بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس مدارسة سورة البقرة، هذه السورة العظيمة التي تمثل منهج المؤمن في تلقي هدايات الله. وفي البداية أود أن أذكر نفسي وإخواني بضرورة الجد والمواصلة في مشروع تدبر القرآن. كثير من الناس ما تأخذه حماسة البدايات؛ عندما يعلن عن تدبر سورة، مباشرة تأخذه الحماسة: أنني أريد أن أتدبر وأن أفهمها، ويجهز دفتره ويجهز أقلامه، يحضر أول مجلس ثم ثاني مجلس، ثم بعد ذلك يأتيه الشيطان ونفسه الكسولة الملولة، فيعود إلى نمط أنني خلاص إن شاء الله أتدبر لاحقاً أو أفهمها لاحقاً، وإذا بقيت بهذا النفس؛ نفس تأجيل التدبر والتسويف، فلن تتدبر القرآن أبداً.
وهذه من مكايد إبليس؛ أن إبليس يوهمك أنك ستتدبر في وقت لاحق، وتشرع في مشروع تدبر آخر، تعقد المجلس الأول أو تحضر المجلس الأول والثاني والثالث، ثم بعد ذلك يلقي إبليس في قلبك السأم والملل، فكرة طلب الجديد أو طلب مادة أخرى غير مادة القرآن لأفكر فيها وأتعب نظري وعقلي فيها. حقيقة، هذه من إشكالات السوشيال ميديا المعاصرة، اللي هو نمط دائماً طلب الجديد والشيء الغريب والأمور المختلفة، فتجد كثيراً من الناس يعني حتى على مستوى الأمور غير يعني غير المحاضرات والدروس، حتى في الأشياء الأخرى، هو يعتاد أن يشاهد المقطع الأول أول ساعة، ثم بعد ذلك خلاص يصاب بسأم وملل، ثم بعد ذلك يا رب ثم بعد ذلك يبحث يبحث عن مكان يعني يبحث عن جهة أخرى أو شيء آخر يشاهده وينظر فيه، ثم ثالثة ورابعة وخامسة وهكذا.
وحقيقة هذا أظنه إشكال، هذا أظنه من الإشكالات الشائعة أو المنتشرة عند كثير من الشباب اليوم. الصوت منخفض عند الجميع أو عند فقط اثنين ثلاثة حتى ما يكون هناك إشكال، نبهوني الله يكرمكم. فهنا أقول: إن تدبر القرآن من المشاريع التي تحتاج إلى مصابرة؛ لأن جهود الشيطان كبيرة في محاولة صرفه لك عن كتاب الله سبحانه وتعالى. الشيطان يبذل جهوداً كبيرة من أجل أن يصرفك عن كتاب الله، فدائماً عود نفسك أنني لابد أصبر، يعني عملية تدبر القرآن تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى أن تتعب وأن تلتزم بموعد الدرس وأن تلتزم بالكتابة، وأن تحاول أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن تطلب من الله عز وجل العون والسداد، وأن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا هو الذي يعينك بإذن الله على أن تفتح لك الأقفال، أما إذا كنت دائماً ملولاً كسولاً تطلب شيئاً مختلفاً عما هو مادة الإيمان وصلبه وهو الوحي الإلهي، فأظن أن هذا مؤشر خطر يحتاج إلى إعادة نظر في شخصيتك عموماً.
هذه فقط كانت نصيحة لي ولإخواني في البداية، ثم بعد ذلك أشرع إن شاء الله في مجلس اليوم. ما زلنا نعيش مع بني إسرائيل في كيفية تلقيهم للهدايات، المليئة بالحيل والمحاوره والمجادله وأحياناً الرد التام، وأحياناً تصل بهم القضية إلى تبديل الكتب الإلهية، بل وصلت بهم القضية حتى إلى قتل الأنبياء الذين يأتون بالهدى. وعندما نراقِب هذا المشهد، حجم التحديات التي موجودة عند هؤلاء القوم، ننظر إلى المشهد الآخر وهو مدى صبر الله سبحانه وتعالى عليهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة. بدأت القصة ستقول من البداية يهلكهم الله سبحانه، هؤلاء قوم لا يستحقون البقاء على وجه الأرض، لكن تقرا تصرف بعد تصرف ثم الله سبحانه وتعالى يعفو عنهم، ثم يعطيهم مساحة أخرى، ثم يعودون ثم يعفو عنهم ثم يعطيهم مساحة أخرى، فتقول: سبحان الله، إله يعبد كيف أنه يمهل عباده ويعطيهم الفرص بعد الفرص، وهم يتنكبون عن طرق الهدى ويلتفون ويلتون على الشرائع الإلهية التي فيها صلاحهم.
تخيل أنك أب، تخيل أنك أب وأنت تحاول أن تنصح ابنك وتوجهه، وهذا الابن يحتال من هنا مرة ثم أنت تصبر عليه، ثم تعرف أنه يحتال من جهة أخرى، ثم أحياناً يناقشك ويرد الأمر في وجهك، ثم بعد تبقى تصبر وتصبر وتصبر، لله سبحانه وتعالى أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا. انظر الله عز وجل كم رحم بني إسرائيل وكم أعطاهم فرصاً تلو الفرص حتى ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وحتى أنهى الله عز وجل وجود الرسالات فيهم لتنتقل هذه الرسالات إلى أمة العرب، وليكون الرسول الختامي أشرف الرسل ومحمد صلى الله عليه وسلم من أمة العرب.
فهذه الحقيقة أرجو أن لا تغيب عن أذهانكم وأنتم يعني تنظرون في آية بعد أخرى في ممارسات بني إسرائيل في تلقي الهدايات، وانظروا أيضاً يعني قيسوا عليها أنفسنا نحن كمسلمين أو كأناس نقول إننا ملتزمون محافظون، وكثيراً ما غدرنا وكثيراً ما نقضنا الميثاق مع الله، وكثيراً ما التفينا على الشريعة ورددنا بعض الأمور لأنها لا توافق أهوائنا، وكيف أن الله عز وجل يمهل علينا ولا يعاجل علينا العقوبة ويعطينا مساحات للتوبَة وعودة إليه، فنسأل الله عز وجل أن يرحم ضعفنا وأن يستر عيوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا إلى الآية 89 من سورة البقرة، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّق لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. الله عز وجل يتكلم في هذه الآية كيف تلقى بنو إسرائيل القرآن الكريم، كيف تلقوا الوحي الإلهي والهداية الإلهية الخاتمة التي نزلت على خاتم الرسل. يقول سبحانه: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ، تخيل كتاب هدى من عند الإه، من عند إله الكون، هذا الكتاب وهو مصدق لما معهم من التوراة، وما في التوراة يشهد لما في القرآن وما في القرآن يشهد لما في التوراة، وَكَانُوا مِن قَبْلُ أي قبل أن ينزل القرآن بسنوات كانوا يستفتحون أي يستنصرون على الأوس والخزرج بهذا القرآن وبهذا النبي الذي يأتي بهذا القرآن. قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كان اليهود في المدينة يقولون للأوس والخزرج: لقد آن أو اقترب زمان نبيٍّ إذا خرج سنكون معه وسنقاتل معه، هذا معنى يستفتحون على الذين كفروا. كانوا يقولون للكفار إننا سنؤمن بهذا النبي الذي سيخرج في آخر الزمان وسنستنصر به عليكم.
فلما جاء نبي آخر الزمان ماذا فعل بنو إسرائيل؟ هل فعلاً تمسكوا بهذا النبي وبالهدايات التي جاءت معه؟ كانوا من قبل، من قبل مجيء النبي وهذا الكتاب، يستفتحون على الذين كفروا يستنصرون عليهم به، فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ. لما جاءهم النبي والكتاب الذي عرفوا علامته وصدقه ورأوه أمام أعينهم مطابقاً لما في التوراة التي بين أيديهم، كفروا به! وهذا من أعظم أشكال الكفر والجحود وتغطية الحقائق؛ أن ترى الحق أمامك وأنت تعلم أنه الحق، لكن لشهوة خفية ولَمَرض قلبي ترفض ترفض الانصياع له.
كثير من الناس اليوم يقول: بإذن الله إذا تيسر لي كذا وكذا سأتبع الحق، أو إذا ربنا حصل لي كذا وكذا سافعل كذا وكذا وأصبح من الهداة المهتدين. ثم الله سبحانه وتعالى يحصل له ما أراد ويراه عياناً أمام عينيه، ومع ذلك يصر على البقاء في ممارسه الالتفاف على الدين والشريعة، مع أن الله سبحانه وتعالى حقق له ما يريد. قال: فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. فعلاً هنا جاءت الكلمة شديدة؛ اللعن على إنسان يعرف أن الحق أمامه ويراه شاخصاً ومع ذلك يقرر أن يعرض عنه.
ثم الله عز وجل يلومهم لوماً شديداً فيقول: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ. اشتروا هنا يقول ابن جرير بمعنى باعوا، إنه كلمة اشتروا وباعوا تاتي بمعاني مختلفة، فأحياناً تاتي بمعنى الشراء وأحياناً تاتي بمعنى البيع. فيقول ابن جرير الطبري: اشتروا هنا بمعنى باعوا، بِئْسَمَا باعوا به أنفسهم. طيب، هم باعوا أنفسهم بإيه؟ بالكفر بما أنزل الله، الكفر بهداية الله. يعني أنتم بعتم أنفسكم، وما هو الثمن الذي دفعتم لبيع أنفسكم؟ دفعتم هذا الثمن وهو الكفر بهداية الله سبحانه وتعالى، فعلاً بئس هذا البيع! والله أن يخسر الإنسان نفسه وأن يبيعها من بماذا؟ بأي ثمن؟ بالاعراض والجحود والتغطية لهداية الله سبحانه وتعالى.
طيب، ما الذي دفع بني إسرائيل لأن يبيعوا أنفسهم ويخسروها ويعرضوا عن الحق الإلهي ويكفروا بما أنزل الله؟ هو البغي والحسد. البغي والحسد، وهذه أبرز صفات بني إسرائيل وهي أول كفر حصل في الأرض بسببها. إليس لماذا رفض السجود لآدم؟ بغياً وحسداً. أول كفر في الأرض كان بسبب البغي والحسد، وكفر بني إسرائيل كان بسبب البغي والحسد. كيف الله عز وجل يخرج نبياً من غير أمتهم؟ كيف الله سبحانه وتعالى يسحب النبوة من جنسهم ويضعها في جنس العرب؟ لا، نحن لا نقبل ذلك! وهذه الحقيقة قضية بغياً: أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
هذه وإن كانت أساساً في بني إسرائيل وفي الأمم الكافرة الآية، لكنها حتى تنطبق في داخل أروقة المجتمعات المسلمة، في الأفراد وفي الجماعات؛ حيث يرفض الإنسان حقاً يراه عند جماعة أخرى هو ليس معها، لأنه لا يقبل أن يكون هذا الحق موجوداً عند طائفة ليست طائفة مشايخ أو الناس الذين هو متحزب معهم أو يطوف في فلكهم، فيرفض الحق الذي عند الآخرين بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. بقول: معقول الحق طلع مش عند شيخي؟ معقول الحق تكلم به شيخ في طائفة أخرى أو في مجتمع آخر أو في مكان آخر أنا في العادة مثلاً لست منتسباً له أو لا أحضر عندهم دروس أو ما شابه ذلك؟ مع إنه أنت عارف أنه الذي قاله شيخك خطأ، وأن ما قاله ذاك الشخص هو الصواب، ورايت برهان ما قاله ذاك الشخص عياناً أمامك، ومع ذلك ترفض مع أنك في قرارة نفسك تعرف أنه الحق! لماذا؟ بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. كيف يطلع الحق عن طائفتنا؟ كيف يطلع الحق من جماعتنا؟ مش ممكن!
بالتالي كثير من هذه الممارسات التي تحصل حتى في أروقنا كمتدينين ومحافظين، بل كدعاة وممن يعملون في ساحة العمل الاسلامي، أنك تجد البعض يبقى يعني يعني يحيط نفسه بمشايخ وأصدقائه ويرفض قضية أنه يمكن أن يكون الحق عند غيرهم، ولو ظهرت له القرائن الواضحة والقاطعة! لا، إنه فعلاً الجماعة أو المجموعة أو حتى الشيخ الذي أنا أتابعه وأحبه، واضح أنه تكلم هنا بكلام غير حقيقي، وأن ما قال الشيخ المخالف لشيخي حقيقة هو الصواب. هل عندك قدرة؟ هل عندك قدرة أن تصدع بالحق وتقول: سمعنا وأطعنا حتى ولو ظهر الحق على لسان غير شيخي أو طائفتي أو أو أنا أتبعه؟
من ممارسات بني إسرائيل في تلقيهم الهدى الإلهي أنهم كانوا يرفضون الهدى الإلهي بسبب البغي والحسد: كيف يكون الحق عند طائفة أخرى؟ أحذر أن تكون من نماذج بني إسرائيل في هذه القضية. المؤمن يربي نفسه على تلقي هدايات الله وقبول الهدى الإلهي من أي جهة جاء، وهذه أصلاً ما بدأنا به سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ. نحن نؤمن بكل هدايات الله، نحن لسنا متعصبين للعرب، أو نحن نؤمن بكل الهدايات فنؤمن بالتوراة التي أنزلت على موسى -التوراة الحقيقية- والإنجيل الذي أنزل على عيسى، وبكل ما أنزل على الأنبياء السابقين، وختام رسالات الوحي والقران. هذا ما يميزنا؛ أننا نهتم بالهدى والوحي، ولا نفكر ولا نضيع طاقتنا وأنفسنا: لماذا الهدى نزل عند فلان مش عند فلان أو كان عند الشيخ الفلاني أو مش عند الجماعة الفلانية؟ هذا هذا لا يمكن أن يكون منهجاً سديداً في تلقي هدايات الله. أنت تتعامل مع الله وتتلقى الهدى منه، وهذا مقصدك. وهذا الحقيقه اظن أحد أبرز صفات الشخصية الإلقائية؛ أن الشخص المتقي هدفه أن يتقي المهالك، ولذلك هو لا يهتم من أين جاءه الهدى يعني هو غير مهتم بتفاصيل أنه جاءني عن طريق الداعية الفلاني أو الشيخ الفلاني، ما دام عرفت وايقنت أنه هدى أنا بديه بعيني؛ لأنني أريد أن أتقي المزالق. هذا شغلهم الشاغل، أصحاب منهج التقوى.
المهم، فلما أي كفروا بما أنزل الله بسبب البغي والحسد قال: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ، أي رجعوا بغضب من الله سبحانه وتعالى على الغضب اللي حاصل مسبقاً، يعني هم أصلاً كان الله عز وجل غضب على أسلافهم وأجدادهم، وهؤلاء لما مارسوا نفس الممارسات وعادوا إلى نفس المماحكات ونفس الجدليات عادوا بغضب جديد على الغضب السابق. فهم مغضوب عليهم سابقاً بسبب تصرفاتهم، ثم بهذه الممارسه الجديدة باءوا بغضب آخر. وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ سيهديه الله سبحانه وتعالى كل كافر يغطي الحقائق ويجحدها مع أنه راها عياناً.
طيب، إذا قيل لهؤلاء اليهود: آمنوا بما أنزل الله، الله عز وجل يريك كيف أن هذه النفوس نفوس غير سوية: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وهو القرآن، مع أن هذا القرآن وهو الحق مصدقاً لما معهم. طيب، خلونا نرى مدى صدقكم أصلاً في هذه المقولة، بدنا نتنزل معكم أنتم بتقولون إنكم تؤمنون بالتوراة: نؤمن بما أنزل علينا ولا نؤمن بكل ما جاء بعده، طيب دعونا ننظر هل أنتم جادون صادقون في إيمانكم بما أنزل عليكم في التوراة؟ فالله يقول لهم: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. مادامستم تقولون إنكم تؤمنون بالتوراة، لماذا قتلتم الأنبياء الذين حملوا رسالة التوراه وأوصلوها إليكم جيلاً بعد جيل؟ لأنه بعد موسى أرسل الله عز وجل
إليهم مجموعة من الأنبياء كانوا جميعاً يعلمونهم التوراة ويدارسونه التوراة، وكان بنو إسرائيل يقتلون هؤلاء الأنبياء. فيقول: هل التوراة هي التي أمرتكم بقتل هؤلاء الأنبياء؟ أنتم إذاً كذبة، أنتم حتى التوراة لا تؤمنون بها وإنما تضعونها شماعة وعلاقة. لماذا لا تريدون أن تؤمنوا بالقرآن؟ لا لا، إحنا نؤمن فقط بالكتاب اللي خاص فينا.
تعالوا نشوفوا الكتاب اللي خاص فيكم، هل أنتم تطبقونه؟ إذاً أنتم تخالفون شرائعه وتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، إذاً أنتم كذبة. إذاً هي مش قضية أنكم متمسكون بالتوراة حقاً من صميم قلوبكم، لا لا ليست هذه القضية، هي القضية -خلينا نكون تحليليين- هو الحسد والبغي، لماذا يخرج النبي من غير جنسكم؟ أما انك تقول لي لا، لأنه إحنا جماعة التوراة وهذول جماعة القرآن، عشان هيك إحنا بناقش بما عندهم: أنتم أصلاً التوراة غير متمسكين بها، قل فلم تقتلون أنياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين حقاً بالتوراة وتقولون أنكم متمسكون بها؟
قال سبحانه: وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ. موسى آتاكم بالمعجزات الباهرات وبالآيات البينات الواضحات، ومع كل ذلك -لأنكم طبعا بنو إسرائيل دائما متمسكون بموسى يعني يرفعون الكرت أن نحن مع موسى، نحن أنصار موسى، نحن اتباع موسى- فالله عز وجل يريد أن يخبرنا ويخبرهم أنكم كذبة. موسى كم تعب معكم، كم عالج ودعا وقد أرهقتموه، وجاءكم بالبينات. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ. وآتاه الله عز وجل من الأمور الواضحة والمبهرة ما بنو إسرائيل وبعد كل هذا الوضوح والبينات والهدايات ثم اتخذتم العجل من بعده.
مجرد ما غاب عنكم موسى أيام معدودات للقاء الله، مباشرة حرفتم عن الهدى واتخذتم العجل من بعده وأنتم في قمة الظلم لأنفسكم. سبحان الله، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ. مرة أخرى الله عز وجل يريد أن يقول لك إنني أخذت ميثاقاً منهم، أخذت عليهم مواثيق شديدة على أن أنبيائهم وهذه مواثيق التمسك بالشرائع والهدايات. وعاد مرة أخرى لذكر قضية أنهم لشدة معاندتهم لهذه الهدايات، الله سبحانه وتعالى جعل الملائكة أو جبريل يقلع جبل طور ويضعه فوق رؤوسهم: أن خذوا الهدايات وإلا أسقطت عليكم الجبل.
وبعد أن خاف بنو إسرائيل من سقوط الجبل قالوا: خلاص نقبل الهداية. تخيل أن هؤلاء القوم كيف وصلوا في تحدي الله وفي الإعراض عن الهدى الإلهي! أنت تتخيل الإنسان يصل لمرحلة من الإعراض عن الهدى أن الله عز وجل يرفع جبلاً فوق رأسه حتى يأخذ الهدى؟! سبحان الله، وهذا طرح حال كثير من الناس المنتسبين للإسلام اليوم، يبقى يرد الهدى ويرد الهدى ويرد الهدى، مع أن الله يمهل ويمهل ويرسل عليه القوارع والزواجر ومع ذلك يبقى مصصماً على رد الهدى وعدم اتباعه.
قال: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا. يعني يا جماعة خذوا هذه التوراة تمسكوا بها واسمعوا. والمراد واسمعوا يعني اسمع الكلام. كيف أجي أقول لك أنا اسمع الكلام، أنت كصوت سامع لكن المراد هنا الاستجابة. فمعنى واسمعوا يعني واستجيبوا، دعوكم من هذه الممارسات يا بني إسرائيل. فماذا كانت إجابة؟ انظر إلى سوء الأدب وهذا الذي يحذرنا الله منه.
قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. بدلاً من أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. وهذا شعار أهل الإيمان كما قلنا في ختام سورة البقرة، بنو إسرائيل هكذا كان شعارهم: سمعنا وما بدنا نرد. لاحظ، فالله عز وجل ماذا يقول؟ يقول: هؤلاء القوم أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. قال: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ. هناك كلمة مقدرة في السياق: وأشربوا في قلوبهم حب العجل بسبب كفرهم. الباء هنا كما قال ابن عطية تحتمل أن تكون للسبلبية وتحتمل أن تكون للمعية، بغض النظر لا أدخل في التفاصيل الآن، ولكن دعني أقول إنهم بسبب هذا الكفر، بسبب هذا الكفر والجحود للحقائق الله سبحانه وتعالى خذلهم فجعل قلوبهم مشربة بحب العجل وبحب الشرك وبحب غير الله سبحانه وتعالى أو عبادة غير الله عز وجل.
وهذا نوع من أنواع الخذلان، أن الله عز وجل يجعلك تحب الباطل وتميل إليه بسبب انصرافك عن الحق. لما انصرفوا عن الحق الله سبحانه وتعالى أُشْرِبَ في قلوبهم حب الباطل وهذا خذلان. وهذا كما هو في بني اسرائيل كذلك في هذه الأمة. كل انسان انصرف عن الحق وعن السنة فإن الله سبحانه وتعالى يخذله فيجعله يشرب في قلبه حب البدعة، بقدر تخليك وإعراضك عن السنة بقدر ما تصبح تهوى البدع وتميل إليها، وبقدر ما تتمسك بالسنة أكثر وأكثر بقدر ما تهجر البدع وتتركها.
لذلك هذه الآية يستدل بها كثير من العلماء على أن لماذا أهل الأهواء والبدع قل أن يتركوا بدعهم وأهواءهم؟ قالوا: لأن الله سبحانه وتعالى خذلهم، لما تركوا السنة خذلهم الله سبحانه وتعالى فجعلهم محبين للبدعة متمسكين بها، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ حب أهوائهم، حب بدعهم، لماذا؟ بقدر انصرافك عن السنة يعاقبك الله عز وجل بالإقبال على البدعة والانكباب عليها.
ثم الله سبحانه وتعالى يختم هذه الآية بمعتب فيقول: قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. تقول أنكم مؤمنون بالتوراة، تقولون أنكم مؤمنون بالتوراة، بئس هذا الإيمان! الإيمان الذي يجعلك تقتل الأنبياء، الإيمان الذي يجعلك تقول: سمعنا وعصينا. بئس هذا الإيمان إن كنتم أصلاً مؤمنين حقاً، فبئس هذا التدين! هذا ليس نمط تدين، هذا نمط مشاكسة، نمط فيه مراوغة وليس نمط التدين الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.
طيب، ما زال القرآن يحاور بني إسرائيل: قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. بنو إسرائيل عرفنا أنهم كانوا يقولون: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَّعْدُودَةً. واما أنتم أيها العرب فستخلدون فيها، الجنة لنا كما سياتي معنا، وقالوا: لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُوداً. الجنة خالصة لنا. فالله يقول: إذا كنتم صادقين أيضاً في ذلك فتمنوا الموت. يعني إذا كانت الجنة لكم وأنتم لا يمكن إلا أن تدخلوا الجنة، إذاً هذا أكبر دافع يدفعكم أن تتمنوا الموت إذا أنتم فعلاً صادقون فيما تقولون مؤمنون به من قلوبكم.
لكن الله عز وجل يلتفت الينا ويخبرها الحقيقة فيقول: وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. يستحيل أن تجد يهودياً يتمنى الموت، لن يتمنوه أبداً ليه؟ بما قدمت أيديهم. والله إنهم يعرفون أنهم كاذبون، ويعرفون أن ما يفعلونه وما يقولونه وكل هذه الممارسات هي لا تمثل الحق أبداً، لكنه البغي، النفوس غير السوية، تربية على سمعنا وعصينا، هذه كلها كانت سبب خذلان الله سبحانه وتعالى لهم. إذاً لن يتمنوا الموت بسبب ما قدمت أيديهم وهم يعرفون ما قدمت أيديهم، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ.
بالعكس، وَلَتَجَدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ. بل إن حرصهم على الحياة أشد من حرص الذين أشركوا. لماذا حرص اليهود على الحياة أشد من حرص المشركين؟ المشركون كثير منهم أصلاً ما كان يؤمن بالدار الآخرة، بالتالي ما كانواش مؤمنين أصلاً أنه في نار، بخلاف اليهود، اليهود هم يعرفون أن هناك دار آخرة، ويعرفون أن هناك نار، ويعرفون أن أعمالهم التي يمارسونها ستؤدي بهم إلى النار، لذلك حرص اليهود على البقاء في الدنيا أشد من حرص المشرك، لأن المشركين ما كانوا يؤمنون أصلاً أنه في هناك نار وعذاب بالتالي لو مات هو مشرك لكنه مش خايف من شيء مستقبلي.
أما اليهودي الذي يعرف الدار الآخرة ويعرف وجود جهنم وقد ذكرت في التوراة، هو خايف يموت أكثر من المشرك لأنه يعرف أنه يقدم في الدنيا أسوأ النماذج وانه هذا السوء الذي هو فيه سيقوده إلى النار والعياذ بالله، فلذلك هم أحرص على الحياة حتى من المشركين، لذلك قال سبحانه عن اليهود: وَيَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ. وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.
طيب، قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. من المناقشات التي صارت بين اليهود وبين النبي عليه الصلاة والسلام وقيل بينه وبين عمر بن الخطاب، أنهم أرادوا أن يسألوا النبي عليه الصلاة والسلام: من هو الملك الذي يأتيك يا محمد صلى الله عليه وسلم بالقران بهذه الهدايات؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: هذا عدونا، هذا الذي يأتي بالحرب، وإنما نحن أنصار ميكائيل لأن ميكائيل هو الملك الذي يأتي بالغيث والسقية لهذه الأرض.
فيهود إذاً ماذا قالوا؟ قالوا: جبريل هو الذي يأتي بالحرب، وقد كان جبريل ينزل في الحروب مع الأنبياء، وأما ميكائيل فنحن نحبه. لو كان ميكائيل هو الآتيك بالوحي لقبلك، لكن مادام جبريل هو الذي يأتيك إحنا لا نقبل، هذا عدو. لاحظ إلى أين وصلت المعاداة! لاحظ إلى أين وصلت المعاداة! وصلت بهم معاداة الهدى لدرجة أنهم يعادون مصدر الهدى جبريل عليه السلام الذي هو أعلى الملائكة الذي يأتي بالوحي من عند الإله الذي جاءهم بالتوراة والإنجيل والقران. وصل بهم سوء الأدب إلى معاداة جبريل!
يعني إحنا كنا نتكلم عن الالتفاف عن القرآن، كنا نتكلم عن مجادله الأنبياء، لا لا هذول وصلوا لمرحلة والعياذ بالله، لمرحلة حتى جبريل الذي يأتيك بالهدى نحن لا نحبه وهو عدونا. فالله يقول سبحانه وتعالى: قل لهم من كان عدواً لجبريل فليعلم -هذا الأفاك الكذاب- فليعلم أن جبريل نزل على قلبك بإذن الله وبأمر الله، نزل بكتاب مصدق لما بين يدي أي الكتب السابقة، وهذا الكتاب فيه الهدى والبشرى لأهل الإيمان.
جبريل يأتي بالسعادة، جبريل لا يأتي بالهلاك إلا لمن يستحق الهلاك. جبريل آتاكم بأعظم كتاب وهو القرآن، آتاكم بالهدايات من الله، آتاكم البشرى والسعادة، ولكنكم قوم بهت فتستحق أن ينزل عليكم جبريل بالعذاب الشديد، وإلا فجبريل يأتي بالخير والرحمة للبشرية جمعاء عندما ينزل أعظم كتاب هذا الكتاب المليء بهدايات الله سبحانه.
ثم قال في الآية التي تليها: مَّن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ. لماذا نص الله على جبريل وميكَالَ؟ أظن عرفتم ذلك من سبب النزول أنهم كانوا يقولون: إحنا أنصار ميكائيل مش أنصار جبرائيل. فالله عز وجل يقول: لا مش حينفع، بدكم تؤمنوا بكل الملائكة، لا ينفع أن تؤمن بملك وتكفر بملك، كما لا ينفع أن تؤمن برسول وتكفر برسول. مَّن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ جميعا، وخصوصاً ميكال وجبريل بحيث قالوا: نحن نؤمن بهذا ولا نؤمن بهذا أو نصادق هذا ونعادي هذا.
رسل الله وملائكة الله لا يجوز أن نفرق بينهم، كلهم نحبهم ونواليهم لأنهم هم جميعاً يدعون إلى نفس الهدى وإلى نفس الرشاد وإلى توحيد الله سبحانه وتعالى، فقضية التفرقة هذه غير مقبولة أبداً.
طيب، ثم الله عز وجل التفت إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ. كما أنزلنا إلى موسى آيات بينات، أيضاً أنزلنا إليك يا محمد صلى الله عليه وسلم آيات واضحات ودلائل قاطعات على صدقك وعلى صدق هذا الكلام وعلى المسائل الكبرى في هذا الوجود. لكن للاسف من سيكفر بها؟ قال: وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ.
ما في أحد يكفر بالقران بعد أن يسمعه إلا أن يكون شخصية فاسقة، وعرفنا الفسق وهو التمرد والخروج. إذاً لن يكفر بهذه الهدايات الإلهية ويعرض عنها إلا شخص متمرد، وهناك تمرد كامل يجعل صاحبه كافراً وهناك تمرد جزئي داخل الدائرة الإسلامية من يتمرد عن جزء من هدايات الله ويرفضها ولا ينصاع لها.
ثم يعود سبحانه يتكلم عن بني إسرائيل: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وهذا طريقه هؤلاء القوم، بنو إسرائيل إخواني -دقيقة فقط- بنو إسرائيل إخواني نقضوا العهود مع الله سبحانه وتعالى كثيراً، وإذا كانت طبيعتهم أنهم قوم نكثة للعهود فليس مع الله.
فإذاً عليكم أن تكونوا مستعدين في علاقتكم مع هؤلاء القوم ألا تثقوا بعهد من عهودهم، وحتى اليوم في واقعنا المعاصر اليهود أي اتفاقية معهم هي اتفاقية هشة، قوم كاذبون. يعني انظر الآن الاتفاقية التي حصلت بينهم وبين المرابطين في غزة، كيف أنهم لا يقومون أصلاً ببنود الاتفاق ويغدرون به ويخونون ويلتفون ويمكرون. أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم. هكذا طبائع هؤلاء القوم، قال: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. ذلك أكثر اليهود كطبائع نفوس، الإيمان فيهم قليل، الخير فيهم قليل، والأكثر فيهم الشر والتصرفات غير السوية.
ثم قال سبحانه: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ. مرة بتكلم عن كتاب من عند الله ومرة بتكلم عن رسول، لأنه الكتاب هو مصدر الهدى والرسول الذي يعلم الكتاب هو مصدر للهدى. وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ. ولاحظ كيف تركيز القرآن على فكرة مصدق لما معهم، تمام يعني حتى هو في الصفحات الماضية ليؤكد أنه لا يوجد انفصال بين القرآن والتوراة في أصل التشريعات في الدعوة إلى توحيد الله وفي الدعوة إلى الإيمان بالدار الآخرة والخوف من الله وأعمال القلوب، أصل المادة العقدية كلها واحد، تختلف التشريعات الجزئية لكن كمادة عقدية الكل يدعو إلى توحيد الله.
فمحمد صلى الله عليه وسلم هذا الرسول جاءهم من عند الله مصدق لما معهم، ماذا فعلوا؟ قال: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وفي المقابل: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ.
شوف كلمة نبذ وكم فيها معنى أو تعطي إيحاء بسوء أدبهم، النبذ الإلقاء، الطرح، الاستهتار. قال: نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود هنا، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، نبذوا القرآن ونبذوا حتى التوراة فعلياً، يعني هنا كتاب الله كما أنه يصدق على القرآن يصدق التوراة أنهم فعلياً حتى التوراة هم لم يأخذوا بها ولم
يعملوا بها، فكل إنسان لم يعمل بما عنده من الهدى فقد نبذه وراء ظهره. وهذه من أبشع الصور؛ يعني أحيانا الإنسان يفكر بهذه المعاني: ولماذا الله سبحانه وتعالى؟ أو ماذا يريد الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا؟ كيف أن الإنسان الذي تأتيه شرائع الله عز وجل في القرآن، يؤمر بأكل عدم أكل الربا، يؤمر بالصلاة، بالصوم، يؤمر بغض البصر وهذه الفتاة تؤمر بالحجاب، هذا الشخص لما يرى هذه الأمور في كتاب الله والله يأمره بذلك ولا يعبأ بها، هذا فعل نموذج بني إسرائيل؛ نبذ كتاب الله وهدايات الله وراء ظهره، وهذه من أبشع الاشكال والصور.
طيب، كأنهم لا يعلمون؛ يعني كأنهم لا يعلمون أن هذا من عند الله، وأن هذا وحي، وأن هذا حق، لا يعني كأن هذا الكلام لا يحتاج أن ينظر فيه. طيب، إلى أيين ستنتقل؟ أبدلوا كلام الرحمن بكلام الشيطان، واتبعوا ما تتلو الشياطين. هذه الآية بدك تقرأها مع الآية السابقة؛ يعني إذا هم نبذوا الكتاب وهدايات الرحمن وراء ظهورهم، وأصبحوا يتبعون ما تتلوه الشياطين، وهنا الشياطين تحمل على رؤوس شياطين الإنس والجن. قال: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ.
كانت اليهود تقول إن سليمان عليه السلام لم يكن نبياً، بل إن سليمان كان يحكم العالم أو يحكم بيت المقدس ويحكم الجن الذين سخروا له، إنما كان يحكمهم بالسحر، وأن سليمان عليه السلام كان عنده كتب سحر تعلمها، وبذلك استطاع أن يسيطر على الجن وعلى الناس. ثم دفن هذه الكتب تحت عرشه وكرسيه، واستطاعت الجن أن تخرجها بعد ذلك ويدرسون ما فيها من السحر، وهذا من افتراءات اليهود الكبرى على سيدنا سليمان عليه السلام.
فيقول الله عز وجل إن اليهود في زمن محمد صلى الله عليه وسلم نبذوا القرآن وراء ظهورهم، واتبعوا ما تتلو، أي ما تخبر به الشياطين وما تقرؤه الشياطين في كتب السحر؛ إذاً اليهود هم أصحاب السحر الأوائل، تركوا الوحي واتبعوا ما تقرؤه شياطينهم وأساتذتهم في بالسحر، ويفترون على ملك سليمان أن ملك سليمان كان بسبب هذا السحر. هكذا خرجوا ببروج اندا كما يقولون، أن سليمان كان ساحراً وبذلك خدع الناس وسيطر عليهم، وهان قصة نبي، هذه قصة غير حقيقية.
الله عز وجل يقول لهم إنكم كذب، وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ والعياذ بالله، لأن هذا السحر الذي تتكلمون عنه كفر، وحاشى سليمان أن يكون كافراً، قال: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا. اه، سليمان ما له علاقة بالسحر بتاتا، لكن شياطين، شياطين الإنس والجن الذين يتعاونون على السحر وعلى ممارسته وعلى الإغواء به، هم الذين كفروا. ولكن الشياطين كفروا، متى كفروا؟ عندما كانوا يعلمون الناس السحر. يعلمون الناس السحر وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
الآن هاروت وماروت ما قصتهما؟ حقيقة كتب التفسير ذكرت كثيراً وخاضت في إسرائيليات كثيرة، ابن كثير وغيره، وبعد ذلك ابن كثير يعني بعد أن ذكر القصص والأخبار ختم بكلام جميل خلاصته أن ما ذكر عن قصة هاروت وماروت لا نملك أحاديث صحيحة فيها، وإنما هي من نقل بني إسرائيل فالله أعلم به، وإنما قصار ما بين أيدينا أن نقف مع ظاهر القرآن أن هناك ملكين اسمهما هاروت وماروت أنزلهما الله في مدينة بابل في العراق، وهناك هذان الملكان كانا يعلمان الناس السحر.
والظاهر، أقول والظاهر حقيقة أنهم كانوا يعلمان الناس السحر لتقية الناس وليس ليفتن به الناس؛ يعني من باب يعلمونهم الشر لتذروه، لكن لأسف كثير من الناس والشياطين استلت هذه المادة التي قدمها هاروت وماروت وأصبحوا ينتفعون بها أو يبغونها من أجل ممارسه السحر على وجه الكفر. إذاً واضح أن السحر كان موجوداً وأن الله سبحانه وتعالى فيما يظهر لي والله أعلم أنزل ملكين أحدهما اسمه هاروت والآخر اسمه ماروت، أنزله في بابل وهناك في بابل هاروت وماروت علموا الناس هذا السحر ليتقوا.
أحياناً بيقول لك: اعرف الشر لتتقيه، مش هيك بيقول لك؟ ما الدليل على أن هاروت وماروت إنما بينوا للناس السحر وطبيعته وطرق قيامه ليتقي الناس وليس ليقع فيه الناس؟ ما سياتي معنا في الآية: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ. إذاً هاروت وماروت عم يبينوا للناس أنه يا ناس هذا هو السحر، هكذا يصنع، هكذا يفعل، هكذا يفرق بين المرء وزوجه، هكذا علموا الناس هذا ليسهموا أن هذا شر وأن هذا لا يرضي الله.
وكل شخص كان يسمع منهم كان هاروت وماروت ينصحان له: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ؛ فتنة يعني ابتلاء واختبار، أننا سنعلمكم أشياء لتتقوها فاحذروا أن تتعلموها لتمارسوها، نعلمكم أشياء لتتقوها. كيف مثلاً أنا بجي بعطيك عن انحرافات اليهود في التوراة وفي الإنجيل، وأعطيك عن انحرافات الفرق والطوائف والجماعات، ونأخذ دروس في هذا، لماذا أعطيك وأبين لك الأقوال الباطلة وتفاصيلها وكيف نشأت وما مآخذ أصحابها؟ لماذا أقول لك ذلك؟ حتى تتقي هذه المسالك ولا تسقط فيها.
فتخيل إني بعد ما أعطيك درس عن فرقة من الفرق المنحرفة وأصولها وجذورها وكيف تصرفت ولماذا وما دوافعها، بعد ما أعطيك هذا الدرس إيش بقول لك؟ بقول لك: أنا أعطيتك درس عن هذه الفرقة وعن جذورها وتصرفاتها ومآخذ أقوالها ليس من أجل أن تعتقد اعتقادها، بل حتى أحذرك منهم وتفهم طبيعة هذه الفرقة وكيف نشأت. فهكذا كان يفعل هاروت وماروت؛ أنهم يعلمون الناس السحر وكيف ينشأ وطرق قيامه حتى إنكم أحذروا يا أيها الناس من أن تقعوا فيه لكثرة ما كان يضللون ويغوون من خلال الشياطين.
لكن لأسف أن كثير من الناس وكثير من الشياطين اخذوا هذه المادة التي تعلموها من هاروت وماروت وقاموا ماذا؟ بتطبيقها؛ يعني بدلاً من أن يتعلموا الشر ليتقوه سقطوا فيه تماماً. إذاً هاروت وماروت وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ، فماذا كان يبينان للناس هاروت وماروت؟ كانوا يعلمون الناس، قال: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.
هاروت وماروت كانوا يعلمون الناس كيف طريمة السحر الذي يحصل به التفريق بين المرء وزوجه. طيب، لماذا هذا النوع من التحديد بالسحر؟ السحر الذي يفسد العلاقة الزوجية، لأنه أكبر دمار في المجتمع، ومن يريد أكبر إفساد في المجتمعات عليه أن يهدم الأسر، الأسرة هي أساس المجتمع، إذا أنت هدمت الأسرة أنت هدمت كل شيء. ولذلك إبليس يفضل الشيطان الذي يهدم الأسر ويضعه بجانبه على عرشه ويقول له: أنت، أنت استطعت أن تدمر أسرة، استطعت أن تجعل هذا الرجل يطلق زوجته أو هذه الزوجه تطلب الخلع من زوجها بدون سبب مقنع، أنت، أنت.
ومن أبرز أشكال السحر هو سحر التفريق بين المرء والزوج. السحر له أسباب كثيرة وأهداف كثيرة، لكن الله نص على هذا لأنه هذا حقيقة من أسوأ أنواعه لأنه يؤثر على الحياة الأسرية وهدمها. إذاً فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا أي من هاروت وماروت مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، ولكن عليكم أن تعرفوا في النهاية أن السحر وإن كان له حقيقة ويؤثر فهو مرض من الأمراض، ممارسة من الممارسات التي أذن الله سبحانه وتعالى أن توجد في الأرض من أجل أن يختبر الناس به.
الله عز وجل يخلق الخير ويخلق الشر، ولماذا بعض الناس ولماذا يخلق الله عز وجل أشياء فيها شر من أجل ها، من أجل أن يختبرك بهذا، الله خلق إبليس وهو يعلم ماذا سيفعل، بدك أكبر من هيك؟ الله خلق إبليس وهو يعلم ماذا سيفعل إبليس، لكن خلقه ليبتليك به. فلذلك يقول سبحانه: هذا السحر إنما ضرره على الناس لا يكون إلا بإذن الله، حتى لا يتصور أحد، يعني هذه خلينا نقول جملة معترضة مهمة، حتى لا يظن أحد أن السحر والله هذا شيء خارج عن إرادة الله وأنه من عمل الشياطين بدون علم الله وأذن الله بوجودهم، لا الله عز وجل يعلم وشاء وجود السحر والشياطين الذين يمارسونه ليكون هذا نوع ابتلاء للبشر، كيف سيتعاملون مع هذه القضية؟ أصلاً الحياة الدنيا كلها قائمة على مفهوم البلاء.
طيب، قال: وَيَتَعَلَّمُونَ، وَيَتَعَلَّمُونَ هؤلاء الناس الذين يتلقون السحر، يتعلمون شيئاً يضرهم ولا ينفعهم. أنت لما تتلقى السحر ليس من أجل أن تتقيه عفوآ، أو لما تسمع درس عن السحر وكيف يمارس وليس من أجل أن تتقيه بل من أجل أن تمارسه، أنت حقيقة هنا تتعلم شيئاً عم يضرك مش عم ينفعك. وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. الله عز وجل أخبر اليهود وأخبر الأمم أن كل إنسان يريد السحر ويشتريه ويتعامل به ليس له في الآخرة من نصيب، وهذه الآية أصل في بيان أن السحر كفر.
نعم، هناك تفاصيل في المذاهب الفقهية؛ أن السحر الذي يكون فيه إلقاء المصاحف في القاذورات وإهانة المصاحف أو شتم الذات الإلهية هذا كفر، وهناك سحر لا يصل لهذه المرحلة فيكون كبيرة من الكبائر. لكن دعونا نقول الآن بشكل عام أن الأصل في السحر أنه كفر، فيجب أن يحذر الإنسان من هذه الممارسة. قال: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ، مرة أخرى هنا إذا بتذكر في الآية السابقة في الصفحة التي قبلها: بئسما اشتروا به أنفسهم، هنا قال: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ، نفس الشيء؛ يعني وبئسما باعوا به أنفسهم.
يعني أنتم يا يهود تركتم قرآن يعطيكم الهدى والنور والبشارة والخير، ثم اتبعتم ما تتلوه الشياطين في كتب السحر، وتعلمتم السحر من اليهود عفوآ وتعلمتم السحر من الشياطين وبدأتم تمارسون، بدلاً من أنك تتلو القرآن، لاحظ، بدلاً من أن يتلوا القرآن وتعلموا هدايات القرآن، لا، يتلون كتب السحر ويتعلمون ويمارسون، لذلك أصل السحر حتى اليوم الآن رؤوس السحرة من اليهود؛ لأن هذا السحر بضاعتهم وهم أساتذته ودهاقنته، وللاسف الناس تأخذه منهم ومما كتبوه وعلموه للناس ونشروه في أمة الإسلام.
فاذاً الله عز وجل يذم اليهود أشد الذم واللوم كيف أنهم تخلوا عن الكلام الرحماني واتبعوا الضلالات، وهذه الممارسة حقيقة توجد أيضاً في أمة الإسلام، وإن لم تكن في كتب السحر، لأن هذه القضية تمثل نموذج لكل إنسان نبذ الوحي الإالهي وراء ظهره وأصبح يشتغل بتلاوة كتب الفلسفة الإغريقية والفلسفة الفارسية والفلسفة الهندية واشتغلت في فلسفة الإنجليز والاجانب، فتجده متقناً مبهراً في قراءة فلسفة كانت ونيتشه وما شابه ذلك ومبهور بها ويروج لها ونبذ كتاب الله وراء ظهره.
إذاً هذه الممارسة في بني إسرائيل أنهم ألقوا الوحي واتبعوا كتب السحر موجودة عندنا اليوم في الذين لا يأخذون الهدايات من الوحي الإلهي بل يشتغلون حياتهم في قراءة كتب الفلاسفة وكتب المثقفين الأجانب وكتب النصارى الصليبيين في أمور الفكر والثقافة، وهو معرض عن القرآن وراء ظهره لم يتدبره تدبراً واحداً. حقيقة هذا شكل من أشكال الخذلان، وهي ممارسة من ممارسات بني إسرائيل. احذر من أجل أن توصف بأنك مثقف وقارئ ومطلع وما شابه ذلك، أن تتخلى عن تدبر القرآن وتقرأ في كتب الشيطان، هذه الكتب الفلسفية الإغريقية والثقافية والفلسفة حتى الحديثة أكثرها شر، والخير الخير فيها محدود جداً، ولا يفهمه ويبصره إلا يعني لن تستطيع أن تميز بين الخير والشر في هذه الكتب إلا بعد أن تحكم قواعد الإيمان من خلال تدبرك للقرآن.
ولذلك الفرق الإسلامية الضالة في هذه الأمة التي خرجت من المعتزلة والجهمية وأفراخها إلى يوم القيامة، هذه الفرق الضالة كما يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية دوماً، إنما كان ضلالهم في اللحظة التي لم يتلقوا فيها العقيدة من القرآن، وأرادوا أن يبنوا العقيدة الإسلامية على فلسفة اليونان وعلى فلسفة الفرس والهند، وكل إنسان أعرض عن بناء الإيمان من خلال القرآن وأراد أن يبني الإيمان من خلال كتب الثقافة والفلسفة، هذا عنده نصيب من فعل اليهود: نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين.
فأنا أعتبر أن الكتب الفلسفية التي أخذت وللاسف طبقت في العالم الإسلامي منذ القدم هي مما تتلوه الشياطين ومما قذفته الشياطين في العالم الإسلامي، وللاسف أن كثيراً من حتى المبرزين بل حتى بعض الأفاضل للاسف وقع في هذه المكيدة الشيطانية. أن الشيطان من أبرز مشاريعه في صد الإنسان عن القرآن أن يجعلك تذهب إلى مادة أخرى؛ اسمعوا هذا الكلام، الشيطان من أكبر مشاريعه في صد الإنسان عن القرآن أن يجعلك تنشغل بشيء آخر، تنشغل بالسوشيال ميديا، باليوتيوب، بالمثقفين الأجانب، مثقفين الغرب وأمثال شحرور وعدنان إبراهيم وغير هذه الاشكال التي حقيقة أضلت الشباب وهي تتكلم عن الفلاسفة وكذا وبتعرف بعض الشباب هو مبهور بقضية الفلسفة ومبهور، لما تذكر بس اعطيه اسماء خمس فلاسفة أجانب يغمى عليه أنه اوه شوف فلان بيعرف كانط وبيعرف نيتشه وبيعرف الفلسفة وبأنواعها المنطق والحديثة والقديمة والجديدة.
بعض الشباب هو وليد هيك الأنوار الباهرة المزيفه التي لا تمثل الحقائق، فآمال هؤلاء يضلون الشباب، يضلون الشباب عندما تتخلى عن تدبر القرآن ويصبح مشروع حياتك أنه والله أنا حاب أقرا الفلسفة الحديثة، حاب أنظر ايش تكلم الفلاسفة عن حقيقة الإنسان، و طيب تعال، تعال أخي جزاك الله خير، بتقول يا اخي علم مش لازم نقرا العلم؟ طب أنا بدي أسالك قبل أن تدخل في هذه المهالك والمآزر، كم مرة تدبرت القرآن؟ بس اعطيني، والله إذا أنت تدبرت القرآن عشر مرات من أوله لآخره وبدك تدرس أو تنظر في تلك الأمور لتعرف ماذا وافق القرآن منها وماذا قال، والله جزاك الله خيراً يعني ممكن، لأنه أنت والله متدبر أنت من أهل القرآن بالتالي بخاف عليك تغلق.
لكن حضرتك ربما سورة الإخلاص والفلق ما زلت تتأتئ في معانيها وجزء عم ما زالت معانيه غامضة لديك وبتقلي أنا مثقف وبحب أقرأ.
واطلع على الثقافات، اقرأ ما ينفعك، وإياك أن تكون من نماذج بني إسرائيل. شوف هذه الآية ما تنساها: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ. كما أن بني إسرائيل لما كانوا يتعلمون كتب السحر وأعرضوا عن الهدى الإلهي، تعلموا شيئاً يضرهم ولا ينفعهم، كذلك الذين يتعلمون كتب الفلسفة وهم لم يتمكنوا من مادة الوحي الإلهي -وهل لم يتمكنوا من مادة الوحي الإلهي؟- هؤلاء يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم.
فاحذر يا أيها الشاب المسلم أن تغرق في هلوسة الثقافة، كلمة الثقافة اليوم أو المناهج الفكرية أحياناً في كلمات هيك بتحس أنها كبيرة عريضة ولما تلقى على شاب لم يتدبر القرآن مرة واحدة يعني بتشكل له صدمة حضارية كما يقول، فبضيع الشب وبروح. ومين اللي وداه؟ لأنه للاسف يعني حتى قد يكون في بعض الخطابات الدعوية الخاطئة اللي بدها تستجر الشباب لمربع قراءة الفلسفة والثقافة الأجنبية.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى قطعة من التوراة في يد عمر غضب وتلون وجهه وقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والله لقد تركتكم على المحجة البيضاء. يعني اتركها يا عمر، مع أن عمر من أعقل الصحابة نضوجاً ذهنياً وفكرياً، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام في طور التأسيس يقوله: اتركها. أقبل على القرآن وفهم مادة القرآن وتشرب معاني القرآن.
ثم بعد ذلك لما تكون متشرب للقران وحضرتك والله مسؤول عن محاربة الأفكار الضالة ومواجهتها، والله روح اقرأ فيها من باب معرفة الشر لتقيه ولتحذر المسلمين منه، هذه مرحلة متأخرة. أما في أي بناء معرفي إيماني لا يتلقى من مادة القرآن، أعلم أن هذا الشاب سيكون عنده من التشوه ما عنده بقدر أعراضه عن القرآن. أي إنسان في مرحلة بناء المعرفة والتصور عن الوجود لا يجعل مادة القرآن هي المادة الأساسية للتدبر والفهم والعودة إلى تفسير الصحابة لمادة القرآن وتفسير السلف، أعلم أنه سيكون عنده من التشوهات الداخلية في طرحه وكلامه بقدر إعراضه عن مادة القرآن.
لذلك تذكر هذه الآية: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ. أنت تعلمت بس؟ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ كلام فارغ، كلام فارغ. ولذلك حتى شيخ الإسلام ابن تيمية وهؤلاء الذين درسوا ما عند الأقوام والأمم الفاسدة، إنما درسوها بعد أن تمكنوا من مادة الوحي، ودرسوها من أجل أن يردوا على أصحابها.
احنا ما عندنا مشكلة تدرس الرياضيات والطب والعلوم والفيزياء، أنا ما بتكلم عن العلوم التجريبية، أنا بتكلم عن الأمور الفلسفية المتعلقة بالميتافيزيقيا ما وراء الوجود، وتتكلم عن حقيقة الحياة وتابائعها. عندك مادة عظيمة هي القرآن والوحي الإلهي، مادة آتية من الإله، وهذا الذي تستغربه عندك مادة من الإله مباشرة تستغني عنها وتروح لكلام أصحاب العقول الضعيفة لوثنيين وملحدين وأنصاف عقلاء بل بعضهم جهال وسفهاء، تبدأ تحاول تنظر والله كيف فهمك، كيف نظر فيها يا أخي، كيف حللها يا أخي، هذا إنسان عظيم في تفكيره هكذا.
تجد بعض الشباب خاصة لما تدخل على صفحاتهم وأرائهم وتجد مادة، طيب وين مادة الوحي في حياتك؟ يلا تعال أنا وإياك نتدبر سورة البقرة أشوف أنت ايش فاهم منها، تجد هو لا يعرف ربط الآيات ولا السور: وَيَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ. جميل، هنا أنت عند الآية مئة واثنين، انتهى الكلام عن مسيرة بني إسرائيل في نقض المواثيق عموماً والله سبحانه وتعالى يخبر مسيرتهم السابقة، والآن سيبدا الله عز وجل يخبرنا ما هي ممارسات أو كيف مارس بنو إسرائيل إضلال الصحابه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كيف مارس بنو إسرائيل إضلال الصحابة وحرفهم عن الهدى في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.
فيقول سبحانه وتعالى -طبعاً عفواً الآية مئة وثلاثة هي ختام المقطع-: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا، يعني لو أن بني إسرائيل آمنوا بالتوراة وآمنوا بالقران واتقوا الله وكانوا شخصية اتقاية تترك ما يضرها وتقبل على ما ينفع، وهي الشخصية الاتقاية تتقي المهالك والمزالق، والله لو فعلوا ذلك لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. يا ريتهم كانوا اصحاب علم نافع، يهود ماشي مطلعين وعندهم ثقافه لكنهم اصحاب كانوا علم غير نافع، فالله يقول لهم: تعرف وأنت آمنت بالكتاب بالسنة وآمنت بالقرآن وبرسول القرآن واتقيت المزالق والمهالك، والله الخير الذي تجده عند الله لخير لك مما جمعته من السحر وكتب الفلسفة وما شابه ذلك من مضيعة الأعمار والأوقات، لكن لو كانوا يعلمون، لو كان عندهم علم نافع لفهم هذه النصيحة.
ثم الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أول ممارسة من ممارسات بني إسرائيل اللي ربنا نبه الصحابة إليها، أن بني إسرائيل كانوا يسيئون الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه كانت أول طرائقهم أو من طرائقهم في مماحكات محمد عليه الصلاة والسلام. في الصفحات الماضية احنا تكلمنا كيف كانوا يتعبون أنبيائهم، الآن بدنا نشوف كيف أتعب هؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أتعبوا الصحابة.
أول ممارسة لهم أنهم كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستهزئون به ويتحكمون به باستعمال كلمة راعنا. الآن كلمة راعنا كان معناها عند الصحابة أنه يا رسول الله تمهل علينا قليلاً حتى نستوعب معالم الهدى وحتى يتمكن الإيمان في قلوبنا، يعني قيل في كتب التفسير أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحرص أن يعلم الصحابة درساً بعد درس موعظة بعد موعظة، فكان بعض الصحابة يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يراعيه وأن يمهل عليه وأن يصبر عليه حتى يتمكن الإيمان في قلبه، فكان بعض الصحابة يقولون: يا رسول الله راعنا، يعني تمهل علي حتى يثبت الإيمان.
فلبي بني إسرائيل لبثتهم، استغلوا هذه الكلمه بدلالة أخرى، فكانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد راعنا، ويقصدون براعنا اسم الفاعل من الرعونة، راعنا راعنا، العن هو الذي عنده رعونة. الراعي من هو الراعي؟ الراعي اسم فاعل، كيف ضارب، شارب، آكل، راع اسم فاعل ها كلها، الراعي هو الشخص الذي يمارس الرعونة، بتعرف الرعونة؟
الصحابة اللي كانوا يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم هم ما كانوا يقولون راعنا اسم فاعل، لا، كان طلب فعل أمر، راعنا تمهل علينا، اليهود استعملوا نفس الكلمة فكانوا يقولون راعنا راعنا -طبعاً أنت التنوين الفتح لما توقف عليه بتقلب تنوين الفتح ألفاً- فكانوا يقولون راعنا راعنا، وماذا يقصدون براع؟ يقصدون أنك إنسان راع عندك رعونة يا محمد، حاشاه صلوات ربي وسلامه عليه.
فالله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه الصحابة أنه هذه الكلمة التي تستعمل وأنتم نيتكم طيبة، أصبح اليهود يستعملونها بأسلوب خبيث فغير هذه الكلمة، لاحظ كيف يسمى هي قاعدة سد الذرائع، احنا عارفين أن قصدكم طيب يا صحابة لكن للأسف في ناس حواليكم نفسهم مش طيبة، في ناس حواليكم من أصحاب النفوس الخبيثة استعملوا هذه الكلمة بدلالة أخرى تماماً. فامرهم الله أن يقولوا: قولوا بدلاً من راعنا انظرنا، وهي تؤدي نفس المعنى تقريبا يعني تمهل علينا. وَاسْمَعُوا، الله يقول للصحابه: استجيبوا، استجيبوا لهذا الطلب ولكل طلب أطلبه منكم حتى تحتاطوا من اليهود ومن ممارساتهم فهذه كانت أول تصرف من تصرفات اليهود.
طيب والله توعد اليهود على سوء الأدب مع المقام الأعلى للنبي عليه الصلاة والسلام: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ثم أخبر الله سبحانه وتعالى الصحابة الكرام أنه بدكم تنتبهوا أن هؤلاء اليهود لا يريدون لكم خيراً، وسيسعون جاهدين لإضلالكم وإفساد وتشويه الهدى في عيونكم: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وهذا الأساس، وَلَا الْمُشْرِكِينَ، أيضاً أهل مكة تبعاً وكفار العرب تبعاً، لكن أساساً أهل الكتاب لا يرغبون أن يُنزَل عليكم من خير من ربكم.
اليهود جماعة ما بدهم الخير لكم، خاصة لما عرفوا أن الخير خرج من غير بني إسرائيل وخرج من العرب، فاعلموا أنها ستكون حرب ضروس بينكم، وأن سيكون هناك مشاريع قويه لليهود لمحاولة صدكم عن الهدى، وإلى اليوم، وإلى اليوم الصهيونية العالمية تمارس هذه الممارسة، تحاول أن تصد الأجيال المسلمة عن الهدى، ويؤثرون على الآراء في دولنا العربية والإسلامية للأسف في وضع المناهج وفي وضع المقررات وفي وضع القوانين الهدف أن يشوهوا الهدى.
لَا يَوَدُّونَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَّشَاءُ. الله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم لما سحبها من بني إسرائيل ووضعها في العرب، لكن للأسف اليهود ما عندهم رضا ولا قناعة أصالة من البداية، فالله يقول: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَّشَاءُ، لما وضع الهدى والرسالة الختامية في العرب وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
طيب، من ممارسات اليهود في تشويه الهدى تمام، إذا أول أول تصرف من تصرفاتهم في تشويه الهدى الاستهزاء بنبي الهدى، هذه أول ممارسة في زمن النبوة الاستهزاء بنبي الهدى ويقول راعنا.
الطريقة الثانية: بدأوا يشككون الصحابة في القرآن، فيقولون لهم: هذا الكتاب الذي بين أيديكم كل فترة يأتيكم محمد صلى الله عليه وسلم فيقول لكم هذه الآية نسخت، هذه الآية بدلت، هذه آية حولت، لاحظوا كيف قرآنكم مضطرب. اليهود من عقيدتهم أنهم يرفضون النسخ، عقيدة اليهود تقوم على أنه لا يجوز أن ينسخ الله أي شيء، وهذا كلام باطل، الله له الأمر من قبل ومن بعد، له أن ينزل آية في سياق معين وزمن معين تكون مصلحتها، ثم تنتهي مصلحتها ويستبدلها ربنا بآيات أخرى لأن المصلحة تصبح فيها.
فاليهود من صور تشويههم الهدى وتشكيك المؤمنين بالهدى، كانوا يقولون لهم كتابكم مضطرب في كثرة ما يقع فيه من نسخ الآيات. فقال الله سبحانه إجابة عن هذا الموضوع: مَّا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. لا ننسخ من آية، تمام وهنا نسخ أنواع، هناك نسخ في التلاوة ويبقى الحكم، وهناك بالعكس نسخ في الحكم وتبقى التلاوة، وهناك نوع ثالث أن ينسخ الآية حكماً وتلاوة.
فكان الله عز وجل يقول: ما ننسخ من آية بحيث يحذف حكمها مع بقاء تلاوتها، أو ننسها أي ننسيك إياها تلاوة وحكماً. إذاً، ما ننسخ من آية بحيث تبقى موجودة لكن يذهب حكمها وهذا موجود في القرآن، هناك مجموعة من الآيات بقيت تلاوتها وذهب حكمها كآية سورة المجادلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، أو ننسها أنه نرفعها كلية، نرفعها كلية من القرآن وهذه أيضاً موجودة، هناك آيات كانت نزلت ثم ارتفعت من القرآن تماماً تلاوة وحكماً.
لماذا يفعل الله عز وجل ذلك؟ الله يقدم لكم الجواب: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. نأتي بمصلحة أعلى منها أو بمصلحة مماثلة لها، وهذا كله بأمر الله. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأارض؟ الله له ملك السماوات والأرض فهو ليس عاجزاً على أن ينسخ ولا يضره ولا ينقص شيئاً أن ينسخ، لأن النسخ إنما هو من المصالح التي يعلمها ربنا، فإذا كان الإاله له ملك السماوات والأرض فلا تعترض على من له ملك السماوات والأرض عندما يبدل آية مكان آية يعلم مصلحتها لكم يا أيها البشر، وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
ثم يحذر الله الصحابة الكرام من طريقة بني إسرائيل في الاعتراض على الأنبياء وعَرَفنا أكثر مشاكل بني إسرائيل في اعتراضهم على أنبيائهم، فيقول سبحانه للصحابة: أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ؟ يعني هل تريدون أن تمارسوا ممارسة بني إسرائيل فتككثروا الأسئلة والتشغيب على النبي عليه الصلاة والسلام كما فعل ذلك اليهود مع أنبيائهم؟ احذروا، احذروا أن تكون هذه طريقكم في تلقي الهدى، كثرة السؤال والتعجيز، مثال ذلك قصة البقرة أنه لا، احنا بدنا اياك توضح لنا أكثر يا رسول الله، لا، احنا لسه مش يعني في عندنا شكوك بدنا أمور أوضح، لا، هذا النموذج غير مقبول عند الله.
هؤلاء بنو إسرائيل هم الذين كانوا يريدون البقرة ولون البقرة وشكل البقرة وعمر البقرة، لكن أنتم احذروا أن يكون طريقتكم في تلقي الهدى طريقة بني إسرائيل: أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ؟ وجود لغو ومحك. ثم يحذر سبحانه فيقول: وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ. كأن هذه الآية تشير لمفهوم عظيم، أن الذي يجادل في استقبال الهدى ويماحك فيه هذا شكل من أشكال الكفر ورد الشريعة، ونوع من أنواع بيع الهدى وأخذ الكفر مكانه، فيقول سبحانه: وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
طيب، ثم الله سبحانه وتعالى يخبرنا أيضاً عن نفوس اليهود من الداخل، قبل قليل قال: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ، وهنا إذا هناك قال الأشياء التي لا يودونها وهنا سيقول الأشياء التي يودونها، فقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً، لا يا رب؟ قال: حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. لما عرفوا أن الرسول الحق خرج منكم وأن الرسالة الختامية فيكم اشتعلت فيهم نار الحسد، فتنبهوا يا أيها الأنصار خصوصاً كما قلنا سابقاً، الأنصار كانوا على علاقة وثيقة باليهود قبل قدوم الإسلام، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يحذر الأنصار الأوس والخزرج بالتحديد: احذروا من أنكم يعني يبقى بينكم وبين اليهود ما كان سابقاً.
من العلاقة والمودة أو أن تحير الظن بهم خصوصاً إخواني، وهذه قرية ستظهر معنا أن العرب عموماً كانت أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، فكان العرب ينظرون إلى اليهود على أنهم أناس متعلمون أصحاب كتب سماوية، ينظرون إليهم نظرة الاحترام والتقدير. كيف تجد إنسان مثلاً مش متعلم، ويكون مثلاً في واحد في عيلته دكتور، فتلاقي دائماً إيش يفتخر بهذا الدكتور أنه اه والله احنا في عنا الدكتور الفلاني وكذا وكذا، هذا شخص مش متعلم يشعر أنه هو دائماً محتاج لوجود شخصية متعلمة يستند إليها، هكذا كان العرب.
ترى العرب عموماً حتى أهل مكة كانوا دائماً يشعرون بعقدة النقص، عقدة النقص أنهم أمة أمية كانوا يرون لا نقرا ولا نكتب، فدائما إذا أشكلت عليهم الأمور الغيبية والكونية دائما يذهبون إلى اليهود أو الكهان ويسألون، ويعتبرون اليهود نموذج أعلى باعتبار أن لهم كتب سماوية، أما العرب قبلها بقدوم محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا مشغولين بالحروب والثارات والاشكالات والقصائد والاشعار، ولم يكن لديهم أي دراية بما سبق، فهذه كانت نظرتهم.
طيب يا رب والله كلام صحيح، هذا الأخ أو الأخت يعني كنظرة البعض إلى الغرب في واقعنا، اي والله كان كيف ينظر بعض الناس اليوم في بلاد المسلمين للغرب أن النموذج أعلى وشيء مبهر، فالله عز وجل يحذرك يحذر الصحابه الكرام هنا، ترى احذروا ترى هؤلاء اليهود والله لا يريدون لكم الخير، ان اليهود لانهم يعرفون طريقه نظرة العرب إليهم كانوا يستغلون هذه النظرة في تشويه الهدى عند العرب، فهمتم يعني اليهود كانوا يدركون أن العرب يحترمونهم، يحترمونهم لأنهم أصحاب كتاب سماوي، فأراد اليهود أن يستغلوا هذا الاحترام في تشويه الهدى عندهم وعند الأوس والخزرج بالتحديد.
فالله سبحانه وتعالى كشف للأوس والخزرج طبيعة هذه النفوس، ما تفكر لأنه هم لأنه هذا الشخص مثقف وبيعرف يحكي ومطلع على كتب سابقه انه بده الخير لك، لا لا نعم هم مثقفون وقارئ ومطلع لكنهم قوم حسدة لكم، فقال سبحانه: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّن عِندِ أَنْفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.
طب ماذا نفعل يا رب؟ هل ندخل معهم الآن الآن في حرب؟ في البداية لم يؤمروا بحرب اليهود، قال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. أعرضوا عنهم الآن، ما بدنا تقاتلوهم إلى أن يأتي أمر الله بقتالهم، فأمروا في بادئ الأمر ماذا بالاعراض؛ لأنه احنا الآن في مرحلة بناء المجتمع المدني ولسنا في مرحلة بداية حروب، وهكذا الدول لابد قبل أن أبدأ بمحاربة الطوائف الأخرى في المجتمع أولاً أن نقوم بتثبيت النظام وتثبيت الحياة العامة، وأن أنشغل بصلاح الطائفة والجماعة المسلمة قبل أن أنشغل بالحروب الجانبية مع الطوائف الموجودة في بلدتي، لكنها لا ليست منصاعة تحت منهج الإسلام العظيم.
فالله أمر الصحابة في بادئ الأمر أن يعرضوا عن اليهود ولا ينشغلوا بحربهم حتى يأتي الله بأمره، وفعلا جاء الله بأمره بعد ذلك وأجرى يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، لكن بعد أن تم تشكيل قاعدة الدولة ونواه المجتمع المسلم في المدينة، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثم قال سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. لاحظ إذا لما أمرهم بالإعراض عن اليهود أمرهم أن يشتغلوا ببناء أنفسهم، يعني اشتغلوا بأنفسكم، اشتغلوا بإقامة الصلاة وبناء صلاتكم بالله، اشتغلوا بالزكاة والإنفاق وبناء المجتمع المسلم.
إذا فاعفوا واصفحوا واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، أمروا بالإعراض عن اليهود وألا يأخذ ملفهم مساحة كبيرة، يعني لا تخلو ملف اليهود والإشكالات بينكم تاخد مساحة كبيرة من تفكيركم، انتم الآن أحوج ما تكونوا لبناء الإيمان في نفوسكم، اشتغلوا على حالكم، كان الآية بتقول اشتغلوا على حالكم، أقيموا الصلاة آتوا الزكاة، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ، هذا اللي هذا المشروع هو الذي يجب أن يشغلكم الآن، لما يأتي الله بأمره تقاتلونهم وتخرجون من الديار بإذن الله، إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ثم قال سبحانه وتعالى أيضا يفضح اليهود في طريقة أخرى من طرق تشويه الهدى على المسلمين، اذا لاحظ من طرق تشويه الهدى لا تقولوا راعنا، الطريقة الثانية التشكيك في القرآن لورود النسخ فيه، الطريقة الثالثة ممكن نقول اللي هي قضية محاولة بذل الجهود المضنية لصرفهم عن الإسلام، وَدّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يتعبون من أجل صرفكم عن الإسلام، الطريقة الرابعة أنهم كانوا يضحكون على العرب وعلى المسلمين الجدد، فيقول اليهود: وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا، كانوا يقولون للمسلمين الجدد ترى ما رح يدخل الجنة إلا يهودي، والنصارى كانوا يقولون لن يدخل الجنة إلا نصراني، وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى.
هي الآية بدك تفهمها أنه هي عبارة عن قولين وليس قول واحد، يعني مش انه اليهود بحكوا لن يدخل الجنة إلا يهودي أو نصراني، كلا لأنه أصلاً حتى في التاريخ اليهود والنصارى كانوا يكفرون بعضهم بعضاً، وستأتي الآية: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ. لكن الكلام هنا فيه اختصار فكه علماء التفسير وفهموك إياه، يعني قال اليهود لن يدخل الجنة إلا يهودي، وقال النصارى لن يدخل الجنة إلا نصراني.
الآن العرب كما قلت اللي كانوا ابتداء يشعرون بمشكلة ويرون أن اليهود قوم أصحاب كتاب أكيد هم بيعرفوا أكثر منا، بتعرف عقدة النقص هي اللي بتكون موجودة عند الإنسان اللي مش متعلم شوي، دربكت الأمور هي حاولوا من خلالها أن يشابكوا الأمور على المسلمين الجدد، فالله عز وجل بقول: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ، يعني كيف أنا أقول لك باللغة العامية بيحلموا، الله عز وجل يقول: تلك أمانيهم، معناها في لغتنا العامية بيحلموا هؤلاء اليهود لن يدخل الجنة إلا اليهودي، وبيحلم هؤلاء النصارى لن يدخلوا الجنة إلا النصارى، تلك أماني، خليهم في أحلامهم، خلاهم عايشين في تراهات، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ، ترى اعطونا من أين أتيتم بهذا الكلام بالله عليكم، قل هاتوا برهانكم، اعطونا البرهان الواضح على أن الجنة لا يدخلها إلا يهودي، وأنتم أيها النصارى اعطونا البرهان على أن الجنة لا يدخلها إلا نصراني.
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، من اخذ منهج الاستسلام للوحي الإلهي والهدى الإلهي، من أسلم وجهه لله وهو محسن في اتباعه، تمام، إذن من أسلم لله وأخلص لله وأحسن في اتباع شرائع الله، هذا له أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هذا اللي ربنا رح يدخله الجنة، الذي يخضع لشرائع الله ويحسن في تلقي شرائع الله والهدى، وليس الذين يتلاعبون ويمارسون تصرفاتكم.
وفي الآن الله عز وجل يوضح لنا طبيعة العلاقة بين اليهود والنصارى، قالت وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ، يعني النصارى دينهم فاضي، والعكس وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، أنتم يا يهود أنتم دينكم فاضي، وهم يتلون الكتاب، لاحظ يعني ما أنهم أصحاب كتب سماوية اليهود والنصارى ومع ذلك كفر بعضهم بعضاً، وأزاح بعضهم بعضاً عن الحقيقة، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، يعني مع أنهم أصحاب معرفة بالكتب السماوية ويعرف النصارى أن الانجيل الذي أنزل على عيسى مصدق للتوراه على موسى، ويعرف اليهود أن التوراه اللي معهم مصدقة للإنجيل، مع أنهم يتلون الكتاب وعندهم الحقائق ومع ذلك كفر بعضهم بعضاً.
وللأسف هذه الفكرة أيضا موجودة داخل المجتمعات المسلمة، وهو التكفير داخل الجماعات الإسلامية والفرق الإسلامية، مع أنهم يعني يتلون القرآن ويعرفون أن القرآن يصدق بعضه بعضاً، لكن لما يتشوه الإيمان في النفس وتصبح هناك موارد أخرى بناء الإيمان يحصل التكفير وتنشا الفرق وتنشا الضلالات وندخل في هذه الدوامات، فالله يقول مع أنهم كانوا يتلون الكتاب ومع ذلك كفر بعضهم بعضاً، للاسف مين اللي لحق اليهود والنصارى؟ اللي عنده عقدة النقص كان في تلك الفترة، وهم الجاهليون من العرب.
الآن الصحابة أصحاب النفوس الإيمانية السويه ما عندهم عقدة نقص، ليه؟ لأنهم عرفوا أنهم أعطوا أعظم كتاب وهو القرآن، لكن بقي الجاهليون من العرب كفار قريش، بعض كفار المدينة الذين يعانون من عقدة النقص، وينظرون اليهود والنصارى أن شيء فخم، الله عز وجل يقول: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، يعني الذين لا يعلمون يقصد به الجاهليون من العرب، قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه مثل نفس الشيء، ليس دين محمد بشيء.
طيب كيف عرفتم حضرتكم أنتم أيها الجاهليون العرب؟ كيف عرفتم أن دين محمد ليس بشيء؟ طب انتم أميون لا تقرأون ولا تكتبون، اه هذه عقدة النقص اللي هو أصلاً اليهود والنصارى هم بيحكوا عن محمد صلى الله عليه وسلم أن ليس دينه على شيء ونحنا ما بنعرف بس احنا اتباع لهؤلاء.
دائماً بتعرف حتى أقرب لك الصورة لما تكون عندك صف المدرسة ويكون في طالب نمرود وبيعمل تصرفات فيها رعونة وحماقة، وبتلاقي طالب عنده عقدة نقص ما عنده هاي النمردة لكن بشوف ذلك الطالب الكبير الأبضاي النمرود نموذج بده يحتذيه، فيصبح هذا الطالب الصغير يروح على أستاذه هذا الطالب الضعيف الشخصية بروح على أستاذه بقول له: ترى يا استاذ انت غلطان وانت كذا وكذا، طيب الأستاذ بطلع على هذا الطالب، بقول: انت طب انت شو دراك انت مسكين يعني أنت قاعد في الصف على الرف.
الأستاذ بصير يفهم أن هذا الطالب الضعيف الشخصية هو عم بيقلد ذاك المتمرد الكبير الشيطان الكبير اللي في الصف، هذه هي المشكلة الجاهليون العرب كان عندهم عقدة النقص، فهم كانوا بدهم يتشاطروا على الصحابة الكرام أنه اه انتم لستم على شيء، طيب انتم كيف عرفتوا انتم لا تقرأون ولا تكتبون، أمة أمية شغالين طول عمركم بالصيد والحروب والثارات، كيف عرفتم أن ديننا ليس شيئاً؟
فالله عز وجل يعني يجهل سفهاء العرب ويقول: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، اللي لا بيعرفوا ولا بيقروا ولا بيكتبوا صاروا يتفلسفوا وصاروا يقولوا كما تقول اليهود والنصارى عن بعضهم البعض، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
إذن سنقف اليوم عند هذا المقدار إن شاء الله، ولعلنا في المجلس القادم نختم الجزء الأول من سورة البقرة، ورايت يعني كيف القرآن يعرض ممارسات اليهود وأساليبهم وتصرفاتهم وطريقة نقاشهم، يعني نحن الآن عايشين في قسم آخر وهو كيف اليهود كانوا يشتغلوا في المجتمع المدني على إضلال الصحابة وتشويه الهدى في نفوسهم، يعني كان هذا أحد مشاريع اليهود الكبرى، وما زال هذا المشروع قائماً إلى اليوم من أكبر مشاريع الصهيونية العالمية تشويه الهدى عندكم، فانتبهوا تيقظوا لأنه هذه مشاريع مستدامة في طبائع هؤلاء القوم المجرمين.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل