلى البيت الحرام. ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ من اليهود والنصارى يَعۡرِفُونَهُۥ أي أن هذه صفته كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡ يعني زي ما بيعرف ابنه يعرف أن هذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن للاسف هي ممارسات اليهود التي لا تنتهي وممارسات النصارى التي لا تنتهي: وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ. وهذه أكبر جريمة تركز عليها سورة البقرة: احذر من كتمان الهدى، احذر أن تكتم الحق، احذر أن تشوهه، احذر أن تسكت عنه من أجل أن ينتشر الباطل. هذه جريمة كبرى: تشويه الهدى.

طيب ليه؟ لانه هذا الهدى أخذ قيمته أنه من الله: ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ. يعني هذا الهدى الذي تسعى أن تطمسه وأن تشوهه وأن تكتمه هل تعرف من أين نزل؟ هل تعرف أنه فضل من الله عليكم؟ الحق مصدره من ربك فلا تكونن من الممترين، لا تشكك فيه ولا تلعب ولا تعبث ولا تتنازل ولا تتخلى. هذه عظمة الدين أنه يخب هذا الهدى من ربك، من خالقك، من رازقك، من محييك، من مميتك؛ كيف تتخلى عنه وتشوهه؟

ثم سبحانه وتعالى يقرر قاعدة عامة فيقول: عموما البشرية لن تتفق على الإسلام، سيبقى هناك الشقاق والنزاع: وَلِكُلٍّ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا. يعني يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عليكم في النهاية أن تعرفوا ماذا سيحصل على الأرض: لكل وجهة، وجهة من حيث القبلة الحسية، وجهة من حيث طرائق التفكير وأنماط النظر. هناك من طريقه تفكيره قبول الوحي والانصياع له وأن يقول سمعنا وأطعنا، وهناك من طريقته التمرد والعصيان والمجادلة والمماحكات مان الحق، وَلِكُلٍّ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا سواء في القبلة الحسية أو في أنماط التفكير الذهنية. طب ما المطلوب منا؟ أن تستبقوا الخيرات، قال: فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَاتِ. أنتم امشوا بالاتجاه الصحيح، أنتم سيروا بالوجهة التي ترضي الله عز وجل، وما لكم في غيركم ولو كفر كل أهل الأرض، أنتم استبقوا الخيرات واتجهوا الاتجاه الصحيح وهؤلاء فليختاروا ما يشاؤون واللقاء عند الله: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱلَّهُ جَمِيعًا. اللقاء عند الله وهناك الجميع سيتحسب، إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ قَدِيرٌ.

طيب، هكذا انتهى الكلام عن الطائفة الأولى اليهود وكيف عالج القرآن موقفهم من موضوع القبلة. ثم مرة أخرى تكرر سورة البقرة فتقول أو يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ. قال بعض المفسرين هذه الآية لماذا تكررت مرة أخرى؟ المره الثانية قال هنا الخطاب للمنافقين، كان الآية تكلمت عن اليهود الآن اتجه الخطاب للمنافقين: يا أيها المنافقون الذين انتم أيضا بدأتم تشكك في محمد صلى الله عليه وسلم، اعلموا أن قضية القبلة هذا حق من الله وهدى من الله فاياكم أن تلاعب به. كان هذه الآية قالوا خطاب للمنافقين، فيقول: وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ تثبيت بعد تثبيت للصحابه الكرام وتيقنوا أنه الحق من ربك وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعۡمَلون. لماذا في الآية السابقة قال أو في الصفحة السابقة قال يعملون وفي هذه قال تعملون؟ قالوا يعملون هناك كان كلام عن اليهود، واليهود لأنهم ليسوا منا فكان الخطاب عنهم بصيغة الغائب، أما هنا فالخطاب للمجتمع المدني بما فيه من المنافقين، فالله يقول للمجتمع المدني: وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ. يعني الله يرى ما يحصل بينكم يا أهل المدينة يا أيها الأوس والخزرج، فيرى المؤمن الصادق ويرى المنافق الذي بدأ يتشكك ومن في قلبه مرض، فانتبه الله حاضر.

طيب، ثم للمرة الثالثة: وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَحَيۡثُ مَا كُنتُهۡ فُوۡلُوۡاْ وُجُوۡهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمْ. لماذا كررها الله مرة ثالثة؟ قال بعض المفسرين: وهذا التكرار الثالث كان خطابا لكفار قريش في مكة. إحنا قلنا الذين اعترضوا أو ب- أقول تكلموا يقول اتر- تكلموا في موضوع القبلة: اليهود، والمنافقون، والذين في قلبهم مرض، وكفار قريش. وكل واحد كان له موقفه: اليهود غضبانين، والمنافقون في المدينة هم أصلا كانوا موالين لليهود فأيضا غضبانين وبدأوا يشككوا، كفار قريش في مكة كانوا مسرورين من هذه النتيجة، ليه؟ كما قلت قالوا ها هو محمد صلى الله عليه وسلم عاد إلى قبلتنا ويوشك أن يعود في ديننا. يعني هم تأملوا أن هذا نوع من التنازلات التي يقدمها محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن محمد عليه الصلاة والسلام تعب من أجواء المدينة ومن مجاورة الأوس والخزرج واليهود، وها هو يوشك أن يعود إلينا هذه بداية التنازلات، انتظروا التنازلات الكبرى فإنها قادمة، هكذا الخطاب الذي أصره كفار قريش.

فالله سبحانه وتعالى ركزوا في هذه الآية إخواني لأنها حقيقة فيها كثير من فوائد التي يحتاجها المسلم. طيب يقول سبحانه وتعالى هناك أنا دونت فكرة يعني حتى ما أنساها يا رب، يقول سبحانه وتعالى: وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوۡاْ وُجُوۡهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ. ما معنى هذا؟ يعني أنتم إذا توجهتم إلى الكعبة إلى البيت الحرام لن يكون هناك حجة لليهود والنصارى عليكم، كان الناس هنا كلمة الناس هنا اليهود والنصارى لن يكون للناس عليكم حجة. يعني كيف لن يكون للناس عليكم حجة؟ لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي باتجاه بيت المقدس كان اليهود يقولون لأهل المدينة: انظروا ها هو يتبعنا ويسير على خطانا نحن أصحاب الحق ولذلك محمد صلى الله عليه وسلم يتجه إلى قبلتنا. فلما غير النبي صلى الله عليه وسلم القبلة باتجاه الكعبة انتفت حجة اليهود. ونفس الشيء النصارى، النصارى وإن كانهم أضعف حالا كانوا يقولون: ها هو محمد صلى الله عليه وسلم يصلي باتجاه قبلة اليهود إذا ما هو إلا امتداد لذلك الجنس. فلما توجه إلى الكعبة البيت الحرام انقطعت هذه الحجة، يعني تفاجأ اليهود والنصارى أن القبلة تحولت من قبلتنا أو من قبلة اليهود إلى قبلة مخالفة لنا تماما. إذا قال: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ انتفت حجتهم عليكم.

إلا أناس معينين سيجعلون تحولك باتجاه البيت الحرام لصالحهم. من هم هؤلاء؟ قالها، لاحظ استثنى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمْ. فالذين ظلموا منهم هنا كفار قريش، هؤلاء هم الوحيدون الذين اصبحت لديهم حجة وأصبحوا يقولون: ها مش قلنا لكم هيو رجع إلى قبلتنا إذا هو سيعود إلى ديننا. اه، طب ايش نعمل الان هنا إخواني قضية مهمة، فالله سبحانه وتعالى يقول للصصحابة -طبعا الصحابة بعضهم يعني قد يكون حصل في نفسه حديث داخلي أننا نحن لماذا نعود نصلي إلى الكعبة هذه الكعبة التي عندها كفار قريش هؤلاء الذين آذونا وطردونا هذه الكعبة المليئة بالأصنام والوثنية؟- الله سبحانه وتعالى لما وجههم إلى الكعبة وأخبرهم أن كفار قريش سيسرون بذلك سيسرون بذلك لكن فلا تخشوهم واخشوني: فلا يحملنكم سرورهم بهذا الموضوع لا يحملنكم أنكم رايتموهم سروا بهذا الموضوع على التخلي عن هذه الشريعة الإلهية.

هذا إخواني يعطينا قاعدة مهمة في مسألة الصراع بين الحق والباطل ما هي هذه القاعدة؟ هذه القاعدة أسأل الله أن أعبر عنها بالشكل الجيد وتفهمونها: قد تلتقي مصلحة أهل الإسلام مع مصلحة بعض الأعداء أحيانا، بيسموها التقاء المصالح، اليوم في لغة السياسة قد تلتقي مصلحة أهل الإسلام مع مصلحة أهل الباطل أحيانا التقاء مصلحة، فإذا التقت مصلحتنا مع مصلحة بعض أهل الباطل لا يحملنا ذلك على عدم بهذه المصلحة والتمسك بها بحجه أنه والله في بعض أهل الباطل موافقونا على هذه المصلحة لا! أنت لما اخذت بهذه المصلحة أنا أخذت بها لأنها شرع من الله وهدى من الله، وهم لما سروا بها أهل الباطل هم سروا بها لأنها جاءت موافقة لأهوائهم، حتى ولو كانت موافقة لأهوائهم هذا ما بيمنعني أن التزم أنا بها تمسكا بشرع ربي.

إذا أعديها القاعدة لأهميتها خاصة في باب السياسة الشرعية: قد تلتقي مصلحة أهل الإسلام مع مصلحة بعض الأعداء أحيانا، وهكذا فلسفة الحياة. فلو التقت مصلحتنا مع مصلحتهم ما أنت تشعر بالاحراج، لأنه الذي يحصل أنه بيجي بعض الناس من دائرة ثالثة ها شايفين هؤلاء أصلا يفعلون كما يفعل اليهود أو يفعلون كما يفعل النصارى أو يفعل كما يفعل الروس أو يفعل كما يفعل الأوروبيون أو يفعل كما يفعل الإيرانيون أو يفعلوا هاي الفكرة اللي بدها شوية تحرير أنه أحيانا لا، هي الحياة تقوم على التقاء المصالح. هسه في شيء شرعي يريده الله أن يحصل حتى ولو كان حصوله الآن هو يسر بعض أهل الباطل أو بعض أجنحة أهل الباطل هذا لا يمنعني من أني أفعله هو اللي بيرضي ربي وأنا أفعله إرضاء لربي وإن كانوا هم يفعلونه لموافقته لأهوائهم، فلا تشعروا بالاحراج ولا تشعروا بالهوان وأنتم تفعلونه قال: فَلاَ تَخۡشَوْهُمۡ وَٱخۡشَوْنِي. ما تصير تقول إيه هسه كفار قريش ماذا سيقولون؟ سيقول أنه اتبع شريعتنا عاد إلينا. لا، لا ما تخلوا هي الأفكار تسيطر عليكم، أنتم ما تفعلونه لله وهذه شريعة الله سبحانه وتعالى نعم، نحن نعرف أن كفار قريش هم الطائفة الوحيدة التي ستسر، لكن في النهاية عليكم أن تلتزموا به لأنه شرع الله ويحبه الله ويريده الله وفيه تجديد لملة إبراهيم تمام وفيه تجديد لملة إبراهيم هذا ما نريده. إذا إخواني هذه قاعدة مهمة قضية أنه قد تلتقي المصالح أحيانا.

طيب هناك فكرة قريبة منها أيضا أريد أن أركز عليها حتى أيضا ينتبه لها: أن أهل الباطل يسرون بموافقة أهل الإسلام لهم في بعض الأمور فيسكت عنهم عند حصول هذه الموافقة. يعني أهل الباطل إذا راوا أهل الإسلام وافقوهم في قضية معينة الآن أهل الباطل بطبيعتهم هم لا يريدون وجود أي صورة من صور الحق ولا يريدون وجود أي صورة من صور الإسلام، لكن إذا فعل أهل الإسلام شيئا وهو حق ومراد الله ووجد أهل الباطل أن هذا الشيء يناسبهم لمصلحة دنيوية قد يسكتون عنك. ما بعرف إذا هاي الفكرة الثانية وضحت لكم؟ أهل الباطل قد يسكتون عن ممارسة أهل الإسلام لبعض الحق ليه؟ لانه أهل الباطل بيعملوا دراسة، حتى أعطيكم اياها باللغة البلدية الآن مثلا الدول الأوروبية وأمريكا والروس إذا أو أي طائفة مسلمة تفعل شيء من الحق وتقوم بشيء من الحق الذي يرضي الله ترى مش دائما يهاجموها، مش يعني أحيانا نعم بيضربوا وبيدوا وبينهوا أمرها لا أحيانا بيأخذوا قرار التروي ويظهروا لك لا احنا راضيين فيك وبالحق الذي تمارسه، لماذا؟ لأنه مصلحتهم هنا شوي هي تلتقي مع الحق اللي انت بتعمله مش حبا في الحق الذي تفعله ولكن لانه مصلحتهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية عم تتوافق مع الحق اللي انت بتعمله لهم مصالح مشتركة هون بدنا ننتبه هذا لا يجعل الحق الذي مورث ليس حقا، لانه احنا كير للاسف في الساحة الاسلامية الجماعات الإسلامية تضرب بعضها ببعض في.

بتيجي بتقول لك ها شايفين ذاك الحق اللي صار تحرق منطقة معينة أو أو هي أمريكا راضية عنه، هي اليهود راضيين عنه، هي روسيا راضية عنه، هي الدول الأوروبية راضية عنه. أي نعم هي راضية عنه، لكن لماذا رضيت عنه؟ لأنه يتفق مع مصالح أكيد هي ترسمها، لكن هذا لا يعني أنه ليس بحق، هذا ما تعلمنا إياه قضية القبلة. كفار قريش كانوا أكثر الناس سروراً بتحول القبلة إلى البيت الحرام، ومع ذلك الله ايش قال للصحابه؟ قال: اه والله ها هي، يعني تخيل هيك أنا ما تخيل اليهود شو بقولوا، أو حتى الذين في قلبهم مرض، شوفوا هؤلاء اتباع محمد صلى الله عليه وسلم هيهم ماشيين في رضا كفار قريش، عم بعملوا الأشياء اللي بترضي كفار قريش، هي كفار قريش مسرورين، شايفين ايش بيحكوا كفار قريش؟ بيحكوا هي محمد صلى الله عليه وسلم تحول لقبلتنا.

طب هل هذا يعني اه خلص إذن لا ما نتحول للبيت الحرام؛ لأنه كفار قريش فرحت بهذا القرار؟ لا، بدنا نتحول للبيت الحرام؛ لأنه شرع الله هو سيبقى حقاً؛ لأنه قيمة حق. كونهم فرحوا بهذا القرار، الله عز وجل ماذا يقول: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي. لا تقلقوا، لا تقلقوا أنه كفار قريش سروا بهذه الحالة، فأنتم غداً ستدخلون معهم في مواجهات شديدة في مناطق أخرى. هنا التقاء مصالح جزئي لمرحلة معينة، هذا غير مقلق، لا تخافوا على هويتكم الإسلامية، لا تخافوا على مرجعيتكم الإسلامية، أنتم فعلتم الحق ولو وافق مصلحة كفار قريش؛ لأنكم ستختلفون مع كفار قريش بعد ذلك في صراعات كثيرة، يعني جاي جاي المعارك.

لكن هي هكذا الأمور رويداً رويداً، سبحان الله ما أعظم القرآن! فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي. ما تخافوا ولا تهتز ثقتكم بدينكم، ولا تهتز ثقتكم بمرجع، شوف دلالة فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ. يعني هذا القرار قرار تحويلكم إلى الكعبة أيضاً يتم الله عز وجل فيه النعمة علينا، وهي نعمة الإسلام، يعني من إتمام الله النعمة علينا أن أعادنا إلى ملة إبراهيم وإلى قبلة إبراهيم، إلى أعظم بقعه على وجه الأرض. إذاً كان لابد من هذا القرار؛ لأنه جزء من إتمام نعمة الإسلام علينا، أن نعود إلى قبلة إبراهيم وإلى ملة إبراهيم ورأسها الكعبة بيت الله الحرام، وأن تعود للبيت قداسته، قضية كفار قريش رح تنحل، وفعلاً انحلت في العام الثامن من الهجرة، تم إنهاء كفار قريش تماماً وإخراجهم من المعادلة، تم إخراجهم من المعادلة، فَالقضية سنوات ويزول التقاء المصالح وتعود السطوة لكم، لكن بدك تصبر شوي، في أشياء بدها هدوء وتوازن وعدم قفز في المراحل.

طيب إذن وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، أي تحصلون الهداية التامة. فالتوجه إلى هذه القبلة والعودة إلى تعظيمها وإعادة مكانتها هي ملة إبراهيم وهي الهدايه التامة، ومن الهداية أيضاً قبولكم لهذا التشريع بالتسليم لله سبحانه وتعالى.

طيب ثم الله عز وجل لما قال إن التحول إلى الكعبة البيت الحرام هو جزء من أجزاء إتمام نعمة الإسلام عليكم وتحصيل الهدايات لكم، ذكرهم أصالة، يعني أنتم أصالة قبل حتى هذا الحكم ما يحصل، أنا كنت أربيكم بنعمي وأسبغ عليكم نعمة عظيمة جداً أن أرسلت فيكم هذا الرسول من أمة العرب يتلو عليكم، كما أرسلناه فيكم رسولاً منكم يا أيها العرب من معدنكم، هذا الرسول ماذا فعل؟ تلى عليكم آيات الله سبحانه وتعالى وزكى قلوبكم وطهرها من الشرك والكفر والمعاصي وادرأناها، وعلمكم الكتاب والحكمة. إذاً لا تشككوا في هذا القرار، قرار التحول إلى الكعبة البيت الحرام هو مرحلة من مراحل إتمام النعمة عليكم، وتذكروا أن هناك نعمة أعظم من هذه النعمة، نعمة وجود الرسول بين ظهرانيكم، هذا الرسول الذي يأتيكم بوحي من الله يتلوه عليكم ويزكي قلوبكم ويصلح أعمالكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، كنتم جهلة، كنتم أميين، كنتم أناساً تشتغلون على الثارات والقصائد والغزل، جاء الإسلام غير الأفكار والأنماط والحياة والأهداف، عمل ثورة في داخلكم وفي بواطنكم، تذكروا هذا الأمر.

فإياك أن تتزعزع في الجزئيات، إياك أن تكون متزعزعاً، متشرّباً لكل قضية وكل تغير وكل إجراء، تحصل عندك شبهة، خوف، شك، ريبة، كن قوياً في إيمانك.

فاذكروني أذكركم، ما دمت أتمم النعم عليكم وأرسل لكم الرسل والرسالات، فمقابل ذلك عليكم أن تذكروا الله، فاذكروني بالتزام شرعي، أذكركم برعايتي وكفالتي لكم لا تقلقوا، واشكروا لي، اشكروا هذه النعمة العظيمة، نعمة أن الله ينزل كتاباً يتلى عليكم من عنده، وجود هداية تهديكم من الحيرة والضلال، وتخرجكم من تاهات الأفكار إلى طمأنينة الإيمان، والله نعمة عظيمة تستحق الشكر من الله سبحانه وتعالى.

واشكروا لي، وشكر الله كيف يكون؟ بأن تقول سمعنا وأطعنا، هذا الشكر، من شكر الله على نعمه أن تستقبلها بالخضوع والتسليم وليس بالجدل والاعتراض والمماحكات.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.

حقيقة هذا المقطع فكرت فيه كثيراً، ما مناسبته لهذا السياق؟ يعني لماذا انتقلنا لموضوع أنه لَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ، ولماذا يتكلم الآن الآن في خضم هذه النقطة عن موضوع وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ؟ ايش علاقة هذا بالسياق الذي نحن فيه؟

حقيقة مما وقر في ذهني أنه لما حصل هذا الاختلاف في قضية القبلة، وراى الصحابة الكرام كيف اختلف الناس والطوائف والأمم من حولهم في وضعهم، ماذا قالت اليهود؟ وماذا نازعتهم؟ وكيف حصل النفاق داخل المجتمع المدني؟ وماذا قالت كفار قريش؟ كان هذا، وهذا حصل في بداية الهجرة، كان إذا كان موضوع القبلة فعل كل هذا النزاع والخلاف وبدأت النفوس تظهر والمماحكات تظهر مع الأمم من حولكم، كان الله يقول لهم استعدوا لما هو قادم.

موضوع قبلة فقط من الشرق إلى الشرق أو من الشرق إلى الغرب صنع كل هذه النقاشات والخلافات والنزاعات وتقلّب القلوب وهيجان أمم، فما بالكم عندما أطالبكم بأن تغيروا ليس قبلة، بأن تغيروا المجتمعات والارض بما فيها؟ ما بالكم لما أقول لكم عليكم أن تغيروا الأنظمة والأفكار والطرق وأنماط التفكير والأحكام، وأن تحكموا بشريعة كاملة على هذه الأرض؟ ماذا تتوقعون أن يحصل؟ إذا قبلة فعلت كل هذه البلبلة، القادم صعب، والتشريعات التي ستأتيكم صعب، والثبات أمام أهل الباطل الذين سيواجهون يحتاج إلى ماذا؟ إلى أن تستعينوا بالصبر والصلاة.

ليس لكم حل في مواجهة أهل الباطل عندما أطالبكم بتغيير الأفكار والمجتمعات، ليس أمامكم حل إلا الصبر والصلاة، ولاحظ دور الصلاة واقحام الصلاة هنا ليدلل أن الصلاة هي ليس تكليف فقط خمس صلات تصبح عادة وبدك تنتهي منها، الصلاة هي المثبت للإنسان المؤمن في مواجهه أهل الباطل.

فما الذي يعينني على مواجهة أهل الباطل؟ ما الذي يعينني في رحلة الدعوة والصبر والثبات على مبادئي الدينية؟ أولاً، عليك بالصلاة، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. بدكم تصبروا، القادم صعب، هذه لسه أول تجربة عم تمروا فيها، موضوع القبلة، القادم أصعب.

ولاحظوا هنا ما اسميه أنا واقعية الإسلام، يعني الإسلام والقران لما طرح موضوع الحياة الدعوية للصحابة، ما وعدهم وعود وردية، ما قال لهم خلص أسلموا وستفتح لكم الدنيا وستكون الورود مفروشة أمامكم، وسيستقبل الناس بالرايات وبالتهليل والتكبير، لا، بدك تفهم هكذا سنة الدعوات أو مخرجهم قال له ورقة بن نوفل: فلم يأتِ أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، واضحة القضية.

فالله عز وجل يجهز الصحابه للمعارك القادمة، جهزوا حالكم في، بدنا صبر وبدنا صلاة إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وسيكون هناك جهاد وشهداء، وهناك مواجهات عسكرية؛ حتى لأن هناك ستحصل مدافعة بين الحق والباطل. إذاً هم القبلة يا جماعة مش راضيين فيها، بدهم يرضوا بما هو أعظم منها، سيكون هناك شهداء، وسيكون هناك بلاء، وكل من يقتل في سبيل هذا الحق وفي سبيل ترسيخ الهدى، لَا تَقُولُوا عَنْهُمْ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ، لأنه في عالم البرزخ والدار الآخرة.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ، لاحظ الله عز وجل يقول للصحابة: ارتقبوا القادم، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، رح تجيكم أيام تحاصر فيها من أهل الباطل، الجوع، يحاصرون كما يحاصرون أهل غزة، أسأل الله أن يفرج عن غزة وعن أهلها، جوع ونقص من الأموال، حصار اقتصادي تقل فيها الاستثمارات ويمنعون إدخال الأموال إليكم، والأنفس موت وقتل وقصف وموت بالأمراض وقلة الطعام والغذاء، والثمرات حتى الأشجار سيقل إنتاجها.

القادم صعب، بدكم تنتظروا ما هو قادم، لكن طب يا رب ضمن ما نرتقب -يعني نحن أصحاب الحق وأصحاب الهدى وننتظر أيام فيها قتال وتعب وبلاء- ما الذي يعيننا يا رب؟ قال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. بدكم تصبروا، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، لاحظ ماذا يعلمنا ربنا أن نقول عند المصائب وعندما يحيط بنا أهل الباطل في معركة الثبات على الحق والهدى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

أولئك، ها، إذا أنت تقول هذه العبارة من قلبك ضمن كل هذه البلايا، ستجد صلوات من رب، مش صلاة واحدة، صلوات من ربهم، والصلوات هي الثناء الجميل، وأن يذكرك الله في الملأ الأعلى من المقاتلين في سبيله، مش فقط صلوات، ورحمة، سترحب البلاء، سترحب، سترحب، سترحب، سترحب الأحبه والأرواح، سترحب، ستجد رحمات وسكينة من الله تنزل، لكن هي ضريبة الصراع بين الحق والباطل، هكذا هي الدعوات، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، هؤلاء الذين صبروا من أجل تثبيت الهدى والحق وواجهوا الباطل، هؤلاء الذين سلكوا طريق الهدايه الحقيقي.

طيب انتقلت الآن هناك آية سيختم بها المشهد، آية متعلقة بالصفا والمروة، ولاحظ أنه أيضاً قضية الصفا والمروة حصل فيها تشوه عند طائفة من العرب، خصوصاً عند الأوس والخزرج. ايش قضية الصفا والمروة؟ كما أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعيد المكانة إلى الكعبة البيت الحرام إلى ملة إبراهيم، أراد أيضاً أن يعيد المكانة إلى الصفا والمروة؛ لأن الأوس والخزرج بالتحديد كانوا الآن، اختلفت الروايات الحديثية، بعضهم في بعض الروايات أنهم كانوا في الجاهلية لا يقبل السعي بين الصفا والمروة؛ لأن الأوس والخزرج كان صنمهم في الجاهلية مناة، فكانوا صنمهم مخالف لصنم كفار قريش، فبالتالي كانوا لا يسعون حيث يسعى كفار قريش بين الصفا والمروة، هكذا جاء في بعض الروايات أن الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية يرفضون السعي بين الصفا والمروة، وهذا حقيقة مخالفة لملة، لأن الصفا والمروة من مناسك إبراهيم ونا مناسكنا.

وقيل قيل إن الانصار الأوس والخزرج في الإسلام رفضوا أن يسعوا أن يسعوا بين الصفا والمروة لما راوا فيها من الأصنام، وقيل إنه كان فيها صنمَان: أحدهما على الصفا والآخر على المروة، فقالوا: إذن لا نسعى بين الصفا والمروة لوجود هذين الصنمين، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يقول للانصار وللأوس والخزرج بالتحديد، أراد أن يقول لهم: لا، الصفا والمروة أيضاً هي من شعائر الله، وهي من معالم البيت الحرام، يجب أن نعيد إليها مكانتها كما أعدنا إلى الكعبة مكانتها.

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا. ما معنى فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ؟ أي لا ينبغي أن يشعر بالحرج في السعي بينهما، هذا معنى فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، يعني لا ينبغي أن يشعر بالحرج أنه يسعى بينهما؛ فهذه من معالم ملة إبراهيم، فيجب أيضاً أن نقدرها وأن نعظمها، وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، يعني ومن طاف بالكعبه والصفا والمروة مرات ومرات فأكثر الحج أو العمرة، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ، شاكر له تطوعه بالخيرات وعليم بما بدل ولن يضيع أجر المحسنين. هكذا انتهى مشهد إعادة البوصلة إلى مكة المكرمة، إعادة البشرية جمعاء بعد أن ضلت على يد اليهود والنصارى إلى النقطة الجوهر إلى الكعبة البيت الحرام بكعبها وصفاها ومروها.

ثم الله سبحانه وتعالى سيعطي درساً هنا قبل أن ينتقل إلى ذكر التشريعات التفصيلية، يعني قبل أن ينتقل إلى ذكر شريعة القصاص والوصية والصيام والحج ودب قضية التشريعات في سورة البقره، سيؤكد سبحانه وتعالى ويركز علينا على قضية مهمة، وهو يجب ألا تمارس ممارسة بني إسرائيل في استقبال الهدى، أكبر ممارسة لبني إسرائيل في استقبال الهدى الإلهي الكتمان والتشويه. لعن الله من غير منار الأرض، النبي صلى الله عليه وسلم يلعن من يغير منار الأرض. منار الأرض هي العلامات التوجيهية، بتعرفوا علامات السير اللي بتقول لك مكة باتجاه اليمين، الأردن باتجاه الشمال، لبنان باتجاه الجنوب، هذه منارات الأرض. لعن النبي صلى الله عليه وسلم من غيرها؛ لأنه من يغير منار الأرض يجعل الإنسان يضيع، صحيح؟ فبدل والله رايح للأردن ولا هو رايح لمصر، بدل ما هو رايح لمصر ولا هو رايح للعراق، ليه؟ والله في واحد غير الإشارة، الإشارة بتقول كده هو غيرها لكذا، هذا يضيع الجهد والوقت ويضيع حياة الناس.

إذا كان من يغير منار الأرض الحسي ملعون، فما بالكم من يغير منارات الهدى ومعالم الهدى ويشوه ويكتمها ويتلاعب بها؟ هذا الجزاء عند الله، مو دائماً هذا هو القياس الأصولي، أن تكون القضية في جزئيه تنقلها لمربع أعلى منها، إذا كان ملعون من غير منارات الأرض الحسية، فمن يغير الهدى ويكتم ويشوه، ما وزره عند الله؟

وهذه الآيات هي رسالة لعلماء السوء، لعلماء السلاطين، ولكل إنسان يتكلم باسم الدين وهو مأجور للظالمين، فيسعى لكتمان الهدى الإلهي وتشويه معانيه ليرضي أسياده ويشتري ثمناً قليلاً.

يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. أي إنسان يعطي لنفسه أحقية أن يبدل معالم الهدى الإلهي ويكتمه ويشوه، بعد ما أنا أنزلت عليكم أيها البشر، هذا ارتكب جريمة لا تغتفر. أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. من هم اللاعنون؟ هم الملائكة والناس تمام، وسيأتي ذكرهم في الآية التي تليها. ثم سبحانه يفتح باب التوبة لكل عالم سوء، ولكل عالم سلطان، ولكل إنسان شوه معالم الدين وحرفه، الله يفتح لك باب التوبة قبل ما تموت. ويقول: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا. ومن شروط التوبة في هذه الحالة أن يعود فيبين الحق، يعني يا عالم السوء، يا عالم السلطان، يا من شوهت الحق، توبتك حتى يقبلها الله من شروط قبولها أن تعود تبين الحقيقه، يعني مش حينفع تقول خلاص أنا تبت وتجلس في بيتك ولا تصحح خطاك، لابدك ترجع تصحح خطاك وبدك تبين الهدى كما بينه الله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

أما من يصر على أن يبقى كاتما للهدى مبدلا له، فهذا أولا كفر، لاحظ تعمد كتمان الهدى كفر. يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ. بقي مصرا على كتمان الهدى وتشويه معالم القرآن والسنة، وهو يعرف أنه يشوه، هذا كفر. فالذين أصروا على هذا وماتوا على هذا، مرة ثانيه يلعنهم الله، لاحظ لعنهم ابتداء لعناً جملياً يلعنهم اللاعنون، ثم أعاد فلعنهم لعناً تفصيليا: أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ. وتستغرب، يخرج عليك اليوم بعض علماء السوء فيقول لك إن النار يمكن أن يلغيها الله عز وجل، غريب حالهم، الله يقول خَالِدِينَ فِيهَا، أنت تقول الله يلغي النار، والمشكله أنه يدلس على شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم هذه المقولة، وحاشى ابن تيمية أن يكون قال هذا القول وإن نسبه إليه بعضهم لكن خطأ. ابن القيم ناقش في بعض القضايا وتوقف فيها، وأما أن الله يفني نار الكافرين فالله لا يفني نار الكافرين عند أهل السنة والجماعة، بل نقل ابن حزم في مراتب الإجماع أن هذه المسألة محسومة قطعية معلومة من الدين بالضرورة.

المهم خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ. بعد أن حذر هنا من الكتمان، عاد ليؤكد البوصلة التي ذكرها في أول السورة لما قال في أول سورة البقرة بعد ذكر أصناف الناس: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم، إله واحد، عاد ليؤكد نفس القضية: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. لا يصلح هذا الكون إلا أن يكون فيه معبود واحد هو الله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ. هو رحمن يرحمكم ويعطيكم ويرزقكم. ومن دلائل أنه إله واحد: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح حركات الرياح في مختلف الاتجاهات والسحاب المسخر بين السماء والأارض، كل هذه الآيات الكونية ألا تدل دلالة يقينية أنما هو إله واحد، لا يمكن هذا التناسق وهذا التناغم وهذا الاتقان وهذه البوصلة الواحدة في هذا المشهد بدون وجود خرم ولا تداخل ولا شيء؟ كل هذا التناسق لا يمكن أن يصدر إلا من واحد سبحانه وتعالى، آيات لقوم يعقلون، لمن يعقل ويفكر. لكن للاسف بعض الناس لا يريد أن يعقل ويبقى مصرا على عدم العقلانية وعدم الاستدلال بمظاهر الكون على وحدانية الله.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا، هكذا هواه يريد أن يزاحم الإله الحق بأنداد، وهذه الأنداد قد تكون أصناماً، قد تكون بشراً، قد تكون دنيا، قد تكون هوى، أنداد، والند هو النظير المزاحم، هذا معنى الند، أن تجعل لله نظراء تزاحم مع ربك، تزاحم في القصد والطلب وتجعلهم في قلبك مع الله عز وجل، وحاشاه أن يكون له ند. قال: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، يحبون أنداداً كما يحبون الله، لأنهم هم يعبدون الله ولكن يشركون معه بأنداد، هؤلاء ليسوا ملاحدة لا، هم يعبدون الله وهذا حال كفار قريش وأكثر العرب عبدوا الله وعبدوا غيره، يعبدون الله ويعبدون معه آلهة أخرى، فبالتالي لما تكون أنت حبك موزع على مجموعة آلهة، أكيد ليس كما يكون حبك باتجاه إله واحد، أكيد ليس كما يكون حبك باتجاه إله واحد. فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ، من حب المشركين لله، يعني المشركين كانوا بحبوا ربنا بس برضه بحبوا اللات والعزى، لكن لما كانت حبهم موزع على الله شوي وعلى اللات والعزى شوي وعلى وعزى وعلى الأصنام، أكيد انخفض منسوب حبهم لله، أما المؤمن لأنه في قلبه لا يوجد إلا الله، فحب المؤمن لله أعلى بشكل هائل من حب المشركين لله، طبعا حب المشركين لله حب لا يقبله الله، لأنه حب فيه شركاء والله سبحانه وتعالى غني عزيز لا يقبل الشرك.

فقال سبحانه: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ، هؤلاء ظالمون مجرمون الذين يجعلون لله أنداداً، مع أن الأدلة العقلية والبراهين العقلية كلها تدل على عدم وجود إلا مصدر واحد للهدى، فسماهم الله ظالمين، لأن الشرك ظلم عظيم. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، يوم القيامة ستزول كل هذه الأنداد، ويدرك المشركون أن القوة فقط لإله واحد، للإله الواحد الديان، في ذاك اليوم، وهذه فيها رسالة للمنافقين في المجتمع المدني وضعاف النفوس الذين كانوا يتبعون اليهود والنصارى، في ذاك اليوم سيتب- إذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، الأسياد سيتبرؤون من الأتباع، الضباط سيتبرؤون من الجنود والظالمين سيتبرؤون- سيتبرؤون الأسياد من الذين اتُّبِعوا وهم الأجناد، ورأوا العذاب الكل سيرى عذاب الله ماثلاً أمامه وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. الأسباب هي الوسائل والعلاقات الاجتماعية، كل العلاقات ستزول، وكل الأرحام والأنساب أمام نار جهنم ستزول، هذه المشاهد سيظهر الحق وسيندم كل من تبع اليهود والنصارى وتبع أهل الباطل عموماً، ولم يصطف في مصَف أهل الإيمان.

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الجنود والأذناب ماذا سيقولون وهم يرون العذاب أمامهم: لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا، يا ريت ترجعنا للدنيا وخدمناكم وكنا عبيدكم وقدمنا لكم قرابين الطاعة، الآن تخليتم عنا، بس لو رجعنا للدنيا لتخلينا عنكم زي ما تخليتم عنا الآن، لكن المشكلة بعد فوات الأوان. كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ، تخيل ذلك الجندي الذليل الذي عاش عبداً لطاغية، سيقول الجندي يا ليتني ما خدمت هذا الطاغية، يا ليتني ما كنت معه، وهؤلاء الذين خدموا اليهود والنصارى كل أعمالهم يرونها حسرات أمامهم، يعضون عليها أصابع الندم، وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ، تأكيد آخر أن الخروج من النار مستحيل انتهت القضية، أعطيتكم فرصة وأرسلت لكم الهدى بدلا من أن تستقبلوه شوهتم وبدلا من أن تتبعوه عصيتم، فهذا عدل الله سبحانه وتعالى القائم.

نقف اليوم عند هذا المقدار بإذن الله ونكمل هذا المشهد في الدرس القادم، مشهد نداء آخر للبشرية، يا أيها الناس، يا أيها الناس مرت معنا في الصفحة الثانية أو الثالثة من سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، مرة ثانيه نداء للبشرية يا أيها الناس، ماذا يريد الله من البشرية في هذا النداء؟ هذا يكون إن شاء الله في المجلس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.