تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس الثامن: سورة البقرة من الآية 168 إلى الآية 188

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترا، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في التعليق على المعاني الكلية لسورة البقرة، هذا المجلس الذي عنونا له من أول الشهر الفضيل بيا أصحاب سورة البقرة؛ حيث نتعلم من هدايات هذه السورة وكلياتها، وكيف نبني الإيمان في نفوسنا والسمع والطاعة لله عز وجل من خلال القواعد العامة والكلية التي ذكرت فيها.

وبادئ ذي بدء، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن أهلنا في غزة ما حل بهم من البلاء الشديد، وما حصل بهم في الساعات التي مضت الليلة. نسأل الله عز وجل أن يتقبل شهداءهم، وأن يرحم ضعفهم، وأن يجبر كسرهم، وأن يحفظ غزة وأهلها أرضها وسمائها شيبها وشبابها نساءها وأطفالها. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيد اليهود الحاقدين وكيد من والاهم، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير. فكثفوا لهم الدعاء والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام الطيبة المباركة أن يرد الله عز وجل كيد أعداء الأمة جميعاً؛ فإن الأمة تتكلب عليها الأمم والله في هذه الأيام، تتكلب عليها الأمم والمخططات والبرامج والأفكار.

وعلى رأسهم بني إسرائيل الذين عرفنا صفاتهم، وعرفنا أحوالهم ومكرهم وخديعتهم لما مررنا على الجزء الأول من سورة البقرة. بني إسرائيل أيها الكرام قوم حاربوا ربهم سبحانه وتعالى وتحدوه الله عز وجل، فماذا تظنون أنهم يفعلون بالبشر؟ هؤلاء قوم ينقضون الميثاق، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض. فنسأل الله عز وجل أن يشغلهم بأنفسهم، وأن يجعل بأسهم بينهم شديداً.

وأيضاً نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم ويغفر لشيخنا الشيخ أبي إسحاق الحويني رحمة الله تعالى عليه؛ فموت العلماء والله مصيبة عظيمة يحزن لها الإنسان جداً. هؤلاء العلماء الذين بذلوا حياتهم وأعمارهم من أجل خدمة دين الله سبحانه وتعالى، والذب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاد الجيل. أن تصنع عالماً ليس مهمة سهلة، والله أن تصنع رجلاً كبير النفس، رجلاً حكيماً في قراراته وتصرفاته، رجلاً عالماً يذب عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وعن منهج الإسلام، ويعيش حياته من أجل هذه الفكرة، ويسخر وقته وليله ونهاره، ويترك الراحة والرغد من أجل أن يعيش لأمة، هؤلاء قلة جداً. وكلما قبض عالم زاد حزننا، لأننا نعلم أن وجود أمثال هؤلاء ليس بالسهل، لأن إعادة بناء هذه الشخصيات الفذة التي بذلت تاريخها وحياتها لأمتها ليس والله بالأمر الهين. نسأل الله أن يجبر كسرنا، وأن يرحم ضعفنا، وأن يغفر لشيخنا، وأن ينزل على قبره شآبيب رحماته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زلنا نعيش أيها الكرام في سورة البقرة، وفي المجلس الماضي تكلمنا عن من أوائل الاختبارات التي تعرض لها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بمفهوم سمعنا وأطعنا، كانت قضية تحويل القبلة. وعرفنا كيف كانت الأجواء داخل المجتمع المدني والمجتمع في الجزيرة العربية عموماً عندما نزلت هذه القضية، وما هي مواقف اليهود ومواقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض ومواقف كفار قريش، وكيف عرض القرآن هذه القضية بشكل مبهر حقيقة. ثم أتبع ذلك بأن ذكر للصحابة الكرام أن هذه المسألة من أوائل المسائل، وهي ليست مسألة من المسائل الأصول في الدين، ومع ذلك حصل فيها ما حصل؛ فعليكم أن تنتظروا ما هو أصعب، لأنكم إذا غيرتم قبلة وتنازع الناس حولكم، فما بالكم إذا غيرتم أحوال المجتمعات والأمم والشعوب، ونفضتم الغبار عن كل المفاهيم الصحيحة لتعود لتحكم هذه الأرض من جديد، وحاربتم كل المفاهيم الجاهلية التي تصد عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ماذا سيكون الحال؟ فالله عز وجل طلب من الصحابة الاستعداد التام لمواجهة ما هو قادم من المعارك والتحديات، سواء التحديات الفكرية والسجالات العلمية، أو حتى التحديات الجهادية والقتالية.

وعرفنا كيف أن سورة البقرة أعادت القيمة مرة أخرى للكعبة بيت الله الحرام، وإلى الصفا والمروة، وأن هذه مناسك والتي قال إبراهيم رَبِّ أَرِنَا مَنَاسِكَنَا، فالله عز وجل أعاد البوصلة إليها بعد أن هجرها وشوهها اليهود والنصارى وأعرضوا عنها وحاولوا أن يضعوا مناسك جديدة على غير قواعد ملة إبراهيم.

ثم ختمنا المجلس الماضي في الكلام عن مرة أخرى عن قيمة التوحيد، وضرورة أن يعود الإنسان في هداياته إلى إله واحد، وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ، وخطورة وجود أنداد متعددة في حياة الإنسان، يسمع الإنسان منها جميعاً فيأخذ شيئاً من الدين يوافق هواه وشيء من الدنيا والشهوات والملذات، هذا لا يصنع هداية صحيحة، وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ من دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ.

اليوم نبدأ إن شاء الله بنداء جديد إلى البشرية جمعاء، بعد أن كان النداء الأول في بداية السورة يطلب منهم أن يوحدوا معبودهم، يأتي نداء آخر بصيغة يا أيها الناس، يقول ربنا عز وجل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

ما أستشعره وأنا أقرأ هذا النص القرآني العظيم أن الله عز وجل بعد أن وجه النداء الأول للبشرية بضرورة عبادته وحده لا شريك له، يوجه نداء ثاني للبشرية الذين يقطنون على هذه الأرض بأنه لا يجوز لكم أن تتخذوا قرار الحلال والحرام من أهوائكم، أنني أنزلتكم إلى الأرض، لما أنزلتكم إلى الأرض انتفاعكم بما على هذه الأرض من مقدرات من طعام وشراب وملابس ومناكح، أن هذا الانتفاع يجب أيضاً أن تعودوا فيه إلى خالقكم. فما أحله حلالاً طيباً انتفعتم به، وما حرمه سبحانه وتعالى حرمتموه وانصعتم لأمره.

فإذاً الله سبحانه وتعالى يبين أن مصدر الهداية ومصدر تلقي التشريعات في حياة البشر يجب أن يكون الله سبحانه وتعالى، وليس لأهوائهم ولا لأمزجتهم أن يحلوا حلالاً أو أن يحرموا حراماً. ولذلك قال سبحانه يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ، الآن هو ذكر الأكل، لكن حقيقة كما ذكر كثير من المفسرين الأكل هنا ليس مقصوداً بذاته، بل الأكل ويقاس عليه جميع أشكال التصرفات الأخرى، يعني فكلوا مما في الأرض واشربوا مما في الأرض حلالاً طيباً، والبسوا مما في الأرض حلالاً طيباً، وانكحوا مما في الأرض حلالاً طيباً.

فالأكل ليس مقصوداً لذاته وإنما خص الأكل، وإن كان المقصود جميع أشكال الانتفاع بما على وجه الأرض. خص الأكل فيما يظهر لي لعدة قضايا؛ أولاً: أن الأكل هو أهم حاجة من الحاجات الأساسية للإنسان، لأن الإنسان بدون أكل لا يمكن أن تستمر حياته، فذكر الأكل بالتحديد وأراد جميع أشكال الانتفاع لأن الأكل هو الحاجة الأساسية للإنسان بعد النفس إذا أردنا أن نقول بعد التنفس حتى تستديم حياتك أنت تحتاج إلى طعام، فذكر الأكل لأنه أبرز الحاجات الإنسانية.

ويمكن أيضاً أن يقال إنه ذكر الأكل سبحان الله دي خطرت في ذهني، لأن أول معصية فعلها الإنسان وابتعد بها عن الهدى الإلهي كانت معصية تتعلق بماذا يا أيها الكرام؟ كانت معصية تتعلق بالأكل أيضاً أليس كذلك؟ سيدنا آدم عليه السلام عندما أخطأ إنما أخطأ في جانب الأكل، أن الله عز وجل أعطاه حلالاً طيباً في الجنة يأكل حيث شاء، وحرم عليه أن يأكل من شجرة معينة، فحصل الخلل من سيدنا آدم في هذه الشجرة في باب الأكل.

فكان الله سبحانه وتعالى يريد منا ألا نكرر نفس الخطأ، فهو يقول كلوا مما أبحته لكم حلالاً طيباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فتسقطوا في نفس الخطأ الذي سقط فيه والدكم آدم عليه السلام، وإن كان ربنا عز وجل أعطى آدم كلمات فتاب آدم وأقبل إلى الله، كأنه يقول ولا تتبعوا خطوات الشيطان. آدم أغراه إبليس، قال يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا، إبليس اتبع خطوات معينة حتى أغرى آدم ليأكل من الشجرة التي حرمها الله عز وجل عليه، فحصل ما حصل وابتعد آدم عن الهدى في هذه الجزئية، فكان نزول آدم إلى الكرة الأرضية أو إلى الأرض وخرج من السعادة التي كان فيها.

فهذا تذكير للبشر، وإن كان الأكل أعود فأقول ليس مقصوداً بذاته بل هو جميع أشكال الانتفاعات بما على وجه الأرض يجب أن يكون من الحلال الطيب، سواء أكل أو شرب أو لباس أو نكاح أو بيع أو شراء. فهذا نستطيع أن نقول إنه من التعليمات الأول أو من التشريعات الأول التي بدأت الآن تطالعنا في سورة البقرة، الآن في جملة تشريعات ستبدأ تطالعنا في سورة البقرة، هذا من التشريعات الأول التي بدأت تطالعنا.

قضية أولاً الانتفاعات الأرضية هذه ليس للإنسان أن يأخذ فيها هواه، وإنما يجب أن يأخذ فيها الهدى من ربه ومولاه سبحانه وتعالى. ولذلك حذرنا الله ويقول وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، أن الشيطان سيزخرف لكم التلاعب في قضية الأكل والشرب والمناكح والبيوع والشراء وسيجرك إلى مربعات لا ترضي الله، كما جر والدكم آدم عليه السلام إلى هذا المربع، فانتبهوا للخطوات أن الشيطان لا يبدأ معك مباشرة يقول لك افعل الحرام، بل يمكن أن يقوم بأن يستزلك بأفكار ووساوس وخطرات وألاعيب حتى يوقعك في الشبكة كما فعل مع والدك عليه السلام، إذًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، ما هو ربنا عز وجل لما أنزل آدم عليه السلام إلى الأرض قلنا اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو، فالله يذكرنا أنتم على وجه الأرض هناك عدو يتربص بكم الدوائر، عدو يحاول أن يدرس كيف يصطادك وكيف يسقطك وسينفذ برامج ومشاريع العمليات الإسقاط، فانتبه، عليك أن تتلقى الهدى من الله لأنك في اللحظة التي لن تتلقى فيها الهدى من الله سيصطادك العدو، إنه لكم عدو مبين.

هذا العدو المبين ماذا يفعل؟ قال إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. الشيطان يأمرنا بالسوء، يأمرك أن تسيء، يأمرك أن تسيء في تعاملك مع الهدى الإلهي. وإذا استطاع أن يجعلك ترتكب الفحشاء بالتحديد، والفحشاء هي أعظم السوء، وهذا من باب ذكر الخاص بعد العام، يعني إنما يأمركم بالسوء، السوء قضية عامة، وأعلى ما في السوء هي الفحشاء وهي الجرائم الكبرى التي يعصى فيها الإله. فالشيطان يحاول عموماً أن يأمرنا بكل ما يسيء ويضعف علاقتنا بالله وبالهدى الإلهي، ويحاول أن يوصلنا إلى ذروة السوء وهو الفحشاء، تمام؟ فهذا جانب المعاصي، يحاول أن يوقعك في الزلل.

ثم قال وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وهذا شيء أسوأ من مجرد الوقوع في الزلل. لأن الوقوع في الزلل متصور من كل إنسان أن يقع في معاصي وذنوب عليه أن يتوب كما تاب آدم، لكن الشيطان يوقعك في المعاصي والذنوب ثم من خطواته أن يجعلك تبرر المعاصي والذنوب وتشرعنها وتقول إن الله عز وجل يقبلها وأمرنا بها. ولذلك في سورة الأعراف لما الله عز وجل ذكر ماذا كيف الشيطان زين لأقوام أن يقولوا وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهِمْ آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا.

هسه شوف إنه أنت تقع في الفحشاء هذه معصية تتوب منها وتعالج هذه القضية، لكن الأسوأ من مجرد الوقوع في السوء والفحشاء أن تقوم بشرعنة السوء والفحشاء، وأن تقول إن الله أمر بها ويريدها ويرضاها. ولذلك الله عز وجل ماذا قال هنا؟ الشيطان يأمركم ابتداءً أن تقعوا في السوء وفي أعلى السوء وهو الفحشاء، ثم يريد منكم أن بعد ذلك ما هو أعلى من ذلك، ليس فقط السقوط في الوحل، يريدك أن تشرعن السوء والفحشاء وأن تقول على الله ما لا تعلم. ايش يعني ما تقولوا على الله ما لا تعلمون؟ بمعنى أن تشرعنوا المحرمات وأن تشرعنوا الفساد وتقول إن الله عز وجل أراد ذلك وقصد ذلك كما ذكر في سورة الأعراف.

وهذا تبديل وتشويه لمعالم الهدى، وتشويه لمعالم ملة إبراهيم عليه السلام. وهذا حقيقة كان سائدًا عند العرب في الجاهلية، فالعرب تلاعبوا بقضية الأكل والشرب والأنعام والبهائم، فحرموا من البهائم ما شاءوا وأحلوا منها ما شاءوا، فكانوا فعلاً يقولون على الله ما لا علم لهم به. من ذلك ما ذكره في سورة المائدة مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ، يعني كان العرب مثلاً يقولون والله الناقة التي تنجب عشر أولاد ذكور خلص هذه الناقة لا نركبها، حرام تؤكل وحرام تركب، الفحل الذي يستطيع أن يطرق كذا وكذا من النوق وينجب بالتالي من نسله كذا خلص يصبح ظهره حرام وأكله حرام. كما في سورة الأنعام وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُوهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ.

من أعظم أشكال الإجرام البشري أن الإنسان يصبح يشرعن هدايات لنفسه، طبعاً ليست هدايات، هي ستكون ضلالات، لكن هو هكذا يظن. من أعظم أشكال الاعتداء البشري على حق الله أن يصبح الإنسان يشرعن لنفسه أهواءً فيحرم ما يشاء ويحلل ما يشاء، هذا من أعظم الاعتداء على حقوق الله سبحانه وتعالى والإعراض عن هدايات الله. الله عز وجل لما ذكر قصتنا وأصلنا عرفنا أننا خلفاء إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، والخليفة إنما يأخذ شرعته ممن استخلفه، والأصل ما دمت خليفة أن تأخذ شرعتك وأحكام تصرفاتك ممن استخلفك، ومن الذي استخلفنا؟ هو الله. فكيف نترك الهدى الإلهي، الهدى الذي يأتينا ممن استخلفنا ونبدأ نضع؟

أفكار ونظرات ونظريات وتحليلات وتحريمات بأذواقنا. هذا ما يريد الله سبحانه وتعالى في بادئ مسلسل يعني تسلسل التشريعات الإلهية التي سترد في سورة البقرة، ما يريد أن يحذرنا منه. أنت أيها الإنسان ليس لك أن تختار وإنما الله هو الذي يختار. ولذلك في الصفحة التي تليها يقول سبحانه وتعالى أو يرصد لنا سبحانه وتعالى هنا كيف تصرفات المشركين والمبدلين للهدايات الإلهية. يقول سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُم، هؤلاء الذين بدلوا وحرموا وحللوا بأذواقهم وأهوائهم، إذا قيل لهم: اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ، إلهكم ربكم أنزل تشريعات تحكم الحلال والحرام، اتبعوا هذه التشريعات. ماذا كان جوابهم؟ قالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، نحن لا نتبع إلا ما توارثناه من الآباء والأجداد. شوف هنا المقابلة تأتي لشخص.

طبعًا أنت بتلاحظ أن كفار قريش أو الكفرة الذين كانوا يقولون هذا الكلام هم كانوا يؤمنون بوجود الإله، يعني أنت ما بتتكلم مع شخص ملحد هو لا يؤمن بوجود إله، لا لا، هم يؤمنون بالله ويشركون معه أصنامهم، تمام؟ فهم يعترفون أن هناك إلهاً في السماء ورباً في السماء. فلما أنت تقول له: يا رجل، أنت تعلم أن هناك إلهاً في السماء، اتبع ما أنزل هذا الإله عليك، يرفض أن يتبع ما أنزل هذا الإله ويصر على اتباع تقاليد الآباء أو الأجداد أو التشريعات الأرضية الوضعية أو العادات والتقاليد الاجتماعية. هذه حقيقة جريمة كبرى.

إنه أنت تعطى القرآن، القرآن يقول لك هذا حلال وهذا حرام، وتروح أنت تقول: لا، أنا صراحة المجتمع تاعنا أو عاداتنا وتقاليدنا أو الأنظمة التي نتبعها أو ما شابه ذلك بتقول لا، إنه الشيء اللي بيحكي عنه القرآن حرام، لا، هذه بتحكوا عنها حلال، إحنا رح نتبع تقاليدنا الاجتماعية أو عاداتنا أو الأنظمة التي نحن نسير وفق منظوماتها. هذا حقيقة خطير، خطير جدًا على العقيدة. بقول لك: اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ، الله أنزل، تقول لي: أنا ماشي عادات وتققاليد وما يستهويه مجتمعنا وثقافتنا وأجدادنا ومشايخنا، هذا من أكبر أشكال التشوه في الابتعاد عن الهدى.

فيقول سبحانه وتعالى منكرًا عليهم: أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ، يعني هؤلاء الآباء الذين وضعتموهم شماعة وعلقتم الانحرافات عليهم، يا ترى لو كان آباءهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون؟ يعني من هم آباؤكم الذين تتبعونهم وترفضون اتباع شرع الله وهدايات الله من أجلهم؟ أليسوا هم مجموعة من أقوام لا يعقلون؟ ليس لديهم عقل صحيح ولا هدىً رشيد.

لكن للأسف حال هؤلاء الكفار عندما تنصحهم وتدعوهم وتوجههم إلى الالتزام بشرائع الله ويرفضون ذلك، حالك معهم يا أيها الداعية المسلم، حالك وأنت تصحح لهؤلاء الكفار طرائق التفكير وتدعوهم إلى الهدايات الإلهية وهم يصرون على موقفهم، كيف حالي معهم؟ قال: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً. ينعق يعني ينادي ويصرخ. شبه الله سبحانه وتعالى حال الداعية المسلم والعالم المسلم وهو يحاول أن يصلح من شأن هؤلاء الكفار ويطلب منهم الرجوع إلى الهدى الإلهي لكنهم يصرون على عقائد الآباء والأجداد فلا يريدون أن يعملوا عقولهم ولا أن يسمعوا كلامًا ينفعهم، حالك يا أيها الداعية المسلم مع هؤلاء كحال راعٍ ينعق أي يصيح وينادي بهائم.

لكن هذه البهائم مهما صحت بها يا أيها البهيمة تعالي، هي لا تسمع إلا مجرد دعاءً ونداءً. ما معنى لا يسمع إلا دعاءً ونداءً؟ يعني هذه البهائم يعني غنم أمامك، إذا أنت صرخت في الغنم الغنم هو لا يفهم معنى الكلام لكنه سامع صوت وضجيج. هكذا حال الكفار عندما تأتيهم خطابات الإيمان ولا ينتفعون بها، كأنهم بهائم سمعوا أصواتًا سمعوا ضجيجًا بس خلاص لا يفهمون ولا ينتفعون بهذا الكلام. فهذا حالك معهم يا محمد صلى الله عليه وسلم، أنت كراعٍ تريد أن توجههم فتنعق بهم لكن للأسف هم بهائم، لا يسمعون إلا مجرد دعاء ونداء لكن ما معنى هذا الدعاء والنداء؟ ماذا فيه؟ لا يستطيعون فهم ذلك لأنهم لم يستعملوا عقولهم وأغلقوا سمعهم عن الاستماع لما ينفعهم.

فيقول سبحانه وتعالى في ختام وصف هؤلاء المعاندين للهدى الإلهي: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. سبحان الله، من بداية سورة البقرة والله سبحانه وتعالى يصور لنا الذين لا يستجيبون للهدايات الإلهية بأناس فقدوا الحواس. يشبههم بأناس فقدوا الحواس، اذكروا معنا في أول سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، ثم قال: وعلى أبصارهم غشاوة، فقدوا الحواس.

طيب، لما تكلم عن المنافقين قال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ. وكثيرة هي الآيات التي ستأتي معنا بنفس الطريقة وهي أن الله سبحانه وتعالى يصف الكفار والمنافقين الذين لا يستجيبون لنداءات القرآن ولا لهدايات القرآن بأنهم قومٌ فقدوا الحواس، صمٌ بكمٌ لا يتكلمون عميٌ.

لما فقدوا الحواس وهذه الحواس هي التي تدخل منها المدخلات إلى العقل، لما فقدوا الحواس أثر هذا ففقدوا العقل وفقدوا التفكير السليم. لذلك قال: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. يعني ماذا نتج؟ لما يكون إنسان ما بيسمع وما بيحكي وما بيشوف هل سيكون التفكير سليم؟ المدخلات كلياتها ضربت، بالتالي هذا سيؤثر على طريقة تفكيره. وكأن الله عز وجل يقول لنا: هذه الحواس إذا لم تسمع ما ينفعها وتستجيب له وإذا لم تبصر ما ينفعها وتستجيب له وإذا لم تتكلم بما ينفعها لا قيمة لها، فكأنك أصم أبكم أعمى.

هذه الحواس إذا لم يتم توظيفها في استماع ما ينفع والنظر فيما ينفع والتكلم بما ينفع الإنسان ويعود عليه بصلاح دينه ودنياه لا قيمة لهذه الحواس، فأنت أصبحت كالأصم الأبكم الأعمى وهذا كله سيؤثر على ماذا؟ على عقلك وطريقة تفكيرك. حتى لو كنت دكتور جامعي، حتى لو كنت فيلسوف، حتى لو كنت فيزيائي عظيم، حتى لو كنت إنسان بتعمل في الذرة وبتعمل أسلحة نووية، مهما كنت مهما كنت إذا لم تستعمل الحواس وفق مرضاة الله فإن هذه الحواس لا قيمة لها. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وهذا جعلهم أسوأ حتى من البهائم. يعني حتى البهائم في النهاية هي تسمع صراخًا فتبتعد، قد تستفيد من هذا الدعاء والنداء لمصالحها وإن كانت لا تفهم مضمونه. لا، هؤلاء الكفار وهؤلاء المنافقون الذين يتلاعبون بهدايات الله وصلوا إلى ما هو أسوأ من ذلك، صمٌ بكمٌ فهم لا يعقلون.

طيب، بعد أن أعطى الله عز وجل هذا التوجيه العام للبشرية بضرورة أن لا يشتغلوا في الأرض إلا وفق ما يحلله الله لهم وأنه ليس لهم أن يتلاعبوا بهذه الأمور على أهوائهم، أعطى هنا مرة أخرى نداءً لأهل الإيمان بالتحديد، لتبدأ النداءات الإيمانية والتشريعات للمجتمع المدني للصحابة الكرام فيخاطبهم الله بـ: يا أيها الذين آمنوا. هنا بدأ الخطاب حدودًا لأهل الإيمان.

كلوا، مرة أخرى، كلوا من طيبات ما رزقناكم. وأعود فأقول: الأكل ليس مقصودًا لذاته بل المراد عموم الانتفاع، الأكل، الشرب، اللباس، النكاح، البيوع، انتفاعاتكم بالأرض. انتفاعاتكم بالأرض يجب أن تكون من الطيبات، والطيب هو ما أحله الله. فكأنه قال: من الطيبات أي مما أحله الله لكم. وعليكم أن تتبعوا ذلك بالشكر، يعني بعد أن تنتفعوا بما رزقكم الله من الحلال اشكروا الله سبحانه وتعالى أن سخر لكم هذا الحلال لتقضوا به حوائجكم. وشكر الله يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح.

بالجوارح بأن تستعمل هذه الأمور التي أحلها الله لك في عمارة الأرض وفق منهج الله. واشكروا لله قلبًا ولسانًا وجوارحًا إن كنتم إياه تعبدون، إن كنتم فعلًا اخترتموه إلهًا ومعبودًا ومقصودًا ومطلوبًا. ثم لما ذكر أكل الطيبات بين أن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذه الأرض جعل مساحة المباح فيها واسعة.

إذا بتذكروا في قضية الاستخلاف الآية التي مهد فيها للاستخلاف قال فيها: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. فلو أننا أتينا إلى دائرة المباح سنجد أن دائرة المباح هي الأوسع في الأرض من المطعومات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات، وأن دائرة المحرمات سواءً في الأطعمة أو الأشربة أو الألبسة أو النساء هي الدائرة الأضيق. لكن سبحان الله، الشيطان يزين لك الدائرة الضيقة ويقبح لك الدائرة الواسعة كما فعل مع أبيك آدم.

فإن الشيطان ماذا فعل مع آدم؟ استطاع الشيطان أن يغوي آدم فيصرفه عن دائرة المباح التي كانت واسعة وهائلة في الجنة وجعله يقترب من الشجرة الوحيدة التي كانت محرمة عليه ليضله ويبعده عن الهدى. هكذا يفعل الشيطان معنا. فالله يقول لنا: كلوا من طيبات ما رزقناكم، كأنها دائرة مباح واسعة هائلة، وهناك قسم محدود من الخبائث لا أريدكم أن تقربوه. فلذلك قال: إِنَّمَا حَرَّمَ. لاحظ الحصر، يقول: أنا فقط حرمت عليك ماذا؟ الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، يعني ما ذبح لغير وجه الله سبحانه وتعالى، كالمذبوح للأصنام والقبور والأشخاص وما شابه ذلك. هذه خلينا نقول رؤوس المحرمات لأنه هي هنا الحصر ليس حصرًا تامًا لأنه هناك محرمات نزلت تدريجيًا خلال العشر سنوات في المدينة، لكن هذه كانت أصول المحرمات من الأطعمة أن الله حرم تناول الميتة وتناول الدماء وتناول لحم الخنزير وتناول المذبوحات التي ذبحت لغير الله.

ثم يعطيهم قاعدة: وحتى هذه دائرة الحرام إذا اضطررتم إلى استعمالها اضطرارًا فأنا أبيع لكم استعمالها. يعني حتى دائرة الحرام وهي الدائرة الأضيق، حتى هذه الدائرة إذا اضطررتم لاستعمالها خشيةً على زهوق أنفسكم فأنا سبحانه وتعالى يخبر عن نفسي: أبيع لكم أن تستعملوها حتى هذه المحرمات وأن تتناولوها بس بشرط.

وهذه اتبعوا على هذه القاعدة، هذه قاعدة عظيمة وإن ذكرت في باب الأكل فهي في باب الشرب والنكاح واللباس والعملات المالية وكل شيء في الحياة، إنه في دائرة محرمات لا تتعاطوها، وإذا اضطررتم على تعاطيها فإنكم يجوز لكم أن تتعاطوا هذه المحرمات كما القاعدة الفقهية تقول: الضرورات تبيح المحظورات، بس بشرط غير باغٍ ولا عادٍ. إنه لما تضطر إنك تعمل شيء حرام وركزوا معي لما تضطر إنك تعمل شيء حرام عليك أو يجوز لك أن تتعاطى هذا الحرام وأنت كاره له. ما معنى غير باغ؟ يعني أنت لا تبتغيه أي لا تحبه، لا تطلبه، بس يا رب عم بعمله وأنا كاره له، أن تفعل هذا الشيء وأنت كاره له. قال: ولا عاد، ايش يعني ولا عاد؟ يعني ولا تتجاوز قدر الضرورة والحاجة، وهذه قاعدة فقهية يركز عليها فقهاؤنا، الضرورة تقدر بقدرها.

يعني فرضا فرضا حتى أسهل لكم الفكرة، افرض إنه أنا كنت في صحراء، كنت في صحراء وانقطعت بي السبل ولا أجد طعاما من دائرة الطيبات، وإنما وجدت ميتة. هسه أنا في صحراء وأخشى على نفسي الهلاك، يجوز لي أن آكل من الميتة مع إنه في الأصل حرام، لكن لأنني مضطر يجوز أن آكل من الميتة. لما آكل من الميتة يجوز أن آكل بس بشرطين: أن أكون غير باغ، شو يعني غير باغ؟ أي غير متلذذ، حابب أن أفعل هذا الشيء الحرام، بل أفعله وأنا كاره له، هذا واحد. قال: ولا عاد، يعني وألا أعتدي فأتجاوز قدر الحاجة في تناول الميتة، يعني أنا بكفيني آكل منها 2 كيلو، خلص بقضي حاجتي حتى أوصل لبلدي، ما بينفعش آكل منها 10 كيلو وأصير أهش وأنشف ونعمل أكل والشباب ونعزم الشباب وتأخذ أريحيتك، ليه؟ والله ما هي ضرورة يا شيخ.

ترى هي الفكرة احنا بنمثلها قاعدين على طعام في الصحراء، لكن صدقوني أن ممارساتها خطيرة، سواء في ناحية السياسة الشرعية أو حتى في أمورنا الاجتماعية، كثير من الناس يقع ويقول لك في ضرورات يا شيخ، أنا مضطر والله مثلا أتعامل مع الجنس الآخر، أنا مضطر أروح على طبيبة أو فتاة بتقول أنا مضطر أروح على طبيب. يعني شوف هذه المثال، مثلا بتيجي على أخت بتقول لي: أنا مضطر أروح على دكتور يكشف على مناطق حساسة في الجسد وفيها عورات، هسه الآن بدي أفترض إنه فعلا هي وصلت لمرحلة الضرورة القصوى تحتاج علاج في مناطق عورات، ولا يوجد طبيبة مسلمة تقضي لها هذا الموضوع، فذهبت إلى طبيب، هنا ماشي بتقولي: الضرورات تبيح المحظورات، بس بدك تفهمي أختي أمرين: إنه لا يجوز أن تفعلي هذه الضرورة وأنت تبتغيها، يعني أنت تفعلينها وأنت تشتهينها أو ترينها شيئا طبيعيا، بل هذه الضرورة تفعلينها وأنت أولا غير باغ لها، إنه يا رب أنا كارهها، ثم ايش؟ ولا معتدية في مقدار ما يكشف، يعني ما يحتاج إلى كشفه من العورة 20% ما بيصير يكشف كل شيء، ما هو خلص طبيب وهي ضرورة.

شفتوا كيف تسهيلات الناس؟ لا، ولا عاد، لا يعتدى في هذا المقام، الضرورة على قدرها، تحتاج أن تكشف 20% تكشف 20%، وعلى الوقت الذي تحتاجه فقط نصف ساعة ربع ساعة، فقط هذه المدة، وأما غير ذلك فعليكم أن تعودوا إلى أصل التحريم. إذا ربنا يضع لنا قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، هذا المحظور الذي تفعله للضرورة تفعله وأنت لست راغبا أن تفعل، وإنما وأنت كاره لكن يا رب ما ألجأني له إلا الضرورة، ولا عاد لا تعتدي تتعدى قدر الحاجة وإنما على القدر الذي شرعه الله سبحانه وتعالى لك.

طيب، قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. هذا الذي أتجاوز عنه، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. يعني ربنا عز وجل يعلم ضعفكم، وهو غفور رحيم. قال العلماء: غفور رحيم إذا حصل بعض التجاوزات منكم أثناء ذلك، يعني إذا أنت وقعت في ضرورة فارتكبت محظورا احنا وضعنا القاعدة غير...

باغ ولا عاد إذا حصل منك شيء من البغي، أو شيء من التجاوز على قدر الحاجة، فأسرع التوبة إلى الله، فإن الله غفور رحيم. وهذا التذييل وهذا الختام جميل، لأنه سبحانه وتعالى يعرف حجم النقص في حياتنا، وإنه هو يضع لنا قواعد لكننا أحيانا لا نفعل بالقاعدة كما يريد ربنا سبحانه، فهو يحفزك على التوبة، ويخبرك أن إلهك غفور رحيم، تب ولا تكرر الخطأ مرة أخرى. طيب.

انتهى هذا الدرس الأولي، وهذا كان متعلق بموضوع خطير ومهم، وهو قضية الانتفاع بما على وجه الأرض من منافع الطعام والشراب، وقس عليها جميع المنافع الأخرى، وعرفنا لماذا ذكر الأكل بالتحديد، لأن الأكل هو أم الحوائج البشرية، ولأن الأكل هو أول معصية عصي بها الرب سبحانه وتعالى من البشر، كما حصل مع أبينا آدم، وحجم تلاعب الشيطان أيضا بالعرب في موضوع الأكل وتحريماته، وحتى باليهود والنصارى كانت دائرته واسعة، هذه كلها أمور تجعلنا نعرف لماذا ذكر الأكل، وإن كان يقاس عليه الشراب وما شابه ذلك. طيب.

مرة أخرى لخطورة هذا الموضوع ولحساسيته، ربنا سبحانه وتعالى يحذرنا من كتمان الهدى والتلاعب به تلاعب بني إسرائيل، لكن هنا صيغة وعيد مباشرة، فيقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. اليهود ومن يسير على خطى بني إسرائيل من منافقي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كل من يكتم هدى الله، الهدايات الإلهية، يكتمها من أجل عرض من أعراض الدنيا، فقال: وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. ما هو الثمن القليل؟ هو الدنيا. الدنيا كلها قليلة، لا تزن عند الله جناح بعوضة. من أجل أن يأخذ منصب إفتائي أو منصب قضائي أو يرضي أسياده كتم ما أنزل الله، وحرف معاني كلام الله سبحانه وتشريعات الإله.

هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنًا قليلا، لاحظوا ما عقوبتهم، قال: أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. ولاحظ الجزاء من جنس الذنب؛ أنت لماذا كتمت ما أنزل الله؟ من أجل إيش؟ تأكل الدنيا؛ تأكل مناصب وجاه وسلطان ووو، حتى تأكل الدنيا، عقوبتك ستكون يوم القيامة: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. جزاء وفاقا.

ولا يكلمهم الله، لما سكتوا عن النطق بالحق، سكت الله عنهم فلم يكلمهم، إهمالا لشأنهم ولأمرهم، كلها عقوبات من جنس أعمالهم، قال: وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قال: وَلَا يُزَكِّيهِمْ. يحرمهم من تطهير القلوب. قال: وَلَا يُزَكِّيهِمْ. أي لا يطهرهم. وقيل معنى آخر في وَلَا يُزَكِّيهِمْ، أي يوم القيامة لا يحكم عليهم بأنهم عدول، كيف يقول لك والله أنا بزكيك، إيش يعني بزكيك؟ يعني أعدلك أقول والله فلان عدل، فمعنى وَلَا يُزَكِّيهِمْ، أي يسقط عدالتهم، لما محوا شرع الله وأسقطوا شرع الله من حياة الأمة، الله عز وجل لم يزكيهم، أي أسقط عدالتهم، وكل هذه العقوبات من جنس ما فعلوا. قال: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وينتظرهم عذاب مؤلم عند الله.

خلاصة هؤلاء أنهم في الدنيا اشتروا الضلالة وتخلوا عن الهدى، دفعوا الهدى ثمنا، وقالوا جيبوا لنا الضلالة، هذا في الدنيا. والعذاب بالمغفرة، وفي الآخرة استغنوا عن المغفرة، وانظر ما أشقى هذا الإنسان اللي بيستغني عن المغفرة وبيشتري العذاب، يعني في الدنيا استغنى عن الهداية واشترى ضلالة، وفي الآخرة استغنى عن مغفرة الله واشترى مكانها عذاب الله، فما أسوأ وما أقبح هذا الإنسان، وما أسوأ هذا الختام الذي سيحصل له، فقال سبحانه: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ. وهذه لها عدة معاني، من معانيها اللي ذكرها المفسرون التعجب كأن الله يقول: ما أشد صبرهم على النار، يعني وهذا تعجب فيه أيضا نوع من التهكم بحالهم، إنه أنت عارف أن تذهب بنفسك، ولاحظ هنا شخص، لاحظ الآية تتكلم عن شخص يعرف الهدى، لكن يتعمد مخالفته من أجل هواه أو هوى أسياد له، تمام؟ هذا الإنسان يقول له ربنا يعني عجيب صبرك على النار، أنت عارف أنك تدخل بقدميك ورجليك إلى نار جهنم، أنك تقتحم النار بكل قوتك، ما أصبرك على النار، عجيب حالك أيها الإنسان المخزول.

ذلك العذاب وذلك التهديد الوارد في الآيات السابقة، ما سببه؟ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ. سبب هذا التهديد أن الله عز وجل لم ينزل هذا الكتاب السماوي لعبا وعبثا، أو من أجل يكون مجرد كتاب بركة، وأنتم تفخلون خلافه، لا. ذلك العذاب الشديد، أن الله عز وجل لما أنزل هذا الكتاب أنزله بالحق ليتبع. وأنتم اختلفتم في هذا الكتاب، فوصفموه بالسحر ومرة بالشعر ومرة أنه يأخذه من رجل رومي، وبدأتم تخالفون أحكامه، فلذلك استحققتم تلك العقوبة القاسية، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ، اختلفوا في توصيفه فقالوا مرة أنه سحر ومرة أنه شعر ومرة أنه كذا، أو اختلفوا في الكتاب أي خالفوا أحكامه كما ذكر بعض المفسرين، هؤلاء لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، أبعدوا النجعة، وسلكوا مسلكا آخر سيلقيهم في مهاوي جهنم. عرفتم لماذا عذبتهم؟ أنا أنزلت كتابا ليتبع، هم خالفوا هذا الكتاب وألقوه وراء ظهورهم، ممارسة طريقة بني إسرائيل.

طيب. هنا الله سبحانه وتعالى يوجه في الصفحة التي تليها رسالة للمؤمنين. وهذه الرسالة تعقيبية على موضوع تحويل القبلة. يقول سبحانه: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

الآن في هناك أقوال عديدة للمفسرين، هذه الآية تخاطب من؟ لكن الذي يعني أميل إليه من هذه الأقوال أن هذه الآية، كما ذكر بعض المفسرين، تخاطب المؤمنين الذين امتثلوا لقضية توجيه القبلة. يقولون إيه، بعض المؤمنين أو المؤمنون عموما، خاصة من المهاجرين، لما أمرهم الله أن يتوجهوا باتجاه الكعبة البيت الحرام، تمسكوا بهذه الهداية واغتبطوا أنهم فعلوا هذا الموضوع، وأصبحوا يخوضون في هذا الأمر خوضا كبيرا، واتسعت دائرة النقاش داخل المجتمع المدني بسبب ذلك. فالله سبحانه وتعالى، ولاحظ هنا هذا المعنى كيف يمكن أن يفهم، يقول سبحانه وتعالى: هذا الموضوع وهذه القضية، قضية تحويل القبلة، لا تظنوا أن كل البر محصور فيها. لَيْسَ الْبِرَّ، يعني ليس البر محصورا في أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، هذه هداية جزئية من الهدايات، لكن هناك هدايات كبرى هي أهم أن تحققوها.

دعوني أقرب لكم الصورة حتى تشعروا بالآية أكثر وأكثر كما أحاول أن أفهمها بالشكل الصحيح. أحيانا الإنسان ربنا بيوفقه للالتزام بجزئية من جزئيات الدين، ربنا بيهديه إنه والله هذه الأخت تمسكت بجزئية معينة من جزئيات اللباس الشرعي، أو ذاك الشاب تمسك بجزئية من جزئيات دينه، أو محافظ على ورد معين ربنا وفقه لطاعة من الطاعات. لما حصل الهداية في هذه الجزئية، أصبح يرى نفسه أنه حصل الهدى التام وأنه في تمام الاستقامة، ودائم في مجالسه الخاصة والععامة: أنا الحمد لله ربنا هداني لهذه الجزئية وتمسكت فيها أنا الحمد لله بحافظ عليها، وتصبح هذه الجزئية، وهي من الهدى ما فيها مشكلة طبعا من الهدى، لكنها جزئية من الجزئيات تطغى على مساحات كبيرة في حياته، مع أنه يجب هي أن تأخذ مساحتها وحجمها الطبيعي، وهناك هدايات كبرى يكون حضرته أو حضرة الأخت مفرطة فيها.

فالله عزوجل، شوف هذه عظمة سورة البقرة، هذا عظمة القرآن، أنه تمام احنا لمنا اليهود ولمنا المنافقين ولمنا كفار مكة على موقفهم من قضية تحويل القبلة. وأنعم بكم وأكرم يا أهل الإيمان، الذين تمسكتم بهذه الهداية وقلتم سمعنا وأطعنا، بس هذا أول الغيث! هذا أول الغيث وبانتظاركم مسائل أكثر تعقيدا وأكثر مخالفة لهوى النفس، ننتظر منكم أيضا أن تحققوا الهداية فيها والسمع والطاعة. أحيانا الإنسان قد يستجيب لجزء من الهدى لأنه يرى أن هذه الجزئية من الهدى لا تخالف هواه، أو ما فيش فيها احتكاك بمحبوباته، بقولك ماشي احنا كنا نصلي باتجاه بيت المقدس، قضية أني أصلي باتجاه الكعبة البيت الحرام هذا لا يحتك بمحبوباتي كثيرا، خاصة زي ما قلنا المهاجرين الصحابة من المهاجرين بالعكس كان طموحهم ربما أن يتوجهوا إلى الكعبة البيت الحرام، لأنه ما كان عندهم علاقات باليهود كعلاقة الأنصار بهم قديما. فقضية أن تتحول القبلة من المشرق إلى المغرب أو من المغرب إلى المشرق هي هداية من الهدايات، لكنها لم تكن تحتك كثيرا برغبات نفوسهم. تمام؟

لم تكن تحتك كثيرا برغبات نفوسهم، فلذلك ربما كان من السهل على كثير من الصحابة أن يستجيبوا لهذه الهداية. فالله عزوجل ماذا يقول لهم؟ لا تحصروا جنس البر، والبر كما قال المفسرون البر كلمة تطلق على الأعمال الصالحات، الأعمال الصالحات التي يحبها الله كلها داخلة تحت مفهوم البر، فالله يقول: لَيْسَ الْبِرَّ، يعني لا تحصروا جنس البر في هذه العملية فقط، يعني أن تولوا وجوهكم قبل المشرق أو قبل المغرب، هذا جزء من البر، ولكن البر بكماله وتمامه إنما يحصل أولا بالعقيدة ترسيخ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَلْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ، تؤمنوا بالقرآن كاملا وبالكتب السماوية، وَالنَّبِيِّينَ، وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، هذه أولا تحقيق أركان العقيدة في قلوبكم.

اثنين، أن تبذلوا المال وتعطوه في سبيل المشروع الإسلامي، في سبيل نهضة المسلمين، وهنا لا يتكلم عن الزكاة، الزكاة ستأتي بعد قليل في الآية، هو يتكلم عن بذل المال من أجل المشروع الإسلامي ومن أجل المجتمع الإسلامي من أجل نهضة المسلمين، وهذا أيضا واجب، ولذلك كان الفقهاء يقولون إن في المال حق سوى الزكاة. من الذي قال أن الواجب عليك في مالك فقط الزكاة؟ كلا والله، ما ندين الله به أنه كما أنه يجب علينا الزكاة هناك أيضا حقوق مالية تجب علينا لمجتمعنا وأمتنا، وهو جزء من البذل الذي يريد الله أن يكون، فقال سبحانه: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، يعني هنا نرى الرجولة، هنا نرى التمسك الحقيقي بالهدى الإلهي لما يكون هذا الهدى يخالف أهواء النفوس ومحبوباتها، أنه تدفع المال مع أنك في شدة التعلق به والحب له، تدفعه وتبذله وتسخى به للإسلام والمسلمين، تدفعه لِذَوِي الْقُرْبَى، يعني لأقاربك الفقراء، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ عموما، وَفِي الرِّقَابِ وفي الرقاب تحرير العبيد قديما وتحرير الأسرى.

طيب، هذا بالنسبة للبذل والعطاء للمجتمع، بدك تقدم مالك اللي أنت بتحبه تقدمه للمجتمع، هنا بنفحص برك الحقيقي، وأن تديم الصلاة، وأن تديم إخراج الزكاة، والزكاة هذا حق مالي يختلف عن الحق المالي الأول وهو خدمة المجتمع والمسلمين عموما. وأيضا بدنا نشوف وفائك بالعهود والمواثيق، خصوصا هذه العهود التي قد لا تكون تتماشى مع رغباتك وأهوائك لكنها فرضت عليك، هل ستنكثها وتتلاعب بها كما يتلاعب بها اليهود؟ كذلك الصبر في البأساء، والبأساء هو في المال لما يكون عندك افتقار في المال، وَالضَّرَّاءِ والضَّرَّاء تكون في البدن، وَحِينَ الْبَأْسِ نشوف صبركم إيه في المعارك. فالله هناك يخبرك تظهر البر the حقيقي وتمام الهدايات الإلهية والاستجابة لها، قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

ولاحظ أن الله سبحانه وتعالى ما زال يبين صفات المتقين على مدى سورة البقرة، فليست صفات المتقين هي فقط التي ذكرت في الخمس آيات الأولى من سورة البقرة، بل ما زالت سورة البقرة تعرفنا صفات المتقين. إنه وبرجع بقول أحيانا ما الذي يحصل معنا حتى يعني أفهمكم ما أشعر به، إنه الواحد فينا بيعمل شغلة في الدين بيتمسك فيها وربنا بيوفقه لها، بيصير يفكر نفسه أنه ما شاء الله لا يشق له غبار إمام الأئمة وبقية السلف وأستاذ الأساتذة وأنه المرابط الثابت، وهو تمسك في جزئية واحدة، فأنت تقول لهذا الأخ رفقا يا أخي بنفسك، يعني أنت جزاك الله خير شيء رائع وجميل أنك تمسكت بهذه الهداية الجزئية، لكن هناك هدايات أخرى أعظم ومحكات أخرى أعظم ما زالت بانتظارك، فرفقا بنفسك، يعني لا تستعظم نفسك لا ترى أنك فعلت شيئًا مهولًا مذهلًا بمجرد أنك التزمت بجزئية من جزئيات الدين.

هكذا يقول الدرس للصحابة: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، يعني لا تحصروا أنكم نجحتم في هذا الموضوع أنكم حققتم النجاح التام، هناك وظائف أخرى ما زالت بانتظاركم، نريد أن نختبر مدى تمسككم بالهدايات فيها أيضًا. فنجاحك في التمسك بهداية معينة لا يعني نجحت في كل الهدايات. ولذلك من أعظم الأدعية التي نحافظ عليها في اليوم والليلة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. عرفتم إخواني شو قيمة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في حياتكم؟ هذا أعظم دعاء تحتاجونه، لأنه تمسكك بهداية ما وإنه ربنا وفقك فيها لا تعني أنك متمسك بكل الهدايات أو بالضرورة أنك ستنجح في فعل كل الهدايات، فهناك هدايات أكبر وقد تكون أثقل، خاصة لما تحتك برغبات النفوس وأهوائها، نخشى أنك تسقط وتخفق فيها، فأنت والله ثم والله تحتاج إلى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في كل وقت وحين. سبحان الله.

طيب، إيه، نذهب الآن، آه، الآن دعني أقول أنا بدأت سورة البقرة تدخل أكثر وأكثر في التشريعات، إحنا قلنا الجزء الأول من سورة البقرة كان يركز على بناء مفهوم أسلمت لرب العالمين، الجزء الثاني سيركز على، وإلى آخره طبعا، سيركز على يلا بداية استقبال التشريعات الإلهية، بعد أن زرعت فيكم أسلمت لرب العالمين في الجزء الأول وبنينا هذا المفهوم وجاء اختبار تحويل القبلة، الآن ستعطينا سورة البقرة منظومة في الأحكام التشريعية، ابتدأت بالصفحة السابقة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، كما يقول صاحب مفاتيح الغيب، هذه أول التشريعات التي وجهت إلى

المجتمع المدني في سورة البقرة. قضية الانتفاع بما على وجه الأرض من الأكل والطعام والشراب محكوم بقاعدة: كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً. الآية الثانية أو التشريع الثاني سيكون في جهة الأحكام الجنايات، وبالتحديد القصاص. إذا قتل مسلم مسلمًا على وجه العمد، يقول سبحانه، وهنا سيبدأ الطرح يصبح أسرع قليلًا، لأنه ليس يعني هدفنا الكلام عن تفاصيل تفاصيل الأحكام الفقهية، وإنما أن نعرف جسد السورة وارتباط آياتها وكلياتها. يقول سبحانه في التشريع الثاني بعد التشريع الأول في الصفحة السابقة، يقول هنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ، ولاحظ أن كلمة كتب ستتكرر معنا كثيرًا أيضًا لتدل على وجود أوامر إلهية وتشريعات ملزمة. كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى.

الحر بالحر، إذا الحر المسلم قتل حرًا مسلمًا يجب القصاص، آه، طبعًا على وجه العمد، إذا قتل على وجه العمد فيجب القصاص. والعبد بالعبد، إذا عبد في مجتمعكم قتل عبدًا يجب القصاص. والأنثى بالأنثى. أي أنثى تقتل أنثى أيضًا هذا يجب فيه القصاص. وكذلك في الفقه الإسلامي كذلك الرجل إذا قتل أنثى أو الأنثى قتلت رجلًا يجب القصاص. فهذه قاعدة العدل في هذا الموضوع. كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى، يلا لاحظ يلا، كيف ستستقبلوا هذا التشريع؟ هل ستنزلون إلى حكم الله وتقبلوا القصاص؟

يلا، هنا بدأ الاختبار الحقيقي للإيمان واختبار الدرس الذي تعلموه في الجزء الأول. هل ستتقبلون هذا الحكم؟ طيب، ثم سبحانه وتعالى يقول: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ. الآن مما أكرم الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويسر عليها أنه جعل هناك بديلًا للقصصاص إذا أحب أولياء المقتول وهو الدية. هذه الدية لم تكن موجودة في بني إسرائيل. الله سبحانه وتعالى كان يلزم بني إسرائيل بالقصصاص. لكن في أمة الإسلام خفف علينا، فقال أولياء المقتول لهم أن يطالبوا بالقصصاص ولهم أن يطالبوا بالدية ولهم أن يعفوا.

طيب، فالأصل لمن قتل مسلمًا عمدًا المطالبة بالقصصاص. فإذا أولياء المقتول رغبوا بأخذ الدية المال ولم يريدوا القصاص يجوز ذلك. طيب. لكن هنا في توجيه في حال أخذهم الدية، قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. فمن عفي له من أخيه شيء، يعني إذا تم العفو عن القصاص عنك يا أيها القاتل، فمن عفي له من أخيه، ولاحظ كلمة أخيه هنا وأجوائها، هنا أخوة وإن حصلت هذه الجريمة. إذا تم العفو عن القصاص ورضوا بالدية، فمن عفي له، عفي عن القصاص وقبلت الدية، فاتبعوه بالمعروف، أولياء المقتول عليهم أن يطالبوا القاتل بالدية مطالبة بالمعروف. مش الآن الآن راح يدفع الدية لأنه ما معهوش مال.

تطالبونه أن يدفع الدية مثلًا بالتقسيط. ووفق جدول معينة تكون بالمعروف. وفي المقابل أنت يا أيها القاتل اللي تم العفو عن القصاص عنك وطولبت بالدية، حضرتك عليك أن تؤدي الدية بإحسان ولا يعني كما يقولون تتعب الجماعة معك. والله شهر بتدفع وشهر ما بتدفع، يعني كما طالبنا أولياء المقتول أن يطالبوك بالمعروف فكذلك نأمرك أن تؤدي إليهم بإحسان. وأن تدفع لهم الدية بدون مماطلة وبدون مماحكة وبدون مراوغة ومحاولة للتهرب. ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، مشروعية الدية بدل القصاص هذا نوع من التخفيف لأنه هذا لم يكن في بني إسرائيل، فاحمدوا الله أنه يوجد لكم حلولًا.

فمن اعتدى بعد ذلك يعني إذا أولياء المقتول أنتم حضرتكم عفوتم عن القصاص وطالبتم بالدية والرجل عم يدفع الدية إياكم إياكم بعد ما دفع الرجل الدية أن تقوموا فتقتلوه. آه، لأنه بعض الناس ممكن يقول لك خليه يدفع الدية نأخذ منه المال بعدين بنروح نقتله. ونشفي غيظنا، لا. هذا أصبح تلاعب بالهدايات الإلهية. قال: فَمَن اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ، إذا تم قتل هذا الرجل بعد أن دفع لكم الدية هنا أنتم تصبحون مهددين بالعذاب الأليم، أنتم تصبحون مهددين بالعذاب الأليم لأنكم تلاعبتم بهدايات الله سبحانه وتعالى.

ثم الله عز وجل يذكر فائدة هذا الحكم عمومًا، لماذا شرع الله القصاص في القتل العمد؟ لأن القصاص حياة، حياة للمجتمع. لأنه لما يتم تطبيق شريعة القصاص على قاتل واحد مجرم كل المجرمين بتربوا. كل المجرمين يحسسون على رقابهم. فبالتالي تطبيق حد القصاص أو عقوبة القصاص هي حياة للمجتمع، حياة للـ للـ للـ نساء والأطفال والرجال بأمان وطمأنينة، فيشعر المجتمع بأنه في هناك نوع من السكينة، الأمن، الأمان، الهدوء، ما في جرائم، ليه؟ لأنه تم تطبيق عقوبة الله عز وجل على مجرم واحد فعاش المجتمع كله آمنًا. بخلاف لما يتم إلغاء القصاص وتعويضها ماليًا وسجن كم سنة وبعدين بيطلع وبتدخل الواسطات، ساعتها ستكثر الجريمة ويكثر القتل وتذهب الحياة والسكينة من المجتمع. طيب.

وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. يعني كل هذه الأحكام الإلهية يريد الله سبحانه وتعالى أن تتقوا بها المعاطب والمهالك والزلل، ثم يقول سبحانه تشريع آخر وهو حكم الوصية. ولعل ذكر الوصية هنا مناسب أنه ذكر قبلها الموت والقتل. لأنه يعني القتل والموت يتناسب مع ذكر موضوع الوصية، قال سبحانه أيضًا من التشريعات الإلهية القانون رقم ثلاث. التشريع الإلهي رقم ثلاث هنا في هذه السورة. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً، خَيْراً يعني مالًا. إذا واحد فيكم قرب موته. إذا أحدكم حضره مرض الموت وعنده مال، فإنه يجب عليه أن يوصي وصية بهذا المال لأبيه وأمه إذا كانوا على قيد الحياة والأقربين من أولاده وأعمامه وأخواله وزوجاته وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ.

وهذه الوصية حق واجب على الشخصيات الاتقائية، الإنسان اللي بده يتقي ربنا ويبتعد عن الخطأ وبده يكون إنسان سوي كما يريد الله فعليه أن يلتزم بهذا، يجب عليك يا أيها الإنسان إذا قارب موتك وتركت خيرًا، يعني ربنا كان مبارك لك وعندك مال أن توصي وصية تذكر فيها كم ستعطي الأب والأم، كم ستعطي الأقربين، كم ستعطي أحفادك وأبنائك وأخوالك وأعمامك، هذه حق واجب على المتقين. طيب. الآن هذه الآية عند كثير من أكثر أهل العلم هذه الآية منسوخة. أنه هل الوصية واجبة؟ قال العلماء هذه الآية نسخ حكمها وهو وجوب الوصية للوالدين والأقربين. ما الآية التي نسختها؟ آيات المواريث التي نزلت في سورة النساء. يعني هذه الآية نزلت قبل أن ينزل الله قسمة المواريث في سورة النساء.

فكان المسلم ابتداءً إذا حضره الموت يكتب وصية ويقول أعطوا لأبوي والله خمسة آلاف، أعطوا أمي ثلاثة آلاف، أعطوا إخواني كل واحد ألف ألف، أعطوا ابني كذا. من خلال الوصية كانت تحل الأمور، تمام؟ وكانت الوصية واجبة. لما الله سبحانه وتعالى وضع أحكام المواريث قالوا نسخ الوجوب الذي في هذه الآية. وبقيت الوصية مستحبة لغير الورثة. لا وصية لوارث. أصبحت الوصية مستحبة لغير الورثة، لكن هذا تشريع كان قائماً في مدة معينة، وإن كان هناك نقاشات طويلة في الآية وهل نسخت بجميع صورها أو بقي منها، هذا نقاش يعني ليس هذا الغرض أو هذا المقام لتحريره.

ثم قال سبحانه: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. إذا أنت كنت حاضر مجلس الوصية، يعني كان والدك في مرض الموت وأوصاك وصية، قال لك يا ابني أعطي فلان كذا وفلان كذا من أقاربك وفلان كذا. وأنت كتبت الوصية وسجلتها وبعد ما مات والدك حضرتك بدلت وغيرت فيها لهواك ولمزاجك. فمن بدل وصية الناس بعد موتهم فالإثم على من؟ فالإثم على الذين يبدلون. يعني هذا الميت هو أعطى الوصية وفعل ما عليه، قلنا هذا كان واجب.

فإذا الميت فعل هذا الواجب وأعطى وصية للوالدين والأقربين بالمعروف، وأنت يا أيها الموصى إليه، يا من الوصية في يدك بدلتها وحرفتها، إثمك عند الله عظيم. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ، سمع ماذا قال الميت وهو يحتضر، عَلِيمٌ بمقاصده. فاحذر أنك تتلاعب. يا من حملت الوصية. في المقابل كما أننا نخشى من تلاعب الشخص الذي في يده الوصية كذلك نخشى من تعنت وتلاعب الميت في مرض الموت. أنه هو نفسه يجور في الوصية. فيقول سبحانه: فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً.

الجنف قالوا هو الميل عن الحق بدون قصد في هذه الآية. ما هو الجنف؟ الميل عن الحق لكن بدون قصد. وأما الإثم فهو الميل عن الحق بقصد. فالله سبحانه وتعالى يقول إذا أنت حضرت ميت عم يحتضر وهذا الميت قال لك بدي أوصيك. فلما وصى أنت شعرت أو ظهر لك أن هذا الميت أو الذي يحتضر قد جنح في الوصية عن الصواب والعدل. لا، أنه عم بيظلم حد. عم يوصي لابنه بس مش عم يوصي لبنته. أو بده يعطي أخوه بدهش يعطي أخته. إذا شعرت يا أيها الموصى له وأنت جالس مع هذا الرجل الذي يحتضر، إذا شعرت أن هذا الرجل الذي عم بيوصيك جنف، يعني مال عن الصواب بدون قصد منه، أو مال عن الصواب بقصد، يريد أن يحرم البنات أو يريد يحرم مثلاً أحد إخوانه لوجود مشكلة يعني نفسية بينه وبينه.

قال: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. ايش يعني فأصلح بينهم؟ قال: فأصلح بينهم، ذكروا لها عدة معاني، من معانيها وهذا مهم حقيقة تأسيسه. أنه فبدل الوصية بما، ها، بدل الوصية بما يحقق العدل ويمنع رسوخ الشحناء والبغضاء بين الميت وبين أقاربه. هذه قضية حقيقة جميلة نفهم فقهها. إذا أنا رحت عند شخص عم يحتضر وهذا الشخص اللي عم يحتضر قال: والله يابا أوصيك وصية، أعطي مثلاً عمك فلان بس ما تعطيش عمك فلان. أو أعطي أخوك فلان بس ما تعطيش أخوك فلان. ليه؟ والله أنا حابب بديش أعطيه، أنا كذا. أو أعطي فلان فلانة وأحرم فلان. طب هي الوصية اللي عم توصيها غلط. هي الوصية لا ترضي الله عز وجل، فيها ظلم فيها حرمان، فيها أمور لا ترضي الله سبحانه وتعالى.

الآن مات هذا الشخص. مات وأعطاك الوصية ووجدت في الوصية إثم أو جنف على الأقل. هل يجوز لي الآن أن أتلاعب بالوصية، إذا سمي، إذا صح تسميته أن، وغير، بلاش نسميه تلاعب، أن أغير في الوصية بما يحقق العدل ويرجع الأمور إلى نصابها، أم هذا داخل تحت التهديد السابق؟ الآن التهديد السابق احذر يا من بيدك الوصية أن تتلاعب بها. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. طيب يا رب إذا أنا بدلت الوصية وغيرتها، لكن حقيقة من أجل أن أحقق العدل. لأنه هذا الشخص اللي أوصى إلي وكتب لي الوصية الله يرحمه. بس كتب وصية فيها ظلم فيها جور لا تقوم على ميزان الشريعة.

هل يجوز لي أنا، الإنسان اللي معاي الوصية، أن أغير في نصها بهدف تحقيق العدل؟ ظاهر الآية يقول لك نعم. لذلك قال: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. لذلك ركزوا هنا ماذا قال؟ قال: فأصلح بينهم فلا إثم عليه. أنت شو بتتووقع؟ أنت كنت تتوقع أنه اللي بيصلح رح يقول: فأصلح بينهم فله ثواب عظيم. طب لماذا الآية لما قالت: فأصلح بينهم نفت الإثم عن المصلح، مش قالت أن له ثواب. حتى تفهم أكثر، كيف يعني، ما هي النقطة التي يجب أن تركز عليها. الآن الإصلاح مش عمل خير يا جماعة؟ الإصلاح بين الناس ومحاولة إصلاح الأخطاء التي تحصل مش عمل خير؟ فالأصل، هيك أنت تتخيل الآية تقول لك ايش؟ إذا أنت أصلحت فربنا بيأجرك. الآية ما حكت هيك. الآية لم تقل: إذا أنت أصلحت فالله سيأجرك، لا. قالت: إذا أنت أصلحت ما عليكاش إثم.

هذا ممكن يستغرب منه البعض، لماذا نفت الإثم ولم تذكر الثواب؟ آه، لأنه هنا الله عز وجل يريد أن ينبه أنه الشخص الذي في يده الوصية الآن هو في يده وصية وهو يرى فيها ظلم ويرى فيها جور قد يخشى ويتخوف من التلاعب بهذه الوصية وتغيير الظلم والجور فيها، يقول لك لا حتى ما أكونش أنا متلاعب بالوصايا. وربنا قال إنه الذي يتلاعب بالوصايا فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه. خلص هذا الميت كتب لي هي الوصية حتى لو فيها ظلم أنا رح أنفذها زي ما هي. ليش يا فلان تنفذها زي ما هي؟ ترى فيها ظلم. بقول لك أنا ما بدي آخذ إثم تبديل الوصايا. هون ربنا بيقول له: لا.

هنا لو بدلت الوصية هنا ما في عليك إثم، ليه؟ لأنك هنا لما بدلت الوصية أنت لم تبدلها لهواك، وإنما بدلتها وغيرت ما فيها من الباطل لطاعة مولاك. فهذا التبديل وهذا التغيير مطلوب وليس مردوداً. مرغوب وليس مرهوب. فأنت لست آثماً إذا بدلت هذا التبديل. فهمنا ليش قال إنك إذا أصلحت في هذه الوصية لا إثم عليك؟ لأنه أحياناً برجع بقول، أنت لو قدرت تصلح بينهم، بين الميت اللي عم يحتضر وبين أقاربه في الحياة أنعم وأكرم، بس أحياناً قد لا تستطيع أن تدرك ذلك. فيموت هذا الشخص وقد أوصى وصية فيها جور أو فيها ظلم. فهنا بيصير أنا بدون ما أخبر حد أغير نص الوصية تحقيقاً لشرع الله؟ نعم، لك أن تفعل ذلك.

وقس على هذا الوقف. لو أن شخص وقف وقفاً ووضع شروط لهذا الوقف، شروط حقيقة لا ترضي الله، شروط فيها جور وفيها ظلم. هل يجوز لي أنا مثلاً كناظر للوقف أو مسؤول عنه إني أغير هذه الشروط وفق مرضاة الله بدون ما أرجع للواقف؟ قال ابن القيم في إعلام الموقعين: نعم. وهذا ذكره كثير من الفقهاء. لأنه ذاك الواقف وضع شروط هي ليست على معيار الشريعة، فيجوز لي أن أغيرها وأن أبدلها من أجل مرضاة الله سبحانه وتعالى. ولاحظ هنا ماذا قال؟ إن الله غفور رحيم. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. ما معنى إن الله غفور رحيم هنا؟ يعني هل هذا الشخص اللي بدل هي الوصية بسبب أنه رأى فيها ظلم

هو هل يحتاج للمغفرة والرحمة؟ يعني أليس هذا مقام أن يقال: إن الله كريم يعطيك ويثيبك على ما لماذ ذكر ختم الآية بالمغفرة والرحمة؟ ولها في عدة تحليلات للمفسرين، لكن من التحليلات التي وجدتها جميلة: إن الله غفور رحيم لذلك الموصي الذي أوصى وصية جائرة ومات.

ما معنى هذا الكلام؟ وهذا فيه تحفيز هائل وعالي جدا إلى تغيير الوصايا التي فيها جور. إذا أنت يا من بيدك الوصية وجدت فيها جور فلم تفعله وبدلته وأقمت الحق ترى أنت مش بس أنت أقمت الحق لأهل الدنيا. بل أنت والله نفعت ذلك الميت اللي أخطأ. ذلك الميت اللي أخطأ ما دام لم يقع الخطأ الذي كتبه في الوصية فلعل عدم وقوع الفساد الذي أراده يكون سببا في مغفرة الله له. شوف هذا المعنى العظيم.

يعني أنت لما تلعب بهذه الوصية أو تغيرها لما يوافق شرع الله أنت ترى خدمت ذاك الإنسان اللي مات. لأنه لو أنت نفذت الوصية على حالها بدون ما تغير ما فيها من الباطل أنت سببت في وقوع ظلم على بعض الأفراد. فعدم تنفيذك لهذه الوصية الجائرة وتغييرك لها إياك أنك تنحرج منه. لا بالعكس تصرف صحيح ولعل تصرفك هذا يكون سببا في مغفرة الله ورحمته لذلك الميت الذي مات وهو جائر في الوصية.

رح تقول لي شيخ بس هذاك مات وهو جائر في الوصية ما تابش. ما نقول ما هو ماشي هو لم يقع في الشرك هو وقع في ذنب نعم مات ولم يتب منه. لكأنه يبقى ذنب. وما دام هذا الذنب نحن منعناه من إقامته وحلنا بينه وبين وقوعه فلعل ذلك يكون سببا في تجاوز الله عنه. يا الله ما أعظم هذه الشريعة. حقيقة عجيبة هذه الشريعة.

تعطيك كيف يمكن أنك تخفف يعني بعض الناس بيجي بيتكلم معي بقول له يا شيخ والله أبوي بده يحرم كذا وكذا وناوى يعمل كذا ومات وهو موصيني بهذه الشغلة. أفعل اللي حكاه أبوي ولا لا؟ بقول له طبعا ما تفعل. لا إياك أن تفعل ما أوصاك به والدك. لأنك إذا فعلت والدك سيعذب عند الله عز وجل لوقوع الفساد.

لكن أنت لا تفعل اللي حكى لك إياه لأنه ظلم وغير في الوصية بما يرضي الله وهذا الذي فعلته وهو أنك لم تتماشى مع والدك الله يرحمه ولم تفعل وصيته الجائرة لعله يكون سبب أنه ربنا يغفر لوالدك أو يرحم والدك. تمام؟ ولذلك أحيانا بعض الآباء بيموت وهو مفضل الأبناء على البنات في وصايا وقطع وما شابه ذلك.

عموما أنا بنصح الأبناء اللي تم تفضيلهم يعرفوا أنه أبوكم لما فضلكم ترى هو فعل شيء حرام. رجعوا الأمور لنصابها لعل الله يتجاوز عن والدكم. صح والدكم مات ومش تايب بس أنا بقولكم رجعوا الأمور لنصابها لعل الله يتجاوز عن والدكم بسبب إيش؟ بسبب أنه ما وقع الفساد. يعني هو ماشي هو قصد فساد بس الحمد لله ما وقع.

لأنه إحنا كأبناء تفهمنا بيننا وأصلحنا الأمور وما عملناش الوصية الخاطئة اللي حكاها أبونا ما عملناها وما رضينا. لعلكم تخففون عن والدكم في قبره. هذه عظمة الشريعة جميلة. طيب. بعد أنت طبعا هذا كله بدك تستعرضه وكان أيضا لماذا تركيز هذا على الوصية؟ لأنه هذه الوصايا كانت فرض فرض.

وكانت هي الحل في توزيع المال قبل أن تأتي شريعة الميراث في سورة النساء. فلذلك كانت التشديد على الوصية كبير وهائل. طيب. بعد ذلك تأتي شريعة الصيام يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ولاحظ مفردة التقوى. يا أصحاب الشخصيات الاتقائية. يا من يبحث عن التقوى لاحظ.

الله عز وجل يقول: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ولما إجا على الوصية قال: حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ. ولما إجا على الصيام قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. كأنه لماذا التقوى التقوى التقوى من بداية سورة البقرة؟ ما هو بقول لك هذا الكتاب هو هداية للشخصيات الاتقائية.

وتفاصيل هذا الكتاب هي هدايات للشخصية الاتقائية. فكأنه يركز أن كل جزئية من الجزئيات التي ستمر وكل تشريع من التشريعات التي ستمر هو تشريع نافع هاد لتلك الشخصيات الاتقائية. فتشريع القصاص سيصلح شأنكم يا من تبحثون عن التقوى والابتعاد عن مسالك الردى.

إيجاب الوصية عليكم في مرحلة معينة هذا الشيء يحقق لكم الخير يا من تبحثون عن اتقاء الردى. الصيام هذا يحقق لكم خير أيضا من جوانب أخرى في ضبط الشهوات سواء شهوة الفرج والبطن أو شهوة الغضب وما شابه. كل هذه التشريعات تحقق لكم الخير والسعادة يا أصحاب الشخصيات الاتقائية. توصلكم إلى منهج التقوى. تجعلكم تتقون مساخط الله وتتقون المعاطب والمهالك والمزالق في هذه الدنيا.

القصاص يقينا من إيش إخواني؟ يقينا من انتشار الجريمة. الوصية يقينا من ماذا؟ من تبدد المال وضياعه واستئثار بعض الناس به دون البعض. الصيام والله يقينا أيضا من الشهوات وشهوة البطن وشهوة الفرج من أن تستشرس. فستلاحظ أن كل تشريع من التشريعات بيعمل لك تقوى اتقاء في جانب معين. يا في جانب اجتماعي يا في جانب مالي يا في جانب نفسي. كل تشريع من التشريعات هو يحقق لك اتقاء في جانب معين.

لذلك ستتكرر معك تتقون. طيب ما هو الصيام؟ قال: أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ. 30 يوم شهر رمضان. فمن كان منكم مريضا أو على سفر واحتاج أن يفطر فعدة من أيام أخر. خلص أفطر إذا كنت مريض أو مسافر سفر قصر وتقضي في أيام أخر. وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. اختلف المفسرون فيها. من أشهر التفاسير أنه وعلى الذين يطيقونه هذا كان في بادئ الإسلام.

في بادئ الإسلام كان صيام رمضان ليس فرضا على التعيين وإنما فرض على التخيير. شو يعني؟ كان الصحابة مخيرون ابتداء بين أن يصوموا أيام رمضان وبين أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكين. فقال سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ. يعني اللي قادر يصوم رمضان أنت مخير بين أنك تصوم وبين أنك تطعم مسكين عن كل يوم بدل الصيام. هكذا كان الأمر ابتداء.

ثم قال سبحانه: فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً يعني هو قال على كل يوم ما بدك تصومه بدك تطعم مسكين. وإذا أطعمت أكثر من مسكين برضو هذا خير وخير. فبيفتح باب العطاء. يعني بعطيك الحد الواجب بعدين بيفتح لك باب العطاء إلا أن تطوع كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول.

طيب فمن تطوع خيرا فهو خير له. لكن النصيحة وأن تصوموا خير لكم. يعني طيب إيش الأفضل؟ نصوم يا ربنا ولا نطعم ولا زي بعض الاثنين؟ لا. إنكم تصوموا رمضان أفضل من أنكم تفطروا وتطعموا عن كل يوم مسكينا. وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. طيب.

الآن هذه هذا المقطع الأخير فمن تطوع خيرا أو على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ومن تطوع خيرا وأن تصوموا خير لكم هذا نسخ. ما الذي نسخه؟ الآية التي بعدها. يقول سبحانه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. أول شيء ربنا عرف شهر رمضان ليش هو شهر عظيم؟ وليش ربنا أحب أن يش يشرع الصيام فيه؟ لماذا؟ لأنه شهر القرآن. فمن أعظم مقاصد رمضان أن نتدبر القرآن. هذه بدنا نفهمها.

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. لماذا أنزل الله القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه. هذه الآية هي التي أوجبت على كل حاضر في بلده معافى في بدنه أن يصوم شهر رمضان وجوبا. وانتهى موضوع التخيير. قال فمن شهد. ما معنى شهد؟ شهد يعني من كان حاضرا في بلده معافى في بدنه. هذا معنى الشهود هنا.

فهذا يجب عليه أن يصوم رمضان وانتهت قضية التخيير. وأما من كان مريضا أو على سفر فهذا ما زال له الرخصة تيسيرا وتخفيفا من الله فله أن يفطر وعليه أن يقضي عدة من أيام أخر.

ثم وضع الله قاعدة عامة: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. يعني لماذا ربنا أعطانا رخصة الإفطار للمريض والمسافر؟ لأنه سبحانه صحيح هو يأمرنا بتشريعات وتكليفات لكنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وهو لا يريد أن يعنتنا وأن يشق علينا. بل كل حكم يأمر به تجد فيه جانب من الترخيص. ففي الحكم الأول فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. وفي القصاص ربنا ما ألزمنا كما ألزم بني إسرائيل بالقصاص. أعطانا القصاص وخفف علينا بالدية.

ونفس الشيء لما نأتي على الصيام. الصيام ربنا أوجب علينا الصيام بس برضه أعطانا رخصة إذا كنا مسافرين أو مرضى إنه نفطر ونقضي. ففعلا الله إنما يريد بنا التيسير وليس التعسير. وهذه قاعدة من القواعد الشرعية العظمى وهو أن الدين مبني على اليسر وليس على التعنت. وأنه ما من شيء وما من حكم إلا وله تسهيلات وترخيصات تتلائم مع قدرة الإنسان وحالته الصحية والاجتماعية والدنيوية.

طيب. فقال يريد الله أول شيء يريده الله لما شرع لنا إيه رخصة الإفطار للمسافر والمريض أنه يريد بنا التيسير ولا يريد بنا التعسير. طيب. قالوا ولتكملوا العدة. آه. طب لماذا ربنا عز وجل ألزم المريض والمسافر إذا أفطروا في رمضان أن يقضوا ما أفطروه؟ لأنه صح الله بده اليسر ولا يريد العسر. لكنه أيضا يلزمكم بالقضاء لأنه يريدكم أن تكملوا العدة. يعني هو يريدكم أن تصوموا 30 يوما. إما بتصومها كاملة في وقتها أو إذا كان عندك عذر تفطر بس لازم ترجع تقضيها بعدين حتى تكمل العدة.

لازم تصوم رمضان 30 يوم. لذلك حتى الحائض والنفاساء بتقضي. صحيح؟ الكل بده يقضي إلا مريض مرض لا يرجى برؤه أو المسن. لكن كل من كان يستطيع القضاء يلزمه القضاء لأن الله من مقاصده أن يلزمك بصيام 30 يوم في السنة. إما بتصومها في موعدها الطبيعي وإذا احتجت أنك تفطر بدك تفطر أو تفطر رخصة بس بدك تقضي. يجب عليك القضاء لأنه هناك مقصد إلهي في صيام 30 يوم. أكيد في حكمة من هذه الـ 30. من هذا الرقم. ولتكملوا العدة.

هذا اثنين. قال ولتكبروا الله. أيضا هو يقول لماذا شرعت لكم وجوب الصيام في الحضر والرخصة في الفطر في السفر؟ يعني كل هذه المنظومة الأحكام المتعلقة بالصيام من مقاصدها أن أن يكون الله كبيرا في قلبك. قالوا ولتكبروا الله. لترى الله عز وجل كبيرا في قلبك على ما هداكم. هداكم أي بين لكم سبل الهدى.

فبين لك حكم الصيام وكيفية التعامل معه ووجود الحلول البديلة وأن هذا الصيام ما دوره على الشهوات والبدن والصحة وما شابه ذلك. فإذا أنت تأملت في مقاصد هذه الأحكام عظم الله في قلبك. فهذا أيضا من مقاصد تشريعها بهذه الطريقة. أن يكبر الله في قلبك. فتراه وهو يلزمك وتراه وهو يخفف عنك. قال ولعلكم تشكرون. أيضا هذه التخفيفات والتسهيلات لعلك تشكر الله سبحانه وتعالى.

ثم قال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. لماذا ذكر قضية الدعاء هنا؟ هناك عدة يعني تأملات لأهل العلم في هذا. من التأملات الجميلة أنه كأنه يشير على أن رمضان الذي أنزل فيه القرآن هو أيضا شهر الدعاء. يعني هو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وهو أيضا شهر الدعاء. فعلينا أن نستغل رمضان في الدعاء.

وقد سأل الصحابة أو ورد في الكتب السماوية أيضا أنه سئل أخبرنا عن ربنا. هل هو قريب فنناجيه بصوت منخفض أم بعيد عنا فنناديه بصوت مرتفع؟ فجاءت الإجابة وإذا سألك عبادي عني. هل أنا قريب فيناجونني أم بعيد فينادون بصوت عالي؟ فأخبرهم إني قريب. قريب لا يحتاجون للصراخ ولا لرفع الصوت في الدعاء. بل لو كان الإنسان يهمس همسا فالله قريب يسمع دعاءك وتضرعك. أجيب دعوة الداعي إذا دعان.

الله عز وجل وعد بإجابة الدعوة. يجيبها بالوقت الذي يشاء وبالطريقة التي يشاء لما فيه صالحك يا أيها الإنسان. أنت ادع. أجيب دعوة الداعي إذا دعان. واستغل رمضان وليالي رمضان في الدعاء. ثم قال فليستجيبوا لي. آه. من اللفتات الجميلة لما قال أجيب دعوة الداعي إذا دعان مع أنني لست محتاجا له. وأنا غني عنه. ومع ذلك أجيبه وأقضي حوائجه.

فحري بك يا أيها الإنسان وأنت مفتقر إلي محتاج إلي أن تستجيب لي لما أطلب منك الأوامر والتشريعات. يعني كما أنني أجيبك في دعواك. مع أنني غني عن الإجابة. ولست محتاجا إلى وجودك. فعليك أن تستجيب أنت في المقابل لي إذا أمرتك بأوامر ونهيتك عن النواهي. ومع أنك أنت مفتقر ومحتاج إلى هذه الأوامر والنواهي.

فالله يجيب وهو غني. فبالتالي أنت عليك أيضا أن تجيبه فيما طلب منك وأنت فقير. ليس إنصافا أنك إذا ورطت في ورطة تقول يا رب اشفني. يا رب اصرف عني البلاء. ولكن عندما طيب وربنا يعطيك سؤلك. ثم لما يقول الله طب أنا أريد منك أن تفعل لي كذا وكذا يراك معرضا. هذا سوء الأدب. كما استجاب لك عليك أن تستجيب له. أليس كذلك؟ فليستجيبوا لي. وليؤمنوا بي. يعني وليصدقوا بوجودي. لعلهم بهذا الاستجابة لي وبهذا الإيمان يصلون إلى الرشاد.

ثم أخبر سبحانه وتعالى أيضا كيف امتحن الصحابة امتحان آخر في قضية رمضان. أول امتحان كان في محك صعب. كان قضية تحويل القبلة. من الامتحانات الصعبة التي مر بها الصحابة الكرام أيضا في رمضان أن الله سبحانه وتعالى لما ألزمهم بصيام رمضان كانت إذا غربت الشمس لاحظ هذا التشريع اللي كيف كان صعبا عليهم وكيف أنهم قالوا سمعنا وأطعنا بس البعض يعني سقط وحصلت منه هفوات فيه. كان ابتداء إذا صاموا النهار ونام أحدهم قبل الغروب

ونام أحدهم قبل الغروب غلبته عيناه، فدخل وقت الغروب وهو نائم. بعدين استيقظ الساعة 11 بالليل، 12 بالليل، كان لا يجوز له أن يأكل ولا يشرب ولا يجامع النساء ولا يقترب إلى اليوم الثاني لحتى تغرب شمس اليوم الثاني. وكان هذا طبعا من الأمور الشاقة، ولذلك الله عز وجل لم يدعها، نسخها، لكن أراد أن يمتحن ذلك الجيل وأن يختبر ما مقدار أسلمت لرب العالمين، اختبار آخر للدرس.

أشوف هل ستشتكون الله؟ هل ستتدمرون وتتلاعبون وترفضون؟ أم ستقولون سمعنا وأطعنا؟ والله يا ربنا لو أمرتنا بإزهاق أنفسنا من أجلك لأزهقناها، هل ستقولون ذلك؟ فالله عز وجل امتحنهم هذا الامتحان الصعب، تخيل إذا بتنام قبل المغرب وبيدخل عليك وقت الغروب وأنت نائم، بعدين استيقظت الساعة 11، 12، ممنوع توكل وتشرب وتقرب النساء وكل شيء، كل المفطرات حتى اليوم الثاني. والذي حصل أنه طبعا كيف نسخ هذا؟ أن أحد الصحابة ابتلي بهذا، فاضطر أن يبقى صائما لليوم الثاني، وفي اليوم الثاني ظهرا أغمي عليه.

ولاحظ هذا إفناء النفس من أجل الله، وشعور الإنسان أنني أنا مستعد أن أسلم لله ولو أمرني بإزهاق روحي، هذه قمة الطاعة والعبودية. ولكن الله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، فنسخ هذا الحكم، لكن كما قلت هو نوع من التدريب، حتى ما سيرد في آخر صفحة من سورة البقرة لما قال سأحاسبكم على ما في قلوبكم، كان نوعا من التدريب على سمعنا وأطعنا. إذا سمعنا وأطعنا هذه قضية تحتاج لتدريب، يعني أنت مش درس يعطى، هو ممارسة تمارس، حتى فعلا تختبر نفسك في المحكات.

لذلك نحن كثير بنحكي أكيد سمعنا وأطعنا، بس لما ننزل للميدان بنفشل، تيجي عندك قصة مالية بنروح بنلف فيها، تيجي عندك قصة زوجية بتروح بتلف فيها، فـقضية سمعنا وأطعنا لا تظن أنني وإياك قد يعني تشبعنا بها تمام التشبع، ومحكات الحياة كفيلة بأن تظهر مقدار انتباهنا لها. يقول سبحانه: أُحِلَّ لَكُم لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، والرفث اللي هو الجماع والمباشرة، بعد أن كان محرما.

أبحت لكم في ليالي رمضان أن تجامعوا نساءكم، ترهن وبعدين هنا استطراد سريع: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ. شوف جمال التعبير القرآني، الرجل لباس لزوجته والمرأة لباس لزوجها. لماذا شبهنا باللباس؟ لأن اللباس يستر العورات، ووظيفة الرجل أن يستر عورة زوجته ويشبعها، ووظيفة المرأة أن تستر عورة زوجها وتشبعه، فهي هنا لباس.

أيضًا اللباس، الإنسان يختار لباس على مقاسه، لا أطول ولا أقصر، وكذلك أنت إذا أردت أن تسعد في الحياة الزوجية، اختار امرأة على قدك، وأنت يا أيتها الأخت، تزوجي رجل على قدك، هكذا اللباس. اللباس إخواني جمال، وكذلك الرجل يتزين بزوجته التي يختارها، والمرأة تتزين بزوجها، ويتزاهى كل منهم بالآخر. طبعًا هذا هو المفروض في العلاقات الزوجية، لكن هل هذا هو الذي يقع في كثير من الأسر؟ هذه قضية أخرى.

طيب، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُم تخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفَا عَنكُم. الله يقول: كنت مطلعًا على بعضكم وهو لا يلتزم بالحكم الشرعي، فيستيقظ الساعة 11 و12 فيسقط في الجماع ويأكل ويشرب. علم الله أنكم كنتم تختانون، يعني في نوع من يعني الـ، خلينا نقول الانهيار أو السقوط أو عدم الالتزام بالأمر، الله لاحظ ذلك من بعض الصحابة، تمام؟

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُم تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ، فالآن خلص، الآن لاحظ النسخ. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، جامعوا زوجاتكم في ليالي رمضان. طبعًا هذا ليس أمر إلزامي، لا، هو يسمى إباحة، يعني لكم أن تفعلوا ذلك. وركز أيضًا استطرادًا على قضية إنجاب الولد، قال: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. وكأن، وكأن من باب هذا الإشارة وليست تفسير، وكأن طلب الولد في ليالي رمضان له مزية عن سائر الأيام والشهور.

لأنه قال: باشروهن، والكلام عن الجماع في ليالي رمضان، قال: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يعني اطلبوا الولد، ما كتب الله لكم، أي من الذرية. وكأن، وكأن طلب الذرية والوقاع الذي يقصد به الحمل في ليالي رمضان فيه من البركة ما لا يوجد في سائر الشهور، هذه بس فكرة، ضعوها على الهامش، لأنه ذكرها في ليالي رمضان، وإن كان مطلوب الذرية في جميع العام، يعني تزوجوا الودود الولود، لكن ذكرها هنا في سياق رمضان.

وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ في ليالي رمضان. ليالي بركة إخواني، مش رمضان مبارك؟ ومن بركته حتى في وقوع الجماع، وما يحصل به من الحمل، والله فيه بركة، صدقوني فيه بركة. فمن كان يحرص على الحمل في هذا في، يعني هذا العام، فليجعل لرمضان نصيب من محاولة أن يحصل الحمل فيه، فإن فيه بركة على هذه الذرية والولد ما لا يعلمه إلا الله. رمضان مبارك بكل ما فيه، أتاكم رمضان شهر مبارك، ومباركة رمضان في كل المساحات، حتى في هذا البعد.

طيب، قال سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، أعطاهم القواعد العامة في رمضان، كل واشرب طول الليل، لأنه كما قلنا ممنوع أن تستيقظ 11 بالليل. قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، يعني حتى يبين الفجر الصادق من الفجر الكاذب. إذا طلع الفجر الصادق بتوقف عن الطعام والشراب والشهوات، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.

طيب، ثم أعطاهم حكم آخر، قال: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، احذر أن تجامع زوجتك وأنتم عاكفون في المساجد. لأنه ذكر الاعتكاف، كونه عادةً الاعتكاف أيضًا يكون في رمضان، فالشيء بالشيء يذكر. فقال: وإذا اعتكفتم في رمضان، وفي العشر الأواخر من رمضان، ما بيصير وأنت معتكف تجامع أو تباشر.

بل لا يجوز حتى عند فقهائنا، حتى لغير المعتكف، لا يجوز الجماع داخل المسجد، لأن المساجد لم تبنى للجماع ولا للمباشرة. طيب، ثم ختم الآية فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا. آه، إيش يعني تلك حدود الله فلا تقربوها؟ في عدة تفاسير، من التفاسير الجميلة أن المراد، هذه الأحكام التي ذكرتها لكم، هذه الأحكام الشرعية حدود الله.

فلا تقربوها، يعني أوعك تلعب فيها. أوعك، كيف أقول لك، أوعك تقرب على هذه الشغلة. وأنا أريدك أنك ما تتلاعب فيها، ما تغيرها، فكأن الآية تقول لهم: أوعكم، احذروا أنكم تلعبوا بهذه الأحكام، وتتحايلوا عليها، وتغيروها، وتبدلوها. هذه الأحكام تبقى كما هي، لا تقربوا على جنابها بالتبديل، والتحريف، والكتمان، والتلاعب. هدايات الله تذكر ولا تطوى، يحافظ عليها ولا يعبث بها.

كذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. برضه، مرة أخرى، لعله، كذا، عفوًا، كذلك يبين الله آياته للناس، لعلهم يتقون. مرة أخرى، يذكر أن هذه الأحكام والتزامكم بها توصلكم لاتقاء المهالك.

ثم بعد ذلك يقول: وَلَا تَأْكُلوا، أمر آخر يتعلق بالمال، انتهى من موضوع الصيام. يقول: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ، تشريع آخر ينهانا فيه عن أكل الأموال بالباطل، أنك تعتدي على مال أخوك، تأخذ منه بالعبث، بالمكر، بالحيلة، بالخداع. احذروا أن تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.

وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. ويحذر من رشوة الحكام. وتدلوا بها إلى الحكام، يعني ترشوا من أجلها الحكام، لأنه أنت ممكن تأكل مال أخيك بالباطل، فأخوك بيروح بيرفع قضية عليك عند الحاكم، فبتروح أنت زيادةً في الاعتداء، بتروح بترشي القاضي أو الهيئة القضائية من أجل أن يحكموا لصالحك.

فالله يحذرنا من أن يأكل بعضنا مال بعض، ويحذرنا، إذا طالب أخونا بماله أمام القضاء إياك أن ترشي القاضي، وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، هذه الرشوة لتأكلوا من خلال هذه الرشوة فريقًا من أموال الناس، يعني قسمًا من أموال الناس بالإثم، وأنتم تعلمون أنه هذا المال ليس حقًا لكم.

تمام؟ سأقف إن شاء الله اليوم عند هذا المقدار من تدبر سورة البقرة، ونشرع إن شاء الله في أحكام أخرى من أحكام الله، وهدايات الله لنا في سورة البقرة، وكيف تعرض الأحكام، وجمالية عرض هذه الأحكام بالطريقة القرآنية الرائعة، التي تعطيك حلول إيمانية، نفسية، اجتماعية، على كافة الصعود والاتجاهات. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وسامحونا على الإطالة، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.