تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس التاسع: سورة البقرة من الآية 189 إلى الآية 214

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله جميعاً الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. نتأكد ابتداءً من جودة الصوت قبل أن نحلق رعاكم الله. حياك الله يا دكتور طارق، صوت ممتاز. طيب، بارك الله فيك.

اللهم يسر وأعن. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله يا أصحاب سورة البقرة، وأنتم تسيرون في معانيها وتثبتون على تدبر كلام ربكم سبحانه وتعالى. فإن الهمم العلية هي التي تثبت على تدبر القرآن، والهمم الموفقة التي يريد الله سبحانه وتعالى بها خيراً هي التي تستمر في مجالس التدبر، وتتعب وتكد وتحاول أن تفكر دوماً في معاني القرآن.

فإنني أقر أن التفكير في معاني القرآن وكد الذهن وإجهاده من أجل الوصول إلى تلك المعاني فيه نوع تعب، لكنه تعب لذيذ؛ لأنك تفكر وتوظف طاقَتَك العقلية والذهنية في باب نافع يخدمك في الدين والدنيا. وأما الإنسان الذي يبذل طاقته الذهنية والفكرية فقط لأمور دنياه ولديناره ودرهمه ولذته ورغبته، هذا إنسان مقصر مفرط. نعوذ بالله عز وجل أن نكون ممن قصر همته في كد الذهن وإعماله على أمور الدنيا، بل إن الإنسان الموفق يسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينه وأن يصبره على تدبر معاني القرآن حتى تصبح هناك لذة ومتعة في تدبر كلام ربكم: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. قرآن ثقيل ويحتاج إلى هدوء وصبر.

ولذلك أظن بعدما يعني تدبرنا شيئاً يسيراً من معاني سورة البقرة، بدأ يتضح لكم لماذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه يجري ثماني سنوات وهو يتدبر هذه السورة ويحفظها تدبراً؛ إنه يدرك أن المعاني ثقيلة وتحتاج إلى وقت، وأن الإنسان عليه أن يعيد النظر مرات ومرات في النص القراني إلى أن يفتح له شيء من تلك الذخائر المدفونة. فاللهم وفقنا واجعلنا من المتدبرين لكلامك المعظمين له.

ما زلنا نعيش في سورة البقرة في الجزء الثاني، وها نحن في قسم التطبيقات إذا صح التعبير؛ لأن الجزء الأول تكلم عن تأسيس قاعدة أسلمت لرب العالمين وإليه التلقي لأحكام الله بشكل صحيح، والتحذير من الممارسات الخاطئة التي تقوم على التشويه والمماحكة والتبدير والتحريف، وأساتذة هذا النوع بنو إسرائيل، فالله عز وجل حذرنا من مسالكهم وطلب منا أن نكون على ملة إبراهيم ملة أسلمت لرب العالمين.

ثم بدأ الجزء الثاني بالتطبيقات العملية لاستقبال هذه الشرائع، فجاءت قضية تحويل القبلة وعرفنا كيف كان الموقف منها، ثم بدأ: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا، وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، ثم انتقلنا إلى القصاص، ثم انتقلنا إلى الوصية، ثم انتقلنا إلى الصيام، ثم انتقلنا إلى ضرورة عدم أكل أموال الناس بالباطل والاعتداء عليها واستعمال رشوة الحكام وسيلة للاستيلاء والاغتصاب لهذه الأموال.

الآن سأتي إلى أول سؤال يرد في القرآن. أول سؤال يساله الصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم في ترتيب القرآن؛ لأننا في سورة البقرة وفي غيرها من السور نجد أن بعض الآيات مطلعها: يَسْأَلُونَكَ عَنْ كَذَا يَسْأَلُونَكَ عَنْ كَذَا. فأول سؤال يطالعك في المصحف هو سؤال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة. يعني الصحابة كانوا يتابعون أمر الهلال، ويستغربون لماذا الهلال يبدأ في أول الشهر هكذا على صورة العرجون تماماً على صورة هلال، ثم يبدأ يكبر يكبر يكبر إلى أن يصبح بدراً دائرياً في منتصف الشهر، ثم بعد ذلك يبدا يقل حجمه رويداً رويداً حتى يختفي ويصبح محاقاً.

فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكمة من هذا، لماذا يحصل هذا في القمر؟ ما الحكمة من هذه الحالة؟ قال سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. وعرفنا طبيعه السؤال، فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم جواباً هو الأَنْفَعُ لهم ضمن سياقهم المعرفي. الآن يبدا يتحدث معهم بلغة الفلك ولماذا القمر بسبب دورانه حول الأرض تعترض هذه القضية كيف يصبح هلال ثم بدر ثم يعود محاقاً؟ هذا قد لا يكون مستوعباً معرفياً في ذاك الزمن وفق المعطيات الموجودة، فوجههم إلى إجابة هي الأنفع لهم، وهو: ما فائدة حركة القمر بهذه الطريقه؟ هو لم يجيبهم ما السبب الفلكي لهذه القضية، بل أعطاهم الفائدة المرجوه لهم في هذه القضية، وهذا هو النافع للصحابه في ذاك الوقت.

وهذا يوجه الإنسان لأنه عندما تبحث عن الأسئلة المعرفية، عليك أن تبحث عن سؤال معرفي له أثر في حياتك أو ينبني عليه نتيجه تتناسب مع واقعك ومع زمانك. فالله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لهم إن حركة الهلال بهذه الطريقة هي مواقيت للناس والحج، أي تبين للناس مواقيت الأزمنة متى ابتدا الشهر ومتى انتصف ومتى انتهى، ثم متى ابتدأ هذا الشهر الذي يليه وهكذا، ويستفيدون من هذا بداية شهر رمضان وهذا هو الموضوع الذي تكلمنا عنه الدرس الماضي، وباية شهر الحج وهذا هو الموضوع الذي سنتكلم عنه اليوم بإذن الله. فضلاً أنه يبين للناس مواعيد الفصول ومواعيد الأزمنة، ومن كان علق صيامه أو نكاحه أو بيعه أو حصول شيء على قدوم شهره أو على انتهائه، فانه من خلال حركه الأهلة يعرف بداية الشهور وانتهائها. فهذا إذا هو الجواب النافع لكم: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ، تعرفون بها ابتداء أشهره.

ثم قال لهم في هذا التوجيه الجميل: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا. اختلف المفسرون في الغرض من هذا المقطع الآن. كثير من المفسرين يقول إن الأنصار وعموماً جل العرب كانوا إذا أحرموا بالحج أو العمرة يرفضون أن يستظلوا تحت سقف بيت. فإذا الرجل أحرم من بيته بحج أو عمرة فإنه لا يدخل من باب بيته، لا يدخل من باب البيت إذا احتاج إلى شيء في بيته يريد أن ياخذه قبل أن يغادر، بل ماذا كانوا يفعلون؟ كانوا يعتقدون أننا إذا أحرمنا بالحج أو العمرة لا يجوز أن ندخل بيوتنا من أبوابها، بل نفتح فتحة في سقف البيت، نفتح فتحة في سقف البيت ونتسلق إليها ومن خلالها ندخل إلى البيت إذا أردنا والله أن ناخذ طعاماً أو شراباً أو زاداً في سفرنا.

هكذا كانوا يعتقدون ويتصورون أن الإحرام يمنعهم من أن يدخلوا بيوتهم من أبوابها، فما كان مجال إلا أن يحفروا حفرة من سطح البيت. مع أن هذا الفعل كان من أهوائهم أو أذواقهم، ولم يكن له أي معنى وأي حكمة يرجع إليها. فالله سبحانه وتعالى على قول بعض المفسرين ماذا يقول لهم؟ قال: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا. كان هذا تعليقاً على السؤال: إذا كنتم تسالون عن الحكمة من الهلال ولماذا يبدأ صغيراً ويكبر ثم بعد ذلك ينتهي، لأنكم لا ترون لذلك حكمة بارزة أمامكم وتتعجبون من هذه الحالة للهلال وتستغربون منها، فحري بكم أن تستغربوا من حالكم كيف أنكم وضعتم لنفسكم تشريعاً وذوقاً بدون هدى من الله أنكم إذا أحرمتم تمنعون أنفسكم من الدخول من باب البيت ويذهب أحدكم يثقب سقف بيته فيدخل من خلاله. أليس هذا أولى بالاستغراب والتعجب، وأولى أن تسألوا عن حكمة قضية الهلال وحركاتها هذه يعني ما سببها وجذرها الفلكي؟ هي لا تؤثر على حياتكم، لكن الأولى بالسؤال هو أن تسأل عن الشيء الغريب الذي أنتم تقومون به هل يرضي الله سبحانه وتعالى هذا النوع من التصرفات أم لا؟

وهذا حقيقة يوجه الإنسان لقضية مهمة، وهو أن بعض الناس تجده دائماً يسأل عن الأمور التي لا تؤثر في حياته وليس لها أي انعكاسات حقيقية، ويهمل السؤال عن الأمور التي يمارسها يومياً ولها انعكاسات حقيقية. فهذا حقيقة من أعظم التوجيهات، يعني كان هذا توجيه من بداية الأسئلة، ما دمنا الآن عند أول سؤال في القرآن يسالونك، إذن خلونا نتفق نحن وإياكم ما هو المنهج الصحيح في السؤال؟ المنهج الصحيح في السؤال أن تسأل عن الشيء الذي يمس حياتك وله علاقه بواقعك العملي، وتترك الأسئلة التي لا تمس حياتك وليس لها أي علاقه بواقعك العملي.

اليوم لما تجلس مع كثير من الناس تجد بعضهم لا يعرف أركان الوضوء ولا أركان الصلاة ولا أحكام المسح على الجبيرة، كثير من الأحكام هو مقصر في تعلمها ويبدأ يسأل عن المسائل النادرة جداً أو قليلة الوقوع، أو أن أحداث آخر الزمان أنه إذا خرج المسيح الدجال طب ماذا سيحدث بالضبط في هذه الواقعة، طب المهدي سيخرج من هنا أو من هنا، ويبدأ عاد يسأل ويستفسر وتجد عنده نهم أن يعرف تلك التفاصيل مع أنه مقصر عن الشيء الذي هو مبتلى به الآن ومطالب أن يقوم به الآن. فالقران يوجهنا إلى قضية في قمه الهدايه: اسأل عما ينفعك، اسأل عن شيء له ثمره وانعكاس في حياتك، ولا تسأل عن قضية لا تحتك بها أنت بشكل مباشر. هذه أحد التوجيهات أو التفسيرات لهذه الآية.

بعض المفسرين وهذا تفسير أيضاً له جمالية وحظ من النظر يقول لا، يقول: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا. هو لا يتكلم عن قضية معينة كان يفعلها بعض الصحابه ويريد أن يعدلها لهم ويامرهم أن يدخلوا البيوت من أبوابها، لا. القرآن أراد بهذا المقطع أن يضرب مثلاً للشخص الذي لا يأتي الموضوع من بابه الأساس. نحن في أمثالنا العربية إيش بقول لك؟ بقول لك يا اخي ادخل البيت من بابه. من الأمثال العربية الشائعة أن الشخص الذي يريد أن يطرق موضوعاً معيناً، إذا أردت أن تقول له أطرق هذا الموضوع بالشكل الصحيح ماذا تقول له؟ تقول له يا اخي الإنسان إذا أراد أن يطرق موضوعاً أو يبحث عن سؤال، فعليه أن يطرق الموضوع من الباب، يأتي يسأل ولا يدير السؤال ويلف السؤال وياتي بجهه معاكسة.

فقال بعض المفسرين هذا المقطع: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ثم قال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا. هو لا يتكلم عن واقع معين، لا، هو يعطي منهجاً عاماً في السؤال ما دمنا الآن في أول سؤال. المنهج العام في السؤال عليك أن تسأل الشيء من بابه وليس أن تسأل الشيء من ظهره. ومعنى اسال الشيء من بابه أيضاً تحتمل عدة وجوه: اسال الشيء من بابه أي اسال سؤال مستهدٍ تبحث عن الحق والهدى لتتبعه، ولا تسأل سؤال معاند معترض مشكك في حكمة الله سبحانه وتعالى. هذا من أكثر الأمور التي يمكن أن يفهم منها هذا المثل.

البعض يقول لا، ائت الموضوع من بابه يعني اسال السؤال النافع ولا تسال السؤال الذي لا يوجد تحته عمل. فهذه إذن طريقه أخرى في فهم الآية، وهي أن الله يريد أن يقول لهم: إذا سالتم سؤالاً فاسألوه بالطريقة الصحيحة وعالجوا الموضوع بالشكل الصحيح، تعالوا من باب الموضوع ولا تأتوا بطريقة ملتوية كمن ياتي البيت من ظهره بدلاً من أن يأتيه من بابه. فأتيان الأسئلة من أبوابها بأن تطرح الأسئلة استهداءً وأن يُسْأَلَ عما ينفع، وأن يكون السؤال ليس سؤال تشكيك في حكمة الله، وليس سؤال إنسان يريد أن يقول أنا لا أمتثل حتى أقتنع؛ لأنه في هناك إنسان إذا أراد أن يسأل هو يسأل فقط بقول لك أنا اريد أن أقتنع، إذا كما مر معنا سابقاً إذا لم أقتنع أنا لا أففع هذا الحكم الشرعي. كل هذا النوع من الأسئلة هو كأنه اتيان للبيوت من ظهورها، فالله عز وجل يقول: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا. اتجه لحل القضايا الفكرية والحياتية واستفساراتك من الباب الصحيح وبالطريقة الصحيحة النافعة بإذن الله.

طيب، ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ولاحظوا التركيز على التقوى في كل الأحكام التشريعية التي ترد في سورة البقرة؛ لأنه كما قلنا الشخصية الاتقائية الإنسان الذي يريد أن يتقي المهالك والمزالق والضلالات هو الذي ينتفع بهذا الهدى الإلهي من أول سورة البقرة: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. فلا بد وحين أن يأتي التذكير بضرورة تحقيق تقوى الله، لأنك بتقوى الله والحرص على منهج المتقين ستنتفع بهدايات القرآن وتستثمرها.

طيب، بعد ذلك الأصل قالوا إن القرآن يريد أن يمهد لموضوع أحكام الحج والعمرة بعد أحكام الصيام. القرآن يريد أن يمهد لموضوع أحكام الحج والعمرة، لكن قبل أن يدخل في موضوع أحكام الحج والعمرة بدأ بموضوع آخر كالتوطئة له، ألا وهو موضوع الجهاد والقتال. الآن لماذا بدأ القرآن بموضوع الجهاد والقتال مع أنه سياتي ينص على ذلك تفصيلاً في صفحات قادمة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهْوَ كُرْهٌ لَكُمْ؟ لماذا هنا قبل الحج والعمرة ذكر قضية القتال؟

قال العلماء قد يكون هذا يعود إلى أن مكة في تلك الفترة التي نزلت فيها سورة البقرة مكة كانت تحت سيطرة المشركين، فالصحابة كانوا إذا أرادوا أن يفعلوا عمرة أو حجا كانوا يجدون مشكلة في اتخاذ هذا القرار؛ ليه؟ لأن مكة لم تكن تحت سيطرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وتحت حكم الإسلام. فلما قرر الصحابة أن يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلح الحديبية وكانت هذه أول محاولة لهم للاقتراب من مكة معتمرين تعرفون ماذا حصل، وهو أن المشركين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول إلى مكة وكاد أن يكون هناك قتال. فالله سبحانه وتعالى كانه هنا يعطي توجيهاً عاماً للصحابة توجيهاً عاماً، وهو أنه من الضرورات أن تقاتلوا المشركين الذين يحولون بينكم وبين إقامة شعائر الله. المشركون مسيطرون على مكة ويمنعون أهل

التوحيد والإيمان من أقام الشعائر. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يعطي توطئة وتنبيه وإشارة للصحابه الكرام ضرورة القضاء على من يمنع القيام بالهدايات الإلهية، لابد أن تجاهدوا وأن تقاتلوا كل من يقف في طريق إقامة شرع الله سبحانه وتعالى. لابد أن تجاهدوا وتقاتلوا كل شخص يمنع إقامة شرع الله ويمنع الناس من الاستهداء به. فقال سبحانه وتعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.

خلافات كثيرة في تفسير الآية، لكن ما ساختاره لأختصر عليكم، ما ساختاره هو قول مجاهد ومجموعة من المفسرين، وهو أن الله سبحانه وتعالى يقول للصحابه: قاتلوا في سبيل الله الكفار الذين يحملون السلاح وينوون قتالكم. أي مشروع كفري يريد أن يقاتل المسلمين، على المسلمين أن يقاتلوا هذا المشروع الكفري ويهاجموه ويحاولوا أن يهدموه من أجل إقامة شرع الله سبحانه وتعالى وهداية الله في الأرض.

فإذاً، هناك قول يقول المراد: قاتلوا فقط من يقاتلكم ابتداء وأنتم لا تبدأوا الكفار بالقتال. وقال البعض إن هذا كان أول آية نزلت في الجهاد ثم نسخت بعد ذلك بآية: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً. لكن حقيقة لا، أنا أذهب إلى قول آخر وهو أن هذه الآية ليست منسوخة هذه محكمة، وأن الله يقول: قاتلوا في سبيل الله الكفار المحارب، يحملون الأسلحة والقدرات لقتال المسلمين. هذا معنى الذين يقاتلونكم، يعني الذين هم متهيئون للقتال وأهل لقتالكم، أما الشيوخ والنساء والصبيان فهؤلاء لا تعتدوا عليهم.

فكان هذه الآية أرادت أن تبتدئ تبين فلسفة الجهاد في الإسلام والقتال، وهو أن المسلم إنما يقاتل من الكفار من هو أهل للقتال. هذا معنى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، يعني الذين لديهم قدرة على قتالكم تمام، سواء هجموا عليكم وأنتم رديتم الصول أو انتم ابتداتم بقتالهم لإنهاء سيطرتهم على مكة أو على أي بقعة على الأرض. المهم أن المؤمن عندما يقاتل الكفار إنما يقاتل الذين يستطيعون القتال من الكفار، إنما يقاتل الذين يستطيعون القتال من الكفار.

لذلك قال بعدها: وَلَا تَعْتَدُوا، أي لا تتجاوزوا في قتالكم فتقتلوا نساءهم أو أطفالهم أو شيوخهم، أو كل شخص منهم ليس مؤهلا للمشاركه في قتالكم والوقوف في وجهكم. هذه أخلاقيات القتال في سبيل الله، أننا نقاتل المقاتلين ولا نقاتل من ليس له قدرة على القتال. لذلك قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. ثم أكد الأمر فقال: وَاقْتُلُوهُ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ.

آه إذاً هذا يؤكد أن هنا القتال ليس فقط قتال دفاع، بل هو أيضاً هو قتال هجومي ما يسمى بجهاد الطلب. قتال هجومي في أي مكان ثقفتموهم واصطددتم فيه كفار قريش اقتلوهم. وأخرجوهم من مكة من حيث أخرجوكم، أخرجوكم من هذه البلدة التي أخرجوكم منها، فأنتم أحرى أن تحكموها وأن تقيموا فيها شرع الله سبحانه وتعالى، وتأذنوا للناس الموحدين أن يحجوا ويعتمروا إلى بيت الله الحرام.

لذلك أعطى قاعدة عامة، قال: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. الفتنة هنا هي الشرك ووجود معالم الكفر في الأرض، وجود معالم الكفر اشد من أن تقتل في سبيل الله. يعني لو اردنا أن نعمل موازنة، أيهما أشد أن تبذل روحك ومهجتك في سبيل الله ولا أن يبقى الشرك موجوداً على الأرض؟ يقول سبحانه: وجود فتنة الشرك هذه الفتنة التي تصد الناس عن هدايات الله، وجودها أشد من أن تقتلوا في سبيل الله، فابذلوا أرواحكم ومهاجكم في سبيل الله إزالة لهذه الفتنة ولهذا الشر عن هذه الأرض.

طيب الآن أمرهم إذاً بأمر عام بضرورة مقاتلة المقاتلين من المشركين وضرورة إزالتهم وابعاد صدهم الناس عن الحج والعمره، لكن هذا الأمر العام جاء ليخص بعد ذلك فقال: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ. آه إذاً داخل مكة، مكة حرم اليس كذلك؟ هناك حرم مكي. الحرم المكي له قداسته موضوعه مختلف عن باقي البقاع. الحرم المكي له قداسته، ففي حدود الحرم المكي لا هنا لا يجوز لكم أن تبدأوا قتال للمشركين ولا أن تصطادوهم إلا إذا هم بدوكم بالقتال داخل حدود الحرم المكي، عندئذ لكم أن تقاتلوهم دفاعاً عن أنفسهم.

فلذلك قال: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ. هذا كان قالوا إعداد للصحابه الذين سيشاركون في عمرة القضاء. أنتم تعرفون أن النبي عليه الصلاة والسلام لما عمل عمرة الحديبيه منعه كفار قريش من أن يعتمر هذه السنة، وكتبوا صلح الحديبيه، كان من بنود صلح الحديبيه أن المسلمين يأتون مع النبي صلى الله عليه وسلم العام القادم ليعتمروا، وأما هذا العام فأنتم ممنوعون من العمره.

فالصحابه الكرام خضعوا لصلح الحديبيه، وهو كان فتحاً عظيماً وليس هذا موطن الكلام فيه، لكن المهم الصحابه لما تجهزوا لعمره القضاء بيتوا في أنفسهم قضية مقاتلة المشركين في حال أن كفار قريش غدروا وخانوا وقرروا القتال. فالله سبحانه وتعالى أراد أن يضع لهم قانوناً عاماً: لا يجوز لكم يا أيها الصحابه أن تقاتلوا داخل منطقة حدود الحرم المكي، لأنها منطقة مقدسة محرمة عند الله حتى يبدأكم كفار قريش بالقتال. عاد فإن قاتلوكم داخل حدود الحرم المكي فاقتلوهم، لأنه حق الإنسان أن يدافع عن نفسه في أي مكان كان. ثم قال: كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، أي كذلك يجزي الله الكافرين بأن يسلط عليهم المؤمنين ليقتلوهم وليبيدوهم.

طيب قال: فَإِنِ انْتَهَوْا. كثير من المفسرين يقول: فإن انتهوا، أي فإن دخلوا في الإسلام، انتهوا عن محاربة الله ورسوله ودخلوا في الإسلام، فهل الله يغفر لهذا المشرك الذي كان محارباً؟ يغفر له إذا انتقل من الكفر إلى الإسلام؟ أي نعم، الإسلام يجب ما قبله. فقال سبحانه: فَإِنِ انْتَهَوْا عن محاربة الله ورسوله وأصبحوا في صفكم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ عما سلف منهم.

ثم أراد الله عز وجل أن يخبر عن غاية القتال عموماً: نحن لماذا نقاتل في سبيل الله؟ لماذا نقاتل المقاتلين من الكفار؟ الله أكبر هنا عن الهدف فقال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةً. وعرفنا أن الفتنة هنا بمعنى الشرك، يعني قاتلوا الكفار حتى لا يبقى شرك حاكم على وجه الأرض، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ويكون الدين الحاكم لهذه البسيطة ودين الله سبحانه. وهذا جزء من قانون الاستخلاف، وهو أن الله عز وجل خلقنا على الأرض لنستخلف لإقامة شرعه، وضرورة هذا الاستخلاف يستدعي ماذا؟ يستدعي أن نزيل كل قوة أرضية لا تريد أن تكون مطبقة لدين الله. أي قوة أرضية ليست مطبقة لدين الله ولا تريد أن تخضع لقانون قانون الاستخلاف، فتستقبل الهدايات من الله بل تريد أن تضع أنظمتها الأرضية الوضعية على اهوائها بشركها وكفرها، هؤلاء يزالون ليكون الدين لله.

عاد مرة أخرى فيقول وهي أن هنا القتال له غاية قال: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. يعني إذا انتهى الشرك وانتهت معالم الشرك أو دولة الشرك واصبح اهلها من أهل الإسلام، فعندئذ يتوقف القتال ولا يجوز لكم أن تعتدوا إلا على الظظالمين. ولاحظ أنه سمى قتال الظالمين اعتداءً من باب أن الظالم هو أصلاً اعتدى على شرع الله سبحانه وتعالى عندما رفضه ولم يقبله، فمعاقبته بالمثل يصح أن تسمى اعتداءً من باب تسمية الشيء بمشاكلته.

المهم ثم أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أحقية الصحابه في أن يقاتلوا في المكان المحرم أو في الزمان المحرم من باب دفع العدو الصائل عن أنفسهم حتى لا يأتي المشركون يقولون للصحابه: لاحظوا أنتم تقاتلون في المكان المحرم أو في الشهر المحرم. فقال سبحانه: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ. خلافات كثيرة في معنى هذه الآية، لكن ما أختاره لكم من الزبده هنا، كأن الآية تقول للصحابه الكرام: الشهر الحرام بالشهر الحرام، يعني إذا هم امتنعوا كفار قريش عن قتالكم أيضاً في الشهر الحرام، فأنتم بالمقابل امتنعوا عن قتالهم في الشهر الحرام.

وإذا قرر المشركون أن يغدروا ويقاتلوكم في الشهر الحرام، فلكم الأحقية إذاً أن تقاتلوهم في الشهر الحرام. فلذلك يقول: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ، يعني القرار الذي سيتخذه الكفار في أشهر الحرم من الموادعة أو المقاتلة أنتم ستتخذون ما يناسبه في الشهر الحرام بالمقاتلة أو الموادعة. فهم ماذا سيفعلون؟ نحن سنتخذ قرارنا ولسنا مغفلين لأن يتم الاعتداء علينا وتنتك أعراضنا وحرماتنا ونقول لا مش مشكله نستحمل لأننا لا يجوز لنا أن نقاتل في الأشهر الحرم أو في داخل مكة المحرمه. نعم هناك أماكن حرم الله القتال فيها، هناك أشهر الله حرم القتال فيها، لكن هذه الاماكن مثل مكة أو هذه الأزمنة مثل أشهر الحرم إنما يحرم القتال فيها ابتداء، وأما أن يدافع الإنسان عن نفسه وعن حرماته ويقتص فهذا يجوز، سواء كان المكان مقدساً أو الزمان مقدساً.

لذلك قال: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ، حرمتك التي اعتدي عليها حرمة دمك حرمة مالك حرمة عرضك لك أن تقتص وتدافع حتى ولو كان الزمان محرماً أو المكان محرماً. هذه قاعدة عامة، قاعدة تبين كم دم المسلم غالي وأنه لا يذهب هدراً يقول: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ يقتص لها ويثار لها.

ثم قال كأنه تفريع على هذه القاعدة: ما دام يجوز لنا أن نقاتل في الأشهر الحرم إذا هم ابتداوا قتالنا، قال: فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، يعني بالتالي إذا فهمتم قاعدة أن الحرمات قصاص فمن ها كان تفريع: فمن اعتدى عليكم في الأشهر الحرم فاعتفدوا عليه. طبعا سمى تصرفنا معهم اعتداءً مع أنه في الحقيقه ليس اعتداء بل هو مدافع عن النفس، لكن هذا ما يسمى في الأسلوب العربي المشاكلة، كما قال: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا. إذا انسان اساء لك اسيء له، مدافعتك عن مدافعتك عن نفسك هي قد تسمى عدواناً أو إساءة من باب المشاكلة وليس لأنها حقيقة عدوان أو إساءة، لا بل هو هي في الحقيقة دفاع عن النفس. فهذا أسلوب من المشاكلة في العربية قال: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فلا تتجاوزوا القدر والحد. يعني فانتم داخل الحرم أو داخل الاشر الحرم فقط تدافعون عن أنفسكم ولا تتجاوزوا هذا المقدار إذاً قال: بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ.

لأن كل حكم حتى يطبق بحذافيره دون غلو أو تفريط، فهذا يحتاج إلى وجود شخص متقي، لأنه الملتزم بالهدايات الإلهية تماماً. لذلك قال آية: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. لما تكون أنت متقي وتحاول أن تتجنب مساخط الله في قراراتك الجهادية والحياتية، فإن الله معك بمعية التأييد والحفظ والتوفيق.

ثم قال: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني ابذلوا أموالكم من أجل إقامة شرع الله سبحانه وتعالى، لأن الجهاد ليس فقط بالبدن، بل هناك جهاد أيضاً بالمال. يمكن أصلاً أن يقوم جهاد بالبدن بدون وجود مال. فهنا السورة تحث الصحابه على أن ينفقوا في سبيل الله، سواء من جهدهم أو من أموالهم أو من طاقاتهم أو من أفكارهم أو من خبراتهم: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. قال المفسرون: الإلقاء باليد إلى التهلكة هنا هو ترك البذل والعطاء في سبيل الله. وهذا ما حصل لأمتنا في واقعنا المعاصر، لما ما عدنا ننفق في سبيل الله جهدنا وأذهاننا وطاقتنا وخبراتنا وأموالنا، القينا بأيدينا إلى التهلكة فتكاتبت علينا الأمم وأحدقت بنا. ولو أننا قمنا بإنفاق كل ما يمكن بذله في سبيل الله، فلأعززنا مجتمعاتنا وحضارتنا وإسلامنا ولصنا نفسنا، لكن للاسف هذا واقعنا.

فكما قال أبو أيوب الأنصاري: هذه الآية نزلت فينا معشر الأنصار لما فتح الله على نبيه الفتوح قال بعض الأنصار لبعض: ها هي الفتوح قد فتحت، لماذا لا نترك الجهاد ونجلس نصلح مزارعنا ومشاريعنا الحياتية والاقتصادية؟ فانزل الله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فجعل ترك البذل في سبيل الله هو الهلاك.

لأن بعض الناس يحمل الآية على العكس يقول لك: ولا تلقوا بأيديكم التهلكة يا اخي لا تصرف مالك حتى بكره تبقى بدون مال، هذا إلقاء باليد إلى التهلكة. الآن هذا من ناحية عامة صحيح في سياقاته، لكن هنا في الآية: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ هي التهلكة هي ترك البذل. ترك البذل هلاك، هلاك لك على المستوى الشخصي وهلاك لنا كمجتمعات على مستوى الأمة.

ثم قال: وَأَحْسِنُوا. قال عكرمة: وأحسنوا الظن بالله أن الله يعوضكم على ما أنفقتموه، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، الذين يحسنون الظن به وإن كان للإحسان له معاني أخرى.

بعد أن أنهى موضوع الجهاد والقتال وحادث الصحابه له من أجل تطهير مكة من كفار قريش الذين كانوا يحولون بينهم وبين العمره والحج، وهذه تقيس عليها أي حالة كفرية تمنع المسلم من إقامة شرائع الله سبحانه فانه يجب إزالتها. بعد أن انتهى من هذه المقدمة، أتَى إلى الحج والعمرة فقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، يعني أي انسان خرج محرماً بحج أو عمرة فعليه أن يتم هذا الحج إلى آخره، وأن يتم هذه العمره إلى آخرها يبتغي بها وجه الله سبحانه وتعالى.

لكن أحياناً قد تعرض عوارض كما حصل مع الصحابه في الحديبيه، قد يأتي عدو يحصرك ويمنعك من الاستمرار لإتمام حجك أو عمرتك. هنا يسمى باب الإحصار في الفقه الإسلامي، ماذا يفعل الإنسان إذا حصره العدو ومنعه من الاستمرار في الطريق؟ قال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، أي منعكم العدو من الدخول إلى مكة، فهنا كيف يتحلل الإنسان؟ يتحلل الإنسان من هذه العمره التي لم تكتمل أو من هذا الحج الذي لم يكتمل من خلال ماذا؟ الذبح. لابد وأن تذبح حتى تستطيع أن تتحلل، إلا طبعا إذا كان قالوا: اشترط فقال: اللهم إن حبسني حابس محلي حيث حبستني، يستطيع أن يتحلل مباشرة بدون ذبح. لكن الذي لم يشترط في البداية لا يتحلل عند إحصار العدو له إلا بهدي كما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبيه. لذلك قال: وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى

يبلغ الهدي محله، والمحل هنا عند كثير من المفسرين المحل الزماني يعني، ولا يجوز لكم أيها المحاصرون أن تحرقوا رؤوسكم وتعتبروا أنفسكم تحللتم إلا بعد أن تذبحوا هديا في وقته، فلما بلغ الهدي محله يعني وقته وذبحتموه، عندئذ يحل لكم أن تحرقوا رؤوسكم وتعودوا محلين كما كنتم.

طيب، طبعا لاحظ أن كل هذا الكلام عن الحجاج أو المعتمرين الذين أحصروا ومنعوا من دخول مكة، لازم يذبحوا هدي وما بيصير يحلقوا شعرهم حتى يبلغ الهدي وقته وزمانه: فَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّفْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. إذا اضطرت أن تحلق شعرك قبل ما تذبح الهدي بسبب وجود مرض في الشعر تمام، أو أذى في الرأس فكان لابد من حلق الشعر قبل أن يحصل الذبح بالهدي، في هذه الحالة يجوز لك أن تحلق رأسك، لكن عليك أن تدفع فدية، هذه الفدية فدية مخيرة ما بين صيام ثلاثة أيام أو صدقة إطعام ستة مساكين أو ذبح في المستقبل. هذا في حال أنك قررت تحلق رأسك قبل ما تذبح الهدي، طيب هذا كله إن أحصرتم إذا منعتم من الوصول، أما إذا أمنتم واستطعتم أن تدخلوا لإتمام مناسك الحجة أو العمرة فلكم أن تحجوا متمتعين.

ما هو التمتع؟ أنك تعمل عمرة في أشهر الحج ثم تتحلل منها وتجلس تنتظر أن يأتي أيام الحج فتحرم بالحج مرة أخرى، فقال: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. إذا الإنسان قرر أن يحج متمتعا وكما قلنا التمتع أنه يعمل عمرة ثم يتحلل منها ثم بعد ذلك يفعل حج، وأحيانا يطلق التمتع أيضا على القران، والقران أن يفعل عمرة وحجا فلا يتحلل بعد طواف القدوم والسعي، بل يبقى على إحرامه إلى آخر الحج. عموما الله عز وجل يقول لنا إذا تمتعتم بالعمرة إلى الحج إذا حججتم حج متعة أو حتى حج قران، فمن حاج متمتعا أو قارنا أيضا عليه أن يذبح شاتا في يوم العيد. قال: فما استيسر من الهدي بخلاف حج الإفراد فهذا لا يلزمه أن يذبح شاة، وهذه قضايا تدرس في الفقه الإسلامي.

طيب، إذا كنت مطمئنا واستطعت أن تحج بالتمتع أو القران فعليك هدي، فمن لم يجد هذا الهدي فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في موسم الحج حتى ولو كانت أيام التشريق، وسبعة إذا انتهى من أعمال الحج وعاد إلى وطنه يصوم سبعة، قالت: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ. هذه عوض عن الهدي إذا لم يتوفر لك مال لتشتريه، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. قال العلماء: الهدي لحج التمتع أو القران إنما هو ملزم لمن كان يسكن بعيدا عن مكة مسافة قصر فصاعدا، أما من كان يسكن في مكة أو حولها دون مسافة القصر فهذا لا يلزمه هدي لحج التمتع أو القران، وبالتالي لا يلزمه بدله وهو صيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع، في حال لم يجد هدي هو غير ملزم بالهدي، وإنما الهدي ما يسمى في الفقه الإسلامي للأفقيين، الأفاقي الذين أتوا من الآفاق مسافة القصر فصاعدا.

ثم كما يفعل عادة في سورة البقرة، يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ. لماذا يقول واتقوا الله؟ كما قلنا لأن من ياخذ هذه الهدايات والشرائع ويمشي عليها كما أراد الله، هم الذين يريدون تطبيق منهج التقوى، إنسان بدو يحمي نفسه ويتقي بها المهالك بدو يرضي ربه، فالذي لا يتقي الله عليه أن يعلم أن الله شديد العقاب. ثم قال سبحانه: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ. يعني موسم الحج وقت الحج هو عبارة عن أشهر معلومات: شوال، ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، هي تسمى أشهر الحج، بالتالي كل إنسان يريد أن يحرم بحج إفراد أو تمتع أو قران، فانه يحرم داخل مواقيت الحج وهي الأشهر المعلومات شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة. فقال سبحانه: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ. فمن فرض يعني من ألزم نفسه بالحج وأحرم بالحج في داخل الأشهر هذه، فعليه أن يعرف أن الحج ليس فقط حج البدن، بل أيضا هو حج الروح والأخلاق والسلوكيات، فعليه قال: فَلَا رَفَثَ. لا رفث عليه مباشرة إذا أحرم في داخل الأشهر الحرم، عفوا في داخل أشهر الحج، أن يجتنب النساء، قالوا هذا معنى لا رفث أن يجتنب النساء وذكر شهوة النساء على لسانه، قال: وَلَا فُسُوقَ. لا يجوز للمحرم أن يمارس المعاصي والذنوب تحديدا في أثناء فترة الإحرام، يعني الذنوب لا تجوز عموما، لكن خلال وأنت محرم تزداد أهمية اجتنابك لهذه الآثام، قال: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. لا تضلك تجادل أصدقائك وسائق الحافلة وصاحب الفندق وتبقى تعمل إشكالات، لأنه هذا كله يحرمك من الحج المبرور. الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ما تعريفه حج؟ قالوا لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه، هذا هو الحج المبرور الذي يكافئ الله صاحبه ويخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

ثم قال: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ. هذه قاعدة قاعدة عامة، أي خير تفعله سواء حج أو عمره أو أي عبادة من العبادات، فالله مطلع عليها. ثم قال: وَتَزَوَّدُوا. كان بعض أهل اليمن إذا أراد أن يخرج إلى الحج والعمرة يقول: نحن المتوكلون فلا نتزود وننتظر ماذا يفعل الله بنا في الطريق، فالله عز وجل نهاهم عن ذلك. وقال ما بيصير الإنسان لا يأخذ بالأسباب، لابد وأن تأخذ بالأسباب، نعم التوكل مطلوب لكن التوكل يكون بعد الأخذ بالأسباب اعقلها وتوكل، فقال: وَتَزَوَّدُوا. إياكم تقولوا نتوكل على الله فلا نتزود، من التوكل أخذ الأسباب الشرعية. ثم هكذا تنبيهات القرآن الجليلة: وما دمتم تتزودون لسفر الدنيا وأمرتكم بالتزود لسفر الدنيا، فعليكم أيضا أن تتزودوا لسفر الآخرة، وخير ما يتزود به لسفر الآخرة التقوى، فإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى. التقوى زاد في سفر الآخرة وهناك زاد تحتاجه في سفر الدنيا، فالشيء بالشيء يذكر: وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ. تكرار التقوى هذه قصة كاملة في سورة البقرة.

ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ. أثناء موسم الحج أو العمرة أن تبتغوا فضلا من ربكم بالتجارة، لأنه موسم الحج هو موسم تجارة كان عند العرب، ما في مشكله أنت تتاجر وأنت محرم بالحج. ثم قال: فإذا حتى تعرفوا أنه كيف رحمة الله عز وجل، حتى أثناء التكاليف في رحمات وفي ترخيصات وفي تسهيلات حاضرة، ثم قال: فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ. إذا نزلت من عرفات باتجاه مزدلفه، فعليك في صبيحه يوم العيد أن تذكر الله وتقف عند المشعر الحرام، والمشعر الحرام هذا جبل في مزدلفه يسن الوقوف عنده بعد الفجر بعد فجر يوم العيد يدعو الله سبحانه وتعالى، وققبل أن يأتي الشروق بدقائق يغادر باتجاه منى، فأمرهم بالوقوف عند المشعر الحرام.

ثم قال: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ. ما دام أشار إلى الذكر والوقوف عند المشعر الحرام وهذه مسنونة، أراد أن يبين لماذا نحن نذكر الله قال: واذكروه كما هداكم فهو نشكره على هدايته، فأعظم أعظم شيء يعطيك الله إياه هو الهدايه، لذلك حتى قبل صفحتين أو ثلاث لما قال في الصيام قال: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ. لازم ربنا يكبر في قلبك لأنه هداك لهذا الدين، وكذلك هنا عاد إلى فكرة أهمية ذكر الله دوما ولماذا لا ينبغي أن ينسى المؤمن الذكر، قال: واذكروه على نعمة الهدايه، إذا أعظم نعمة ربنا عز وجل منحك إياها أنه جعلك من أهل الهدايه وأن يجعلك تتقبل الهداية وتتمسك بها. ثم قال: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. ويظهر المنة عليهم أنكم كنتم مجموعة من الحيارى والمشركين والضالين والبعيدين، وجاء الله عز وجل فهداكم، ألا يستحق هذا أن تذكروه عند الحج وأن تذكروه عند الصيام وأن تذكروه بالدعاء إلى غير ذلك من العبادات؟

قال: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ. ثم هذه ليست للترتيب الزماني هنا، وإنما هي لترتيب جملة على جملة حتى تفهموا الآية. بدكم تفهموا قضية: في كفار قريش كفار قريش كانوا يلقبون بالحمس، والحمس يعني المتشددون في الدين المتمسكون بالدين، وكان كفار قريش لأنهم يرون أن لهم خاصية عن سائر العرب أنهم أهل البيت الحرام وأنهم حمس ومتشددون في دينهم، قالوا نحن كفار قريش الحمس لا يجوز لنا في الحج أن نخرج إلى عرفات، أقصى مسافه نخرج إليها في الحج إلى أين؟ إلى مزدلفه. فلذلك في موسم الحج في الجاهلية العرب جميعا يصعدون لعرفات إلا كفار قريش، يقولوا نحن ما بنطلع برا مزدلفه لأنه ما بعد مزدلفه ليس من حدود الحرم، ومزدلفه هي آخر حدود الحرم المكي، فنحن لابد نبقى داخل حدود الحرم المكي، أنتم وقفوا على عرفة ونحن بنوقف على مزدلفه، مع أن عرفة من معالم ملة إراهيم من معالم ملة إبراهيم.

فالله سبحانه وتعالى يقول لكفار قريش: يا كفار قريش اسلموا هذا أولا، ثم لا تضعوا من أنفسكم قوانين أرضية بأهوائكم تقولوا نحن ما بنصعد على عرفه مثل باقي الناس، ما في داعي أنه أنت تكون متميز عن الناس في عبادتك، يا اخي كن مع الناس ما هي مشكلة أن تتعبد الله مع الناس. وهذه حقيقة من إحدى القضايا التربوية الكبرى التي أجدها في سورة البقرة، وهو أن سورة البقرة تعلم الإنسان أن يمارس الهدايه حتى ولو لم يظهر تميزه عن الناس من حوله. بعباره أخرى: من أشد أسباب الضلال والابتتعاد عن الهدايات الإلهية حب الإنسان للتميز، من أكثر ما سبب الضلال في الأمم وحتى في الطوائف الإسلامية حب الإنسان للتميز وأن يكون عنده خاصية تختلف عن غيره. مثلا كفار قريش كانوا بدهم يتميزوا فقالوا: نحن لا احنا من تميزنا أنه ما بنطلع ما بنتجاوز مزدلفه، أنتم أيها العرب اطلعوا على عرفات نحن نتميز عنكم، وهذا التميز كان في ضلالة.

ومر معنا أن الله عز وجل أيضا قال لليهود: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ. كثير من المفسرين قال: كأنه يقول لليهود ليس شرطا دوما أن تكونوا أنتم رأس الأمم، ليس شرطا أن تتميزوا دوما ويكون لكم خاصية، اليهود كانوا يحبون التميز نحن شعب الله المختار، نحن لنا أحقية على غيرنا، نحن لربنا فضلنا، فإذا لما سحبت النبوة منهم وأعطيت لغيرهم، كان من أحد أسباب عدم قبولهم لهذه الهداية الأنفوة والاعتزاز بالنفس ورفضهم التواضع والدخول ضمن الناس، وهذه قضية الإنسان بده يربى عليها نفسه، ليس شرطا أن تكون عبادتك متميزه ويكون لك نوع من التعبد يختلف عن الناس. ايش المشكلة فيه واركع مع الراكعين؟ صلي مع الناس، صوم مع الناس، وقفوا على عرفه مع الناس، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ما في داعي للتميز، ما في داعي أنك تقول أنا بدي أتميز معقول أنا أصلي زي ما بصلوا الناس، معقول أنا بدي أصوم كما يصوم الناس، معقول أني بدي أحج كما يحج الناس، معقول أنا أريد أن أبني عقيدتي فقط من الوحي الإلهي كما يفعل الناس.

لاحظوا هنا الخطأ الذي فعله وكثير من الفرق الإسلامية، كما قال الخطابي وهو أن بعض الأذكياء رفضوا أن يقرروا العقيدة الإلهية من الكتاب والسنة، قالوا الكتاب والسنة مشاع للجميع لا، نحن نريد أن نقرر العقيدة الإسلامية من خلال الفلسفة. فقال الخطابي: دعاهم حبهم للتميز أن يقرروا العقيدة الإسلامية من مناهج أخرى فلسفية، فضلوا وأضلوا أكثر الفرق من المعتزلة والأشاعة والماتريدية وهؤلاء هؤلاء للاسف رؤساؤهم أرادوا أن يتبنوا عقيدة ويرسقوها بطريقة فلسفية جديدة يعني بعيدة عن قضية قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نحن بدنا نثبت بالبراهين الفلسفية اليونانية أن الله عز وجل موجود وأن الله واحد. لما أرادوا أن يتميزوا في طريقة تدينهم ورفضوا أن يدخلوا مع جملة الناس في نمط التدين ضاعوا هم وأضاعوا الناس معهم، ونشأت الفرق والخلافات بيننا.

فهذه قضية مهمة قضية اركع مع الراكعين، ليس دائما في حياة الالتزام والتدين يجب أن يكون لك شيء خاص فيك مميز، لا عادي ادخل مع الناس، صلي مع الناس، تصدق مع الناس، عيش مع الناس، كن إنسانا عاديا في كثير من الأمور. بدك تتميز في الشيء اللي بتكون فيه مع الناس اه والله هناك أظهر لي تميزك، أظهر لي تميزك في إتقان صلاتك، أظهر لي تميزك في إتقان حجك، وليس تميزك في أن تبتدع وأن تخترع وأن تخرج عن جادة أهل السنة والجماعة وأن تنشئ فلسفة جديدة وتقول هكذا التميز، لا هذا ليس تميز هذا ضياع وضلال نسأل الله العافيه.

إذا: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. يا كفار قريش ودعوكم من نفسية التميز هذه التي تبحثون عنها، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ. واستغفروا الله دائما في نهايات الأعمال نؤمر بالاستغفار، مثلا بعد الصلاة استغفر الله استغفر الله استغفر الله، في بعد الصيام رمضان عندنا زكاة الفطر وهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وأيضا هنا في نهاية الحج أنت مامور بالاستغفار. لماذا؟ لأنه أي عبادة تؤديها لابد وأن يكون فيها خلل ونقص، وأنت لن تؤدي العبادة تماما كما يريد الله عز وجل، فبسبب وجود النقص في أدائك للعبادات شرع لنا في آخر العبادات أن نستغفر، حتى يا رب اغفر لنا تقصيرنا في أداء هذه العبادة وعدم القيام بحقها تماما. وعندئذ إذا استغفرت بحق إن الله غفور رحيم. ثم إذا قضيتم مناسككم في طريق العودة بعد الانتهاء من الحج، يبقى الإنسان يذكر الله عز وجل، وهذه قضية ذكر الله في ختام العبادات أيضا حثت عليها الشريعة، فنحن نذكر الله بعد الصلاة، نذكر الله بعد انتهاء رمضان في أذكار العيد.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. نذكر الله عز وجل أيضا بعد الحج، فقال: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ. كانوا إذا عادوا من الحج يبدؤون يذكرون مفاخر آبائهم وأجدادهم، فالله قال لهم بدلا من أن تشتغلوا بذكر مفاخر الآباء والأجداد، اشتغلوا بذكر الله عز وجل في نهاية موسم الحج، قال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا. أي الإنسان المحب لله مش يذكر الله كما يذكر آباؤه ومفاخرهم، بل يذكر الله ذكرا أكثر من ذكر أي شيء من امور دنياه.

ثم قال مبينا سبحانه وتعالى خطأ كثير من الناس في ممارسة الدعاء والذكر، قال: فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا. بعض الناس كل ادعيته واذكاره منصبه انه يريد أن يحصل الدنيا ولا يلتفت إلى موضوع الآخرة وما له في الآخرة من خلاق، أي من نصيب. ومنهم الموفقون من يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا. اللي بدعوا الله بالدنيا وبالآخرة يعطيه الله دنياه واخرته على ما يختاره، واللي بيدعو الله فقط في الدنيا: مَّن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ. فهنا ننتبه، أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ. لن يعجز عن إعطاء هذا جميع ما سأله من صلاح آخرته. سرعة الحساب؛ سرعة الحساب تجعل الله سبحانه وتعالى إذا راك سألته كثيرا من امور الآخرة يعطيك إياها بدون تعب أو طول فصل في القضاء فيها.

ثم ختام آيَات الحج قال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ. إذا انتهى موسم الحج الأساسي يوم العيد، تبقى أيام التشريق الثلاث، صحيح؛ 11 و12 و13 هي أيام التشريق اللي بعد يوم عيد الأضحى، الناس يبيتون في منى لرمي الجمار في كل يوم من هذه الأيام. لكن هل أنا ملزم أن أبقى هذه الثلاثة أيام، أم يجوز لي أن أبقى يومين ثم أغادر في نهاية اليوم الثاني؟ نعم، الله يخبرنا أنه يجوز أن تبقى يومين وتغادر في نهاية اليوم الثاني ويجوز أن تكمل الثلاثة كاملة، قال: فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ. يعني كل هذه التسهيلات والتخفيفات هي رحمة من الله، بس لمين؟ للمتقين، بخلاف الإنسان الذي يبحث عن الرخصة بحثا ويقصدها قصدا فقط تفلتا وهروبا من شرائع الله، فالله عز وجل يقول إن هذه التسهيلات وهذه الترخيصات وأنه لا يلزمك أن تقيم الثلاثة ويكفي أن تقيم اثنين هو نوع من تلطف الله بالمتقين، هي نعمة لمن اتقى، نعمة لمن اتقى، نوع من تسهيل الله عليه.

أما ذاك الشخص اللي أصلا هو يريد أن يبحث دوما عن التفلت وسرعة الإنجاز ولا يهمه أن يؤدي عبادة كاملة لله، فمثل هذه الترخيصات والتسهيلات وإن كان يستطيع هو الانتفاع بها أنا لا أمنعه، لكن عليه أن يعرف أن هذه التخفيفات لم يصنعها الله لأمثاله، وإنما صنعها الله لمن اتقى؛ لأنه يعرف أن بعض الناس المتقين قد تطرأ لهم أعذار واشكالات تتطلب منهم سرعة الرجوع إلى أهلهم أحيانا. فلما قال إن هذه التخفيفات والتشريعات هي لمن اتقى، حثنا على أن نكون من أهل التقوى فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. لما كان الحج قالوا يحشر فيه الناس في مجمع واحد، ذكر الله سبحانه وتعالى الحشر أيضا يوم القيامة من باب أن الشيء بالشيء يذكر.

طيب، الآن انتهى موضوع يعني أو انتهت سلسلة من التشريعات الإلهية انتهت بالحج، هنا كأننا نخرج هكذا فاصل سريع لإعادة تثبيت الفكرة الأولى، وهي ضرورة أن تعرفوا أن الناس اختلفوا في قبول الهدايات ما بين كافر ومنافق، وما بين مؤمن مصدق، ومطالبة المؤمنين بضرورة الدخول في الهدايات كاملة على ملة إبراهيم: أسلمت لرب العالمين، وعدم الكفر بهذه الهدايات أو الإعراض عنها. فهنا كأنه فاصل سريع قبل أن نعود إلى جولة أخرى من جولات الأحكام، وهذه الفواصل ستتكرر كل فترة، وهذه جمالية القرآن، يعطيك مجموعة من السلسلة مثل الأحكام، ثم يعطيك درس إيماني، بعدين يعود إلى سلسلة من الأحكام، القتال والنكاح وكذا، ثم يعطيك قصة طالوت، ثم يعود إلى قصة سلسلة أخرى من الكلام عن النفقات والاموال والديون والرهن، ثم بعد ذلك يعطيك درس إيماني، فتجد أن القرآن يجمع داخل السورة الواحدة والمشهد الواحد بين الأوامر والنواهي وما بين الوعظ والتنبيه ليكون الدرس جميلا لطيفا متكاملا.

يقول سبحانه مبينا طبائع الناس داخل المجتمعات الإسلامية، والآن لا يتكلم عن الكفار المعنيين في الدول الحربية، لا يتكلم عن الناس داخل المجتمعات الإسلامية وكيف ينقسمون إلى مؤمن مصدق بكل الهدايات الإلهية مسلم لها، ومنافق يسعى دوما للتهرب منها، فيقول سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ (يعني من المجتمع اللي ساكنين معكم) مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. من يعجبك قوله؛ يعني إذا تكلم مهندس في الكلام لبق، صانع محتوى على السوشيال ميديا بيعرف يتكلم، إذا تكلم في امور الحياة الدنيا، في الاقتصاد، في الاجتماع، في العلاقات السياسية والدولية، إذا خرج على القنوات الفضائية يحلل، يعني تعجب بفصاحته، بلاغته، الكريزما تاعته، أداؤه، تعجب به، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ. بقول لك: والله يا جماعه أنا بدي مصالح المسلمين، أوعكم تفكروا أني بتعاون مع عدوكم، لا، أنا لما حكيت كذا أنا أقصِد مصلحتكم، والله يشهد على قلبي أني ما قصدت بهذا الكلام إلا كذا وكذا. ويكون كاذبا من الداخل وانه عميل وخائن وله أجندات خارجية، لكنه يحرص دائما على أن يظهر حر نصحه للمسلمين وشفقته عليهم، لذلك قال: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. والخصام إما مصدر وإما جمع خصم، إذا قلنا جمع خصم كأنه يقول وهو في الواقع وفي الباطن من أشد الخصوم للإسلام والمسلمين، يعني هو في الظاهر يسمعك كلام جميل ويعطيك تحليلات جميلة ويشهد الله أنه بده مصلحتك، ولكنه في الباطن من ألد الخصوم لهذه الدعوة ولهذا الدين ولهذا الهدى الإلهي.

وَإِذَا تَوَلى (يعني إذا مشى في هذه الأرض وتركك وأصبح وحده) سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ. يهلك الحرث، قالوا بعضهم: الحرث هو الزرع، بعضهم قال: الحرث هو النساء باعتبارها المكان الذي يزرع فيه الإنسان البويضة المخصبة، المهم قالوا إن المنافق يعبث في المجتمعات المسلمة ويسعى للإفساد في المنظومة التعليمية والمنظومة الاجتماعية والمنظومة الأخلاقية والمنظومة الفكرية. هذه المفاسد التي يصنعها المنافق ويبثها هي ستكون سببا في فساد الأرض، سببا في فساد المجتمع، وهكذا قال: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ. يفسد الأجيال كلها. الحرث إذا قلنا هي النساء والنسل هم الأجيال، أو الحرث هي المزروعات والنسل ما تنتجه البهائم، كله يصلح في هذا المقام؛ لأن شؤم ما يفعله المنافق، شؤم ما يفعله المنافقون في الإعلام وفي الصحافة وفي كل الأماكن، شؤم أفعالهم يظهر على مختلف جوانب الحياة الإسلامية، يظهر هذا الشؤم وهذا يدل على ضرورة الأخذ على أيديهم؛ لأن ما يصنعونه لا يؤذيهم هم فقط، بل يهلك الحرث والنسل داخل المجتمع المسلم، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

والمشكلة أن هذا الشخص المنافق الذي أمام الناس يشهد الله أنه يعمل لصالح الإسلام وهو عنده أجندات وتعاون مع شياطين، كما مر معنا في بداية السورة: وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّنَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. هذا المنافق إذا قيل له: اتق الله يا رجل، اتق الله على تشويهك لمناهج المسلمين، اتق الله على المادة الإعلامية الفاسدة التي تقدمها، إذا قالوا: اتق الله ودع ممارستك الفساد، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ. كثير من المفسرين قال: الباء هنا بمعنى في، أخذته عزة نفسه في الإثم؛ يعني كأن العزة أخذته وأسقطته في الآثام وجعلته يستمر في الإفساد والضلال. تخيل تقول لشخص: اتق الله، بقول لك: يا اخي ما بدي أتق الله، للأسف بعض الناس هذا حرامي، العزة عزة نفسك وكبرت نفسك أنك تنصح، أخذتك في الإثم وأسقطتك في مستنقع قذر، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، فاسقطته في الآثام والذنوب بدلا من أن يقول: اللهم اجعلنا من المتقين، لا، حضرته بقول لك: أنت اتق الله لا تفتح معي هذا الموضوع. هذه شخصيات متعبة داخل المجتمع، أنت بتحاول تقول له تحول من شخص منافق لشخص اتقائي: اتق الله، تحول إلى الشخصية الاتقائية، بقول لك: لا، أنا بدي أضلني في الشخصية المنافقة، الشخصية التي تعمل في الدهاليز وتحت الأنفاق ولا أريد أن أكون صادقا. طبعا هو لا يقول ذلك بلسانه، هو يريد دوما أن يخبئ نفسه، لذلك قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ الذي ينتظره.

في المقابل هناك شخص في المجتمع المسلم على قمة التسليم لله، ومستعد أن يتخلى عن كل شيء من أجل ربه ومن أجل القيام بالهدايات الإلهية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ (يعني يبيع نفسه) ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ. وين ما ربنا قال له كن يكون، في أي هداية جاءته من الله يفني نفسه فيه، مستعد يبيع نفسه من أجل ربه وإلهه، هو سمعنا وأطعنا، هذا النموذج الذي تحفز عليه سورة البقرة، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. يعني هذا الشخص حتى وهو يسعى إلى أن يضحي ويبذل كل شيء من أجل الله لا يكلف هذا الإنسان فوق طاقته، بل هو رؤوف بالعباد في الأحكام التي يطلبوه منها.

ثم جاء نداء عام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. ما بصير تاخذوا من أحكام الاسلام (السلم هنا بمعنى الإسلام)، ما بصير تاخذ من أحكام الإسلام ما يتهواه وتترك ما تهواه، هنا أنت تمارس ممارسة بني إسرائيل: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. عليكم أن تأخذوا الإسلام كاملا مكملا على ملة إبراهيم: أسلمت لرب العالمين، دون مناورات أو انتقاءات.

ثم حذرهم مما حذرهم منه سابقا: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. الشيطان يمشي معكم بخطوات مدروسة؛ لأنه يريد، هو لا يقول لك من البداية اكفر بكل الهدى، لا، هو يحاول أن يجزئ لك الهدى، فبقول: يا اخي مش انت بتصلي، مش انت بتصوم رمضان، يا اخي شو المشكله لو كنت مثلا بتجلس جلسات مختلطة أو بتحضر مسلسلات ساقطة أو عندك شوية هفوات أو علاقات محرمة، يعني هيك ما شاء الله منيح وبتصلي وبتصوم وأمورك طيبة في هي المجالات، يا اخي خذ لك هيك جانب من الفسحة والاريحية النفسية في ممارسه أشياء من المحرمات.

لا، هنا الله عز وجل يحذرنا ألا نعيد خطأ آدم عليه السلام، ربنا أعطى آدم جنة كاملة بأشجار كاملة ونهاه عن مساحة ضيقة: شجرة واحدة، فالشيطان استطاع أن يلعب على آدم على قضية أن هذه الشجرة الواحدة ستعطيك الخلد والملك الذي لا يبلى، فآدم للأسف وقع في هذا الخطا، ثم تاب وربنا عز وجل تاب عليه. فربنا بيقول: لا تعيدوا نفس الخطأ، الشيطان يريدكم أن تجزئوا هذا الدين، فتأخذوا ما تهوونه وتتركوا ما لا تهوونه، قياسا على ما فعل في بني إسرائيل: أَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، هذه من أكبر الممارسات الانتقائية في الهدى أو في استقبال الهدى، ولا يجوز أن نفعل ذلك. فالله عز وجل يحذرنا أنه لكم عدو مبين، كما حذرنا منه قبل صفحات قال: فَإِن زَلَلْتُمْ.

فإن زللتم أي أخطأتم كما زل آدم عليه السلام والدكم، مش قال: فَأَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ عَنْهَا، فإذا وقعتم في الزلل واستطاع الشيطان أن يغركم عن بعض الهدايات الإلهية، فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ، فاعلموا أن الله عزيز حكيم. عزيز أي لا يغلب، حكيم فيما سيصنع بكم، أنا أرسلت لكم هدى وإسلام وطلبت منكم أن تدخلوا في الإسلام كافه وليس فقط فيما تهوونه، فان زللتم، ولاحظ الزلل هنا ما معناه؟ الانتقائية في التدين، أن تأخذ ما تشتهي وتترك ما تشتهي. فان زللتم فانتقيتم فقط ما تشتهونه مع أنكم جاءتكم البينات الواضحات التي تحثكم على قبول الهدى تماما، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يغلب، حَكِيمٌ فيما يتصرف.

ثم الله عز وجل يلوم هؤلاء الانتقائيين الذين لا يأخذون الدين كافه، يقول: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ. حيث ياتي الرب عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة تحيط به وعندئذ قضي الأمر ولا مجال للإصلاح الأمور وإعادة ترتيب الأوراق. هل تنتظر أن يأتي يوم القيامة حيث يأتي الرب بملائكته وتحفهم ظلل من الغمام وقضي الأمر، انتهى كل شيء، وستعض أصابع الندم، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، كل شيء سيرجع إلى الله.

فإياك أن تكون انتقائيا، ادخل الآن في السلم كافه وإياك أن تزل، زل كما زل آدم حيث أخذ هدايات الله لكنه زل في جزئية معينة، ثم طبعا تاب تاب الله عليه. لكن أنت هل تضمن التوبة، هل تضمن أن يتوب الله عليك؟ آدم خلص ربنا أعلنا أنه تاب عليه صلى الله عليه وسلم، أنت من يتوب عليك، ومن يضمن لك أن الله تاب عليك؟ فانتبه، انتبه، تقبل الهدايات الإلهية يكون كاملا تاما.

لذلك هنا الله عز وجل أراد أن يبين فشل نموذج بني إسرائيل المعرفي وكيف أنهم تخلوا عن الوحي الإلهي والهدى الإلهي بعد أن جاءهم فقال سبحانه سلب بني إسرائيل: كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ. اسال يا محمد بني إسرائيل (طبعا صلى الله على محمد وعلى آل محمد)، اسال بني إسرائيل كم معجزة باهرة وكم

بيّنة واضحة، وكم كتاب إلهي نزل إليهم، ثم تعاملوا مع كل ذلك بالجحود والنكران؟ فالله عز وجل يتوعد من يمارس ممارسات بني إسرائيل فيقول: وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. نعمة الله هنا هي الهداية، الهدى؛ ومن يبدل الهدى، ولاحظ كيف الهدى سمي نعمة! إن الله يرزقك الهداية ويوفق إليها، هي أعظم نعمة في حياتك، تأتيك هذه النعمة على طبق من ذهب كما يقولون، ثم تشوهها وتسعى لتبديلها وطمس معالمها.

ومن يبدل نعمة الله وهو الهدى ويتلاعب به من بعد ما جاءته هذه الهدايات، والله عز وجل أنزل له رسالاً كتاباً وبعث إليه رسولاً، بعد كل هذا حضرتك تبدل الهدى وتنتقي مع أن الله غني عنك وأنت المحتاج إليه، بعد كل هذا تبدل وتغير! غير هنا تحتاج الوعيد: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ما الذي يجعل الإنسان يبدل الهدى؟ ما الذي يجعل الإنسان يشوه الهدى؟ ما الذي يجعله يختار اختيار الكافرين في ترك الهدى؟ قال: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا. نعم، هذا الذي يجعل الإنسان يبدل الهدى، وهو أن الشيطان الله عز وجل أعطاه قدرة أن يزين لك الباطل ويظهره بصورة جميلة؛ يزين لك العلاقات المحرمة، يزين لك الأشربة المحرمة، يزين لك الربا، يزين لك الغفلة.

فهذه مشكلة الكفار والمنافقين وكل من نقص في باب الهدايات الإلهية حتى من المسلمين، أنه زينت لهم الحياة الدنيا. الكفار زين لهم الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا من المتمسكين بالهدى، لكن للمعلومة هؤلاء الذين آمنوا الذين يصدق عليهم وصف آخر وهو أنهم متقون، هؤلاء سيكونون فوقهم يوم القيامة، فوقهم؛ لأن الجنة عالية والنار سافلة، فسيكون أهل النار في الأسفل، وسيكون أهل التقوى أهل الإيمان في الأعلى. وَيَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم مَّوَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ أنتم كنتم في الدنيا تستهزئون بنا، فهنا في الآخرة لا، ستختلف المعرفة، نحن من سنستهزئ بكم، نحن سنكون في الأعلى وأنتم ستكونون في الأسفل.

تمام، ثم قال سبحانه: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. قالوا: هذا فيه إشارة إلى أن هؤلاء الأبرار المتقين المؤمنين الذين صبروا على أذى المشركين واستهزاء المشركين بأهل الالتزام والتدين حيث يتمسكون بالهدى الإلهي، هؤلاء سيرزقهم الله بغير حساب، يعني رزقاً وافراً لا يعده عليهم، وهذا عطاء الله العظيم. طيب، هنا جاءت آية لتبين وتذكرنا بالقضية من البداية، لماذا الله ينزل الرسل وينزل الكتب؟ قال سبحانه وتعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، أول ما نزل آدم عليه السلام على الأرض هو وأولاده كانوا على دين واحد؛ دين الإسلام والتوحيد لله.

تمام، ثم بعد ذلك بدات مظاهر الشرك تحصل وبدا الخلاف يحصل، لذلك هنا في كلمة مقدرة في السياق يقول المفسرون: كان الناس أمة واحدة، أي على دين واحد ومله واحدة فاختلفوا، لا بد تقدر كلمة فاختلفوا، كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، فبعضهم أصبح يعبد الأصنام وتبرك بها ويصلي عندها، فعندئذ بدأ الله ببعثه الرسل، بدأ ببعثه أول رسول وهو نوح؛ آدم يعتبر نبي، فآدم كانت وظيفته تثبيت الإيمان في المؤمنين ولم يكن يتكلم مع كافرين، لم يكن مرسلا لكافرين بل كانت نبوته أن يتلقى من الله هدايات ويعلمها لأهل الإيمان، لكن أول رسول واجه المشركين والكفار على الأرض هو سيدنا نوح.

إذا، بسبب وقوع الاختلاف وانقسام الناس إلى مؤمن وكافر بعد حقبة الأمة الواحدة بعث الله نبيين، هؤلاء بعث الله نبيين يبشرون المتمسكين بالهدى بالجنة منذرين الذين أعرضوا عن الهدى بالنار. طيب، والله عز وجل لم يكتفي فقط بإرسال الرسل بل أيدهم أيضاً بماذا؟ قال: وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ. والكتاب جنس يدخل تحته التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، يعني وأنزل سبحانه كتب هذه الكتب التي يأتي بها الرسل وظيفتها أن ترسم معالم الهدى، وظيفتها أن ترسم معالم الهدى ويحكم بها في الأرض فهي من ميثاق الاستخلاف، إذا: وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ، أي ليحكم هؤلاء النبيون بين الناس فيما اختلفوا فيه من خلال هذه الكتب.

فهذه الكتب لم تنزل للتبرك يقرأوها فقط في رمضان هيك في ليلة، لا، نزلت ليحكم بها ويعمل بها ولترسم معالم الحياة، لكن للاسف كيف كانت تلقي الناس لهؤلاء الرسل ولهذه الكتب؟ قال: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ، يعني وما اختلف في هذه الكتب الإلهية على مدار تاريخ الإنسانية، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، المفروض كان ينبغي أن تكون هذه الكتب مادة لحسم الخلاف وارساء العدالة والخير ورد الناس إلى دين الله أفواجاً، لكن للاسف ماذا حصل في الواقع؟ الناس المحتاجون للكتب لما جاءتهم الكتب واصبحت بين أيديهم اختلفوا، قال: وَمَا اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ إِلَّا الَّذِينَ أُعطُوهَا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، يعني بعد أن جاءتهم البينات والهدايات والواضحات وايقنوا أنها من الله اختلفوا؛ فمنهم من آمن ومنهم من كفر.

ما سبب الاختلاف؟ قال: بَغْيًا بَيْنَهُمْ، البغي حب الاستطاله، التكبر، حب التميز اللي ذكرناه قبل شوي، البغي: لماذا هذه الرسالة وهذا الكتاب ياتي من جهة العرب لماذا لا يأتي من جهة بني إسرائيل؟ بغي بني إسرائيل، ثم داخل العرب: لماذا لا ينزل هذا القرآن على رجل عظيم من العظماء قريش؟ لماذا لم ينزل القرآن على أبي جهل أو على أبي سفيان أو الوليد أو عتبة؟ لماذا يكون على محمد صلى الله عليه وسلم؟ لن نقتنع به. لماذا لم تقتنعوا مع أنكم موقنون ورايتم البينات الواضحات أنه هدايه من الله ومعجزات من الله؟

البغي، هذا الداء المفسد للانسان، بغي الإنسان هذا يشمل الحسد، الكبر، الأَنَفَة، الاستعلاء، كل هذه الأمور هي التي تمنع الإنسان من الانصياع للحق والدخول تحت الهدايات الإلهية. إذا هذه الكتب للاسف لم، مع أنه أُعطيها وأصلت للجميع، وأن من أمة إلا خلا فيها نذير، وهذا النذير ياتي بكتب ورسالات إلهية، لكن بعض الناس يختار الكفر وعدم الانتفاع بالهدى بغياً وحقداً وحسداً أنه لم يكن هو المفضل أو الأعلى. لاحظ كيف أن حب التميز يهلك الإنسان ويصرف عن هدى الله سبحانه وتعالى.

قال: فَهَدَى اللَّهُ، لما أنزل الله هذه الكتب وتركها البعض بغياً، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، الله أذن لطائفه أن تكون مؤمنة متمسكة بهذا الهدى، كما أن طائفه بغت عليه ورفضت قبوله، وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. في النهاية الهدايه بيد الله، فاحمد الله على أن هداك وقل في كل صلاة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، فكما هداك فيما مضى أنت تحتاج أن يعطيك هدايات فيما بقي في كل قرار وفي كل تصرف وفي كل يعني مشوار من مشاوير الحياة.

وما دام أن الناس ستختلف حول الرسل والرسالات وسيكون هناك مؤمن وكافر، إذا سيكون هناك صراع بين الحق والباطل، وهذه المره الثانية أو الثالثة التي يمكن أن نقول سورة البقرة تشير إلى وقوع صراع؛ صراع بين الهدى وأصنافه وبين الباطل وأصنافه. مر معنا الفكرة الأولى لما قال سبحانه وتعالى بعد آيات تحويل القبلة: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، لما قال: وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ، أو لما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، نعم، وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ، قلنا هناك أشار إلى أن هناك صراع سيكون بينكم وبين أهل الباطل ما دام اختلفتم في القبلة، فما بالكم بتغيير الأوضاع الأرضية؟ سيكون جهاد وقتال لنشر الهدى ولمنع القوى الظالمة الظلامية من التي تمنع الناس من الهدى لابد من إزالتها ومجاهدتها حتى يصل الهدى إلى الجميع ويكون حاكماً كلياً عليهم.

فالله عز وجل يقول للصحابة: انتظروا القادم، أنتم هديتم إلى هذا الكتاب ووفقكم الله إلى هذا الهدى، ستقاتلون عليه وسيطول صراعكم مع الكفار، وهذه إرادة الله أن هذا الهدى يقاتل من أجله ويموت أناس من أجله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم. لستم يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أول جيل يدافع عن الهدايات الإلهية ويدفع روحه وحياته ثمناً لهذه الهدايات، لا، أصلاً لن تدخلوا الجنة إلا بعد دفع الثمن: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وسلعة الله غالية، وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، يعني ولم يحصل معكم كما حصل مع الأمم من قبلكم من البلاء الشديد، وإن كان قد اقترب حصوره، لذلك لم يقل ولم، قال: ولما، لأنه لما ولما وإن كانت تنفي لكنها تدل على قرب حصول الشيء المنفي.

أقول: لما يحضر زيد، ما معنى لما يحضر زيد؟ يعني هو لم ياتي إلى الآن لكنه اقترب وقت مجيئه، فهنا نفس الشيء يقول الله للصحابة: ولما ياتيكم، يعني ولم يحصل معكم ما حصل مع من قبلكم من البلاء الشديد بعد، لكن اقترب أن يحصل معكم ذلك، وفعلا حصلت المعارك الطاحنة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعدها، فقال: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، كما حصل مع الذين من قبلكم من المدافعة بين الحق والباطل. ماذا حصل مع الذين من قبلنا يا رب؟ قال: مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وهو الفقر، وَالضَّرَّاءُ وهو الأمراض والأذى في الأبدان، وَزُلْزِلُوا، حاول الكفار أن يوقعوا بهم زلزالاً كما يحصل الآن في كثير من بلاد المسلمين في غزة والشام والسودان، يحاولون زلزلة أهل الإيمان واسقاط تمسكهم بالهدايات الإلهية وزلزلوا حتى، حتى تخيل أن شدة البلاء وصلت أنه نفس الرسول اللي هو المطلوب منه يوصل الهدايات، تخيل حجم الزلزال وحجم الثبات الأسطوري الذي بذل في سبيل للهدايات الإلهية عبر تاريخ الإنسانية!

هذا الثبات الأسطوري يجب أن نسعى أن نعد أنفسنا لنكون أحد فرسانه ونبذل مهجتنا وأرواحنا من أجل تثبيت هذه الهدايات على الأرض، فيقول سبحانه وتعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوامَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ. أنت متخيل حتى يصر الرسول يستبطئ النصر ويقول يا رب متى نصرك؟ عندئذ يقول سبحانه وتعالى في أحلك اللحظات في اللحظات التي حتى الأنبياء يستبطئون فيها النصر، يأتيهم الجواب: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. إنما النصر صبر ساعة، نعم، لابد وأن تبتلوا ليتخذ منكم شهداء، لأرى مدى انتماؤكم، مدى انتمائكم لهذا الهدى، مدى حبكم له، مدى قدرتكم على التضحية في سبيله.

الله يريد أن يرى هذه المشاهد منا، الله يريد أن يرى منك ليس فقط أنه أنت تستقبل الهدى، بل يريد منك أن تعيش معركة الهدى ومعركة إصال الهدى إلى الناس وتثبت وتضحي بروحك ودمك من أجله، هذا من مقاصد سورة البقرة أن الهدايات الإلهية أنزلت لنعمل بها ولنقاتل من أجلها، فلذلك تاتي فكرة القتال أثناء الكلام عن التشريعات ليعرف أن هذه التشريعات الإلهية تشريعات البيوع والأنكحة والديون والصيام والحج هذه هدايات إلهية تعملون بها وتقاتلون من أجلها وستزلون من أجلها وستبطئون النصر حتى إن خياركم سيستبطئ النصر، لكن نقول لكم في النهاية: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزل نصره وفرجه على إخواننا المرابطين في غزة وفي الشام وفي السودان وفي كل بلد يقاتل أصحابه أصحابه من أجل الهدى والثبات على هذا الهدى وعدم طمس معالمه، اللهم انصرهم وأيدهم وانزل عليهم شابيب رحماتك وانزل عليهم جندك وانصرهم على عدوك وعدوهم.

اليوم نقف عند هذه الوجبة الدسمة، وفي الدرس القادم بإذن الله سنبدأ بوجبات دسمة أخرى في سلسلة التشريعات الإلهية في سورة البقرة. فقط للتنبيه الدروس القادمة في العشر الأواخر بإذن الله ستكون بعد صلاة العصر وليس بعد صلاة الفجر، وذلك لأن إن شاء الله العشر الأواخر الإنسان يسعى إلى أن يقوم الليل كاملاً ويكون هناك اعتكاف وشيء يعني من التعب، يعني حتى الآن أكلمكم وأنا متعب تماماً، يعلم الله أن التعب أخذ مني ما أخذه فقد لم أنام الليلة السابقة أبداً، لكن الآن يعني جيدة الأمور إن شاء الله ما زالت تحت السيطرة.

أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم، لكن في العشر الأواخر إن شاء الله سيكون الدرس بعد صلاة العصر، ونسأل الله أن يعيننا على ختام هذه السورة مع ختام الشهر، جزاكم الله خيراً ونلتقي على خير ومودة.