تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس الرابع: سورة البقرة من الآية 61 إلى الآية 88

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم أعنا على استغلال رمضان بفهم كتابك وتدبر آياته والاقبال عليه ومدارسته، اللهم أعنا وافتح على قلوبنا، آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا مع سورة البقرة، يا أصحاب سورة البقرة؛ هذه السورة العظيمة التي تبين للمؤمن منهج السداد والرشاد في تقبل هدايات الله سبحانه وتعالى، وفي المقابل تبين له المناهج الفاسدة والطرق الملتوية في تقبل الهدايات، فهي أتت لترسخ في قلبك يا عبد الله منهج سمعنا وأطعنا، وتحذرك من أي طريقة إلتفاف أو التوائية أو اعتراضات أو مناقشات أو مجادلات وأنت تتلقى الوحي والهدي الإلهي من الله سبحانه وتعالى.

بدأنا هذه السورة ببيان أساس الهدى الإلهي، وهو هذا الكتاب العظيم، وكيف انقسمت البشرية في استقباله إلى المتقين والكافرين والمنافقين. ثم دعوة الله سبحانه وتعالى الناس جميعا للخضوع له، والخضوع إلى مادة هذا الوحي، وعدم وضع شماعات من أجلها يتكئون في عدم قبولهم له، لما تكلم أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها. ضرورة أن يكون الإنسان عجلا يسارع في قبول هذه الخيرات كما سياتي معنا، فاستبقوا الخيرات، استبقوا قبول الهدي الإلهي ولا تكونوا من المتأخرين المتخلفين.

ثم قص الله سبحانه وتعالى علينا القصة من البداية، فبين أن هذا الكائن الحي الذي اسمه الإنسان كانت بداية قصته أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم في الجنة وخلق حواء، وكرم هذا الإنسان تكريما ما بعده تكريم حتى جعل الملائكة تسجد له. لكن هذا الإنسان في بداية وجوده أخطأ خطأ، سيدنا آدم عليه السلام أخطأ خطأ حيث ابتعد عن الهدى قليلا في مسألة الشجرة، فكان ذلك سببا في نزوله إلى الأرض، وكان هذه القصة يجب أن تبقى شعارا وتذكارا لكل مؤمن ومؤمنة، انظروا إلى الانحراف اليسير عن الهدى ماذا يسبب من الآثار الكارثية للإنسان، وهذا بالتالي يجعل الإنسان أكثر تمسكا واستعجال لقبول هدى الله سبحانه وتعالى وعدم مناقشته بتاتا.

إذا كان آدم عليه السلام على ما آتاه الله من الفضل والخير والبركة ولعلم الجم لما ابتعد عن الهدى هنيهة دفع الثمن كثيرا، إذا فما بال من ابتدع من ابتعد عن الهدى هنيهة. وعرفنا الله سبحانه وتعالى أن مقصد خلق هذا الإنسان أن يكون خليفة لله في الأرض، لكن قضية الاستخلاف في الأرض كانت ثمرة الخطا الذي ارتكبه آدم. لاحظ، نحن خلقنا لنكون خلفاء في الأرض، الله عز وجل قبل أن يخلق آدم قال للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. الله عز وجل بواسع علمه يعلم مسبقا بعلمه الأزلي القديم أن آدم سيخطئ وسينزل على الأرض وسيبدا مفهوم الاستخلاف، لكنه شاء عز وجل أن يبدأ هذا المفهوم، شاء عز وجل -وركزوا هذه الفكره- أن يبدأ مفهوم الاستخلاف بالأرض نتيجة خطأ في عدم التمسك بالهدى، ليبقى هذا درسا قاسيا لنا جميعا أن بداية استخلاف كانت ثمرة الخطا الذي ارتكب بالابتعاد عن الهدى، فاياكم أن تخطئوا مرة أخرى.

ثم بين الله عز وجل خاصية البشر التي بها تعود لهم كرامتهم، وهي التوبة؛ فآدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه. فأنت أيها الإنسان إنما شرفك وهيبتك وكرامتك إنما تكون بأن تتوب إلى الله سبحانه وتعالى، هكذا خلق الله هذا الجنس جنس خطاء، وإنما تعود له هيبته وكرامته عند الله بماذا؟ بتوبته. فان رفض التوبة ورفض الانصياع -يعني هو لم ينصع وعصى وبعد ذلك رفض التوبة- فالله سبحانه وتعالى بين المصير لما بين انقسام البشرية، قلنا اهبطوا منها جميعا فاما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا باياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون.

بعد أن فهمنا قضية وجودنا على الأرض، والآن بدأ ميثاق الاستخلاف -نسمي نحن ميثاق الاستخلاف- حدثنا الله سبحانه وتعالى عن أكبر أمة استخلفت على الأرض، وأخذ منها المواثيق الغلاظ، وأنزل عليها الكتب، وأرسل إليها الرسل، وكيف كانت هذه الأمة تتعامل مع هذه الهدايات. أمة متعبة منهكة، جادلت وناقشت ورفضت، وأحيانا تهتدي وكثيرا تعصي ثم تندم، ثم يرسل إليها الله رسولا آخر وكتابا آخر. هذه الأمة المتعبه هي أمة بني إسرائيل، التي أعطاها الله عز وجل من الكرامات، واراها من المعجزات والآايات، وأخذ عليها من المواثيق ما أخذ، وأرسل فيها من الرسل ما أرسل.

أراد الله سبحانه وتعالى أولا أن يخاطب بني إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، ينبههم ليذكرهم بما فعله أسلافهم، وليقول لهم: لا تفعلوا ما فعل أجدادكم، لا تعيدوا الكرة مرة أخرى، حاولوا يا بني إسرائيل أن تتقبلوا الهدى الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالطريقة الصحيحة، اتركوا طريقة سمعنا وعصينا التي سلكها أسلافكم ولم تجلِب لهم إلا الخيبة، إلا الآلام، إلا الدمار، إلا أن صحبت الرسالة منهم وأعطيت لجنس آخر. فهي الرسالة الأولى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم.

ثم هنا أيضا رسالة أخرى إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اقرأوا ماذا فعل بنو إسرائيل بهداي الله سبحانه، وكيف جادلوا فيها وتنتعوا وتلاعبوا وغيروا وحرفوا، وانظروا ماذا كان يحدث معهم في كل مرة، هل تلاعبهم بالهدايات الإلهية قادهم إلى الرشاد والسعادة؟ هل تبديلهم لشرائع الله التي أنزلت عليهم حقق لهم أمنا وطمأنينة؟ هل كل الممارسات التي مارسوها والعصيان الذي فعلوه هل حقق لهم شيئا يذكر؟ بالتالي يا أيها الشباب المسلم، عليكم أن تسلكوا المسالك الرشيدة في تقبل هدايات الله واتعظوا من حال أسلافكم. فإن من جاءته الشريعة الإلهية فتقبلها وقال سمعنا وأطعنا وأقبل على أحكام الله متمسكا بها منكبا عليها، استبق الخيرات، استبق الخيرات، هذا الذي ينعم بالهدوء والحياة الرغيدة وبالطمأنينة ويعود إلى أصله إلى ذلك الإنسان المكرم عند الله، لأنه أقبل على شرعه وكان وفق ميثاق الاستخلاف صادقا مع ربه، أوفى بميثاق الله، أوفى بميثاق الله.

استخلاف على الأرض تذكروه، وميثاق بينك وبين الله سبحانه وتعالى فعليك أن تصدق في الميثاق، ولا تكن من الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه كما مر معنا في صفاتهم. في المجلس الماضي مررنا على الآيات تترى وهي تقص علينا أحوال بني إسرائيل وكيف كانوا يقابلون النعم، أنعم الله بنعم كثيرة وفي كل نعمة كان لهم جحود، كان لهم التفاف، كان لهم تبديل، كان لهم تلاعب، كان لهم اعتراض، قوم متعبون.

وصلنا إلى قوله تعالى -بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- آية اثنين وعشرين: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. في ثنايا قص الله سبحانه وتعالى علينا أحوال بني إسرائيل وطرائقهم في استقبال الهدايات والشرائع، جاءت هذه الآية هكذا في المنتصف كأنها جملة معترضة تقول لنا: إن كل قوم في زمانهم آمنوا بنبيهم واستقبلوا شرائع الله سبحانه وتعالى بالقبول.. مكرمين.. هادوا يعني واليهود في زمن موسى الذين انصاعوا لرسالة موسى وقبلوها، والنصارى الذين آمنوا بعيسى حقا واستقبلوا شريعته في زمنه، والصابئين وهم حنفاء العرب على القول المشهور، وإن كان فيهم خلاف، حنفاء العرب الذين أخذوا ملة إبراهيم ولم يقبلوا عبادة الأصنام، وإن كانوا لم يعرفوا الشريعة وكيف يتعبدون بها لتشوه معالمها في زمنهم، لكنهم أصروا على البقاء على ملة إبراهيم ملة التوحيد.

هؤلاء كلهم لأنهم آمنوا بالله واليوم والآخر وعملوا صالحا، كل أمة وكل طائفة في زمن نبيها؛ لأن هذه الآية للأسف بعض أصحاب القلوب المريضة اليوم يستدل بها على ماذا؟ على أن المؤمنين واليهود والنصارى الكل يدخل الجنة، نعم! هذا فهم خاطئ للآية، اليهود والنصارى اليوم يدخلون الجنة؟ كيف فهمت هذا؟ قال الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ، وماذا فهم؟ فهم أن هذه الآية تتكلم عن اليهود والنصارى والصابئين الآن، وهذا من الفهم السقيم.

لا، الله عز وجل يتكلم أن اليهود في زمن موسى قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم الذين قبلوا الهدايات كيف أن الله كفاهم وأن الله يغفر لهم وأنه لا خوف عليهم، وأن النصارى الذين قبلوا هداية عيسى قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يسمع بمحمد أو برسالته عليه الصلاة والسلام -عليه الصلاة والسلام- يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به فهو كافر وليس داخلا في الآية.

فالآية كأنها تتكلم عن كل أمة في زمنها؛ أمة محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه، أمة اليهود في أزمنة أنبيائهم، أمة النصارى في زمن عيسى، والصابئين وهم حنفاء العرب الذين رفضوا عبادة الأصنام. الله عز وجل يبين أنه أن كل من تقبل الهدايات والوحي في زمن نبيه وتعامل معها بالجدية فآمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا باتباع شريعة نبيه، فهؤلاء لن أبخس حقهم، لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كأنها جاءت ومضة سريعة هكذا لتنبه في ثنايا كلامنا عن بني إسرائيل ونقضهم للميثاق وتلاعبهم، كأنه استدراك: شوي، عليكم أن تنتبهوا أنه في المقابل في المقابل أن كل يهودي في زمن موسى كان صادقا سالكا فئه، وكل نصراني في زمن عيسى كان صادقا سالكا فئه.

وهكذا بعد ذلك تعود الآيات للكلام عن مماحكات وتلاعبات بني إسرائيل، وهذه سبحان هذه الاستفاضة في معالجة أحوال بني إسرائيل كما أقول هي رسائل لنا لي ولكم، احذروا من هذه الممارسات. وسياتي معنا اليوم كيف أن جل ممارسات بني إسرائيل تقع في حياتنا اليوم، يقول سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ، يخاطب بني إسرائيل، وإذ أخذنا ميثاقكم. الله عز وجل أخذ منهم المواثيق بالسمع والطاعة على ألسنة أنبيائهم، إلى أن وصلت القضية بقدر ما هم متعبون يعطيهم ياخذ منهم المواثيق وينقضوا، ياخذ من المواثيق وينقضوا.

وصلت القضية أن الله عز وجل رفع جبلا وطورا فوقهم، وقال لهم يا بني إسرائيل هل ستأخذون التوراة وتعملون بها أم أسقط عليكم الجبل؟ فهم من الخوف وقعوا على الأرض سجدا، وكانوا يرمقون الجبل بأبصارهم هل سيقع أو لن يقع؟ تتخيل أن تصل بهم الأمور لهذه الدرجه من شدة عصيانهم وتمردهم أن الله سبحانه وتعالى رفع جبلا فوقهم لياخذوا الميثاق وليتحملوا بالجدية وليتركوا التلاعبات. فقال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، جبل فوق رؤوسكم، خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ، تقبلوا شرائع الله، تقبلوا هدايات الله يا بني إسرائيل وبالجد اللازمة، واذكروا ما فيه، واذكروا ما في التوراة من الهدايات لعلكم تصلون لتصبح شخصية التقاتية بدلا من تلك الشخصية الكافرة أو المنافقة.

لاحظ: لعلكم تتقون، تذكرنا بأول السورة أن الله يريد أن يرتقي بهم إلى الشخصية الالقائية؛ لأن الشخصية الالقائية هي التي تهتدي بالقرآن في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، هي التي تهتدي بالتوراة في زمن موسى، هي التي تهتدي بالإنجيل في زمن عيسى، إذا هي شخصية موجودة على جميع الحقب. فبنو إسرائيل لما رأوا الجبل وصل فوق رؤوسهم قالوا: خلاص خلاص، نقبل شرائع الله، نقبل شرائع الله. فالله عز وجل أزال عنهم الجبل ولم يسقطه عليهم، لكن بعد أن نزل الجبل وعادت الأمور إلى مجراها الطبيعي هل قبلوا الهدايات فعلا أم عادوا ليدور عادوا ليجادل ويلتفوا؟

قال سبحانه: ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ، يعني حتى بعد أن أنزلت الجبل رحمة بكم عدتم للتوليد، الهروب من الشرائع، الهروب عن الوحي الإلهي. فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ، يعني لولا أن الله سبحانه يتفضل بالأمة ويرحم بالو والله لهلكتم ولخسرتم مباشرة نتيجة هذا التلاعب بشرائع الله سبحانه وتعالى.

ثم يذكرهم بغدر آخر من غدرهم فقال: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ. وهذه قصة السبت أتت في سورة الأعراف بطولها، عندما أمرهم الله ولا يصدوا في يوم السبت، وكيف كان يبتليهم فتأتيه الأسماك يوم السبت بالتحديد وتغيب باقي الأسبوع ليرى هل هم قوم صادقون؟ فكانوا يحتالون على شريعة الله فينصبون الشباك في البحر ليلة السبت، ثم يأتي السبت نهارا فيجلسون في بيوتهم ويقولون: نحن لم نصطدم، يأتي طبعا تاتي الحيتان فتعلق داخل الشبكات ثم يأتون في صبيحة الأحد يلمون الشبكات. هذه طريقة التفاف، ولاحظ كثير من الناس اليوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يتعامل الشريعة بطريقة أصحاب السبت بالطرق الالتفافية، يعرف أن الشغلة حرام فبدلا من أن ياتيها أن يتركها بالكلية لا يريد أن يفعل الحرام بس بطريقة التفاف يشرعن فيها لنفسه، وهذه ما كان يسميه فقهاؤنا الحيل الخداعة أن تحتال للوصول إلى المحرم، بدل مثلا يأتي قرض ربوي صريح بيروح بيعمل قرض ربوي بس بطريقة التفافه في البنك، وهذه لها صور لا أشتغلكم بها الآن.

طيب، إذا هذه الطريقة من طرق الغدر وهذه الطريقة ننتبه لها، وهي التحايل على الشرائع. يعني طرق بني اسرائيل متعددة، أحيانا يكون الرفض التام، وهذه قضية وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وهي قضية ورفعنا فوقكم الطور. أحيانا طريقة التفاف للوصول للحرام، مش الرفض بس رفض، بس يصلون بطريقة التفاف لما يريدون، وهذا نموذج أصحاب السبت. والله عز وجل لما راهم يتحايلون على الهدى ويفرون منه إلى الحرام بطرق التفاف قال سبحانه: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ. أي جعل الله هذه القرية قرية أصحاب السبت لما مسخهم قردة.

جعلها نكالا يعني عاقبها عقوبة يعتبر بها. يعتبر بها من بين يديها وما خلفها، ما بين يديها قال كثير من المفسرين يعني القرى التي أمامها والقرى التي خلفها، يعني أصبحت عبرة لكل القرى، سواء القرى التي تقع أمامها أو القرى التي تقع خلفها، كلهم اعتبروا بهذه القرية الغادرة بشرع الله. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، يعني موعظة يعني عبرة للشخصية الانتقائية، الشخصية الانتقائية اللي ما بدها الغلط، لما تشوف كيف عاقب الله أصحاب الحيل بتقول له لا أنا ما بدي أعمل زيهم.

صح، لاحظ كلمة وموعظة للمتقين، يعني الشخص المتقي الذي بطبيعته لا يريد الخطأ ولا الزلل، لما ينظر في حال هؤلاء أصحاب السبت لما احتالوا كيف حصل بهم، سيكون -لأنه هو شخص اتقائي- سيكون مباشرة مبتعدا عن هذه المسالك الالتفاف.

طيب، الآن نموذج آخر من نماذج بني إسرائيل، نموذج يختلف قليلا، نموذج بنو إسرائيل فيه فعلوا ما طلب منهم، لكن للاسف بعد طول المجادلة. لاحظ كيف أن هنا نحن نتكلم عن ممارسات مختلفة، أحيانا عصيان مباشر فرفع فوقهم الطور، أحيانا عصيان بس بطرق إلتفاف قصة أصحاب السبت، أحيانا لا فعلوا ما أمر به منهم لكن بعد طول المجادلة والمماحكات أصحاب البقرة، كلها نماذج، كلها لا يريدها الله، إياك أن تقول سمعنا وعصينا، إياك أن تلتف على الشريعة، إياك أن تطبق الشريعة بعد المجادلة.

لاحظ هذا كله مطلوب أنه ما يكون فينا، أحذر حتى تطبيق الشريعة بعد المجادلة، حتى هذا النموذج لا يريده الله. لاحظوا قصة أصحاب البقرة، وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. موسى عليه السلام طبعا هي القصة يعني أصلها أن هناك رجل مات من بني إسرائيل وقتل على يد أقاربه يعني بعض أولاد عمومته، وأنكروا ذلك وأظهروا أن الذي قتل هذا الرجل هو شخص غريب من قرية أخرى والقوا التهمة عليه، تمام.

فالله سبحانه وتعالى قال لبني إسرائيل: إذا اردتم أن تعرفوا من قتل صاحبكم هذا، إذا اردتم أن تعرفوا من قتل صاحبكم هذا فالطريقة هي التي أمركم الله بها، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، في هنا هدي إلهي، شريعة إلهية، مطلوب منكم تذبحوا بقرة من البقر، أي بقرة طلب منهم أن يذبحوا، فبنو إسرائيل قالوا لموسى أتتخذنا هزوا، لاحظ أولا كيف الإجابة، نبي من الأنبياء يعطيهم شريعة من الشرائع فاستخف بالشريعة، قالوا أتتخذنا هزوا تستهزئ بنا، قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.

قالوا طيب أنت نبي من الأنبياء وأكيد يعني راينا منك معجزات باهرة بس احنا ابتداء ما رح نقبل منك هذه الشريعة، طيب المطلوب، لاحظ عملية الجدال، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ، ادع ربك يبين لنا ما مواصفات هذه البقرة، فذهب موسى فسال ربه، فالله سبحانه وتعالى بدا يشدد عليهم لما شددوا على أنفسهم، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ، لا هي فارض مسنة ولا بكر يعني صغيرة، عوان بين ذلك متوسطة في العمر، طيب فافعلوا ما تؤمرون.

خلص يا بني إسرائيل هي أول جاءتكم الإجابة، افعلوا روحوا نفذوا هدى الله شريعة الله، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا، لسه احنا مش مقتنعين، ولاحظ هذا كيف يمارسه بعض المسلمين اليوم، لما يأتي إلى شيخ من أهل العلم والصلاح يسأله، شيخ إيش حكم حلق اللحية، تاتي أخت شيخ إيش حكم لبس الجلباب، شيخ إيش حكم كذا، فأهل العلم يقولون لها والله يحرم كذا، يجب عليك كذا، طيب بس ما هو فيش مجال انه نعمل كذا، طيب شيخ بالله انك تتاكد انه، طيب شيخ يعني يعني اقنعني، بالله اقنعني ليش كذا، ليش هذا حرام، أنا حقيقة ما بحب أخذ بالشريعة حتى أكون مقتنع فيها، كثير من الناس حتى بصير بعض الأخوات أو الرجال بقول لك أنا ما رح أخذ أنه الجلباب واجب حتى اقتنع، بدون اقتناع أنا ما يعني ما بحب أعمل شغله بدون اقتناع.

ما هو الاقتناع الذي تريدينه أكرمك الله؟ هذه قضية أن الأخت أو الأخ لا يريد أن يعمل بالشريعة حتى يقتنع، هاي عقلية كارثية، حتى لو عمل فيها (يعني حتى آه والله الشيخ اقنعني خلص رح أعمل)، هذا مخيف إخواني مخيف، مخيف أن الإنسان يعلم أن القرآن يقول له كذا وكذا ويسمع آيات الله تتلى عليه ويقول أنا ما راح أعمل حتى اقتنع، وحضرتك من حتى تقتنع؟ أنت تريد أن رب العالمين يعني يعني يرسل إليك شخص ويترجاك ترجية، أن بدنا ياك يا أخي تعمل بهذه الشريعة؟ الله الغني وأنتم الفقراء، الله عز وجل صاحب الهداية المطلقة حتى لو ما اقتنعت بدك تقبل الشريعة، هذه فكرة سورة البقرة، حتى لو ما اقتنعت نحن نؤمن أن الشريعة كل الشريعة مليئة بالحكم، ولا يوجد تشريع من تشريعات الله ما فيه حكمة، لكن عقولنا قد تتقاصر عن فهم الحكمة في كل شيء.

في أشياء نفهم حكمها وفي أشياء مطلوب منا أن نقول سمعنا وأطعنا، صلاة الظهر لماذا أربع ركعات مش ثلاث؟ سمعنا وأطعنا، في حكمة؟ نعم نحن نعرفها، لا نعرفها، لماذا المغرب ثلاث؟ ولماذا الفجر اثنتين؟ ولماذا العشاء أربعة؟ كثير من أهل العلم كان يقول: وكأن هذه الاعداد في الصلوات هي نوع من أن تربية الناس على سمعنا وأطعنا، مش حينفع تقول لا اقنعني ليش الظهر أربعة مش ثلاث حتى أصليها، إذا ما اقتنعت ما راح أصليه، فللاسف من الأخطاء التي قد يمارسها بعض الدعاة أنه بينزل بيصير يقول آه والله لازم أبحث له عن حجة، لازم أقنع هذا الشخص، أو تجي أخت زي ما قلنا بتقولها الله عز وجل أمر بالجلباب في كتابه وأمر بالحجاب الراس في كتابه بتجي تقول أقنعوني، فالشيخ بصير بده يتنزل، آه والله لازم أقنعها فعلا معها حق.

وللاسف حتى يعني كثير بسمع في أوساط العائلات، أقول لأحد الآباء: ترى يا فلان بنتك مش لابسة حجاب سترها وهي ذاهبة للجامعة وهي ذاهبة، بقول: والله يا شيخ أنا صراحة ما بدي أشد عليها، أنا بدي اياها تقتنع، حقيقة هي نفسية غريبة جدا، إيش تقتنع؟ أخي أنت أب، أنت صاحب القوامة، حضرتك ماذا كنت تفعل وهي صغيرة؟ ألم تربها أن تتقبل شرائع الله؟ ألم تربها على سمعنا وأطعنا؟ طيب افرض بنتك ما اقتنعت، خلص أنا ما اليمه، أهم شيء أنها تقتنع، هذه أسوأ النفوس وهذه هي نفوس بني إسرائيل، اللي ما بده يعمل بالشغلة حتى يقتنع، إذا ما اقتنع بقول لك أنا ما لي علاقة، زين ما لك علاقة ستجدها عند الله.

فسورة البقرة ليش بقول إخواني لازم نتدبر القرآن؟ أن هذه الفتاة المتبرجة علموها سورة البقرة وقولوا لها ترى سورة البقرة بتعلمك كيف تقبل الشريعة، ذلك الشاب اللي يتعامل مع البنوك الربوية أو يتعامل بسلع محرمة أو بأشياء لا ترضي الله أو أو علموهم سورة البقرة، أن سورة البقرة تعطيهم هاي النماذج أنه لا تكرروا الأخطاء وانظروا إلى الكوارث التي حصلت في بني إسرائيل بسبب هذه الطريقة المماحكات في تقبل الشرائع.

المهم قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا، شددوا فشدد الله عليهم، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، لونها أصفر فاقع تسر الناظرين. طيب قالوا لسه شوف الحوار الثالث، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا، يعني البقر الأصفر الفاقع كثير، خايفين نخطئ، نذبح بقرة صفراء مش هي اللي بدها اياها ربنا، طبعا هم عارفين أن ربنا مش مطالبهم ببقرة صفراء معينة، أي بقرة صفراء في النهاية ذبحوها، لا احنا مش مقتنعين، خايفين نعمل شيء خطأ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، هذه المره احنا باذن الله خلاص بس اقنعنا اقنعنا شو هي هي البقرة بالتحديد.

طالب قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ، يعني هذه البقرة ليست ذلول ليست مسخرة لحراثة الأرض ولا تسقي الحرث ولا تتعب بوجودها في المزارع، مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا، ليس فيها أي عيب، البعض قال لا شية فيها يعني لا يخالطها لون آخر، أصفر فاقع لا يخالطها أي لون آخر، وقيل كما قلت ليس فيها أي عيب في خلقتها، قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، آه هيك صح، طب قبل هيك ما كان صح؟ شوف شوف العبارة وهذا جمال التعبير القراني أنه خيك تجيش جو القصة، الآن جئت بالحق، آه هيك كلامك مقنع، طب أنا من أول عفوا وأصلا من أول ما كان مطلوب أننا نوصل لهي المرحلة، كان المطلوب أي بقرة بتشوفوها اذبحوه وخلصنا.

الآن الآن جئت بالحق، فعلا سبحان الله الآن خلص الفكرة الشريعة أجَت على دماغك فقلت خلص الآن رح أعمل، طب افرض أن من البداية أنا ما قدرت أقنعك بالحكمة؟ افرض ما قدرت أقنعك بالحكمة ستلقي كتاب الله وراء ظهرك؟ فالله عز وجل شوف الجمال التعبير القراني، فَذَبَحُوهَا، كأن نحكي واخيرا، واخيرا اقتنع بنو إسرائيل أنهم يذبحوها، وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، يعني ذبحوها آخر شيء بعد هذه المماحكات. وهنا اختير اسم البقرة ليكون عنوانا لهذه السورة، لأنه هنا نموذج التنفيذ بعد المجادلة الطويلة، هذا النموذج برضه لا يرضاه الله، لا يقبله الله سبحانه وتعالى منا، علينا أن نربي أنفسنا على السمع والطاعة لله رب العالمين دون ممارسات بني إسرائيل.

ثم الله سبحانه وتعالى بعد أن ذبحوا البقرة قال لموسى: اؤمر هؤلاء أن ياخذوا عظما من عظامها ويضربوا بها الميت، فانه سيعيش وسيسمى من الذي قتله ثم سيعود ميتا، وهذه معجزة باهرة، يعني تخيل أنك تضرب إنسان بعظمة فتراه يعيش أمامك يقول قتلني فلان ثم يموت، أليس هذه من أكبر المعجزات على صدق موسى وعلى أن كل ما يفعلونه أو ما يطالبون به من إله عظيم؟

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا، أي وقع بينكم اختلاف من الذي قتل هذه النفس، وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا، ببعض هذه البقرة، هذا أولا دليل على أن الله قادر على أن يحيي الموتى يوم القيامة، لأن هذه صورة إحياء أمامكم في الدنيا، فما الذي يعجز الله عن إعادة البشر جميعا يوم القيامة؟ هذه فكرة هكذا ضعها في ذهنك، ثم قال: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وهذه أيضا آية معجزة أمامكم، كيف أن هذه النفس أحييت وتكلمت ثم ماتت، لعلكم لعلكم يا بني إسرائيل تشغلوا دماغكم شوي يعني باللغة العربية العامية، لعلكم تعقلون تصير تفكروا إيه والله هذا إله عظيم، إله يعبد، معجزات باهرة وأمور عظيمة حصلت تجعل الأعناق تخضع والقلوب تخضع والاجساد تخضع لله رب العالمين.

لكن للاسف للاسف كان الآية: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، بعد أن رأوا هذه الآيات المبهرة الدالة على صدق الهدايات الإلهية، عادوا إلى قسوة القلوب، وهذا حال أيضا كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، ممن يكرمه الله بأمور عظيمة، بشفاء من مرض مضني، بأن يحصل له حقيقة نجاة من موت محقق فعلا، تقول ما أنجاني إلا الله سبحانه وتعالى، كل الأسباب انقطعت، يرى أشياء مبهرة ثم بعد ذلك ينساها ويتغافل عنها ويعود إلى الاشتغال بالدنيا واللهث وراءها والالتفات عن شرائع الله.

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، أليس كذلك قال: أو أشد قسوة؟ وهذا بيسموه من الانتقال من الأدنى إلى الأعلى في الوصف، يعني أنتم كالحجارة بل لعلها أشد، لأن هناك من الحجارة حجارة على قسوتها لكن تتفجر منها الينابيع وتنتج أنهار، لما يتفجر منه الأنهار يعني تتفجر عيون منها وتحدث أنهارا، وهناك نوع من الحجاره حتى على ولو لم تحدث أنهارا يتشقق تشققات ويخرج منها شيء من الماء، وكان هذه الحجارة هي أيضا فيها إشارة للقلوب القاسية، يعني في إنسان قلبه في قسوة في قلبه لكن هذه القسوة تزول وينبع الإيمان والمعرفة منه مع التعلم والاستهداف.

هناك قلب ماشي في قسوة شوي أكثر لو لم يحصل له تفجر ينابيع الإيمان، لكن على الأقل في عنده نوع من الخشية ومضات الإيمان تحصل يتشقق يعني في خير على ما فيه من القسوة، وهناك من الحجارة ما يهبط من خشية الله، هو أصلا مش ينتظر حتى يتشقق، لا لا هو يهبط من خشية الله. قلوبكم يا بني إسرائيل أصبحت أقسى من كل أنواع الحجارة، لا ينتج منها أي خير، يعني في حجارة قاسية بس ينتج منها نهر، بعضها ينتج منها شيء من الماء القليل، بعضها يهبط من خشية الله تتفاعل مع قسوتها.

بالله عليكم ما نوعكم من البشر أنتم، وما نوع من يسير على خطاكم من أمة العرب؟ أي نوع من البشر أنتم بحيث تتنزل هذه الهدايات، لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؟ هذا القرآن لما ينزل على الجبال تتصدع بما فيه من الآيات المبهرة والحديث عن الله وتوحيده وأوامره، معقول وصلت قلوبنا لهذه القسوة أن يسمع القرآن ونحن غافلون، وننتظر أن ننتهي من قراءة الإمام، وننتظر أن ينتهي رمضان وينتهي القيام والتراويح، إلى أي درجة وصلت قسوة القلوب؟ لكن الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، يا بني إسرائيل كله مسجل وكله مرصود إلى محكمة العدل يوم القيامة بإذن الله سيرتفع.

ثم إلتفاته سريعة يخاطب الله سبحانه وتعالى فيها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، خصوصا الأنصار، الأنصار في المدينة قبل قدوم الاسلام كانوا على الأوس والخزرج، كانوا على تحالفات مع اليهود، أنتم تعرفون.

المدينة كان يسكن فيها ثلاث قبائل من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. وهؤلاء كانوا على تحالفات؛ بنو قينقاع وبنو النضير كانوا على تحالف مع مين؟ مع الخزرج، وبنو قريظة كانوا على تحالف مع الأوس. فلما جاء الإسلام وسارع الأوس والخزرج للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، كان عندهم بسبب علاقتهم السابقة باليهود نوع من الطمع؛ أنه لعل اليهود أن يسلموا، خاصة كما سيأتي معنى أن اليهود هم اللي كانوا يقولوا للأوس والخزرج: قد أضل زمان نبي، وإذا خرج فإننا سنقاتلكم مع هذا النبي.

فسبحان الله! الأوس والخزرج أسلموا قبل اليهود، وكان هناك طموح، خلينا نقول طموح من الأنصار: لعل أهل الكتاب يسلموا ونصبح مجتمع واحد، وخلاص أيدينا في أيدي بعض، ما يضل في هناك أي مماحكات داخل المجتمع المدني. لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلم الأنصار بالحقيقة، أراد أن يعلمهم بماذا؟ بالحقيقة وطبيعة هؤلاء الجنس الذي يعاشرون، فقال: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، يعني هل يا أيها الأنصار تطمعوا أن هؤلاء اليهود الذين يعيشون بين أظهركم أن يؤمنوا لكم ويصدقوا برسالة نبيكم؟

طب خليني أقول لكم ماذا كانوا يفعلون مع الكتب السابقة. وهنا عادت الآيات تتكلم كيف كان بنو إسرائيل يتعاملون مع الكتب، حتى لا نقع نحن في نفس الأخطاء وفي نفس القضايا. ولاحظوا إذا هناك تفصيل عميق في سورة البقرة في هذه الجزئية، وقد كان فريق منهم في السابق يسمعون كلام الله، وكلام الله هنا التوراة لأنها أيضا من كلام الله.

هؤلاء بنو إسرائيل حتى تكتشفوهم أكثر وأكثر، هؤلاء قوم كانوا يسمعون التوراة ثم يقومون بالتلاعب بها علناً؛ يحرفون لفظا ومعنى، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، يعني هم سمعوا التوراة وعقلوا أنها من الله، ومع ذلك كانوا يتجرؤون على تحريف ألفاظها ومعانيها. أنت بتتكلم عن قوم وصلوا لهذه الدرجة؛ إنسان عقل أن هذا من الله ومستوعب أن ما بين يديه من الله ومع ذلك يقرر أن يطمس ويشوه الهدى، وهذه كارثة.

وللأسف أن هذه الكارثة تقع اليوم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعض من ينتسب إلى الدين ويتحدث باسم الدين، أنه بيكون قرأ القرآن ويعلم أن القرآن يحكي كذا وكذا، ومع ذلك يشوه هذا الهدى ويحرف. ربما اليوم صعب يحرف الألفاظ لأن القرآن محفوظ في قلوب الملايين، لكنهم يحرفون المعاني؛ هؤلاء الذين يظهرون لكم على اليوتيوب أو على القنوات الإعلامية، ويتم صناعتهم لكم أنا بسميهم مشايخ؛ الذين دائما يكونون في البلاط وأتباع لناس معينين، ووظيفتهم تحريف معاني القرآن، مع أنه والله شيخ دكتور شريعة وخريج من جامعة كبيرة من الجامعات الشرعية في العالم الإسلامي، أو أخذ لقب المفتي الأكبر والمفتي الكذا، أسماء ضخمة وفخمة.

أكيد هذول قرأوا القرآن، بالعكس هو له تفسير في القرآن، بس والله بحكي كلام يعني عجيب ما قاله أحد قبله. قال سبحانه: هذا نموذج من نماذج اتباع بني إسرائيل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نموذج من نماذج اتباع بني إسرائيل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. فهذا سيوجد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه لفظا أو معنى من بعد ما عقلوه؛ هم عارفين أن القرآن بيحكي هيك، بس خلاص إما هو مأجور، أو إنسان يبحث عن دنيا، أو لشدة حنقه على مخالفيه من المسلمين يبدأ ماذا؟ يتلاعب بايات الله.

طيب، وإذا لقوا الذين آamenوا قالوا آمنا، لاحظ ممارسات بني إسرائيل؛ كانوا ياتون إلى أصحاب، إلى الأوس، إلى الأنصار عموماً، الأوس والخزرج، ويقولون: آمنا بمحمد هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل إليكم. بس كانوا يمارسون التقية؛ لأنهم كانوا قلة في المدينة مقارنة مع الأوس والخزرج، يمارسون شيئاً من التقية. ثم قال: وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم.

اليهود كانوا إذا التقوا بالأوس والخزرج يقولون لهم: فعلا هذا النبي هو النبي الذي بشرنا به في التوراه، وهذه العلامات التي تظهر عليه هي العلامات الموجودة عندنا. ثم إذا رجعوا لبعضهم البعض في الأروقة السرية يلوم بعضهم بعضا؛ إحنا ليش حكينا لهم إنه هذا النبي بشرنا به في التوراه؟ ولماذا قلنا لهم إنه فعلا العلامات الظاهرة عليه هي العلامات الموجودة؟ هكذا سيحتج علينا عند الله.

ولاحظ هنا تلفتني الآية في قضية في قوله: وإذا خلا بعضهم إلى بعض؛ لما الله تكلم عن المنافقين في أول السورة قال: أنهم إذا خلوا إلى شياطينهم، وقلنا تفسير الشياطين هناك عند أكثر المفسرين هم اليهود، فالمنافقون من العرب كانوا يذهبون إلى شياطينهم من اليهود. لكن هنا ما قال: وإذا خلوا إلى شياطينهم، لا قال: وإذا خلا بعضهم إلى بعض؛ ليه؟ يقولون: لا يوجد شياطين أعلى من اليهود، يعني اليهود مش بحاجة يذهبوا إلى شياطينهم إلى أناس أعلى منهم في الكفر، هم أعلى أنواع البشرية؛ يعني المنافقون كانوا يذهبون إلى شياطينهم، طيب اليهود هل سيذهبون إلى شياطينهم؟ لا، ما هم شياطين بحالهم، يعني هم الشياطين بحالهم، فلذلك وإذا خلا بعضهم إلى بعض مش محتاج يروحوا لشياطين، هم الشياطين.

وإذا خلا بعضهم إلى بعض لاموا أنفسهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم؟ ليش بتحكوا للانصار إنه هذا النبي حق وأن مواصفاته صحيحة؟ هكذا سيحتج عليكم عند الله. لاحظوا على ماذا يلومون أنفسهم؟ يلومون أنفسهم أن صدعوا بالحق! أنت بتخيل؟ هو عم يلوم بعضهم بعضا لماذا تصدع بالحق؟ لماذا تتكلم بالحقيقة؟ وهذا أيضا توجد اليوم في أهل أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ بعض من ينتسب لهذا الدين أو يتحدث باسم الدين يطالب أصحابه ألا يجهروا بالحقيقة وألا يتكلموا بحقيقة الإسلام: لا تعلموا الناس الصح؛ لأنهم إذا عرفوا الصح سيحاكم به عند ربكم.

بدلوا الشرائع، شوهوا الهدى، وهذه أكبر الجرائم التي تنفذ على الأرض دائما؛ تشويه الهدى وباسم الدين. يعني الآن إنسان فاسد أصلا، فاسق، ما بتكلم باسم الدين يشوه الهدى، هذا مفهوم متعقل معروف، فاسد، لكن المشكلة أنك تكون تتكلم باسم الدين وتتصنع أنك شيخ من شيوخ الأمة، ومع ذلك تمارس ممارسة تشويه الهدى، وتتكلم في الأروقة الداخلية مع أصحاب أجندات، اه، إنه إحنا ما راح نتكلم بالحق بما في القرآن حقيقة وسنتلاعب ونشوه ونصنع دينا آخر يدرس في المناهج ويعلم في الجامعات ويروج له في الإعلام. كونوا على ثقة بما سافعله! هكذا يقول هذا الرجل الذي يتاجر باسم الدين.

الله عز وجل يقول: أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؟ هم مجموعة من الحمقى المغفلين هؤلاء الذين يظنون أن الله عز وجل لا يعرفهم إلا إذا أعلنوا، ولا يراقبهم ويعرف ما يقولون في أروقتهم السرية. أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؟ لكن كما سياتي هم قوم لعنهم الله، فما عادوا حتى يفكروا بالأمور بشكل الصحيح، وهذه من آفات الضلال أنه يطمس عنك حتى التفكير الصحيح وطريقة النظر العقلانية في تحليل الأمور.

ثم قال: ومنهم، خذوا هاي المعلومة الأخرى في طائفة من أهل الكتاب؛ ومنهم أميون، أميون يعني جماعة لا يعرفون القراءة تماماً، لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون. هؤلاء ماذا يفعلون؟ هؤلاء مثل عوام المسلمين اليوم اللي ما تعاملوا مع القرآن وما قرؤوا -طبعا أتكلم عن بعض العوام اللي هو ما بيعرف يقرا قرآن أصلا ولا يعرف عن القرآن إلا ايش؟ أماني-.

شو يعني أماني؟ طبعا في خلاف في معنى كلمة أماني هنا، لكن لا يهمني إلا أن أذكر المعاني الكلية السريعة والتفصيل إن شاء الله في دروس مفصلة أكثر؛ إلا أماني، إلا أمور يتوهمون عن القرآن، أو أمور يتوهمون عن التوراه. يعني عوام، عوام بني إسرائيل، عوامهم كانوا أميين ما بيعرفوا يقراوا أصلا، فماذا كانوا يعرفون عن التوراه؟ لأنه ما كانوا يقراوا، كان هيك بيتخيل تخيلات، اه، إنه التوراه أكيد بتحكي هيك، التوراه واكيد يعني هي تامرنا بكذا وكذا، واكيد التوراه فيها هيك تساهل وبحبح وأنها لا تشدد علينا، هو فقط يتمنى أماني في ذهنه عن التوراه وهو لم يقرأها، ويختلق هكذا تصور ذهني أنه أكيد التوراه بتحكي هيك وهو لم يقرأها.

قال: وإن هم إلا يظنون، هذا بذكرني في مين إخواننا وأخواتنا؟ بذكرني ببعض الناس اللي هو عوام المسلمين غير المتدينين للاسف، اللي بتكون أحيانا جالس معه في مجلس من أقاربك أو من أعمامك أو من الناس اللي حولك، بتجلس معه مجلس بتقول له: أنت بصير أنت تحكي بمسالة دينية؟ بصير هو بده ايش يجادلك في المسألة الشرعية، يجادلك في الدين: اه ما هو القرآن بحكي كذا وكذا، ما هو القرآن ما حكاش إنه مثلا هذا واجب. طبعا القرآن بيكون حكى إنه واجب، فانت بتسأله: طب أنت كيف عرفت أن القرآن ما حكى إنه واجب؟ أنا بعرف. هو لا يقرأ القرآن، وإذا هيك حاول يقرأ القرآن هو أصلا مش فاهم حاجة، هو أصلا غير متعلم لأُسس الفهم، هو فقط هيك متخيل في ذهنه أنه: لا لا مستحيل القرآن يكون حكى هيك.

أنت طب حافظ القرآن؟ طيب يلا شو رايك أعطيك الآية؟ الله عز وجل يقول كذا وكذا، فيبهت! طب أنت بناء على ماذا قلت أن القرآن لا ما بيحكي كده؟ ألا تعرف أن هذه أيضا من ممارسات بني إسرائيل في تشويه الهدى؟ أنه مش فقط رجال الدين في بني إسرائيل كانوا يشوهون الهدى، بل حتى عوامهم كانوا يشوهون الهدى؛ هو لا يعرف قراءة الكتاب وبدلا من أن يقول: أنا والله مش متعلم ما بعرف أقرا ارجعوا لأهل العلم هم أدرى، لا لا هو حضرته بتفلسف! هذا العامي، بتعرفوا العامي المتفلسف هذا؟ هو بنو إسرائيل في عوامهم يتفلسفون على التوراه وهم لم يقرؤوها، بل هم أميون لا يحسنون قراءتها، وباعطيك تحولات تخملات وكذا واعتقد أنها لا لا تقول كذا وانه اكيد هيك الدين.

وربنا بيقول: وإن هم إلا يظنون، الظن هنا الظن التخرص التخمين الذي لا ينبني على أي دراسة علمية، فقط متكئ على أريكته بقول: لا الدين مش هيك أنتم مش فاهمين الدين. وحضرته هذا رجل مش متعلم أساسيات القراءة الصحيحة للقرآن وبيجي بيتكلم أمامك: لا أنتم مش فاهمين الدين. طب تفضل حضرتك فاهم الدين؟ ما هو أنت لا تقرا القرآن بل تخطئ وتلحن لحنا جلياً في قراءته.

وبيجي بقول لك إنه أنتم مش فاهمين الدين، خاصة هذول اللي بطلعوا لكم اياهم على الشاشات والاعلام وبيصير يقول: هذول المشايخ الدارسين دراسة شرعية هذول متزمتين هذول مش فاهمين الدين صح، وبيطلع هو الصحفي أو العماني أو الحداثي أو كذا، اه هو اللي فاهم الدين صح! هذا بس خليه يفتح القرآن ويقرأ أمامك رح تنصدم! رح تنصدم أنه ما بيعرف يقرأ قرآن، اه هو هو هو اللي بيطلع أمامك وبحكي كثير وبهم الناس إنه المشايخ الثقات والعلماء الراسخين هم مجموعة من السذج والدراويش والغلاة اللي ما بيفهموا العصر، وبيعطيك يعني تصورات عن المشايخ أنهم الله أعلم بحالهم على أساس أنه هو في قمة الفهم، تمام؟ وبقول: الدين مش تشدد ومش تنطع ومش كذا. طب إحنا عارفين الدين مش تشدد، بس هو بستعمل ه العبارات يعني زي بروباجندا كما يقولون لإظهار أنه هو فهمان وانه اه والله زي ما حكى فلان، والله فعلا المشايخ مساكين.

شوف هذا المثقف العلماني كيف بحكي بهدوء وخاصة إذا كان لابس كرفته أو شيء وطالع على الإعلام وفي له معجبين ومعجبات وما شابه ذلك، هي هذه أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ومن عنده بيحكي إنه الدين كده، وإن هم إلا يظنون.

ثم عاد الله عز وجل يتكلم عن رجال الدين عند اليهود فقال: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم. عاد سبحانه ليتكلم عن المتعلمين في بني إسرائيل، اللي هم كانوا يقرؤون الكتاب، يعني لسه الصنف الأول أمي وبحكي في الدين على هواه، لكن الصنف الأسوأ الأسوأ والمخيف أكثر اللي مش أمي، لا، اللي كان يقرأ التوراه وعارف شو بتحكي التوراه ومع ذلك عم بيلعب فيها.

لذلك الذين ينسبون أنفسهم إلى الدين ويتحدثون باسم الدين ويشوهون، أعظم جرما عند الله من ذلك العامي الذي يحكي في الدين تخرصاً وعلى هواه، وإن كان كلاهما مجرم، لكن من أعظم إجراماً؟ قال سبحانه: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم. هذا مش أمي، هذا بيعرف يقرأ ويكتب، فشو بيعمل؟ لأنه بيعرف يقرأ ويكتب كان بعض أحبار بني إسرائيل يكتب التوراه فيحرف الآيات وبعدين بققدمها للناس: تفضلوا هذا من عند الله! عاد هو اللي كتبه وهو الذي اخترعه وهو الذي تلاعب بنصوص التوراه.

وهذا يحصل أيضاً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم -بس بقول فرق التشبيه- أنه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم تحريف الآيات كلفظ صعب لوجود بحمد الله ملايين الحفظة، لكن هؤلاء الذين يتحدثون باسم الدين اليوم كثير منهم يتلاعب بالمعنى؛ بيجي بيحمل لك الآية بيقول لك: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، إن كلهم في الجنة ربنا قال! بقول لك هذا المعنى تفضل هذا من عند الله، والله ما هو من عند الله، والله أنه من عند شيطانك! هذه المعاني التي تشوه بها معالم الهدى، ثم يقولون: هذا من عند الله.

طيب ليش يفعل كذا؟ ليشتري به ثمنا قليلا. نعم، هذا شيخ الدين اللي بعطيكم معاني فاسدة للقران هو يبحث عن منصب وزاري، منصب قضائي، يريد أن يحافظ على كذا.

على جاه عند السلطان، يريد أن يحافظ على مراسم وأموال ودنيا، يئس كلها والعياذ بالله. أي نعم، هو يريد أن يحافظ على دنياه، فرضنا إخباركَ إياها: احذر من الشيخ الذي يصنع في أروقة معينة، احذروا من الشيوخ الذين يتحدثون باسم الدين ويصنعون في أروقة معينة أنتم تعرفونها، احذروا. ولذلك، في حقبة الاستعمار، أول يعني بعد انتهاء الخلافة العثمانية، من أبرز المصائب التي حصلت هي ابتعاث أي من يريد أن يدرس الإسلام والشريعة إلى الغرب تماماً، وهذا ما حصل مع رفاة الطهطاوي وطه حسين وغيرهم ممن ابتعثوا إلى الغرب وأتوا إلى بلاد المسلمين وعادوا ليتحدثوا باسم الدين بالإسلام المشوه، فشوهت الألعاب بهذه القيم العظيمة. والمشكلة أنه يقول لك أنا درست شريعة، أنا والله دكتور شريعة، أنا تخرجت من جامعات كبرى، لكن تم صناعة عقلك في أروقة معينة، هذه يجب أن يفهمها الناس، ليس كل من تحدث اليوم باسم الإسلام هو يتحدث باسم الإسلام، واليوم على الناس أن يكونوا أكثر حيطة وحذر لأن أمثال بني إسرائيل كثيرة اليوم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى الله المشتكى، فالله يقول: فویل لهم مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ. ويلك يوم القيامة من التشويه الذي شوهته، وويل لهم مِمَّا يَكْسِبُونَ. ويلك من المال اللي أخذته والرشوة اللي أخذتها والمنصب اللي أخذته مقابل هذا التشويه، يعني ويلك مرتين: ويلك من التشويه، ويلك من ايش من المنصب الوزاري أو المنصب الإفتائي أو اللي حصلته واللي رح تقتاد فيه وتطعمي منه ولادك وعيلتك. أنت اخترت هذا المنصب وفي المقابل تخليت عن الدين وشوهت الدين من أجل الوصول إليه، وويل لهم مِمَّا يَكْسِبُونَ.

طيب، نعود إلى بني اسرائيل مرة أخرى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة. من الأمور اللي اخترعها بنو إسرائيل أنه احنا شعب الله المختار، حتى لو ربنا دخلنا النار احنا لن ندخل النار إلا أياماً معدودة، أما أنتم يا أيها العرب هكذا كانوا يقولون: أما أنتم يا أيها العرب ستخلدون في جهنم، وأنتم أيها النصارى -بتعرفوا اليهود كما سياتي معنا كانوا يقولون للنصارى لستم على شيء، والنصارى كانوا يقولون عن اليهود لستم على شيء، المهم لا نتكلم عنهم- فكانوا يتكلمون مع العرب ويقولون: نحن شعب الله المختار، وإذا دخلنا النار يعني أقصى ما يمكن أن ندخل أيام معدودة ونخرج، أما أنتم ستمكثون فيها يا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. فالله عز وجل يقول لهم: قل، قل لهم يا محمد عليه الصلاة والسلام: هي المعلومة هي هي، الاختراع هذا من وين أتيتم؟ يعني كيف أنتم جزمنتم أنكم لو دخلتم النار ستدخلونها أياماً معدودة فقط؟ أتخذتم عند الله عهداً في ميثاق بينكم وبين الله هذا مضمونه فلن يخلف الله عهده؟ فعلاً إذا كان في ميثاق الله لن يخلف عهده، أم حقيقة أنتم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ أنتم تتكلمون بأمور تخترعونها. لاحظوا حتى الصهاينة اليوم يعني في فلسطين نال الله عز وجل أن يمن على أهل غزة وعلى أهل فلسطين بالنصر والتمكين يعني كيف حتى في إعلامهم بيخترع قضية ويقول لك والله هذه المنطقة اللي قصفناها كان فيها مأوى للمرابطين ومجاهدين وفعلنا فيها، بتروح آخر شي بتتبع ورا الأخبار لا طلع فيها مأوى ولا شيء، طب أنت هذا من وين اخترعته يعني؟ من ولا هو حقيقه فقط مجرد إشباع هوى وأنك تريد أن تفعل ما تشاء فلا تستطيع أن تشبع هواك إلا بالكذب: أن تكذب ثم تكذب ثم تكذب. هكذا حالهم قديماً وحديثاً يصنعون الأكاذيب ويختلقون الأشياء والافكار ليروجوا بها دنياهم.

فالله عز وجل ماذا يقول؟ الله سبحانه وتعالى يقول: بلى من كسب سيئة. الله عز وجل أعطيهم الموازين، لا لا، الأمور ليست بأهوائكم ورغباتكم، هناك عدل إلهي ومحكمة الله سبحانه وتعالى ستُقام: من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته. هنا يعني شيخ الإسلام يقول: إحاطة الخطيئة إذا عبر القرآن بإحاطتها، هذه هي الشرك. فيقول: من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فالكلام هنا عن الكفار؛ لأن الخطيئة إذا أحاطت تماماً تماماً فهذا عنوان الكفر، وبالتالي يستحقون الخلود في النار. هكذا هي الأمور عند الله، سواء كان يهودي كفر، نصراني كفر، مسلم ارتَدَّ وكفر، كل من اختار الكفر وأحاط به الكفر سيخلد في النار، ما في شيء اسمه شعب الله المختار. الموازين عند الله مؤمن وكافر، وفي مقابل: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. هذا كان رد على هذا الادعاء وتوضيح للمفاهيم حتى لا تلتبس على الصحابه الكرام وعلى من بعدهم.

ثم يعود الله ليتكلم عن ممارسات أخرى من ممارسات بني إسرائيل مع كتبهم ومع هدايات الله لهم. أنت عم بتقول طب لماذا هذا التفصيل الدقيق آية بعد آية بعد آية؟ لأنه إخواني، كل آية هي تشير إلى نمط من أنماط التلاعب بالهدى، كل آية هي عم تشير إلى نمط من أنماط التلاعب بالهدى والاكتساب والعبث، فكل هذا التفصيل مهم حتى نحذر نحن من هذه الأنواع من الألاعب. يقول سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ولاحظ كيف أن الله يعبر عن الشرائع بأنها مواثيق، شرائع الله لنا هي مواثيق بيننا وبين الله، بدنا نفعل هذه المواثيق، وأنا سميته في بداية المجلس اليوم ميثاق الاستخلاف، كل الشرائع التي تنزل هي عبارة عن مواثيق يجب أن نؤديها. فالله يقول: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ما طبيعة هذه المواثيق؟ قال: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. مواثيق في جوانب شتى، أولها التوحيد وبر الوالدين والأخلاق الاجتماعية وإقامَة الصلاة وإيتاء الزكاة. نعم، كان عندهم صلاة وزكاة، قد تختلف تفاصيلها عن تفاصيلها في ديننا، لكن كل دين، كما ذكر العلماء، كل دين كان فيه صلاة وزكاة.

طيب، كيف فعلوا بهذه الميثاق وهذه الأمور؟ قال سبحانه بعد أن أخذت عليكم هذه المواثيق: للاسف ثم توليتم لم تقبلوها وتخليتم عنها إلا قليلاً. ولاحظ إنصاف القرآن: إلا قليلاً، قلة قليلة منكم اللي كانوا ملتزمين بهذه بهذه المواثيق. إذاً: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ. ولاحظ يعني عدم الاكتراث، الإعراض دلالة عدم الاكتراث وعدم الاهتمام وكأنه ما في شيء. وهذا حال أيضاً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اللي القرآن موجود وفيه الكثير من التكاليف الإلهية اللي هي مواثيق بيننا وبين الله، فتجد كثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم للأسف يتولى، يعني لا يعمل بما في القرآن. الربا بيتعامل مع بنوك الربا، والتبرج والسفور حاضر، النظر إلى النساء حاضر، ارتكاب الزنا حاضر، شرب الخمور حاضر، كثير من الأخلاق والسيئات، عقوق الوالدين حاضر، قطع الأرحام حاضر. هذا معنى: ثم توليتم وأنتم معرضون، يعني وأنت مش مهتم ولم معتبر أي شيء وكانه لا يوجد شيء. فهذا كما هو في بني إسرائيل طريقتهم في استقبال الهدايات أيضاً للأسف موجودة في أمتنا.

ثم قال أيضاً: ومن المواثيق اللي ربنا أخذها عليهم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ، ربنا سبحانه وتعالى كتب على بني إسرائيل في التوراة: لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ. شو يعني لا تسفكون دماءكم؟ يعني لا يقتل بعضكم بعضاً. طيب: وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ. ايش معنى لا تخرجون أنفسكم من دياركم؟ يعني أيضاً لا يخرج بعضكم بعضاً، لا يخرج الأخ أخاه من القرية. فالله عز وجل حرم عليهم أن يقاتل بعضهم بعضاً وأن يهجر بعضهم بعضاً وأن ثم أقررتم، يعني أنتم أقررتم على هذا الميثاق، قلتم إيه نعم وأنتم تشهدون أنكم أقررتم عليه، لكن للأسف ماذا كانوا يفعلون؟ ورد في التاريخ أن بني النضير وبني قينقاع كانوا يقاتلون بني قريظة، كانوا يقاتلون بني قريظة ويخرجونهم من ديارهم ويهجرونهم. طب لماذا تفعلون هذا؟ ألم ناخذ عليكم الميثاق ألا تمارسوا هذه الممارسات؟ فقال الله عز وجل لليهود في المدينة: ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ، يعني تقتلون يا أيها اليهود أنفسكم، يعني يقتل بعضكم بعضاً. لاحظ كيف تعبير القرآن أنه اللي بيقتل أخوه هو بيقتل نفسه، شوف التعبير الراقي في القرآن، اللي بيقتل أخوه كانه قتل نفسه، قال يعني تقتلون أنفسكم. بعض الناس ربما فهموها أنهم بينتحروا، أنه الانتحار، لا لا مش معناها الانتحار، الله عز وجل يقول إن من قتل أخاه كأنما قتل نفسه، فدائماً القرآن يعبر عن قتل أخوك المسلم أنك أنت قتلت نفسك لما تقتل أخوك، أنتم شيء واحد. إذاً: ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ، يعني عم بَقتل بعضكم بعض، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ، بنو قريظة كانوا مهضومين يعني كانوا هم الأقل عدداً، فبنو النضير وبنو القينقاع كانوا دائماً يتطاولون عليهم ويهجرونهم من ديارهم.

طيب كيف؟ قال: تُظَاهِرُونَ عَلَيْهِمْ، يعني تآزرون بعضكم بعضاً عليهم، على إخوانكم، يعني أنتم يا بني النضير يا بني قينقاع تظاهرون أي تآزرون بعضكم بعضاً على إخوانكم من بني قريظة بالإثم والعدوان، إثماً وعدواناً. والمشكلة ما هو؟ والشغلة العجيبة فيهم قال: وَإِن يَأُوكُم أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ. ما معنى هذا؟ الله سبحانه وتعالى أيضاً كتب على بني إسرائيل: إذا وجدت أخاك معتقلاً أسيراً فعليك أن تدفع الفدية من أجل أن تخلصه من السجن. هذا أيضاً مما كتبه الله عليهم، هذه الخصله بالتحديد كانوا ملتزمين بها جميعاً. من الأمور المضحكة أن بني النضير وبني والنضير وبني قينقاع كانوا يقاتلون بني قريظة، ممتاز، فاذا وقع بنو قريظة في الأسر عندهم يقومون بعد ذلك بفدائه، أه إنه احنا ما بصير نبقيه أسرى لأنه ربنا كتب علينا في التوراه أنه إذا أُسِر أخاك فعليك أن تفديه، فبيروح ايش بيطلعوهم وبيفدوهم وبيطلعوهم من السجن. طيب ايش هي الممارسة الغريبة؟ يعني الله كتب عليكم أن ما تقاتلوا إخوانكم أصلاً ابتداء، وكتب عليكم ألا تخرجوا إخوانكم، بتروحوا أنتم بتقاتلوهم وبتخرجوهم من ديارهم، ثم إذا وقعوا أسرى في أيديكم: أه والله هون نحكي سمعنا وأطعنا رح نفديه! هذا ما نسميه اليوم ايش يا إخواننا؟ الانتقائية في أخذ الهدى، بيأخذوا من القرآن ما بيعجبهم وبيتركوا ما لا وافق هواء. هذه من أبرز النماذج الموجودة قديماً وحديثاً وفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأخ اللي بيجي بيتكلم معك في الدين بقول لك: يا اخي القرآن بقول لك كذا وكذا وانه هذا حرام، بقول له: ممتاز بس القرآن برضه قال لك هذيك حرام، ليش هي بتعملها وهي ما بتعملها؟ لا ما هي هذيك مش جاي على دماغي، أو أنا لسا ما اقتنعت فيها، بس هي واضحة، أو أنا يعني هيك عجبتني فبدي أخذها.

لا، طريقة استقبال هدايات الله سبحانه ما بتكون بالانتقائية، بل تكون بالقبول الكلي لكل هدايات الله، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به. فالله يقول لبني إسرائيل: وَإِن يَأُوكُم أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ، يعني أنتم بتفدوهم التزاماً بالتوراه، لكن بتقتلوهم وبتخالفوا التوراه! أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ هي القضية على أمزجتكم؟ هي القضية على أهوائكم؟ اللي حابه بتعمله واللي مش حابه من الدين ما بتعمله؟ هل يعقل أن تكون هذه طريقة من طرائق استقبال هدايات الله؟ طبعا شوفوا فائدة هذا الخطاب وهذا البناء الإيماني لما تاتي معنا في الجزء الثاني من سورة البقرة: أحكام القصاص وأحكام الصيام وأحكام الحج والعمرة وأحكام الجهاد وأحكام الأسرة وأحكام النكاح وأحكام العدة. ستيجي هذه الأحكام على قلب تربى على الجزء الأول أنه إياكم تاخذوا من هذه الأحكام اللي راح تيجي بعد قليل اللي بيعجب دماغكم وتتركوا منها اللي ما بيافق، احذروا! كل هذه الأحكام تقولون عندها سمعنا وأطعنا كلها جميعاً، الهدى لا يقبل التجزؤ، الهدى لا يقبل الانتقاء، كله هدى من الله، إذاً: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ. ولاحظ كيف الله يهدد من لا يأخذ الهدى بالجدية: فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، الخزي بعدم اتباع الشرائع، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ قال: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ. هذه جريمة: أن تنتقي من الدين ما يوافق هواك وتترك ما يخالف هواك. وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، الله عز وجل مطلع تماماً على ممارستك وأنك انسان انتقائي.

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، دائماً سيتكرر هذا المفهوم في سورة البقرة أن كل إنسان لم يقبل الشريعة الشرائع الإلهية كلها أو بعضها هو إنسان تخلى عن الآخرة واشترى الدنيا. ولاحظ كيف الله عز وجل تكلم عنها أصلاً في المنافقين: فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، ويكررها في مناطق عديدة نفس المفهوم حتى يرسخ في ذهنك: كل إنسان تخلى عن الشريعة والهدايات بالكلية أو عن بعضها هو إنسان اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، يعني باع، يعني دفع الآخرة ثمن ما بدو إياها واشترى الدنيا الفانية الحقيرة وبئس هذا الإنسان الذي يفضل الفاني على الباقي ويفضل الحقير على العظيم الكبير، قال: فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ. ما دام أنت اخترت هذا المسار، هذه الطريقة في عدم تقبل الشريعة وعدم إسقاطها على حياتك أو أن تختار ما تهوى وتترك ما تهوى، اعلم أن جهنم بانتظارك وفي عذاب لن يخفف عنك ولن تجد من ينصرك ويخرجك منه. انتبه، اتعظ، خف الله سبحانه.

ثم الله عز وجل ما زال يحدثنا عن بني إسرائيل: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ. احنا أنزلنا على موسى التوراة، وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ. أرسلنا بعد موسى رسل كثر إلى آخر وختام رسل بني إسرائيل وهو من وهو عيسى، وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ أيضاً وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وهو جبريل عليه السلام.

أَفَكُلَّمَا شوف هذه القضية: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكَبَرْتُمْ. هكذا يكون التعامل مع الهدى يا بني إسرائيل، وقس عليهم أمة الإسلام. أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم، يعني هل أنتم تنتظرون وركزوا يا أيها يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ركزوا هل أنتم تريدون من الله أن ينزل شريعة على مقاس عقولكم؟ على ما تهوونه وتحبونه؟ هل هكذا هي الشرائع والهدايات؟ هل هكذا هو معنى الاستخلاف؛ أنه يا رب إذا تريد تنزل شريعة أريدها على مقاسي، على مزاجي، على هواي أنا؟ ما بدي شريعة تقول لي تحجب، أو شريعة تقول لي لا تتعامل بالربا، أو شريعة تأمرني بغض البصر، أنا بدي شريعة وفق معايير أنا. هكذا هو الدين؟ هكذا معنى أنك عبد وهو رب، وأنك فقير وهو غني، وأنك ضعيف وهو قوي؟

أفكلما جاءكم رسول وجاءكم هدى وجاءك حكم شرعي بما لا تهوى أنفسكم مش داخل دماغك، استكبرتم، رفضت الانصياع له. ترى هذه حقيقة أجده عند كثير من الناس، بيجي بكلمك: شيخ ترى كذا كذا شو حكمها؟ تقول هذا اخي باتفاق العلماء لا يجوز. ما بيعجبه الكلام لأنه ما اجاش على عياره، ما اجاش على مزاجه. لا لا، هذا الشيخ، بروح بضل يبحث حتى يلاقي شيخ متفسخ، الشيوخ متشددين أو كذا وكذا. هذا معنى: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ، هداية من الله لا تهواها أمزجتكم، اسْتَكْبَرْتُمْ عن قبولها. طبعا استكبار بني إسرائيل للأسف كان يصل بهم أن يقتلوا أنبياءهم. أنت بتخيل انسان يقتل رمز الهدى؟ يقتل نبيه اللي عم يعطيه الشرائع الإلهية؟ قال: فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ، وهذا أهون الفريقين، وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ.

تصل بك الجريمة أن تقتل مصدر الهداية، النبي الذي يعطيك الهدى، ليه؟ لانه جاءني بشغلة مش موافقة دماغي، فلا بد أن أنهيه. وهكذا يتسلط الظالمون والمستبدون على الدعاة المصلحين بالأسر والقتل؛ لماذا؟ لأنهم يرون أن هؤلاء الدعاة المصلحين، أن هؤلاء الدعاة المصلحين أتُوا بأمور لا توافق أمزجة المستبدين الظالمين. فما هو الحل؟ أن أقتل هذا الداعية، أو أن أسجنه، أو أن أغيبه حتى لا يفسد مزاجي أو المزاج العام الذي أريد أن أصنعه.

فإذا، هذه ليست فقط في بني إسرائيل، بل هي موجودة عند كل المستبدين والظالمين؛ أنهم يحاولون إسكات صوت الحق، واسكات صوت الهدى لما يكون هذا الداعي أو المصلح مش عم بيمشي مع رغباته ونزواته.

طيب، ساختم بهذه الآية: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ. إسرائيل في النهاية حتى يبرروا قالوا إيه؟ قالوا: احنا أصلاً قلوبنا مغلفة، لا تسمع ما تقولون يا أيها الأنبياء، قلوبنا عليها أغلفة. طبعا فيها عدة تفاسير، لكنني هنا سآخذ هذا المعنى: وقالوا قلوبنا غلف، مغلفة، عليها أغشية، هي لا تسمع البينات والهدايات التي تقولونها. وهذا يعني: بئس ما تقولونه عن أنفسكم. يعني أنتم بتحكوا إنه قلوبنا مغلفة؟ قلوبنا في أكنة، وهي يشبه ما قال كفار قريش: احنا قلوبنا في أكنة، احنا مش قادرين نسمع، والمراد طبعا سماع الفهم، أننا لا نسمع فلن نستجيب، احنا قلوبنا مغلفة دعك منا. وهذه كأنهم يريدون من أنبيائهم أن يغسلوا أيديهم منهم، دعوكم منا احنا ما بنسمع.

وهذا بذكرني بحال دائما أحب أن أسقط الآية على الواقع الذي نعيشه؛ أن بعض الناس تيجي تكلمه بالهدى يقول لك: يا شيخ أنا مش تاع دين، يعني بعض الناس بيقول لك: أنا مش تاع دين، أنا مش تاع إني أتبع هالأمور والأشياء، أنا خلاص أنا ماشي زي ما أنا بدي وبفصل الدين زي ما أنا بدي. فيعني ما في داعي انك تتعب نفسك معي. هكذا معنى كلام اليهود: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ، يعني لا تتعبوا أنفسكم معنا، احنا بنختار من الدين اللي بيعجبنا ويمشي على اللي بدنا إياه. وهذا قمة، قمة اتباع الهوى، وهذا شيء مخيف.

فقال سبحانه: لا، هي القضية مش إنه قلوبكم فيها غلف، بل القضية أن الله لعنكم، أنتم قوم ملعونون، الله طردكم من رحمته: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ. الإيمان فيهم قليل، والاستكبار والعتو فيهم كبير وهائل. هذا ما أريد أن أتعلق عليه اليوم، حتى يعني لا أزيد عن الساعة التي تواعدنا عليها، نجز ١٠ دقائق اليوم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم على استقبال هدايات بما يرضيك، ارزقنا اللهم منهج سمعنا وأطعنا. ونبهنا وأرشدنا، ونعوذ بك من مسالك بني إسرائيل التي كثرت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.