تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس الثاني: سورة البقرة من الآية 8 إلى الآية 26

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ المُصْطَفَى صَلَاةً تَتْرَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ لِنَهْجِهِ اخْتَفَى. حَيَاكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الأَكَارِمُ فِي المَجْلِسِ الثَّانِي مِنْ مَجَالِسِ الفَجْرِ وَفِي مُدَارَسَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ! هَذِهِ السُّورَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي حَدَّدْنَا هُوِيَّتَهَا فِي المَجْلِسِ المَاضِي فِي كَوْنِهَا تُعَلِّمُ الإِنْسَانَ المُسْلِمَ مَنْهَجِيَّةَ التَّلَقِّي لِأَحْكَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالَّتِي يُمْكِنُ أَنْ نَخْتَصِرَهَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. حَقِيقَةٌ، هَذِهِ هُوِيَّةُ سُورَةِ البَقَرَةِ: أَنْ تُعَلِّمَكَ بِأَيِّ قَلْبٍ، وَبِأَيِّ مَشَاعِرَ، وَبِأَيِّ عَقْلِيَّةٍ تَتَلَقَّى الهُدَى الإِلَهِيَّ.

وَهَذِهِ القَضِيَّةُ قَدْ يَظُنُّ البَعْضُ أَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاضِحَةٌ، لَكِنْ صَدُقُونِي أَنَّ كَثِيرًا مِنَّا -حَتَّى مِمَّنْ نَزْعُمُ أَنَّنَا عَلَى تَدَيْنٍ، أَوْ أَنَّنَا مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ- عِنْدَمَا تَحْتَكُّ هِدَايَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَهْوَائِهِمْ، قَرَأْتَهَا بِتَمَعُّنٍ وَتَدَبُّرٍ وَنَظَرْتَ فِي أَحْوَالِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ خُصُوصًا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرِسَالَاتِ اللَّهِ فِيهَا، فَإِنَّهَا تُعَمِّقُ وَتُجَذِّرُ فِيكَ قَضِيَّةَ الطَّاعَةِ المُطْلَقَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالتَّسْلِيمِ المُطْلَقِ، وَالَّتِي هِيَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ.

فِي المَجْلِسِ المَاضِي أَيُّهَا الكِرَامُ، بَدَأْنَا فِي مَطْلَعِ سُورَةِ البَقَرَةِ وَعَرَفْنَا أَنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ هِيَ امْتِدَادٌ لِسُورَةِ الفَاتِحَةِ؛ عِنْدَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ أَوْ طَلَبَ مِنَّا فِي سُورَةِ الفَاتِحَةِ أَنْ نَدْعُوَهُ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ. جَاءَ مَطْلَعُ سُورَةِ البَقَرَةِ لِيَقُولَ: ذَلِكَ، ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَهُوَ هُدًى لِمَنْ يَبْحَثُ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، هُوَ الهُدَى هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ. وَلَكِنْ كَيْفَ انْقَسَمَ النَّاسُ؟ انْقَسَمَتِ البَشَرِيَّةُ فِي اسْتِقْبَالِ هَذَا الهُدَى الإِلَهِيِّ، انْقَسَمُوا إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَوَّلاً: الشَّخْصِيَّةُ الإِلْقَائِيَّةُ كَمَا سَمَّيْنَاهَا، وَهِيَ ذَاكَ الشَّخْصُ الَّذِي هُوَ فِعْلًا يُرِيدُ أَنْ يَتَّقِيَ الضَّلَالَ وَيُرِيدُ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الهُدَى، شَخْصِيَّةٌ لَا تُرِيدُ الخَطَأَ، لَا تُرِيدُ الزَّلَلَ، لَيْسَتْ مُعَانِدَةً، لَيْسَتْ مُغَطِّيَةً، لَيْسَتْ جَاحِدَةً؛ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي هِيَ فِعْلًا بِكَامِلِ مِصْدَاقِيَّتِهَا تُرِيدُ الحَقِيقَةَ، سَيَكُونُ هَذَا الكِتَابُ هُدًى لَهَا وَرَشَادًا.

بِخِلَافِ الشَّخْصِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ الشَّخْصِيَّةُ الكَافِرَةُ، وَلَا بُدَّ دَائِمًا لَمَّا نَتَكَلَّمُ عَنِ الكُفْرِ وَاسْتِعْمَالِ القُرْآنِ مُفْرَدَةَ الكُفْرِ أَنْ نَتَذَكَّرَ مَعْنَاهَا وَهِيَ التَّغْطِيَةُ؛ فَالشَّخْصِيَّةُ الكَافِرَةُ هِيَ شَخْصِيَّةٌ مُغَطِّيَةٌ لِلْحَقَائِقِ، وَمُعْرِضَةٌ عَنِ الهِدَايَةِ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ وَعَلَنِيٍّ، هِيَ لَا تُوَارِبُ، لَا تَعْمَلُ فِي الدَّهَالِيزِ، هِيَ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ تَقُولُ إنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُغَطِّيَ كُلَّ هَذِهِ الحَقَائِقِ وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُنْصِتَ لَهَا وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَمِعَ إِلَيْهَا، وَهَذِهِ الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، مَا دَامُوا يَتَعَامَلُونَ بِصُورَةٍ عَلَانِيَةٍ وَمَكْشُوفَةٍ عَلَى كُفْرِ الحَقَائِقِ وَجَحْدِهَا، فَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَبِالتَّالِي عَلَيْكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُمْ مَا دَامُوا فِي هَذِهِ الحَالَةِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الإِيمَانُ.

وَصَلْنَا إِلَى النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنَ البَشَرِيَّةِ؛ النَّوْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ الأَخْطَرُ، وَالَّذِي يَحْتَاجُ التَّفْصِيلَ فِيهِ إِلَى صَفَحَاتٍ وَصَفَحَاتٍ، وَلِذَلِكَ القُرْآنُ أَعْطَاهُمْ مِسَاحَةً كَبِيرَةً مِنْ مُعَالَجَةِ أَمْرِهِمْ وَحَالِهِمْ، لِأَنَّهُمْ بِطَبِيعَتِهِمْ لَا يَعْمَلُونَ فِي العَلَنِ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ فِي الدَّهَالِيزِ وَالْأَنْفَاقِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ بِالمُنَافِقِينَ فِي العَدِيدِ مِنَ السُّوَرِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَمْ يَرِدْ هُنَا فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، لَكِنْ فِي العَدِيدِ مِنَ السُّوَرِ سَمَّاهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالمُنَافِقِينَ. وَكَمَا يَقُولُ الشَّيْخُ فَرِيدُ الأَنْصَارِيِّ، كَانَ اخْتِيَارُ كَلِمَةِ المُنَافِقِ هُوَ نَاشِئٌ عَنْ طَبِيعَةِ هَذَا الجِنْسِ مِنَ البَشَرِ أَنَّهُ يَعْمَلُ فِي الأَنْفَاقِ، يَعْمَلُ فِي الدَّهَالِيزِ، يَعْمَلُ تَحْتَ الأَرْضِ.

هَؤُلَاءِ كَيْفَ كَانَتْ تَعَامُلُهُمْ أَوْ مَا هِيَ صِفَاتُهُمْ وَشَخْصِيَّتُهُمْ وَطَبَائِعُهُمْ؟ ثُمَّ كَيْفَ اسْتَقْبَلُوا هُدَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي يَهُمُنَا فِيهِمْ بِالتَّحْدِيدِ: كَيْفَ كَانَ اسْتِقْبَالُهُمْ لِهِدَايَةِ اللَّهِ؟ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -بَعْدَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ- فِي بَيَانِ الصِّنْفِ الثَّالِثِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. لَاحِظْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: وَمِنَ النَّاسِ، وَكَأَنَّهُمْ مِنَ المُجْتَمَعِ، مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ بَيْنَكُمْ، طَائِفَةٌ هَكَذَا حَالُهُمْ أَنَّهُمْ يَهْتَمُونَ بِالقَوْلِ وَغَيْرُ صَادِقِينَ فِي البَاطِنِ؛ يَقُولُونَ، يَهْتَمُونَ أَنْ يَقُولُوا، هَدَفُهُمْ أَنْ يَسْمَعَ النَّاسُ، يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهَذِهِ أَهَمُّ صِفَتَيْنِ فِي المُتَّقِينَ إِذَا تَذَكَّرْتُمْ، هُمْ يُصَرِّحُونَ بِهَا أَمَامَ المُجْتَمَعِ، يَقُولُونَ نَحْنُ مِثْلُكُمْ نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَنُؤْمِنُ بِاليَوْمِ الآخِرِ.

لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَصَدَ بَوَاطِنَهُمْ: هَلْ هُمْ فِي الدَّاخِلِ صَادِقُونَ فِي هَذَا الِادِّعَاءِ؟ قَالَ: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ؛ هُمْ لَيْسُوا صَادِقِينَ، وَسَنَعْرِفُ مَا الَّذِي دَفَعَهُمْ إِلَى هَذَا العَمَلِ فِي الدَّهَالِيزِ وَالأَنْفَاقِ وَعَدَمِ الوُضُوحِ وَالكَشْفِ عَنْ مَوْقِفِهِمْ. مَا الَّذِي يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَكْذِبُ فِي الظَّاهِرِ وَيَقُولُ كَلَامًا مُخَالِفًا لِبَاطِنِهِ؟

لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُنَا يَرْصُدُ لَنَا قَضِيَّةً أُخْرَى فِي بَوَاطِنِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ وَغَيْرُ مُصَدِّقِينَ حَقِيقَةً بِاللَّهِ وَبِاليَوْمِ الآخِرِ، قَالَ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ، يُمَارِسُونَ هَذِهِ المُمَارَسَةَ أَيْضًا، وَهِيَ مُحَاوَلَةُ خِدَاعِ اللَّهِ عَلَى الأَقَلِّ فِيمَا يَظُنُّونَ. فَهُمْ عِنْدَمَا يَقُولُونَ هَذَا عَلَنًا: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ، وَيُحَاوِلُونَ أَنْ يَجْهَرُوا بِهذا دَاخِلَ المُجْتَمَعَاتِ وَفِي وَسَائِلِ الإِعْلَامِ وَفِي الأَمَاكِنِ المُتَعَدِّدَةِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ حِيَلَهُمْ البَاطِنِيَّةَ تَسْلُكُ، وَأَنَّهُمْ عَلَى الأَقَلِّ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ؛ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَيْفَ سَيَتَصَرَّفُ مَعَهُمْ بِعَيْنِ المُتَرَقِّبِ، يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ كَيْفَ سَيُعَامِلُ عَلَى هَذَا الكَذِبِ بِعَيْنٍ مُتَرَقِّبَةٍ.

فَإِذَا رَأَوُا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُعَاجِلْهُمْ بِالعُقُوبَةِ ظَنُّوا أَنَّهَا مَشَتْ؛ بِلُغَتِنَا العَامِّيَّةِ يَقُولُونَ: سَلَكَتْ! يَعْنِي خَلَصَ هَيْنَا أَظْهَرْنَا الإِيمَانَ وَإِنْ كُنَّا فِي الدَّاخِلِ لَسْنَا مُؤْمِنِينَ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُعَاجِلْ بِالعُقُوبَةِ! فَيَقُولُونَ: اسْتَطَعْنَا أَنْ نَخْدَعَ الإِلَهَ، سَلَكَتْ، مَشَتْ! وَهَذَا حَالُ تَرَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأُمُورَ وَيَلْتَفُّ عَلَى الشَّرَائِعِ، وَعِنْدَمَا يَرَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُفَاجِئُهُ وَأَنَّهُ مَرَّ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثٌ وَهُوَ يُمَارِسُ نَفْسَ المُمَارَسَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ حَيَاتِي بَلْ بِالعَكْسِ ارْتَفَعَ سُلَّمُ الوَظِيفِ حَيَاتِي المَالِيَّةُ تَتَوَسَّعُ! قَالَ: يَظُنُّ فِي دَاخِلِهِ: اسْتَطَعْتُ أَنْ أَخْدَعَ الإِلَهَ! يُخَادِعُونَ اللَّهَ هَكَذَا ظَنُّوا، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَيْضًا يُمَارِسُونَ الخِدَاعَ لِمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا سَتَنْطَلِقُ فِي الأَنْفَاقِ وَفِي الدَّهَالِيزِ وَفِي الظَّلَامِ، أَنَّهُ سَتَمْشِي الحَيَاةُ الدُّنْيَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَسَيُحَقِّقُ السَّعَادَةَ وَاسْتَطَاعُوا أَنْ يَلْعَبُوا عَلَى كُلِّ الحِبَالِ.

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فَقَدُوا الشُّعُورَ، فَقَدُوا الإِحْسَاسَ بِالخَطَأِ، فَقَدُوا الإِحْسَاسَ بِالنَّقْصِ، وَهَذِهِ أَكْبَرُ مُصِيبَةٍ: أَنْ تَكُونَ عَلَى ضَلَالٍ وَأَنتَ تَظُنُّ أَنَّكَ عَلَى صَوَابٍ، أَنْ تَظُنُّ أَنَّكَ نَجَحْتَ وَأَنْتَ فِي الحَقِيقَةِ فِي خَسَارَةٍ، أَنْ تَظُنُّ أَنَّكَ تَصْعَدُ وَأَنْتَ فِي الحَقِيقَةِ فِي انْحِدَارٍ، أَنْ تَفْقِدَ الإِحْسَاسَ بِقَضَايَا الإِيمَانِ! وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ أَنْوَاعِ الخِذْلَانِ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالعَافِيَةَ. هَذَا دَاءٌ خَطِيرٌ، لِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، لَكِنِ المُشْكِلَةُ: وَمَا يَشْعُرُونَ، وَمَا يَشْعُرُونَ! فَقَدُوا الإِحْسَاسَ بِهَذِهِ المُخَادَعَةِ وَبِهَذَا الِابْتِعَادِ وَأَنَّهُمْ يَسْقُطُونَ.

ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَا الَّذِي دَفَعَ هَؤُلَاءِ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ؟ يَعْنِي الإِنْسَانُ الكَافِرُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَافِرٍ يُعْلِنُ كُفْرَهُ هُوَ وَاضِحٌ، لَكِنْ هَذَا الشَّخْصُ المُنَافِقُ هُوَ لِمَاذَا يَعْمَلُ فِي الأَنْفَاقِ؟ قَالَ سُبْحَانَهُ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. إِذًا هَذَا أَصْلُ المُشْكِلَةِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُمْ يُعَانُونَ مِنْ مَرَضٍ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُمْ لَا يَصْدُقُونَ فِي قُلُوبِهِمْ وَإِنْ كَانُوا صَرَّحُوا بِلِسَانِهِمْ؛ هَذَا المَرَضُ إِمَّا مَرَضُ شَهَوَاتٍ أَوْ مَرَضُ شُبُهَاتٍ.

فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الشَّهَوَاتِ تَجْعَلُ صَاحِبَهَا لَا يُرِيدُ أَنْ يَتَّبِعَ الشَّرِيعَةَ وَلَا الهِدَايَاتِ الإِلَهِيَّةَ، يَعْتَقِدُ وَيَتَصَوَّرُ أَنَّ الهِدَايَاتِ الإِلَهِيَّةَ هَذَا الهُدَى سَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهَوَاتِهِ، شَهْوَةُ مَالٍ، شَهْوَةُ رِئَاسَةٍ أَوْ جُمْهُورٍ، شَهْوَةُ نِسَاءٍ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ، أَيُّ شَهْوَةٍ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا مُتَشَبِّثٌ بِهَا، وَيَتَصَوَّرُ أَنَّ الهِدَايَاتِ سَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْوَتِهِ، هُوَ هَذَا الَّذِي سَيَدْفَعُهُ إِلَى أَنْ يُصَرِّحَ أَمَامَ المُجْتَمَعِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ وَدَمِهِ وَمَالِهِ، لَكِنْ هُوَ فِي البَاطِنِ لَا يُرِيدُ أَنْ يَقْتَنِعَ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ وَلَا بِهِدَايَاتِ القُرْآنِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ عِنْدَهُ مَرَضَ شَهْوَةٍ، وَكَمَا قُلْنَا هُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ الهِدَايَاتِ سَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْوَتِهِ، أَوْ عِنْدَهُ شُبُهَاتٌ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَبْقَى يَعِيشُ فِي مُسْتَنْقَعِ الرِّيبَةِ وَالقَلَقِ، فَبِالتَّالِي يَعْتَرِضُ أَوْ يُعْرِضُ عَنْ حَقَائِقِ الإِيمَانِ فِي بَاطِنِهِ وَإِنْ كَانَ يُصَرِّحُ بِهَا فِي الظَّاهِرِ.

طَبْ، رُبَّمَا يَتَسَاءَلُ البَعْضُ سُؤَالًا: هُوَ هَذَا الشَّخْصُ لِمَاذَا لَا يَذْهَبُ إِلَى بِلَادِ الكُفَّارِ وَيُرِيحُ نَفْسَهُ؟ يَعْنِي مَا دَامَ هُوَ لَا يُرِيدُ التَّصْدِيقَ فِي البَاطِنِ وَيُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، مَا الَّذِي يَمْنَعُهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى بِلَادِ الكُفَّارِ وَأَنْ يُقِيمَ بَيْنَهُمْ وَأَنْ يُعْلِنَ كُفْرَهُ حَقِيقَةً؟ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا المُسْلِمَةِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارَ الهِجْرَةِ إِلَى بِلَادِ الكُفَّارِ؛ يَعْنِي لَيْسَ الكُلُّ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الهِجْرَةِ، إِمَّا لِأُمُورٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ لِأُمُورٍ حَيَاتِيَّةٍ أَوْ لِأُمُورٍ مَالِيَّةٍ وَحَتَّى لِأُمُورٍ أَمْنِيَّةٍ لِلْجَوَازَاتِ لِكَثِيرٍ مِنَ القَضَايَا، لَا تَتَصَوَّرْ أَنَّ الكُلَّ قَادِرٌ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى تِلْكَ الدِّيَارِ. فَبَعْضُ النَّاسِ أَوْ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ هُوَ مَحْكُومٌ أَنْ يَبْقَى فِي بَلَدِكَ، مَحْكُومٌ أَنْ يَبْقَى مَعَكَ فِي مُجْتَمَعِكَ، قَدْ لَا يُحِبُّ أَصْلًا الذَّهَابَ إِلَى بِلَادِ الكُفَّارِ، هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْقَى عِنْدَكَ، لَكِنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَوَاضِحًا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ؛ مَرَضُ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضُ شُبْهَةٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي بَاطِنِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خُطُورَةِ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ وَضَرُورَةِ المُعَالَجَةِ السَّرِيعَةِ، لِأَنَّ هَذَا المَرَضَ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اسْتِقْبَالِ هِدَايَاتِ القُرْآنِ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.

لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُعَالِجُوا هَذَا المَرَضَ وَلَمْ يَأْتُوا إِلَى القُرْآنِ لِيَشْفِيَهُمْ مِنْ هَذَا المَرَضِ -لِأَنَّ القُرْآنَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الأَمْرَاضِ- لَمَّا لَمْ يَتَعَامَلُوا مَعَ القُرْآنِ بِالجِدِّيَّةِ وَأَعْرَضُوا عَنْ هِدَايَاتِهِ، عَاقَبَهُمُ اللَّهُ بِزِيَادَةِ هَذَا المَرَضِ، قَالَ: فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا. فَيَزْدَادُونَ غَرَقًا فِي بُحُورِ الشَّهَوَاتِ أَوْ فِي بُحُورِ الشُّبُهَاتِ، وَهَذَا فِي الدُّنْيَا هَذِهِ عُقُوبَةٌ أَنْ يَزْدَادَ المَرَضُ وَيَزْدَادَ الغَرَقُ، وَفِي الآخِرَةِ قَالَ سُبْحَانَهُ: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكَذِبِ، بِسَبَبِ تِلْكَ المُخَادَعَةِ وَالمُمَارَسَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.

ثُمَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَعْطَانَا القَاعِدَةَ العَامَّةَ لِهَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَقُولُونَ شَيْئًا وَيُبْطِنُونَ شَيْئًا آخَرَ وَيَسْعَوْنَ لِلْمُخَادَعَةِ، أَعْطَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثَلَاثَ صِفَاتٍ فِي شَخْصِيَّةِ المُنَافِقِ؛ الشَّخْصُ الَّذِي يَعْمَلُ فِي الدَّهَالِيزِ، الَّذِي يَعْمَلُ فِي السَّرَادِيبِ، الَّذِي لَا يَعْمَلُ فَوْقَ الأَرْضِ بِصُورَةٍ عَلَنِيَّةٍ. إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ طَبَائِعَهُ وَأَرَدْتَ بِالقَرَائِنِ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ فِيهِ نِفَاقٌ، خُذْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَ لَهُ.

الصِّفَةُ الأُولَى لِهَؤُلَاءِ: أَنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ حَقَائِقَ الدِّينِ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مَعَكُمْ فِي مُجْتَمَعِكَ وَيُصَرِّحُ عَلَنًا بِالإِسْلَامِ وَيُبْطِنُونَ الكُفْرَ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ، أَوَّلُ صِفَةٍ فِيهِمْ كَمَا رَصَدَهَا القُرْآنُ هِيَ أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ دَوْمًا التَّلَاعُبَ وَتَبْدِيلَ حَقَائِقِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَوَّلِ صِفَةٍ لَهُمْ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ.

إِذًا هَؤُلَاءِ يُمَارِسُونَ الفَسَادَ وَيُسَمُّونَ مُمَارَسَةَ الفَسَادِ إِصْلَاحًا؛ مَثَلًا: تَحْكِيمُ المَرْأَةِ وَالحِفَاظُ عَلَى حُقُوقِهَا، وَلَكِنَّهُمْ فِي الوَاقِعِ مَاذَا يُرِيدُونَ؟ إِفْسَادَ المَرْأَةِ وَانْتِهَاكَهَا! حُرِّيَّةُ التَّعْبِيرِ، حُرِّيَّةُ اتِّخَاذِ الرَّأْيِ، مَاذَا يُرِيدُونَ بِهَذَا الِاسْمِ؟ قَالَ: نَحْنُ مُصْلِحُونَ، نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُعْطِيَ الإِنْسَانَ حُرِّيَّةَ التَّعْبِيرِ، حُرِّيَّةَ أَنْ كُلَّ شَخْصٍ يَتَكَلَّمُ! هُمْ يُرِيدُونَ فِي البَاطِنِ إِفْسَادَ الشَّرِيعَةِ، يُرِيدُونَ أَنْ كُلَّ إِنْسَانٍ يَعْبَثُ بِالشَّرِيعَةِ كَمَا يَشَاءُ وَيُغَيِّرُ أَحْكَامَ اللَّهِ: وِجْهَةُ نَظَرٍ وَرَأْيٌ! وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ الكَثِيرَ وَالكَثِيرَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَرَوْنَهَا فِي الأَعْلَامِ وَفِي المَنَاهِجِ وَفِي الأَسْوَاقِ وَفِي الحَيَاةِ العَامَّةِ فِي المُجْتَمَعَاتِ، كَيْفَ أَنَّهُمْ يُمَارِسُونَ الإِفْسَادَ وَلَكِنْ يُعْطُونَهُ لَبُوسَ الإِصْلَاحِ وَأَنَّنَا إِنَّمَا نُرِيدُ تَحْقِيقَ الإِنْسَانِيَّةِ وَالحَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ!

وَمَاذَا يُسَمُّونَ حَتَّى تَمْيِيعَ الشَّرِيعَةِ وَهَدْمَهَا؟ وَسَطِيَّةً! لَاحِظْ هَدْمُ الشَّرِيعَةِ وَتَمْيِيعُ أَفْكَارِهَا مَاذَا يُسَمُّونَهُ؟ وَسَطِيَّةً! إِذًا أَوَّلُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ المُنَافِقِ حَتَّى تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْصُدَهُ وَتَفْهَمَهُ: عَبَثَ بِحَقَائِقِ الشَّرِيعَةِ فَيُسَمِّي مُمَارَسَةَ الفَسَادِ وَنَشْرَ الفَحْشَاءِ وَالتَّلَاعُبَ بِالأَخْلَاقِ وَالقِيَمِ يُسَمِّيهِ إِصْلَاحًا، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ. وَلَاحِظْ مَرَّةً أُخْرَى: فِقْدَانُ الشُّعُورِ؛ بِاخْتِصَارٍ هُوَ فَقَطْ ضَمِيرٌ مَا عِنْدَهُ، فَقَدَ ضَمِيرَهُ، فَقَدَ إِحْسَاسَهُ، فَقَدَ فَقَدَ شُعُورَهُ بِأَنَّهُ يُسْقِطُ النَّاسَ فِي الرَّذَائِلِ وَيُحَرِّفُ النَّاسَ عَنِ الشَّرَائِعِ. سَقَطَ ضَمِيرُهُ وَسَقَطَ إِحْسَاسُهُ وَسَقَطَتْ مَشَاعِرُهُ فَمَا عَادَ يَرَى الحَقَائِقَ كَمَا هِيَ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ أَصْبَحَ فِعْلًا بَعْضُهُمْ مُقْتَنِعًا أَنَّ الفَسَادَ الَّذِي يَنْشُرُهُ هُوَ قِمَّةُ الإِصْلَاحِ! وَلَاحِظْ عِنْدَمَا تَفْقِدُ الإِحْسَاسَ، عِنْدَمَا تَفْقِدُ ضَمِيرَكَ تَفْقِدُ الفِكْرَةَ وَتُصْبِحُ تَرَى الحَقَائِقَ عَلَى عَكْسِ مَا هِيَ، هَذِهِ كُلُّهَا عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ، لِذَلِكَ دَائِمًا مِنْ أَعْظَمِ الأَدْعِيَةِ: اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَا عَادُوا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ يُمَارِسُونَ قِمَّةَ الفَسَادِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَيُسَمُّونَهُمْ إِصْلَاحًا!

وَهَذَا كَحَالِ مَنْ كَذَبَ كَذِبَةً فَصَدَقَهَا، يَعْنِي وَفِي البِدَايَةِ قَدْ يَكُونُ يُرِيدُ أَنْ يَكْذِبَ، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ صَدَّقَ نَفْسَهُ! وَلِذَلِكَ سَهْلٌ جِدًّا أَنْ تَجِدَهُ عَلَى وَسَائِلِ الإِعْلَامِ بِكُلِّ قُوَّةٍ يُدَافِعُ عَنْ تَعْرِيَةِ المَرْأَةِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ يُدَافِعُ عَنْ تَشْوِيهِ الشَّرِيعَةِ! مِنْ أَيْنَ أُخِذَتْ هَذِهِ القُوَّةُ وَتُسَمِّي نَفْسَكَ أَيْضًا -لَا، هَكَذَا هِيَ الشَّرِيعَةُ، لَكِنْ أَنْتُمْ يَا أَيُّهَا المَشَايِخُ وَيَا أَيُّهَا الدُّعَاةُ مُتَزَمِّتُونَ مُتَشَدِّدُونَ-؟ مِنْ أَيْنَ أَخَذَ كُلَّ هَذِهِ القُوَّةَ وَمِنْ هَذِهِ الجَرَأَةِ؟ أَخَذَهَا مِنْ كَوْنِهِ لَا يَشْعُرُونَ، هُوَ فَقَدَ الإِحْسَاسَ وَالضَّمِيرَ بِأَنَّهُ مُبْطِلٌ.

ثُمَّ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لِهَؤُلَاءِ بَعْدَ الصِّفَةِ الأُولَى؛ الصِّفَةُ الأُولَى كَمَا قُلْنَا تَغْيِيرُ الحَقَائِقِ وَإِلْبَاسُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، وَهِيَ مَعْنًى أَنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ هِيَ إِحْدَى مُمَارَسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَشْوِيهِ الهُدَى يُمَارِسُهَا هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ فِي المُجْتَمَعَاتِ المُسْلِمَةِ. ثَانِيًا، الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ فِيهِمْ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ. الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ إِذًا مَا هِيَ؟ أَنَّهُمْ يَزْدَرُونَ أَهْلَ العِلْمِ وَيَزْدَرُونَ أَهْلَ الإِيمَانِ وَأَهْلَ الصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَنْظُرُونَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ نَظْرَةً عُلَوِيَّةً؛ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لِمَاذَا لَا تُؤْمِنُونَ كَمَا يُؤْمِنُ -كَمَا يُؤْمِنُ عَوَامُّ المُسْلِمِينَ- الإِيمَانَ الفِطْرِيَّ، الإِيمَانَ السَّوِيَّ، الِانْقِيَادَ لِلَّهِ، الصَّلَاةَ.

الصيام، الابتعاد عن الربا، الابتعاد عن الفواحش والزنا والخنا، وتقوى الله عز وجل على قدر الاستطاعة. لماذا لا تؤمنون كما يؤمن أهل الصدق؟ فهم كيف نظرتهم إلى أهل الإيمان الحق، إلى أهل العلم، إلى أهل التدين، إلى أهل الدعوة، إلى أهل الإصلاح؟ ينظرون إليهم على أنهم مجموعة من السذج والجهال والحمقى والمغفلين. فيقولون: أتريدون منا أن نؤمن كما آمن السفهاء؟ هؤلاء مجموعة من المشايخ البسطاء المساكين، خاصة إذا كان هذا المنافق وصل إلى مرتبة علمية، مثلاً أصبح دكتوراً في الفيزياء، أو في الكيمياء، أو في القانون، أو في شيء، يصبح هكذا منتفخاً، يعتقد نفسه أنه حصل علماً. وإنما حالهم كما قال سبحانه وتعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ.

ويصبح نظرتهم إلى أهل الإصلاح، وأهل العلم، وأهل الخير، بل حتى إلى الإيمان الفطري الذي لعموم المسلمين، يرى أنه سفه، وأنه عدم عقلانية، وعدم نظر في الواقع، وعدم إدراك لطبائع الحياة: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ فالله عز وجل يقول: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ. أنت السفيه! حتى لو كنت دكتوراً في الأحياء، أو في الفيزياء، أو في القانون، أو إنسان تخرجت من جامعة كامبريدج، أو من جامعة أكسفورد، أو ما شابَه ذلك؛ حتى لو كنت تملك ضياعاً وقصوراً في أمريكا وبريطانيا، لا، لا، أنت سفيه! أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ. أنت السفيه ولكن لا يعلمون! لا يعلمون أن ما عندهم من العلم إنما هو فقط ظاهر من الحياة الدنيا وقشور، وأن ذلك الرجل الولي من أولياء الله الصادق الذي عرف الله، ووحد الله، وخضع لله، وقال: سمعنا وأطعنا، ذلك العالم حقاً، وذلك العارف حقاً، حتى ولو لم يحمل شهادات الدنيا، ولم يتخرج من جامعة أوروبية أو أجنبية، ذاك هو الذي يعلم، وأنت الذي لا تعلم! أنت علمت القشور وهو عرف الصلب. أنت علمك علم لم ينفعك، وذاك عنده علم نافع. لكن لا يعلمون، لا يمتلكون المعرفة النافعة، فيصدق عليه أنه لا يعلم، وإن كان لديه شهادات أو علوم دنيوية. فمن كان عنده علم دنيوي ولكنه فقد العلم الأخروي، ومن كان عنده علم الدنيا ولكنه فقد الآخرة، فهو لا يعلم هكذا بكل إطلاق، هو لا يعلم؛ لأن علم الدنيا الذي لا يقود للآخرة ليس بعلم.

ثم الصفة الثالثة في هذا الجنس، ولاحظ كيف أن الله عز وجل لما ذكر صفات الشخصية الانتقائية وصفات الشخصية الكافرة، لا، هنا عم يعطيك صفات الشخصية المنافقة. وتذكروا دائماً، المنافق يعمل في الدهاليز، ولا يعمل إلا في الأنفاق، ولا يستطيع أن يعمل فوق الأرض؛ لأنه في قلبه أمراض لا يستطيع أن يجهر، يخاف على نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يصدق؛ لأن في قلبه مرضاً. لاحظوا، هو لا يستطيع أن يجهر، يخشى على نفسه من المجتمع، لكنه، طب لماذا ما يصدق ويريح نفسه؟ من الباطن في قلبه مرض. الصفة الثالثة فيه أن هؤلاء المنافقين عبر الأزمنة موالاتهم وعلاقتهم باليهود باعداء الأمة، لهم انتماءات خارجية وارتباطات خارجية، لكنها تعمل في الأنفاق وفي الدهاليز. فيقول سبحانه: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا. هم أمام المجتمع المسلم: نحن مؤمنون، وعادي بصلي معك في المسجد وكذا، وممكن يخطب جمعة أو يعطيك درس، قَالُوا آمَنَّا. وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ -كثير من المفسرين فسروا الشياطين هنا بانهم اليهود- وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ، فهؤلاء اليهود هم رؤوس الإفساد عبر تاريخ سارية إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا. فهؤلاء المنافقون لما يكونوا في الاجتماعات السرية في الدهاليز مع شياطينهم، مع اليهود، قالوا: إنا معكم، آه، أنتم بتشوفونا صح بنصلي معهم، بتشوفونا ممكن نحكي معهم أننا مسلمون ونريد لهم الإسلام وما شابه ذلك، لكننا في الحقيقة لسنا معهم، نحن معكم!

هكذا هم المنافقون عبر التاريخ، حتى في زمن النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين كان دائماً بالدهاليز يشتغل مع بني النضير بني قريظة، يحاول أن يثبتهم: ترى احنا فقط أمامهم نحكي أننا آمنا، لكن في الباطل أنا معكم، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، نحن نضحك على هؤلاء المساكين البسطاء، نوهم أننا نريد الإيمان والاسلام وما شابه ذلك. لكن ثقوا يا أيها اليهود، يا أيها الشياطين، ثقوا إنا معكم. ولاحظوا تسمية اليهود بالشياطين؛ لأن اليهود هم إلى اليوم هم رؤساء إدارة الفساد الصهيوني العالمية الماسونية وأذنتها في العالم العربي والإسلامي تضرب بقوة. ودائماً أتباعهم وأجيرهم يفزعون إليهم، ويقولون لاسيادهم من اليهود: احنا معكم، لكن هذا فقط اظهار ديكورات نظهرها أمام المجتمعات المسلمة، لكن اياكم يا اسيادنا أن تشكوا في ولائنا لكم. إذاً، دائماً كما يقول الشيخ فريد الأنصاري، المنافق ولاءات خارجية، وليس له ولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. فالله مباشرة يرد على هذه الألاعيب: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. تظنون أنفسكم تستهزئون بالله وبالمجتمع المسلم؟ الله يستهزئ بكم، وهو يراكم ويرصد تحركاتكم في الدهاليز، ويراكم وأنتم تذهبون إلى أسيادكم وتقدمون لهم براهين الطاعة. هو يراكم، ولكنه لا يعجل بالنقم عليكم، لا يعجل بعقوبتكم، قال: وَيَمُدُّهُمْ، يمدهم يعطيهم عمراً وفسحة، وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، يتخبطون.

ولاحظ أن هو، لاحظ هذا المنافق هو غير مستقر؛ لأنه إنسان يشعر بالانفصام في الشخصية، الانفصام في الشخصية عنده شخصية ازدواجية، ودائماً اللي بيعيش بشخصية ازدواجية لن يستريح، الذي يعيش بشخصية ازدواجية عمره لا، لا، لن يستريح أبداً؛ لماذا؟ لأنه هو يحاول أن يضع مكياجات معينة إذا سامحوني على المصطلح، أو يضع أدوات تجميل معينة أمام المجتمع المسلم، وهو مطالب أيضاً أن يذهب إلى السيادة ويقدم له براهين الطاعة. هذا التذبذب، كما وصف في سورة الأنعام: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَٰؤُلَاءِ. هذا يجعل صاحب هذه الشخصية تعبان، حتى وان ظهر أمامك أنه يعيش في حالة من الرغد وووو، لكن يكون واثقاً أنه قلق وغير مستريح؛ لأنه هو مضطر أن يتقمص شخصيتين: شخصية المؤمن أمام مجتمعه حتى لا يتهم بالخيانه العظمى وما شابه ذلك، وفي نفس الوقت هو مضطر أن يذهب دوماً إلى شياطينه ليقدم له براهين الطاعة. فشياطينه متشككون فيه: آه، أنت آمنت ولا فقط تمثل؟ فهو مضطر أن يقدم لهم دوماً: لا، لا، أنا أمثل، إياكم أن تشكوا، أنا أمثل، لا تظنوا أنني اهتديت. هو يخشى أن يفقد ثقة شياطينه، وفي نفس الوقت مضطر يومياً أن يعود إلى المجتمع الذي هو يسكن فيه وأن يظهر الإيمان: يقول آمنا بالله وباليوم الاخر. لكن هو يعلم من باطنه أنه كاذب، نسأل الله السلامة والعافية. هذه شخصية قلقه، ولذلك الله سبحانه وتعالى ما أجمل هذا الختام في هذه الصفة أو في صف هؤلاء القوم، يقول سبحانه وتعالى في خلاصه أمرهم: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلَالَ بِالْهُدَى، يعني باختصار هؤلاء القوم ماذا يفعلون؟

كان عندهم هدايات من الله، كان عندهم هدى -لاحظ كلمة الهدى قلنا هذه ستتكرر معنا كثيراً لابد تبقى على ذهنك- كان عندهم هدى يحقق لهم السعادة والطمانينة، لكن لأسف دفعوا الهدى واشتروا الضلالة، اشتروا الضلالة اقتنوها وإن كانوا لا يشعرون أنها ضلالة، كما جاء قبل قليل، لا يشعرون، لكن هكذا اتخذ قراراً: أريد أن ابتعد عن الهدى وأشتري الضلالة. لماذا تفعل هذه الممارسة؟ سيقول في داخله وفي عقله الباطن حتى أحقق السعادة، طبعاً هو في وجهة نظره السعادة هي تلك الشهوة التي هو متعلق بها، شهوة مال، شهوة جنس، أي شهوة من شهوات، رئاسة، أي شيء. هو تخلى عن الهدايه، وانظروا إلى كآبة هذا الشخص، تخلى عن الهداية واشترى الضلالة، وإن كان قد لا يشعر أنها ضلال، ظناً منه أنه سيحقق السعادة لنفسه. لكن ما كانت النتيجة؟ قال سبحانه وتعالى: فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. أنت الآن هذه الصفقة اللي عملتها أنك تخليت عن الهدى وجبت الضلالة، ماذا كان مقصدك؟ أن تربح، صح؟ ظن أنه يريد أن يربح، يريد أن يربح السعادة الدنيوية والترف الدنيوي، فالله يقول: والله ما ربحت تجارتهم! هذه الصفقة صفقة فاشلة، فأنت لن تستطع أن تحقق في الدنيا راحتك أنت، أيها المنافق تعيش في قلق مستمر، ما ربحت في التجارة تماماً، فما ربحت تجارتهم، لم تستطع أن تحقق بغيتك وفي نفس الوقت: وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، ولم تحصل الهداية في الججهة المقابلة، وهذا ما يمكن أن يعبر عنه باختصار: خسر الدنيا والآخرة، لا ربح لا الدنيا أنه استراح، ولا ربح الآخرة أنه اهتدى. مسكين، مسكين، عاش لمشاريع الآخرين، عاش لمشاريع الآخرين، عاش في دهاليز وأنفاق ولم يعش فوق الأرض، فخسر خسراناً مبيناً. لذلك هو في الدرك الأسفل من النار، يعني حتى هو تحت الكفار، هذا منافق نفاق اعتقادي، هذا تحت الكفار، يعني على الأقل الكافر ما يحتاج أن يلعب بشخصيتين، هو وقف في وجه الإسلام واضح، تمام.

أنت أيها المنافق خسرت الجهتين، خسرت الدنيا فلم تسترح، وخسرت الآخرة فلم تهتد. لا هم ربحوا هنا ولا هم ربحوا هنا.

ثم الله سبحانه وتعالى ضرب لنا مثلين لهؤلاء، ولاحظوا وركزوا معي؛ لأن هذه الامثال مهم أن نفهمها. المثل الأول ضربه الله للمنافق المتجذر في النفاق -يعني المنافق الذي هو في تمام النفاق- وهذا المثل الناري. ثم ضرب بعد ذلك مثل آخر للمنافق الذي هو عنده كمية من النفاق، لكن في الحقيقة ما زال عنده كمية من الإيمان، وأسمي هذا المنافق المتردد الذي يخطو النفاق خطوات ويعود خطوات إلى الإيمان. وهذا المنافق المتردد بيعنينا جداً نتكلم عنه في مثله؛ لأنه كثير منا في المجتمعات المسلمة قد يكون عنده جزء من هذا النفاق، يعني دائماً أيها الإخوة، حتى نستفيد من القرآن وهدايات القرآن، لا تظن أن النفاق نحن نتكلم فقط عن عبد الله بن أبي بن سلول، لا تظن أننا نتكلم عن أشخاص بعيد عن دائرة التدين، لا، ممكن أي شخص منا يكون ابتلي بمادة نفاق، فانتبه قد تكون الآية تسقط عليك، نسأل الله السلامة والعافية لنا جميعاً، لكن حتى ننتفع أنت قد يكون فيك جزء من النفاق، خاصة المنافق المتردد اللي عنده مادة نفاق ومادة إيمان.

دعني أبدا بالمثال الأول أو المثل الأول اللي ضربه الله عز وجل للمنافق الذي هو في تمام نفاقه، ولاحظ أن هذا المثل سيرتبط مع الآية الأخيرة: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلَالَ بِالْهُدَى. الله عز وجل يخبرنا أن هذا المنافق اللي باع الهدى وأخذ مكانه ضلالة ما مثله؟ قال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ. هذا المنافق اللي بيعيش في المجتمع المسلم استوقد ناراً، النار هي هدايات القرآن، هي الهدى. الآن هو يعيش معنا في المجتمع، كأنه فتح المصحف وسمع القرآن فاستوقفه الإيمان، أشعل شعلة الإيمان هنا. خلاف بين المفسرين: هل هو دخل في الإيمان حقيقة ثم انتكس إلى النفاق، أم هو من البداية تصنع الإيمان؟ هذا خلاف بين المفسرين يرجع إليه في كتبه، لكن ما أريد هنا أن نفهم الخلاصة: هذا رجل استوقد ناراً، استطاع أن يشعل النار، هذه النار هي الهدايات القرآنية، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى، هي هدايات القرآن، سمعها وراها، فتح المصحف وربما سمعه في صلاة التراويح، ربما سمعه في الإذاعات، ربما سمعه في أماكن عديدة، هو اشعل فتيل الإيمان، استوقد ناراً. فلما أضاءت ما حوله، لما هذه النار الآن النار أيها الإخوة يوجد فيها ماذا؟ ماذا تفيد النار؟ هذا سؤال لكم أيها الجمهور، النار ماذا تعطي؟ ها سريعا سريعا، النار ماذا تعطي؟ ممتاز، الضوء والدفء جميل. أريد هاتين الخصلتين تماماً، النار تعطي حرارة وإنارة.

فالله سبحانه وتعالى يقول: فَلَمَّا أَضَاءَتْ، تكلم عن الإنارة، لما هو فتح المصحف وراى هدايات القرآن أمامه، لَمَّا أَضَاءَتْ هَذِهِ النَّارُ مَا حَوْلَهُ، الأصل أن هذه عملت إضاءة حوله، أصبح يرى الطريق إلى الله، أصبح يرى أنه في جنة وفي نار، ويسمع الكلام الإلهي سبحانه وتعالى، قال: فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ فَجَأَةً ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، فجأة انطفأ الضوء! لماذا؟ هذه الآية لابد أن تربطها بالآية السابقة، هو لماذا أذهب الله عنه هذا النور الذي أشعل ابتداء؟ لأنه اشترى الضلالة بالهدى، لازم تفهم، يعني الله عز وجل لا يخذل الإنسان هكذا فجاه، تكون أنت استوقد ناراً والهدايات أضاءت حولك، فجأة ينطفئ الضوء، لا، أكيد في ممارسات أنت عملتها كانت سبب انطفاء الضوء، انطفاء هدايات القرآن، فما عدت تبصر شيء، وعدت إلى ظلام الحيرة والضلالات والشهوات والشبهات.

ما هي الممارسة التي فعلها هذا الشخص حتى ذهب الله بالنور والإضاءة التي حوله؟ الممارسة هي في الآية السابقة، أنه اشترى الضلالة وباع الهدى، هو تخلى عن الهدايات من أجل المرض الذي في قلبه: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ. هذا المرض، زي ما قلنا، دفعهم إلى أن يتخلوا عن الهدايات بدلا من أن يعالج الشهوات والشبهات بنور الهدايات بالإضاءة التي وجدت، ما صبر، وسناتي بعد قليل إن شاء الله، أو في الدروس القادمة إن كان لنا في العمر بقية، أن هذه الإضاءة حتى تذهب أمراض القلوب من الشبهات والشهوات تحتاج إلى شوية صبر وإلى ممارسات معينة تعينك على الثبات حتى تاتي هدايات القرآن تغسل الشبهات والشهوات، هذا رجل ما صبر، استوقد ناراً وراى هدايات القرآن وبدات تضيء ما حوله، ولكن ما عنده صبر، لا يريد أن يصبر، في قلبه مرض، بده شهوة، يريد ملذات النفس، فللأسف تخلى عن الهدايات مقابل بقاء في الضلالات وشهوات النفس، فعاقبه الله، فعاقبه الله فأطفأ الضوء، ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. لكن ماذا بقي؟ قال العلماء: لم يقل ذهب الله بنارهم، قال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، ذهب النور، ذهبت الإضاءات، لكن ماذا بقي؟ بقيت الحرارة، بقيت حرارة القرآن تحرقهم.

وتلعنه وتكويه، وسيبقى القرآن حجة عليهم. شوف طريقة القرآن في التصوير، لم يقل: ذهب الله بالنار كلها، لا، هذه النار التي تمثل هدايات القرآن هي أعطت دفئاً وحرارةً، حرارة هي مهمة أن هي التي تحرق الشبهات والشهوات، هي التي ستعالج ما في قلبك من الأذى.

لكن للاسف لما تخلوا عن الهداية، انطفأت الإضاءة، لكن بقيت النار تعطي الحرارة التي ستتحرق، والقران حجة لك أو عليك، سيأتي هذا القرآن الذي هو النار التي ولدت الضوء، طفا ضوءه، لكن سيأتي يحرقك يوم القيامة، لأنك أعرضت عن حججه وأعرضت عن دلالته، وسيقول يا رب تركني بعد أن كنت نارا أو قدت له طريق الهداية وأنرت له الطريق، لكنه تركني وتخلى عني واشترى الضلالة، فساكون نارا تحرقه. ستبقى الحرارة تحرقك وتكون فقدت النور، وهذا قمة الخسارة، قمة الخسارة أن يصبح الكتاب الذي هو سبب للإنارة يكون هو سبب في إحراق في جهنم والعياذ بالله يوم القيامة.

ولذلك الله عز وجل ختم في صفة هذا المنافق التام قال: بالتالي ما هو هذا الشخص؟ ما هي خلاصته؟ صم بكم عمي فهم لا يرجعون، بعد أن تخلى تماما عن الهدى واشترى الضلالة أصبح أصم لا يستطيع أن ينتفع بهدايا القرآن، أصبح أبكم لا يستطيع أن يقول حقا موافقا لباطنه، أصبح أعمى لا يستطيع أن يبصر الهدايات، فقد السمع النافع والبصر النافع والكلام النافع، فجعله الله كأنه أصم أبكم أعمى، حتى ولو كان بروفيسور في جامعة، حتى ولو كان ذا منصب كبير، مهما كان، صح أنت بتشوف وبيسمع وبيحكي، لكن لما فقدت هذه الجوارح فائدتها أصبح وجودها كعدمها، فقال الله: هو أصم أعمى أبكم، حتى ولو كنت ترى يتكلم وبيلبس جرافة وكذا، ويجلس في الأماكن العامة والخاصة والندوات والمحاورات، اعلم أنه مسكين فقد فائدة حواسه.

طيب فهم لا يرجعون، خلاص هو لا يستطيع أن يرجع إلى مربع النور إلى مربع الإضاءة بعد أن قرر أن يتخلى عنها والعياذ بالله، وهذا بالتالي حقيقة أصبح حاله حال الكفار اللي ربنا قال: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، إذا هو هذا الحال الذي حصل له أنه انتقل وأصبح صفاته صفات الكافر تماما التي ذكرت في الصفحة السابقة.

دعونا أنتقل معكم إلى النموذج الثاني من من المنافقين، وكيف هذا النموذج الثاني استقبل هدايات القرآن؟ إذا النموذج الأول كيف كانت علاقته بالهدى؟ النموذج الأول فتح هذا الهدى، بدأ هذا الهدى يضيء، لكنه ما صبر فتخلى عنه.

أو كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ، هنا يشبه الله عز وجل الهدى الذي نزل من عنده كأنه صيب مطر ينزل من السماء، هذا المطر لاحظوا التشبيه نزل في ليلة مظلمه فيه ظلمات ورعد، هذا المطر نزل في ليلة مظلمة فيه تخويف، تخويف من النار ووعيد من الله للعصاة والمجرمين، وهذا يمثل الرعد في ليلة مظلمة وفي رعد أصوات مخيفة وهي تهديدات القرآن ووعيد للمجرمين، وبرق، والبرق قالوا هو الومضات والاضاءات وهي البشارة التي تكون أيضا في ثنايا القرآن، إذا نحن في ظلام دامس وهو ظلام الحيرة والضلال، هذا الظلام في ثناياه عم ينزل عليك مطر، هذا المطر الاصل الفائدة منه أن يحييك، أن يثبتك، أن يملا قلبك وأن يرويك، عم ينزل هذا المطر وهي هدايات الله عليك يا أيها الإنسان المسلم، وفي ثناياه رعد يعطيك تخويف وإنذار وبرق ومضات الايمان والبشارة وتستطيع من خلال هذا البرق أن تمشي وتسير في ثنايا هذه الظلمات.

فيه ظلمات ورعد وبرق، هذا المنافق المتردد الذي يخطو خطوات في النفاق ويرجع خطوات للإيمان، يخطو خطوات في النفاق لسه ما حسن موقفه، لاحظ لأن ماده النفاق عنده قوية، لأن ماده النفاق عنده قوية وإن لم تكن تامة، لما تأتي وعيدا، لما يأتي وعيد القرآن وتخويف القرآن، يقول سبحانه في حالهم: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.

قالوا هذا تشبيه لحالهم وهم يسمعون تخويف الله في نار: اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، أحذروا غضب الله وعندما يذكرون أيضا بمصير قوم عاد وقوم ثمود وقوم فرعون، بيحاول أن يضع أصبعه في أذنه لأنه هو في عنده مرض في شهوات في أمور فكلما تقول له: يا اخي في نار خاف من رب العالمين في موت في عذاب قبر، هو بحاول يعرض عن هذه الحقائق أن هذه الحقائق عم بتشكل له قلق، هو كما قلت هو ليس تام النفاق، هو ليس قادر أن يؤمن تماما وليس قادر أن يكذب تماما، فبمجرد ما تأتي إليه تقول له في نار في قبر في عذاب في كذا في خوف في عنده خوف في عنده قلق يخشى أن تكون هذه امور فعلا واقعه وحقيقيه وبالتالي يقع فيها، فهو يحرس قدر المستطاع أن يجتنب إنذارات القرآن، أن يجتنب مجالس أهل العلم، إذا طلع له مقطع بكلم عن الخوف من الله حاول مباشره يبعد عنه، بحب المقاطع اللي فيها دراما وأفلام ومسلسلات وكذا، أعطيه مقطع فيه كلام عن النار وعذابها ومصير الناس وأحوالهم، هو هذا حاله يحاول أن لا يسمع شيئا من ذلك، لأنه بمجرد أن يسمع شيء عن العذاب وعن القبر وهو خايف لأن هو كما قلت هو ليس راسخا في النفاق تماما، بالتالي عنده جزء من وميض الإيمان اللي بخليه قلق، لكن للاسف مع هي مشكلة مركبة عنده أن ماده النفاق وهذا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض القلوب فيها ماده نفاق ومادة إيمان، فقد تغلب ماده النفاق عنده ماده الإيمان فلذلك جعل من المنافقين وإن لم يكن راسخا في النفاق، فهذا الشخص يحاول دوما أنه ما يسمع خايف.

والله سبحانه وتعالى يقول: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، ترى انتبه هذا يوصلك للكفر لأنك ستبقى تعرض مرة مرتين ثلاث أربع خمس ست إلى أن يتحول حالك إلى الصنف الأول وتحرم من الهداية تماما، يعني لسه هذا الصنف الثاني ما أشعره أنه لسه في نبتة خير وإن كان النفاق غالب عليه، كيف يا شيخ عنده نبتة خير؟ هل هناك دلالات في الآية أنه لسه في جزء من الإيمان؟ اقول لك أكمل: يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا وقفوا.

هؤلاء كما قلت عندهم ماده إيمان ضعيفة، فكلما جاءت ومضات البرق كما قلنا هم يعيشون في ليلة مرعبة، الهدى ينزل لكن هناك ظلمات محيطة بهم ظلمات من الشبهات والشهوات والضلالات وهم عيشوا أنفسهم، هو عاش هو يعيش في هذه الظلمات مع أنه في هدى عم بينزل عليه أثناء هذه الظلمات الليلة المظلمة المليئة بالمطر والمليئة بالرعد والتخويف وعم تيجيه ومضات تنير له جزء من هذه الظلمات، تنير له شيء في الطريق، وهذه ومضات الإيمان، هيك بتعرف بعض الناس كيكون عنده نفاق بس أحيانا بسمع موعظة بتحرك في شيء شوي، بسمع كلمة أو كذا يعني تقدح في ذهنه شيء، هذه ومضات سماها القرآن كأنها ومضات البرق، فإذا اشتعل إذا أضاءت مشى، استطاع أن يمشي ويفهم، لكن للاسف هي ومضة سريعة، هو لا يغذيها حتى تصبح نورا تاما، هي فقط ومضة بصلي يوم يومين بعدين بترجع تنطفئ، وإذا أظلم عليهم قاموا رجع وقف، قاموا يعني وقف، بعدين يوم ثاني بتيجي ومضة بتحرك شوي بعدين تظلم الدنيا فيرجع يقف، هو في حيرة الإقبال والإحجام، في حيرة الإقدام والرجوع، نفاق غالب عليه للاسف وإن كان هناك ومضات في الطريق، إذا كلما أضاء لهم مشى بشوي وبرجع شوي، هذا حال حتى المتردد في تدينه والتزامه، يوم بصير يصلي يوم ترك، يوم تتحجب يوم تترك الحجاب، يوم يعني يقول لك لا أنا بدي أصير منيح وكويس وأبدي صفحات جديدة مع الله سبحانه، ويوم برجع كذا لقمه شهواته وشبهاته، يتقدم ويتاخر لم يحسن موقفه بعد، وهذا دلاله على قوه ماده النفاق فيه.

فالله عز وجل يهدد هؤلاء المترددين بمصير السابقين فيقول: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، يمكن يعني لها عدة معاني، لكن من المعاني التي استشعرها كان الله يهدد هذا المنافق المتردد ويقول له: أحسن موقفك، أحسن موقفك لأنني قادر إلا أن أجعلك كالصنف الأول، الصنف الأول خلاص صم بكم عمي هو فقد كل شيء، هذا الصنف لا، لسه هو مش صم بكم عمي لسه بروح وبيجي، بيسمع شوي وبترك شوي، بصر شوي وبتظل الدنيا شوي معه، فالله يهدده لابد أن تعالج نفسك قبل أن يذهب الله بسمعك فتصبح أصم، وببصرك فتصبح أعمى كما حصل مع الصنف الأول، حدد موقفك اتخذ قرارك قبل فوات الأوان، ما بينفعش تبقى في حالة النفاق والإيمان، لابد أن تحدد المربع الذي ستقف فيه، فالله يهددهم: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

هنا انتهى استعراض سورة البقرة للأصناف الثلاثة من البشر وحالهم مع تلقي الهدى، وعرفنا أن هدايات القرآن أن هذا الهدى إنما مع المتقين، فلذلك حصر الهدى في: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، ولم ينجع مع الكافرين ولا مع المنافقين للصفات التي ذكرناها فيهم.

بعد أن استعرض سورة البقرة هؤلاء الأصناف الثلاث جاء النداء العام للبشرية جمعاء، الآن جاء النداء والخطاب لكل البشر يا أيها الناس، ما قال يا أيها الذين آمنوا لا، هو النداء للجميع للمتقي وللكافر ومنافق: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، إذا هذا هو ميثاق الطاعة، اعبدوا ربكم، اخضعوا للرب سبحانه وتعالى لا تخضعوا لشهوات ولا لأهواء لشيء، اخضعوا فقط للإله وسلموه زمام الأمور: اعبدوا ربكم، ثم عادة القرآن لما يتكلم عن الخضوع للرب وهذا توحيد الألوهية يتكلم عن أدلة استحقاق الرب سبحانه للخضوع، وأعظم أدلة القرآن على استحقاق الرب للخضوع والوحدانية هو دليل الخلق والإيجاد من العدم ودليل الاتقان في الصنعة، دليل الخلق ودليل الاتقان، فقال سبحانه ابتداء آتيا بدليل الخلق: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، اعبد الإله الذي خلقك أيها الإنسان وأوجدك من العدم وأوجد الأمم التي جاءت من قبلك لأنك إذا خضعت له ستسلك سبيل المتقين الذين امتدحت في بداية السورة فقال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، خضوعك لله تسليمك لله هو الذي يجعلك في سبيل المتقين من الصنف الأول الذين امتدحت وأثنت عليهم قال لعلكم تتقون، لعلكم تتقون أي تسلكون سبيل الصنف الأول.

طيب دليل آخر على استحقاق هذا الرب لأن يخضع له ولأن يسمع له ولأن يطاع أمره، قال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ، وهذا دليل الاتقان في الصنعة، فبعد أن ذكر هذين الدليلين حذر الخضوع لله، فاحذر يا أيها الإنسان أن تجعل لله نداً قال: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، تعلمون أن هذه الأنداد لم تخلق شيئا ولم تتقن شيئا، والند من هو الند؟ متى بقول فلان ند لي؟ الند هو النظير الذي يزاحمك، الند هو النظير الذي يزاحمك في الأمور، فالله عز وجل يقول: لا تزاحموني باحدا لا شجر ولا حجر ولا بشر ولا صنم ولا بقرة ولا أي شيء، احذروا احذروا أن تجعلوا هناك نظراء يزاحمونني في قلوبكم، لأنه أنت لما تكون جعلت لله أنداداً أنت تخضع يوم لله ويوم للأنداد الذين زاحمت ربك بهم سبحانه، مع أن هذه الأنداد النظير الذي تزاحم به ربك لم يصنع شيئا ولا يقوى على شيء، قال: فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون أن كل هذه لا تقوى على أن تخلق شيئا ولا أن تتقن شيئا كما خلق الله واتقن الله سبحانه وتعالى.

ثم يعود الكلام عن القرآن لأنه هو المادة الأساسية للهداية: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّ نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا، فالحل هو أن ناتي إلى التحدي التحدي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، حاولوا بعرب وعجم بقوتكم وشهداؤكم أن تأتوا بسورة، هنا التحدي وقع بسورة، فَأْتُوا بِسُورَةٍ واحدة من مثل هذا القرآن في الفصاحة والبيان والبلاغة والاعجاز، أيتوني حاولوا أن تصنعوا صورة واحدة، في سورة هود تحداهم بعشر سور، هنا تحداهم بسورة، قال: وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم، الآن في خلاف كثير في معنى الشهداء هنا، لكن ما يهمني الخلاصة أي وادعوا من يشهد يعني بعد أن تصنعوا هذه السورة ادعوا من يشهد أن هذه السورة من جنس ألوب القرآن، والعرب وإن كانوا أعرضوا عن النبي عليه الصلاة والسلام خاصة صحاة وبلغهم أعرضوا عنه ابتداء وأكثرهم، لكنهم كانوا يستحيون، يستحيون أن يفتضحوا، يستحيون فبالتالي حتى ولو كانوا هم في أتم الحرص على مناكفة محمد صلى الله عليه وسلم وتحديه لكنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بسورة، ولم يأتي أي شاهد من الكفار ليشهد أن هناك سورة مما اخترع تساوي القرآن، يعني حتى كان بعضهم يأتي باساطير وقصص ويقول هذه من جنس كلام محمد صلى الله عليه وسلم، أو مسيلمة الكذاب كان يخترع صور الفيل وما الفيل ضفدع وم الضفدع ويحاول أن يتحدى بها، لكن حتى فصحاء العرب من الكفار كانوا يعرفون أنه عيب ومقص في حقنا أن نقول أن هذا الذي يقوله مسيلمه أو يقوله فلان يساوي بلاغة القرآن وفصاحة القرآن، لذلك كما قال الوليد: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، يعني هذا كلام عيب أن نقول حتى وإن كنا لا نوافقه ولا نسير في سلك دعوته، لكننا لن نزري بأنفسنا ونشهد أن هناك كلام يساوي أسلوب القرآن وبلاغة القرآن، فالله يتحداهم قال: وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم من فصحاء العرب ليشهدوا هل هناك شيء من كلامكم من كلام امرئ القيس أو نابغة أو زهير أو كلام أحد منكم يستطيع أن

يصل إلى ربع أو خمس بلاغة القرآن، إن كنتم صادقين، أن محمداً صلى الله عليه وسلم قاله من عنده أو اشتراه أو إلى غير ذلك. فالله سبحانه وتعالى طبعاً يعطيهم نتيجة التحدي مسبقاً، فيقول: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ. يعني إذا أنتم لم تفعلوا، لم تستطيعوا أن تأتوا بسورة، وأن تأتوا بشهداء يشهدون لكم، لم تفعلوا هذا سابقاً، وأنا أقول لكم إنكم لن تفعلوه حتى لاحقاً، لا تقووا على أن تأتوا بكلام يقارن كلام الله. تخيل إنسان يريد أن يتكلم بكلام يساوي كلام الخالق، لا يمكن! قال: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ. فاتقوا النار، بالتالي ما هو المطلوب جميعاً؟ اتقوا النار قبل فوات الأوان، وكونوا مع المتقين؛ لأن المتقي، الشخصية الاتقاء هي التي تتقي في الدنيا المهالك وفي الآخرة المزالق، فاسلكوا سبل المتقين.

مرة أخرى: اتقوا النار التي سيكون وقودها ومادة حطبها الناس. والمراد بالناس هنا الصنف الثاني والثالث، الكافرون والمنافقون، والحجارة، وقالوا هي حجارة الكبريت لأنها أشد اشتعالا، وقيل هي الأصنام. وهذه النار أعدت لأمثالكم من الكافرين الذين يجحدون الحقائق ويغطون؛ الكافر هو المغطي؛ أتيتك بقران وتحديتك به ولم تستطع، لماذا تجحد؟ لماذا تمارس الكفر والتغطية؟ وفي إعادة أسلوب القرآن أنه يجمع بين ترهيب ثم يفتح باب الترغيب؛ لأنه يريد أن يقودك أيضاً إلى السعادة. فقال: وَبَشِّرِ؛ وبشر يا محمد صلى الله عليه وسلم الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِثْلًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. ذكر أنواع عديدة من النعيم في الجنة، تعودون إلى تفسيرها فإنها واضحة في معانيها، فإذن وعيد وترغيب.

طيب، بعد ذلك الله سبحانه وتعالى ذكر ممارسة من ممارسات أهل الضلال والزيغ، سواء من الكافرين أو المنافقين، وهو أنهم في عادتهم، ولاحظ هذا المعنى، يضعون شماعات حتى يبرروا لماذا لا يستهدون بالقران ولا يأخذون هدايات القرآن، ولاحظ هذا المعنى: ما هي الشماعات؟ لاحظوا هذه الآية يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ. هذه انتبهوا لها؛ أن من أبرز أسباب عدم الاهتداء بالقران وعدم وجود سمعنا وأطعنا أن كثير من الناس تمارس هذه الممارسة. الكفار لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم آية سورة الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمَعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، فلما رأى الله سبحانه وتعالى في كتابه يضرب مثلاً لضعف آلهتهم وعجزها مثلاً بالذباب ومثلاً بالعنكبوت، أرادوا أن يضعوا شماعة: لماذا نحن لا نريد أن نستفيد ولا نستهدي بالقران؟ ما هي الشماعة؟ قالوا: كيف الله عز وجل في كلام بليغ يذكر أمثلة بالبعوض والعنكبوت والذباب وما شابه ذلك؟ هل هذا يليق بكلام إله؟ لا لا لا، نحن لا نريد أن نقبل هذه الهدايات؛ ليس لأنها... لاحظ، هم هذا سميته أنا نوع هروب من التحدي. لما الله عز وجل تحداهم بسورة واحدة وهم وقفوا عاجزين حائرين عن مواجهة هذا التحدي، أرادوا أن يعلقوا، يعني يحاولوا أن يجدوا شماعة أخرى، مبرراً لماذا لا يأخذون ويتقبلون هدايات القرآن، وهذا هروب، هروب من التحدي حقيقة.

لكن دعنا نرى ماذا فعلوا. قالوا: يا محمد صلى الله عليه وسلم، لماذا يضرب ربك مثلاً بالبعوضة والذباب وما شابه ذلك من الحشرات؟ كيف تذكر هذا في كتاب ربك؟ هذا ليس كلاماً رفيعاً! طيب، أنت لماذا هربت من المربع السابق؟ أنا تحديتك أن تأتي بسورة من مثله وقلت: وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين. لماذا تهرب من هذا المربع يا أخي؟ أنت تعتقد أن هذه الأمثلة لا تصح في القرآن؟ تفضل يا أيها الكافر المغطي للحقائق، آتني بكلام بليغ معجز ينافس القرآن، وأقنعني أنك تستطيع أن تأتي بما هو أفخم! لم تستطع، فهربت إلى هذه المناورات المكشوفة، هربت إلى المناورات المكشوفة وحاولت أن تجد مبرراً آخر لعدم استقبالك لهدى القرآن. فالله يقول معلناً وبصورة واضحة إنه لا يستحيي سبحانه ولا يخجل ولا يرى أي شيء في أن يضرب مثلاً، مثلاً للمشركين وﻵلهة المشركين بالبعوضة فما فوقها. فما فوقها، هذا المراد ما فوقها: أي في دناءة الخلق كالذباب، أو ما فوقها في الحجم. كلاهما يصلح إن شاء الله، وتعودون إلى كتب التفسير، لكن المهم أن الله لا يستحي من ذلك؛ لأن هذه أمثال تمثل الواقع.

لكن، لكن قال سبحانه من الذي سيستفيد من هذه الأمثال ولن يشعر بأي حرج تجاهها بل يراها في تمام المنطقية والصلاحية؟ قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ. هم يعرفون أن هذه الأمثال تمثل الحقيقة، الأمثال التي في بيت العنكبوت والذباب وما شابه ذلك هي تمثل حقيقة الواقع الذي أنتم فيه: أنكم تتعلقون بأوهام من بيت العنكبوت وبآلهة ضعيفة لا تخلق ذباباً وما شابه ذلك. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيجعلون شماعة، يجعلون هذه الآيات بدلاً من أن تكون سبباً في هدايتهم وتفطنهم، سبباً في ماذا؟ في الابتعاد عن القرآن وازدرائه، فيقولون: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا. فالله عز وجل يقول سبحانه: هذا القرآن عجيب، إخواني هذا القرآن عجيب! قال: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا. هذا القرآن من تعامل معه بشخصية المتقي هداه القرآن أعلى أنواع الهدايات، ومن تعامل معه بالإعراض والازدراء كان القرآن سبباً في ضلاله وكبه في النار.

يعني معقول يا شيخ ممكن يكون القرآن، اللي هو شفاء ورحمة وهدى، ممكن هو نفسه يكون سبباً في إضلال أقوام وانحرافهم؟ نعم؛ لأنه هذا القرآن عليك أن تعرف كيف تتعامل معه، وبأي قلب تأتيه، وبأي قلب تستقبل هداياته حتى ينير لك الطريق؛ وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا شخصية المتقي. لكن من يتعامل مع القرآن بانتقائية ومعاندة، فسيكون القرآن سبباً في زيغه وفي انحرافه؟ نعم، القرآن كان سبباً في ذلك؛ حتى هذه الآية يسقطها كثير من العلماء على أهل البدع، قالوا: أهل البدع يستدلون على بدعهم بايات القرآن، لاحظ، سواء أصحاب البدع الاعتقادية أو حتى البدع السلوكية. قال العلماء: يستدلون على بدعهم بايات القرآن! سبحان الله، يتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء الفتنة. فالقران، لاحظوا، حدين إذا صح التعبير: طريقتك في التعامل معه إما يجعلك ترتقي إلى أعلى درجات الارتقاء، أو يجعلك تقع في أعلى درجات المهالك؛ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا. يُضِلُّ بِهِ، بالقران يعني؛ القرآن يضل به أقوام تعاملوا معه بنفس المعترضين المعاندين المنتقين. فهذا ينطبق على الكفار وعلى أهل البدع، يضلون بالقران، وفي المقابل من تعامل معه بالمنهج الصحيح وجاء بشخصية المتقي الباحث عن الهدى والنور ينير حياتك تماماً؛ وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا.

ثم ذكر سبحانه من هؤلاء الذين يضلهم القرآن ويكون القرآن سبباً في ابتعادهم وليس سبباً في اقترابهم، فيقول: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ. يقول سبحانه: هذا الكتاب إنما يضل به ربنا سبحانه الفاسق. الفاسق هذا عكس، عكس المتقي في هذا السياق؛ احنا ابتدأنا بالمتقين، المتقي هو الذي يتحسس أقدامه ويتصور ويحاول أن يبعد أن يبتعد عن مواطن الردى، الفاسق هو عكس المتقي. فالفاست... الكافر والمنافق، الفاسق بالعكس هو المتمرد الخارج، وهذا أصل كلمة فسق في اللغة العربية: الخروج والتمرد، فسق وفسقت الحبة إذا خرجت من قشرها. فالفسق هو إشارة التمرد والخروج، الفاسقون المتمردون الخارجون عكس المتقين، هؤلاء الفاسقون المتمردون القرآن سيكون لهم سبباً للضلال، وأما المتقي فالقران سيكون سبباً للهدى له.

طيب هذا الفاسق ايش عمل؟ ما هي الممارسات التي يقوم بها حتى أصبح القرآن سبباً في إضلاله وزياده انحرافه بدلاً من أن يكون سبباً في هداه؟ هذا الفاسق عنده ثلاث ممارسات: أولاً: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ. هو بطبيعته متمرد على الله، الله سبحانه وتعالى أعطاه الفطرة الدالة عليه، وبعث إليه رسولاً بكافه المعجزات، وطلب منه أن يؤمن، هذه مواثيق بينك وبين الله، لكن هو مصر على أن ينقض هذه العهود مع الله، عهد الفطرة ومواثيق الفطرة وهي أكبر دليل على وجود الله ووحدانيته، وعهد الرسل ورسالات الرسل، هو ينقضها ويفسق ويتمرد عليها، الَّذِينَ يَنقُضُونَ، وكأن هناك شيء كان مربوط هو نقضه وحله، يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ، متمردون على شرائع الله، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ. كل شيء أمر الله به أن يوصل هم يسارعون في ماذا؟ في قطعه، ولاحظوا أنهم يعاكسون الله! لاحظ، يعاكسون الله، الله أبرم معهم مواثيق نقضوها، الله أمرهم أن يصلوا أشياء قطعوها، الله أمرهم بالإصلاح أفسدوا، إذاً هم يعاكسون الله ويعاكسون... ومتمرد، فاسق، اسمه فاسق، الفسق التمرد الخروج العصيان. هذا الشقي اللي عم بمرد وبعصي ربنا وعم ينقض كل المواثيق وكل شيء أمر الله أن يوصل: الصلة مع الله، الصلة مع الوحي، الصلة مع الهدايات، الصلة للصحابة، الصلة لآل البيت النبي صلى الله عليه وسلم، الصلة للارحام، الصلة للأصدقاء، الصلة بمفهومها العام، كل شيء أمر الله بأن يوصل هو بالعكس هو يسعى إلى قطعه ونقضه. إذاً: نقض لما عقده الله، قطع لما أمر الله أن يوصل، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ التي أمر الله أن يصلح فيها. فهذا الشخصية الفاسقية المتمرده بكل هذه المعايير، نعم، القرآن سيكون سبباً في شقائها وليس في هداها.

ثم يختم هذا المقطع استنكار الله سبحانه وتعالى كيف يمكن للانسان أن يختار الفسق والتمرد، كيف يمكن للانسان أن يختار الفسق والتمرد على الله على الخالق الذي أوجده من العدم؟ فيقول مستفهماً استفهاماً استنكارياً: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ. يعني كيف أنت يا أيها الإنسان بمخلوقك الضعيف تختار أن تواجه الله وتتمرد عليه؟ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ. الموت الأول هنا هو العدم، كنتم أمواتاً، كنتم في حيز العدم، وهو الذي أوجد في عالم الحياة عالم الشهود، فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، مرة أخرى وأنتم ترون الناس من حولكم يموتون، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. يعني أنتم ترون حركة الحياة وعجلة الحياة وأن الفسق عمره ما كان سبب في خلود إنسان، أن الفسق عمره ما كان سبب في أن الإنسان يصل إلى مرحلة التحكم التام في الدنيا، بل أنت تمرض وتفقد وتخسر وتهلك، والحياة وعجلة الحياة، لماذا تختار التمرد؟ فالله سبحانه مستنكراً عليهم: كيف تختار هذا القرار مع انك كنت عدماً فأوجدتك، ثم أنت تموت وتهلك، ثم أبعثك مرة أخرى، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ثم سيكون مصيرك في النهاية إليه وتتمرد عليه؟ عجيب حالك يا أيها الإنسان!

هنا انتهى مشهد الكلام عن أصناف الناس الثلاثة تجاه هدايات الله سبحانه، وانقسامهم إلى متقي وكافر ومنافق، ثم إخبار أن الله عز وجل تحدى الناس بهذه الهدايات، تحدى المعاندين كفاراً أو منافقين أن ياتوا بمثل هذه الهدايات فأتوا بسورة مثله، وكيف أنهم تهربوا من هذا النقاش واعترضوا على هذه الهدايات بأن فيها ذكر البعوضة وما شابه ذلك، فوضعوا شماعة يعلقون عليها إعراضهم عن هذه الهدايات، ثم إعطاء الله حقيقة عظمى عن هذا الكتاب وهو أن هذا الكتاب -انتبهوا واستيقظوا- كما أنني جعلته هدى ورشاد، سأجعله ناراً تحرق كما ذكر في المنافقين، وسأجعله ضلالة للذين، سبباً في إضلاله وزيادة العمى عليهم بدلاً من أن يكون سبباً في رشاده وهداهم، ثم ختم بالاستنكار: كيف يمكن للإنسان أن يختار الفسق والكفر والنفاق كقرار من قرارات الحياة؟

بعد أن انتهى هذا المشهد، وساق اليوم عليه كما وعدتكم، ساعة إن شاء الله لا أزيد، في المجلس الثالث سيكون لنا وقفة عظيمة، أن الله سبحانه وتعالى سيقودنا إلى مبدأ الإنسان اللحظة الأولى التي أراد الله عز وجل أن يخلق هذا الكائن الذي يسمى بشراً على الأرض، وكيف أن هذا الإنسان ما وظيفته، وأن هذه الوظيفه تستدعي منه أن يقبل الهدى منه، وأنه في... وأن أول سبب من أسباب شقاء كان هو أعراضه عن الهدى. يخبرك الله أنك في تمام افتقارك إلى هدى الله: فاستهدوني أهدكم، كما جاء في الحديث القدسي: فاستهدوني أهدكم. أنت لن تستطيع يا أيها الكائن المسمى إنسان أن تعيش على الدنيا وعلى هذا الكوكب على الأرض بدون استقبال الهدى من الله والخضوع لهداية الله سبحانه وتعالى، فخذ السعاده يا أيها الإنسان، فخذ السعادة باتباعك للهدى، وتذكر أن أول قصة شقاء في تاريخك كان سببها عدم استماع الهدى، أول قصة شقاء في تاريخك، بل هي أساس أصلاً وجودك على الأرض هي عدم استماع الهدى، فأزلهما الشيطان عنها. افهم الدرس، تعلم منه، لا تكرر الخطأ، هذا موضوع وعنوان المجلس الثالث باذن الله.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.