تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس الثالث: سورة البقرة من الآية 27 إلى الآية 61

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم.

يذكر لنا القصة من البداية، حتى قبل أن يحصل ذاك الحوار المهيب في الملأ الأعلى بين الله وبين ملائكته؛ الله عز وجل خلق الأرض ثم خلق السماوات ثم عاد إلى الأرض فدحاها لتصبح مستوية قابلة للعيش. هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، سبحانه وتعالى يخبرنا أنه خلق الأرض وأودع فيها ما أودعه من المياه والمعادن وظروف الحياة والهواء لتكون قابلة للعيش، وليقوم هذا الكائن الذي اسمه الانسان والذي سينزل إلى هذه الأرض ليقوم باستغلال مقدرات الأرض لاتمام الحياة البشرية على هذا الكوكب قبل أن تنتهي هذه الحياة الدنيا ويعود مرة أخرى إلى عالم الآخرة. إذا يخبرنا كيف بدأت الحكاية، خلقت لكم كل ما في الأرض لتنتفع به، خلق لكم من أجلكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء سبحانه وتعالى فسواهن سبع سماوات، خلق سبع سماوات فوق هذه الأرض وهو بكل شيء عليم، يعني هو يعلم لماذا فعل ذلك، لماذا خلق الأرض وأعدها ولماذا خلق السماوات وأعدها، نعم هو بكل شيء عليم.

الله سبحانه وتعالى يخبرنا ماذا حصل بعد ذلك، يعطيك قصتك من البداية بعد أن تم تجهيز الأرض وتهيئتها؛ قال سبحانه وتعالى معلنا لملائكته: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. هذه الأرض، يعني كأن الملائكة أيضا استغربت من وجود هذه الأرض ولماذا يخلق الله سبحانه وتعالى، لعل وقع هناك تساؤلات في أذهانهم تجاه هذا الكوكب الجديد وإعادته وتهيئته وإصلاحه ليتم عليه الحياة، فأعلم سبحانه وتعالى الملائكة أنه سيجعل على هذا الكوكب الذي اسمه الأرض سيجعل عليه خليفة. وحقيقة من هنا تبدا الحكاية من كلمة خليفة، والشيخ فريد الأنصاري أبدع حقيقة في الكلام عن هذه المفردة ولماذا اختيرت هنا، واستطيع أن ألاحظوا أن الله سبحانه وتعالى في هذا المقام بالتحديد لم يقل: إني جاعلاً في الأرض إنسانا، لم يقل: إني جاعل في الأرض بشرا، لم يتم استعمال أي مفردة إلا هذه المفردة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، لأن هذه المفردة هي التي توضح لك وظيفتك على هذه الحياة أنك خليفة.

الآن لن أدخل حقيقة في السجال العقدي وهو: ما المراد بالخليفة هنا؟ هل أننا خلائف يخلف بعضنا بعضا أو أننا خلفاء عن الله للحكم بشريعته في الأرض؟ وهناك سجال عقدي حثيث يعني بين المفسرين، وإن كنت حقيقة في نظري لا أرا مانعا من أن يقال إن الإنسان هو خليفة لله، لكن ليس هذا استخلاف احتياج، يعني ليس لان الله يحتاج وجود نائب عنه في الأرض وضعنا، بل هو استخلاف ابتلاء، وهنا يعني أعتقد أن المشكلة يجب أن تنتهي إذا قلنا هو ليس استخلاف حاجة، ليس سبحانه وتعالى منشغل بعوالم أخرى فلانه ليس مسيطرا على العوالم حاشاه قال: ساجعل في الأرض من يخلفني. هذا يحصل في عالم الأرض في الكوكب، نعم أن الخليفة يضع نواب له في الأمصار يوصلون إليه المعلومات، لكن استخلاف الإنسان في الأرض وأن نقول إن الإنسان خليفة لله في الأرض هو استخلاف ابتلاء لهذا الإنسان، أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبتليك وهل ستقوم بحق هذه الخلافة وهذا الميثاق الذي بينك وبين الله أم لن تقوم بحقه؟ وكون الخليفة عن الله لتقوم بترسيخ حكم الله في الأرض هذا يعني هذه أول إشارة أنه لا يمكن أن تستقل عن هدايات الله، أنت أصلاً خليفة عن الله فكيف يمكن أو تسمح لنفسك أو تتجرا أن تضع منهجاً في الأرض خلاف منهج الله سبحانه وتعالى؟ إذا أنا استخلفت شخص على شيء فالمطلوب من هذا الشخص أن يأخذ التعليمات مني حتى يؤدي هذه الخلافة كما أريد، وهكذا أنت أيها الإنسان.

الله سبحانه وتعالى أعلن ذلك أمام الملأ الأعلى أن هذا الإنسان إنما أريده أن يكون خليفة ليطبق أحكامي في الأرض، إذا الوضع الطبيعي والحالة الطبيعية أنه هذا الإنسان عليه أن ينتظر الهدايات من الله ويتلقاها بمنهج سمعنا وأطعنا بمنهج أسلمت لرب العالمين، لأنه سوى ذلك هو متمرد، سوى ذلك هو فاسق ما مر معنا في المجلس الماضي خرج عن القانون الذي وضع من أجل، وكلمة خليفة أيضا حقيقة تعلي من شانك أيها الإنسان، يعني كيف أن الله سبحانه وتعالى اختارك لتطبق أحكامه وهدايات على هذه الأرض؟ هذا أيضا كما أنه تكليف ابتلاء فيه ناحية أخرى من التشريف، لكن التشريف لمن أدى هذا المفهوم على حقيقته، مفهوم أنه خليفة لله في الأرض، من أدى هذا المفهوم الاستخلاف على حقه فقد شرفه الله سبحانه وتعالى.

وهنا الملائكة تساءلت، قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. أيضا اختلفت عبارات المفسرين لماذا الملائكة قالت هذا الكلام؟ يعني من أين عرفت الملائكة أن هذا الخليفة هذا الكائن الجديد الذي سيخلق سيفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ قال بعض المفسرين إنه كان على الأرض قبل عالم الإنس كان هناك الجن وأن الجن أفسدوا وفعلوا ما فعلوا، حقيقة هذه كلها من الإسرائيليات التي لا نمتلك معلومة دقيقة حولها، لكن ما يمكن أن أفهمه من هذه الآية باختصار هو أن الملائكة كان في ذهنها أنها أعلى المخلوقات، كان في تصورها أنها أعلى المخلوقات وأن عبوديتها لله، وركزوا في هذا المعنى، إن كانت الملائكة تعتقد أن عبوديتها لله هي أعلى أنواع العبوديات ما كان في تصورها أنه يمكن أن يأتي نمط آخر من أنماط العبودية والطاعة لله يكون أعلى من نموذجها، لاحظ ماذا قالت: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، يعني نحن من الصباح إلى المساء لا نفتر عن تسبيحك والثناء عليك إلهنا وتقديس أي تنزيه عن العيب والنقائص، هذا الذي كان يدور في ذهن الملائكة أنهم أعلى نماذج التعبد والسمع والطاعة لله.

فالله سبحانه وتعالى أراد أن يعلمهم درسا فقال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، أعلم أن هناك نموذج أعلى في العبودية من نموذج هل هناك فعلا نموذج أعلى في العبودية من نموذج الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يستحسرون عن عبادته لا يستكبرون؟ هذا سؤال، هل هناك فعلا نموذج أعلى من نموذج الملائكة في التعبد؟ نعم، فالله سبحانه وتعالى قال لهم: إني أعلم ما لا تعلمون، أنتم تظنون أنكم أعلى نماذج التعبد، لا هناك نموذج أعلى سيبهركم هذا النموذج، وَعَلَمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.

الله سبحانه وتعالى أراد أن يبين للملائكة حتى عجزهم عن الإدراك والاحاطة بالمعلومات، يعني أنتم لستم فقط عندكم عجز في تصور العبودية وانه يمكن أن أخلق ما هو أعل منكم، بل عندكم حتى نقص في جوانب كثيرة في المعرفة، والله سبحانه وتعالى أثبت لهم ذلك لما خلق هذا الكائن الجديد الذي ابتدأ بادم عليه السلام، خلق آدم وعلمه اسماء الأشياء في هذا الكون، علمه لفظ السما ولفظ الأرض ولفظ الكواكب وأسماء الآلات والأدوات، يعني قال ابن عباس: علمه كل شيء الفأس والأرض والعشب والشجر وهذه خوخ وهذا مشمش، علمه اسماء كل شيء، والملائكة كان علمها قاصرا عن هذا، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يشير إلى الملائكة عن قصورهم، يعني إياكم أن تظنوا لوهله أنكم لأنكم تتعبدون ليلا ونهاراً أنكم أحطتم بكل شيء علمه، سأريكم مقدار العجز عن الإدراك لديكم.

فعلم آدم الأسماء ثم عرض هذه الأسماء، ثم عرضهم أي عرض قال المسميات عرض المسميات على الملائكة وقال أنبئوني بأسماء هذه المسميات إن كنتم صادقين، إن كنتم صادقين أنكم بلغتم إلى درجة عالية من العلم والمعرفة لتعرفوا كيف سيكون حال هذا الإنسان، وكان الملائكة، ويمكن أن يشار إلى هذا أيضا، كان الملائكة ربما توقعت لأنها كانت ترى في نفسها أنها أعلى نماذج التعبد، توقعت أنه أي نموذج آخر أن أي نموذج آخر سيوجد سيكون منه فساد باعتبار أنها هي أعلى نماذج التعبد، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يبين لهم العجز وأنكم مهما بلغتم وإن كنتم مخلوقات شريفة عظيمة لكن علمكم وإحاطتكم ودرايتكم جداً مقابل علم الله سبحانه وتعالى ودرايته.

فالملائكة قالت: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا. فهمت الملائكة الدرس، لا علم لنا إلا ما علمتنا، فخضعت لله، إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، يعني وسع علمك كل شيء وهو ليس مجرد علم هكذا، لا هو علم مقرون بحكمة وهذا من الكمالات، لأن الإنسان قد يكون له علم لكن لا يعرف كيف يسقط علمه فيكون هناك سفه في الإسقاط، لكن الله سبحانه وتعالى كماله فوق كمال كل شيء هو عليم حكيم يضع كل شيء في مكانه.

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ، لما ظهر لهم عجزهم وظهر جهلهم الله عز وجل قال لادم: يا آدم أن تبتكلم أنبئهم بأسمائهم، فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ، يخاطب الملائكة، قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُبُونَ، أعلم ما يظهر على ألسنتكم وما تخوته في بواطنكم، وما الذي كانوا يخفونه في بواطنهم؟ أيضا هذا نقاش كبير بين المفسرين ولست هنا في موطن تفسير كلمة كلمة وإنما أريد أن أعم المعاني العامة.

بعد هذا النقاش أمر الله سبحانه وتعالى، يعني بعد أن ظهر شرف الإنسان على الملائكة، الله سبحانه وتعالى أراد أن يكرمنا فقال للملائكة: اسجدوا لادم سجود تشريف وتكريم فسجدوا، ولاحظ سمعنا وأطعنا عند الملائكة، إلا ذاك الشخص المتمرد الذي هو في أظهر أقوال أهل العلم كان من الجن، لكن لشدة تعبده تخيل أن إبليس كان شديد التعبد لله، لشدة تعبده كان أعلى من الملائكة وكان يسمى قيلة فيما يروى طاووس الملائكة، فهذا المخلوق الذي اسمه إبليس لما أمر الملائكة وهو من ضمنهم تبعاً باعتباره حاضرا معهم في تجمعاتهم لما أمروا بالسجود، الملائكة قالوا: سمعنا وأطعنا، إبليس رفض، إبليس وهنا بدأت فكرة العصيان بدأت فكرة الفسق والخروج والتمرد، بدأت فكرة سمعنا وعصينا من إبليس، هو أول من قدح هذه الشراره في هذا العالم. الله عز وجل إذا أمر الملائكة أن تسجد لادم فسجدوا إلا إبليس قرر التمرد، قرر العصيان وأن يرفع شعار الرفض لأوامر الله سبحانه وتعالى.

لذلك الله عز وجل عبر عن حال إبليس بأنه أبى واستكبر؛ أبى ورفض قبول هذه الهداية، وهي أولى هدايات الله هنا في هذا المقام، رفض ذلك واستكبر على ربه وكان من الكافرين.

طبعا كان هنا عند كثير من المفسرين بمعنى صار؛ أي بهذا التمرد وبهذا الاستكبار صار من الكافرين، أعلن انتقاله من قمة التعبد إلى قمة الكفر والتمرد على الإله سبحانه وتعالى.

تمام، دعونا نعود إلى آدم وهذا الذي يهمنا هنا؛ آدم إنسان يوجد الآن في الجنة، ولاحظ افتقار الإنسان إلى هداية الله سبحانه وتعالى ليبقى في ذاك المقام الرفيع الشريف.

الله عز وجل يقول لآدم: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا. لكن في طلب يا آدم، أريد أن أمروك أمراً، هناك شجرة معينة لا تقربها؛ لا، كل الجنة وكل ما فيها من المساحات والجمال واللذة والطعام والشراب تخيل في الجنة، في الجنة آدم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، الاشتهاء والطعام والاشجار، ومع ذلك في هناك أمر أريده منك يا آدم؛ هناك شجرة إياك أنك تقربها، وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. خلص، بتكون ظلمت نفسك.

هنا طبعا في سورة الأعراف وسور أخرى جاء تفصيل كيف أن الشيطان بدأ يوسوس لآدم ويغريه بأكل هذه الشجرة المعينة، وسبحان الله هكذا الإنسان، لاحظوا طبائعنا؛ مساحات المباح واسعة في حياتنا، لكن سبحان الله كثير منا لا يسترد إلا بالحرام.

مساحات المباح في الزواج، في الكسب، في الترفه، الأشياء المباحة التي يمكن أن تفعلها ضمن مساحة المباح هائلة وكبيرة ممتازة جداً تكفي وزيادة، لكن يأتي الشيطان يضغط على مساحات الحرام، يزينها، زخرف القول، سول لهم، يبدأ عمل الشيطان ليقنع أن المساحة المحرمة هي الأجمل، هي الألذ، هي الأعلى، لتبدأ تنحو منحاها، وهذا ما حصل مع آدم.

وهنا لأن المقام مقام بيان افتقار الإنسان للهداية، الشيطان تفقد هذا الامتياز ويبدأ الهبوط، وهذا ما حدث مع آدم فعلياً، قال سبحانه: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا، أو في قراءة: فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا، وكلاهما تؤدي إلى نفس النتيجة النهائية؛ أن الشيطان استطاع أن ينحي الإنسان عن سعادته من خلال الوسوسة.

في اللحظة التي ستنساق فيها إلى الشيطان، أعلم أنه ستحصل لك إزالة كما حصلت لادم؛ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ من السعادة والجمال واللذائذ والراحة والطمانينة.

متى فقد الإنسان كل هذه السعادة؟ في اللحظة التي لم ينصت فيها لهدايه الله، لم يقل سمعنا وأطعنا، بدأ الشقاء في حياته. وهذه النقطة ليست خاصة بادم، آدم تاب عليه السلام فتاب الله عليه، لكن هي رساله لكل البشرية؛ في اللحظة التي لن تستطر الله ولن تستسلموا لهدايته ويستقبل هدايات مطمئن هادئ يعيش في سعاده وفي لذه سعادة الرضا بالله، أما الدنيا فهي كبد عموماً، ويعود إن شاء الله إلى الله عز وجل إلى الجنة في جنة في الدار الآخرة.

بخلاف الذي أعرض عن ذكري أعرض عن هدايات، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. المهم فالله سبحانه وتعالى يخبرنا ماذا حصل لنا؟ هذا كلام بيهمناها يا إخواني حتى نفهم نحن، نحن في هذا القرن القرن الحادي والعشرين من أين أتينا وما اصلنا وأيش قصة وجودي أنا وأياكم على هذا الكوكب، ما هو المطلوب منا؟

فيقول سبحانه: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. هنا بدات حكايتنا على كوكب الأرض، أنا وأياكم من هذه اللحظة بدأت حكايتنا، حكاية الصراع الطويل بين استقبال القلب لهداية بيننا وبين إبليس؛ إبليس يسعى للصد عن هدايات الله، والله عز وجل يرسل لنا الكتب والرسل وينزل علينا من الآيات ويقيم لدى الدلائل لنستقبل هدى، هنا بدأت المعركة في حياة الإنسان.

وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. ستنزل يا أيها الانسان إلى كوكب الأرض، ولاحظ أن نزولك من سعادة إلى الأرض كان نتيجة الخطيئة، تذكر هذا الدرس جيداً؛ أن نزولك من السعادة وأن الذي أخرجك من السعادة هي الخطيئة هي عدم تلقيك هدايات الله، هذا درس يجب أن لا تنساه يا أيها الإنسان أن اصل نزولك هو خطا وقع فيه والدك آدم عليه السلام، وأن هذا الخطأ كلفنا كثيراً، كلفنا الهبوط إلى الأرض، وإن كان هذا في علم الله السابق، لكنه درس يجب أن يعلم أنه فاخرجهما، لاحظ فاخرجهما مما كان فيها عمرك ما تنساها، قَالَ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.

طبعا آدم تعلم الدرس عليه السلام؛ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ. علم الله سبحانه وتعالى آدم كيف يتوب فتاب آدم، وهذه خصيصة الإنسان التي تجعل نمط تعبده أعلى من نمط تعبد الملائكة.

الفرق بيننا وبين جنس الملائكة أن الإنسان خلق كائن عنده شهوات ونزوات ورغبات تحاول أن تصده عن الله سبحانه وعن هدايات الله، فذاك الإنسان الذي يكبح هذه الشهوات والنزوات ويجاهدها إرضاء لله سبحانه وتعالى، هذا عند الله في المقام أعلى من مقام الملائكة، وهذا معنى قوله سبحانه في البداية أو من معاني: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

الملائكة ظنت أن نمطها في التعبد هو أعلى أنماط التعبد كما قلنا، لكنها حقيقة هذه عبادة جبلية، لكن هناك ما هو أعلى منكم يا أيها الملائكة؛ ذلك الإنسان الذي ملئ بالشهوات والرغبات والنزوات لكنه يقبل على الله ويكافح ويجاهد شهواته ورغباته والمعاصي التي يزخرفها الشيطان ويصر أن يمشي رغم العثرات في الطريق، هذا أعلى منكم، هنا يعلو الإنسان على الملائكة.

وهنا علا آدم عندما تاب، ولذلك الله سبحانه وتعالى جعل نمط تعبد الإنسان أنه هذا الإنسان طريقه تعبده لابد وأن يكون فيها أخطاء، وهذه الأخطاء لابد أن يتوب منها، يعني نحن لم نخلق لنكون معصومين، بل بالعكس لو لم نذنب لآتى الله سبحانه وتعالى بأقوام يذنبون، لأنه يريد البشر أن يكون هكذا نمط تعبده أنه يتعثر يخطئ ويتوب فيرتفع ثم يعود فيتعثر فيخطئ فيتوب وأتوب عليه، هو يريد هذا النمط في الإنسان، هو لا يريدك أن تعصي لكن هو جعل المعصية تقع منك وقدر أن تكون المعصية تقع منك ليرى مقامات التوبة.

فإذا تبت إلى الله سبحانه وتعالى فقد قمت بخاصيتك، والله سبحانه وتعالى يرفعك فوق مرتبة الملائكة، إذا خاصيه الإنسان هو قدرته على توبة وفتح مجال المغفرة والصفح من الله عز وجل له؛ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.

إذن علينا جميعاً أن نسير على خطى آدم حتى نبقى في علونا وفي شرفنا، آدم عليه السلام انتهى من الأرض وسيعود بإذن الله إلى جنته التي خرج منها أليس كذلك؟ لأنه تعلم الدرس ونحن جميعاً علينا أن نتعلم أن شرفنا بالتوبه، أن شرفنا بالاقبال على الله دوماً عند كل عثرة، هذا ما يميزنا، هكذا نحن البشر نخطئ لنتوب، أما أن تخطئ وتصر على الخطا وتحاول أن تبقى سائراً في مستنقع الرذائل، لا، إذاً أنت لم تفهم الدرس ولم تعي، أنت تحتاج إلى هدايات الله، فاياك أن تعرض عنها إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

مرة أخرى يعلن سبحانه وتعالى للبشرية يا جماعة؛ قلنا اهبطوا منها جميعاً، فإما ياتين مني هدى، إذاً هنا هنا اخبار سياتيكم مني هدايات، فمن تبع هذه الهدايات فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ هذا لا يقلق فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. لا تخف من المستقبل ولا تحزن على ما فات، اطمئن لأنك تلقيت الهدايات، والهدايات هذه ستخدم في الدنيا وفي الآخرة.

أما الذين مارسوا الكفر والتكذيب بهذه الهدايات وأصروا على الاستمرار في هذا المنهج وهم عبدة الشيطان وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، سيعاقبهم عقاباً شديداً لأنهم لم يتعلموا الدرس.

إذاً هنا بدات القصة والحكاية ونحن امتداد لتلك الحكاية الطويلة التي ابتدات منذ لحظة نزول آدم إلى الأرض بسبب عدم فعله الهدايه في مقام معين أو عدم التزامه بمعنا واطعنا في مقام معين، ثم الله سبحانه وتعالى يخبر أننا منذ نزلنا إلى الأرض نحن في صراع ويجب علينا أن نتقبل الهدايات وأن نخضع لها لنعود، وإذا لم نفعل ذلك والله لن نعود، إذا لم نخضع لهدايات الله لن نعود، بل والعياذ بالله أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

أسدل الستار هنا عن مشهد بداية الإنسان لترفع أو ليرفع ستار جديد على أمة عظيمة من أمم الأرض؛ استخلف الله سبحانه وتعالى عقوداً وعقوداً أمة متعبة، أمة مرهقة كانت تتعامل مع الرسل والرسالات مع هدايات الله سبحانه وتعالى بأبشع أنواع التعامل وبالهوى وبالتشاور لنتعلم دروساً كثيرة في الحياة، هذه الأمة هي أمة بني إسرائيل.

بعث فيهم أنبياء ورسل وجاءتهم من الهدايات الكثير الكثير، كيف تعامل بنو إسرائيل مع هدايات الله؟ وكيف الله سبحانه وتعالى عاقبهم على عدم التزامهم بمنهج سمعنا وأطعنا؟

بنو إسرائيل في جملتهم ولا نقول جميعاً لأن منهم كما قال سبحانه: لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ، هذا قبل بعثه النبي عليه الصلاة والسلام، بنو إسرائيل في تاريخهم كان شعارهم العام هو التمرد، ما إنهم ابتداوا بمعاناة شديدة، ابتداوا بتسلط فرعون عليهم وكان يسومهم سوء العذاب وكان يرهقهم ووو، والله عز وجل أغدق عليهم النعم لكن للاسف قوم متمردون فسقى لم يستقبلوا هدايات الله كما تستقبل ففعلوا شتى أنواع التلاعب والتمرد والتهكم والعبث بهدايات الله سبحانه فعاقبهم الله عقابات شديدة، ثم بعد ذلك سحب النبوة منهم وسحب الرسائل منهم ليضعها في جنس جديد وهو جنس العرب، ليكون هذا جنس أعلى في الخضوع لله سبحانه من جنس اليهود، لكن ليس كل العرب طبعا فعلوا ذلك بل وقع كثير منهم في ممارسات اليهود.

المهم سياتي الآن صفحات تتلو من سورة البقرة تستعرض لنا حال هذه الأمة الكبيرة وكيف كان تلقيها لهدايات الله سبحانه وتعالى، وتحذرنا نحن أمة محمد أن نمارس ممارسات اليهود في تلقي الهدايات.

فلما تنظر إلى هذا المقطع وبدايته: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، هنا تجد أن الخطاب يوجه لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يقيمون معه في المجتمع المدني.

هذا الخطاب وإن كان موجه لبني إسرائيل ومحاولة الاستصلاح من يمكن أن يستصلح منه، لكنه في نفس الوقت ستجد أنه رسالة لنا، لنا نحن نعم إياكم أن تقعوا بما وقع به هؤلاء.

دعونا ننظر في بني إسرائيل وننظر صفاتهم أو ننظر في صفاتهم وكيف تلاعبوا بالوحي والهدايات الله سبحانه، وننظر هل ممارسات بني إسرائيل مع هدايات الله موجودة اليوم في حياتنا؟ هل نحن نمارس ممارساتهم في طريق تلقي الوحي والتعامل معه؟

انظروا كيف فعلا كما قال صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وأن كثيراً من أمة الإسلام للاسف ساروا على خطى بني إسرائيل في تلقي الهدى من الله سبحانه.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. الله سبحانه وتعالى يعبر عن هذا الهدى وهذه الم، هذه الهدى وهذه الرسالات التي وضعها فينا بأنها عهود ومواثيق.

لاحظوا في الصفحة قبل قليل: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وهنا يقول سبحانه: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي. علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى نحن عبرنا عنها قبل قد وعبر عنها القرآن بأنها علاقة الاستخلاف؛ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، هذا الاستخلاف هو عهد بينك وبين الله، هذا الاستخلاف إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، هذا الاستخلاف عهد بينك وبين الله؛ عليك أن توفي بهذا العهد بأن تلتزم بهدايا الله وتخضع لها تماماً وتخضع لها الكون أو وتخضع لها الشعوب.

هذا العهد الذي بينك وبين الله أن تستقبل هدايات وأن تخضع لها أنت شخصياً، وتخضي على الناس لها، لذلك الله سبحانه وتعالى قال لبني إسرائيل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ. والله سبحانه وتعالى جعل حق جعل حقاً للعبيد عليه أنه من عبده لم يشرك به شيئاً أن يدخلهم الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وعاد أتدري ما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

طيب، إذا من هنا بدات الحكاية، وهنا يعجبني الأستاذ طه عبد الرحمن لما يتكلم عن النظرية الائتمانية ويقول أننا في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى في استئمان لك سماها النظرية الائتمانية، يعني كأن الله استأمننا على هدايته على شرعه لأنكم خلفاء الأرض انتم مستأمنون عليها، فاحذروا أن تخونوا الأمانة واحذروا أن تنقضوا الميثاق وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.

وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ وهو القرآن مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وهو التوراة والإنجيل وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ. معيب، عيب يا أيها اليهود وانتم أصحاب كتب سماوية ويا أيها النصارى وانتم أصحاب كتب سماوية أن تكونوا أول كافرين بالقران.

العرب جاهليون، العرب أمة ما كانت تقرا ولا تكتب متصور منها شيء من العناد وأن لا تقبل الهداية ابتداء، لكن انتم أصحاب كتب سابقة وبشرتكم بنبي آخر الزمان وبهدايته التي ستاتي معه، وأخبركم أنبيا بهذا النبي العظيم وبما سياتي به من الهدايات، فالأصل أن سلسلة الهدايات تبقى خاضعاً لها، مش حينفع تكون خاضع للتوراة ومش خاضع للقرآن، أو تخضع للإنجيل ولا تخضع للقرآن.

قال: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ، هذا الذي أنزلته هو مصدق لما معكم ويؤكد ما فيه، طبعا الجزء الذي لم يحرف منه، وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ. إذاً هو يخاطبهم بعيب تخلف مع وجود العلم بين أيديكم، ثم حذرهم من تشويه الهدى قال: وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا، إياكم أن تعبثوا، إياك أن تشوه الهدى وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ.

اتقوني، أنا وهذا كأنه عودة بهم إلى منهج التقوى. ولا تلبسوا الحق بالباطل، إذا لا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، ما تبيع الهدى من أجل لعاعة الدنيا وهذا ما يحصل مع كثير منا أنه يتخلى عن الهدى وعن سمعنا وأطعنا لشرع الله من أجل لعاعة من الدنيا بغض النظر ما هي.

مباشرة يجر يتخلى عن كل الشريعة من أجل تحصيل هذه العلاقات أو هذه الدنيا، فيقول سبحانه: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا واياي فاتقون. ولا تلبسوا الحق بالباطل اللي هو تشويه الهدى ومحاولة خلط الأوراق في هدايات الله سبحانه وتعالى بالباطل الذي تهواه النفوس. وهذا كما حذر الله منه بني إسرائيل، أيضا سياتي تحذيرنا نحن من أن نمارس نفس الممارسات، ولأسف موجودة اليوم موجودة عند كثير من المعممين ومن يتحدث باسم الدين أنه يلبس الحق بالباطل فيصبح الحق الهدى من الله مشوها غير واضح، لأن هناك من لبسه وادخل فيه وحشاه كثيرا من الباطل، فكثير من العامة بل أكثر العامة هو لا يستطيع أن يرى الرؤية صحيحة فيرى الحق ملتبسا بالباطل فيظن أنه كله حق.

فإذا قيل له يا فلان ترى هذا الحق مشوه يصعب عليه أن يقتنع، فأكبر جريمة أو من أكبر الجرائم أن يسعى الإنسان إلى تشويه هدايات الله سبحانه وتعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل، التلبيس وتكتم الحق الصحيح الصريح. إذا لاحظ كل هذه جرائم بني إسرائيل ربنا حذرهم منها من تكرارها: لا تشتروا بآياته ثمنا قليلا، لا تلبسوا الحق بالباطل. ونهاهم عن كتمان الحق وهدايات الله سبحانه، أنه في بعض الناس ممكن هو لا يلبس الحق بالباطل لكنه يكتفي بماذا بالسكوت عن الحق مع قدرته على البوح به، وهذه جريمة هذه أيضا جريمة.

طيب، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين. إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هي منهج المتقين، كما وصفها الله سبحانه وتعالى في بداية السورة: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. إذا الله سبحانه وتعالى يامرهم أن يسيروا على خطى المتقين: أقيموا الصلاة آتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين، يعني ادخلوا مع الناس ادخلوا مع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ما في حاجة أن تبقى متمردا مستكبرا معتزلا معاندا، اركعوا مع الراكعين كونوا مع جملة الموحدين المؤمنين المتبعين لهذا النبي العظيم.

أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون. الله سبحانه وتعالى يخبرك عن صفات بني إسرائيل كثرة الكلام ويامرون الناس بالاحسان وما شابه ذلك وينسى نفسه، يخبرون الناس بصدق صدق محمد صلى الله عليه وسلم وأنه موجود عندهم، هكذا كان يفعل بعضهم، أي والله إننا نجد صفاته ولكن لماذا لا تؤمنون به قالوا: لأنه لم يخرج من جنسنا فنحن لسنا مستعدين على الإيمان به. أتأمرون الناس، بعض بني إسرائيل كانوا يامرون العرب أو بعض الأنصار آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه صادق، وينسى نفسه، وأنتم تتلون الكتاب يعني التوراه والإنجيل بين أيديكم وتعرفون صدق هذا الرجل وصدق الهدايات التي جاء بها، أفلا تعقلون يعني في إنسان يعرف أن من أمامه صادق وأنه يملك الحقيقة ولا يتبعه ويامر غيره باتباعه يعني أنت تؤمروا غيركم أن يتبعوه وأنتم مصرون على عدم الاتباع، هذا خلل في النظام العقلي يعني خلل في التصور في طريقة التعامل.

ثم قال: واستعينوا بالصبر والصلاة. واستعينوا، ما الذي يعين الإنسان؟ وهذه افهموها يا الإخوان لأنها ستتكرر أكثر من مرة في سورة البقرة، ما الذي يعين الإنسان على سمعنا وأطعنا؟ ما الذي يعينك على استقبال هدايات الله سبحانه وتعالى التي تخالف هوى النفوس ويعينك على الانصياع لها وتقبلها والتعايش معها ثم محبتها؟ الصبر والصلاة، هذا أكثر ما يعين الإنسان على تقبل هدايات الله سبحانه وتعالى المخالفة لهواه، فلذلك أمر بها هنا وسامر بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد قليل. استعينوا على تنفيذ هداية آيات الله والخضوع لها بالصبر، الصبر على الطاعة، الصبر على ترك المعاصي، بدها صبر أكيد الشرائع الإلهية لأنها ابتداء مخالفة للنفوس في كثير من أهوائه الامتثال لا يحتاج إلى صبر وأن تجاهد، وإنما الصبر بالتصبر والتحمل، والذي سيعينك على الصبر هي الصلاة، وأن تشكل صلة بينك وبين هذا الإله لأنك إذا صليت له سيعينك، إذا ناجيته سيأويك سبحان وتعالى: وإنها لكبيره إلا على الخاشعين.

هذه الصلاة هي ميسرة على الخاشعين صعبة على الغافلين. ولاحظوا حتى هذا في رمضان كون في رمضان، لاحظوا أن كثيرا من الناس هو لا يستحمل أن يصلي صلاة القيام كاملة الثمان ركعات، هذا فضلا أن يصلي ال20 ركعة، احنا نتكلم عن الثمان ركعات لما تقول له ثمان ركعات مع وتر وكانه متثاقل، فقط في هناك عادة اجتماعية أننا لازم نصلي شوية تراويح، هو ينتظر الأربع ركعات أو الركعتين يصليها حتى يشعر نفسه أنه خلاص أنا عملت اللي علي وطلعت، لانه هو متثاقل هو حقيقة لا يشعر بالارتياح وهو يصلي وهذا مصداق قوله تعالى: وإنها لكبيره ثقيلة مرهقة متعبه هذه الصلاة إلا على جنس واحد يستلذ بها ويانس بها ويطلبها ويبحث عنها ويطيل، من هم الخاشعون؟ لذلك قال: وإنها لكبيره إلا على الخاشعين.

وبالتالي هو يريد أن يقول لك حتى تستفيد من الصلاة لابد وأن تخشع، والخشوع إنما يأتي بالمجاهدة، الخشوع ليس هذا الشيء يأتي من أول ما تقرر الخشوع ستخاشع لأن الشيطان يزاحم على قلبك في الصلاة، تحتاج أن تجاهد لتصل إلى الخشوع، الخشوع يعطي صلاة صحيحة، الصلاة الصحيحة تولد انقياد صحيح لهدى الله، إذن من يريد أن يتربى على الانقياد لهدى الله عليه أن يتعلم الصبر وعليه أن يتعلم الصلاة بالخشوع، فقال: وإنها لكبيره إلا على الخاشعين الذين يظنون والظن هنا بمعنى العلم والاعتقاد الجازم، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون.

ولاحظ إذا ما يعين الإنسان على الخشوع في الصلاة تصور وتخيل الدار الآخرة دوما، كلما دخلت في الصلاة وانت تتصور الدار الآخرة وهكذا كان السلف، كان أحدهم إذا صلى قال: جعلت الجنة عن يميني والنار عن شمالي، كانوا يتخيلون الدار الآخرة أمامهم، فهذا الاعتقاد والجزم بلقاء الله وأنهم راجعون إليه كان يولد خشوعا، فدائما إذا أردت أن تتعلم الخشوع إذا دخلت في الصلاة استحضر القبر واستحضر الجنة واستحضر النار وأنك قادم عليها ولعلها صلاة مودع، هذا سيعينك على قضية الخشوع في الصلاة.

نداء آخر لبني إسرائيل مرة أخرى، يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، الآن سيذكر النعم بعد قليل لكنه ابتداء نداء عام، ثم سياتي النداء التفصيلي بذكر النعم تفصيلا: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، عيب عليكم أن ينعم عليكم نعم كثيرة على آبائكم وأجدادكم وأسلافكم ثم تصرون على التمرد وعلى سمعنا وعصينا. يكفي، كأنه يقول سبحانه وتعالى لهم: يكفي يا بني إسرائيل إلى متى سيبقى هذا المسلسل في حياتكم؟ إلى متى ستبقى طريقة التمرد على الله؟ وهذا الخطاب لي ولكم أيضا خطاب لكل إنسان عاص، لكل إنسان عنده تقصير في إكمال هدى الله عز وجل، لكل فتاة متبرجة ولكل شاب مدمن للحرام ولكل إنسان ما زال يعصي الله في خلواته، يكفي اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، أعطيتك السمع والبصر والعقل والرزق والحياة الرغيدة، أعطيتك يا أيتها الفتاة الجمال وأعطيتك يا أيها الشاب المال، منحتك كل شيء وما زلت تعصيني ما زلت ترفض أن تقول سمعنا وأطعنا ما زلت عاندت اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ثم قال لهم: واني فضلتكم على العالمين والمراد على عالم زمانهم أي في زمن في الأزمة قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم في الأزمنة الماضية كان بنو إسرائيل هم افضل البشر افضل العالم فضلهم الله على كل الأنواع من البشرية التي كانت في ذاك الوقت، إلى أن جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فأصبحت هي أفضل الأمم عند الله سبحانه وتعالى فهو يخبرهم كيف أنه جاءت عليكم سنوات وعقود كنت فضلتكم على الجميع على كل البشرية.

ثم يذكرهم بالتقوى مرة أخرى: واتقوا يوما، ولاحظ هنا التخويف والتهديد خصوصا كما قلنا إن النبي عليه الصلاه والسلام كان مقيما الآن في المدينه وحوله من اليهود طوائف، واليهود سيبقون يعني المعركه بيننا وبينهم الآن وفي المستقبل إلى أن الله سبحانه وتعالى يعيننا باذن الله على القضاء عليهم، أنتم شرقي النهر وهم غربيه ستكون المعارك لاحم في آخر الزمان، لكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقيم الحجة على الجميع فالإسلام هو ليس فقط المخاطب به العرب العرب والعدم واليهود وكل أجناس البشر، لكن اليهود هو قطاع كبير فكان لابد من مخاطبتهم بهذه الخطابات لعل بعضهم يستيقظ: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا، ما حدا بحمل عن حد، ولا يقبل منها شفاعة، ما حدا راح يستطيع يشفع لك إذا مت كافرا معرضا عن هدايات الله، ولا يؤخذ منها عدل، العدل هو الفدية ما حدا يوم القيامة راح يجي يفتدي نفسه من النار يقول يا رب العالمين هذه مليون دينار مقابل أن أخرج من النار، ما في يوم القيامة قبول لفدية ولا شفاعة ولا هم ينصرون، ما حد راح ينصركم، فهذه إنذارات ووعيد.

ثم سبحانه وتعالى بدأ يذكرهم بتفاصيل النعم، لما قال: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، بدأ يذكرهم بتفاصيل النعم: وإذ، واذكروا إذ، أول نعمة: أنجيناكم من آل فرعون. فرعون ايش كان عامل فيكم؟ يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، فرعون كان نازل تذبيح في أبناء بني إسرائيل خوف من أن يخرج منهم ذاك الذي نبئ أنه سيقتل على يديه، ويستحيون نساءكم. الآن الاستحياء هل معناها إبقاء النساء على قيد الحياة؟ هذا تفسير وهذا أحد المعاني التي أجدها أقرب، البعض قال لا استحياء النساء هو سبيه، المهم الله عز وجل أنجاهم من عذاب شديد فرعون استضعف وأهلكهم وأنزل بهم أشد العقوبات.

ولاحظ أيضا هذه رسالة لكل شعب من شعوب الأرض يكون مستضعفا تحت طاغية ثم ينجيه الله سبحانه وتعالى، لكل شعب من شعوب الأرض يكون مستضعفا تحت طاغية من الطغاة ثم ينجيه الله عز وجل من هذا الطاغية: إياك ثم إياك أن تتمرد على هدى الله، من نعم الله العظيمة عليك أن أنجاك من هذا الطاغية من هذا المستبد، فمن شكرك لله أن تخضع لهدايته وأن تكون متمسكا بقرآن وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا تلقي هذه الشريعه وراء ظهرك بعد أن نجاك الله من المستبدين من الظالمين وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، كنتم في بلاء عظيم وأنتم تقعون تحت استبداد فرعون.

أيضا من نعم الله سبحانه وتعالى وهذه نعمه الانجاء يعني كيف: وإذ نجيناكم من آل فرعون أنه طريقة النجاة طريقة النجاة كانت طريقة مذهلة مهولة، رايتم يا بني إسرائيل معجزة أمام أعينكم: وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون. يعني بنو إسرائيل رأوا من آيات الله الباهرة ما يجعل الإنسان يخضع تمام الخضوع لله سبحانه وتعالى، يعني أنا واياكم أيها الإخوان والأخوات ربما لم نشاهد معجزات إلا معجزة القرآن، وحتى أكون منصف معكم أن أكثرنا هو يؤمن أن القرآن معجزه هو بس مش فاهم، يعني يقول لك آه القرآن بلاغته معجزه بس هو مش فاهم ما وجه الإعجاز، لا أنتم بني إسرائيل رأوا معجزات حسية أمام أعينهم رأوا البحر يفلق ١٢ فرق ويصبح يابسة هم يتجاوزونه ثم ياتي بعدهم فرعون لأجل لأن يلحقهم فالبحر يبلع فرعون وأنتم تنظرون، يعني ربنا بيقول لهم أنتم شايفين هذا أمام أعينكم، معقول إنسان يتمرد على الله بعد كل هذه المشاهدات؟ معقول واحد فينا يرى معجزة وآية من آيات الله تدله قطعا على أنه هناك تدخل إلهي وأن هذا مش صنع الطبيعة وأن هذا ليس شيء عشوائي؟ لا لا، هناك شيء مذهل حصل أمامي، معقول بعد ذلك تقودك نفسك إلى أن تعصي هذا الإله وتتمرد بعد هذا الإنجاء العظيم وبطريقة عظيمة مذهلة مبهرة؟

ثم يقول أيضا: وإذ واذكروا، وإذ واعدنا موسى أين ليلة التي ذهب فيها موسى للققاء الله ثم بعد ذلك ماذا حصل؟ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. عبدوا العجل الذي صنعه السامري، ومن نعم الله عليكم ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون، ثم عفونا عنكم أن الله سبحانه تاب عليكم على الرغم من أنكم ارتكبتم جريمة عظيمة للتو أنجيناكم من آل فرعون بعد سنوات الشدة بمجرد أن تجاوزتم البحر بدأتم بالشرك بدأتم بنقد المواثيق التي خلقتم من أجلها.

ثم ذكرهم بنعمة أخرى: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان. موسى لما ذهب في الأربعين ليلة وأخذ الألواح وفيها التوراة، هذه نعمة نعمة عظيمة أن ياتيك نبي معه كتاب يهديك نبي معه هدايات من الله من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وهذه النعمة يا إخوان بين أيدينا أيضا فإن محمدا صلى الله عليه، يعني كما أن موسى أتى لليهود بالكتاب والفرقان فإن محمد صلى الله عليه وسلم أتانا بالكتاب والفرقان، نعمة عظيمة جليلة عيب تعرض عنها وأن ترفضها وأن لا تتدبر، فالله سبحانه لما يعدد النعم على بني إسرائيل تذكروا أيضا النعم موجودة في حياتنا: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون.

وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل. لاحظوا أيضا الطريقة التي يتاب فيها على بني إسرائيل بسبب عبادتهم العجل وهذا فيه تفصيل أكثر في موضوع العجل، قال: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم. طيب كيف نتوب إلى الله؟ ما هي التوبة المطلوبة منا؟ فاقتلوا أنفسكم، فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند

بارئكم، لاحظ أن بني إسرائيل -وهذا درس لنا- لما عبثوا بهداي الله وأعرضوا عن الانصياع لله سبحانه وتعالى؛ فأول ما تجاوزوا البحر وقعوا في عبادة العجل. الله عز وجل شدد عليهم من قبل هدايات الله، يسر الله عليه، ومن أعرض عن هدايات الله وعبث بها شدد الله عليه. فهم لما أعرضوا عن هدايات الله فعبدوا العجل، كانت التوبة المطلوبة منهم توبة شديدة.

قال العلماء والمفسرون: كان المطلوب منهم أن يحمل كل شخص سيفا أو سكينا ويقتل الآخر، وحدد لهم موسى عليه السلام أرضا وفي ساعة معينة أن يجتمعوا فيها ويبدأ يقتل بعضهم بعضا. لما شددوا، شدد الله عليهم، هذه قضية بدك تثبتها في حياتك، كلما أعرضت عن الهدايات أنت لا تكتسب سعادة وإن كنت في الظاهر قد تنال بعض اللذات السريعة، لكن سيعقبها الضنك.

فبنو إسرائيل جمعوا في أرض وامروا أن يقتل بعضهم بعضا، حتى إذا كادوا أن يهلكوا، حتى إذا كادوا أن يهلكوا دعا موسى ربه أنه يا رب اعفوا اصفح حتى لا يهلك كل نسل بني إسرائيل. فالله عز وجل خلاص، يعني بعد ساعة قال المعلم، بعد ساعة من القتل، من قتل بعضهم بعضا، أمرهم أن يتوقفوا، وكانت هذه التوبة.

فإذا هو يذكرهم أنه شدد عليهم لما هم عصوا وتمردوا، وبعد أن شدد عليهم، من نعمه سبحانه أنه خفف عنهم، أنه خفف عنهم. بنو إسرائيل قوم متعبون إخوانا، بنو إسرائيل قوم متعبون، يعني مع أنهم لاحظوا كل هذه الأمور يفعلون ثم يحجمون، يرون الآيات ثم يعرضون، يتوب الله عز وجل عليهم ثم يعودون للتمرد.

هذه العقلية الله عز وجل يحذرنا منها، لا تتعبوا نبيكم كما أتعب بنو إسرائيل أنبيائهم. ثم قال سبحانه بعد أن حصل ما حصل معهم في قضية العجل عادوا مرة أخرى للتمرد. طب يا أخي، أنت تمردت على الله وجعل الله توبتك توبة مغلظة بالقتل حتى عفى عنك، مش الأصل أنك تتعلم الدرس؟ يعني هكذا كيف تقول لتلميذ يخطئ كثيرا: يا أخي، الأصل تتعلم الدرس ولا تعود لتتمرد مرة أخرى حتى لا يعاقبك الله بنفس العقوبة المشددة.

لكن هم بنو إسرائيل، وَإِذ قُلتُم يَا مُوسَى لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهرَةً. نحن يا موسى ما عدنا مقتنعين أصلا بقضية الإيمان، مش رح نصدقك، بدنا نرى الله عز وجل جهرة نراه بأعيننا. فأخذ موسى سبعين رجلا من قومه كما جاء في سورة الأعراف، واقتربوا من الجبل، أخذتهم صعقة من الله سبحانه وتعالى.

أخذتهم صعقة واغشاء من الله عز وجل شديدة، قال: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وأيضا وأنتم تنظرون. لأن موسى ذهب أمامهم ليسمع كلام الله، وهم لما أرادوا أن يقتربوا صعقهم الله، وكان هذا درس قاسي، ولكن كان في أيضا شهادة أن أن موسى عليه السلام لم يكذب عندما قال إنه كلم الله وأنه ذهب للقاء الله، وإلا من أين أتتكم هذه الصعقة التي أهلكت جميعا وأمام مرأى الجميع؟

ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُم وسقى الصعق هنا والإغماء موت، ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. مرة أخرى لعلكم تشكرون، والشكر هنا هو الخضوع، تشكر لله بمعنى تخضع له هنا. لكن مرة أخرى بنو إسرائيل يناور، وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا.

لما كانوا في التيه الله عز وجل ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى تمام، وهو طير ومادة قيل عسلية طيبة. أنزل عليهم سبحانه وتعالى الأطعمة والغمام كان ظللهم فقط، المطلوب منهم أن يسمعوا لنبيهم وإلا الطعام والشراب متوفر، الطعام والشراب متوفر والغيم متوفر، وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ كلوا اشربوا تهنوا بس أطيعوا ربكم، وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، هذه مشكلتهم، ظلموا أنفسهم، خدعوا أنفسهم، تمردوا على الهدى. هذا كله إخوان يجب أن لا ينفصل عن بداية سورة البقره، كيف نتلقى هدايات الله؟ وكيف كان نموذج بني إسرائيل في التلقي لهذه الهدايات؟

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ نموذج آخر، ربنا أمرهم أن يدخلوا إلى بيت المقدس، فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا. وأتاح لهم أن ياكلوا منها حيث شئتم رغدا، بس طالب منهم شغلتين، قال: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا. طلب منهم أن يدخلوا باب هذه القرية سجدا، إما سجود حقيقي أو قال العلماء: بخضوع لله.

وَقُولُوا حِطَّةٌ، يعني قولوا يا رب حط عنا ذنوبنا، شوف يعني أعطاهم ادخلوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم رغدا، ولاحظ نفس بعد آدم وحواء، يعني آدم وحواء ربنا أعطاهم الجنة كلوا منها حيث شئتم أيضا رغدا، لكن في شجرة ما ما تقربوها، وادم أخطأ فيها فترك، مع أنه كل المساحة كانت متاحة.

بنو إسرائيل كانهم لم يتعلموا من الدرس وعادوا لممارسه نفس الخطا. الله يقول لهم: أباحت لكم بيت المقدس، ادخلوا علي وأباحت لكم طعامه وشرابه، كلوا حيث منها حيث شئتم رغدا، بس شغلتين: ادخلوا بابها باب بيت المقدس خاضعين، وقولوا: يا رب حط عنا ذنوبنا، في اسهل من هيك شيء؟ ليس المطلوب شيء كبير.

نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ مش بس كده وسنزيد المحسنين، يعني غير المغفرة سيزيد الله عز وجل كل من كان منكم أكثر اقبالا واحسانا سيزيده الله سبحانه وتعالى. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا للاسف للاسف تمردوا مرة أخرى، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فأصبحوا يستهزئون بكلمه حطه فكانوا يقولون حنطة في شعيرة، حنطة في شعيرة! عبث واستهزاء تهكم بالدين.

تخيل واحد بتجيه هدايه من الله يتهكم بها؟ وهذا يوجد في مجتمعاتنا اليوم، أنه تتكلم الشخص عن شعيرة من الشعائر، عن اللحية، عن النقاب، عن شعيرة من شعائر الله، يبدا يتهكم بها ويستهزئ بها. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، فالعقاب كان جاهز، فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ عقوبة وعذاب من السماء بسبب هذا الفسق بما كانوا يفسقون، أنتم قوم متمردون، أنتم قوم عصاة، أنتم تخرجون عن شرائع الله سبحانه.

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ القصص لله، وإذا استسقى موسى لقومه، طلب السقيا لقومه في زمن التيه، فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ حجر امام أعينكم، فَانَفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتْ عَشْرَةَ عَيْنًا على عدد أسباط بني إسرائيل، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ، كل قبيلة عرفت أنها تذهب إلى هذه العين، والقبيلة الثانية تذهب إلى العين الأخرى.

كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّه، والمعجزات الباهرة تترى أمام أعينكم، طب شو المطلوب؟ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. بنو إسرائيل ما عجبهم الاقتصار على المن والسلوى وعلى هذا الماء في زمن التيه، وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ والله نحن ما عجبنا أن نبقى على المن والسلوى وعلى المياه التي تخرجها لنا من هذا الصخر، نحن بدنا نرجع للطعام الذي كنا نقفه في مصر: الثوم والبصل والفول والحمص، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا. والقثاء مثل الفقوس، وفومها وعدسها وبصلها.

فموسى تعب تعب مع هؤلاء، فقال: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟ ربنا ينزل عليك من وسلوى شيء جاهز بيشهي كما يقول، والمياه تاتيكم وظللنا عليكم الغمام، أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ما دمتم بهذه الدناءة اهبطوا مصرا، انزلوا على أي بلد، على أي منطقة من المناطق التي حولكم فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُم، الثوم والبصل والفول هذه ليست نبتة نادرة، تجدونها في أي مكان، أنتم قوم لا تستحقون التكريم، روحوا احرثوا وازرعوا واتعبوا وكلوا من جني أيديكم، فانتم لا تستحقون هذه الكرامات من الله سبحانه وتعالى.

وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، الله عز وجل ضرب يعني ألزمهم أنهم قوم أذلاء، ذليلين يلهثون خلف الدنيا، حتى اليوم وإن كانوا يملكون ما يملكون، هم أذلاء لأن همهم شهوات والأموال والدنيا، وَبَاءُوا رجعوا بدل ما يرجعوا برضى من الله أنهم سمعنا وأطعنا، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ، لماذا كل هذا؟ عدم استقبال هدايات الله، بس سمعنا وأطعنا.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وزادوا في التمرد لدرجة أنهم قتلوا الهد وهم الأنبياء، يعني لاحظ هو مش فقط كفر بالهدايه بل قتل صاحبها، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ. الخلاصه: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ لما مارسوا سمعنا وعصينا وتجاوزوا الخطوط الحمر عاقبهم الله.

فهذه رسالة مبطنة أيضا لأمة الإسلام، أحذروا تجاوز الخطوط الحمر. حقيقة لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر حتى لا نزيد على الساعة. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.