تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس السادس: سورة البقرة من الآية 114 إلى الآية 141

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله يا أصحاب سورة البقرة في مجلس جديد من مجالس مدارسة هذه السورة العظيمة، والتي تنتقل بنا من معنى إلى معنى، ومن بستان إلى بستان، نفيء في ظلالها ونبني الإيمان في قلوبنا من خلال تدبر معانيها العظيمة.

وصلنا أيها الكرام إلى قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.

قلنا، سورة البقرة تحدث العرب خصوصاً الأنصار من الأوس والخزرج، تحدثهم عن بني إسرائيل وعن طبائعهم حتى ترفع من عقولهم توهم أن اليهود هم علماء. فذكرت في ختام المجلس الماضي أن عموماً العرب -لأنهم أمة أمية لا تقرا ولا تكتب- كانوا ينظرون بشيء من النقص، عقدة النقص التي عندهم، إلى أن بني إسرائيل هم قوم أصحاب كتب سماوية.

طبعا، عقدة النقص كانت أين هي؟ أن العرب كانوا في الجاهلية يرون أنفسهم لا يملكون كتاباً سماوياً، وكانوا ينظرون إلى اليهود نظرة الإنسان المبهر بماذا؟ بالعلم اليهودي، وأن هؤلاء أصحاب التوراة، وأن النصارى أصحاب الإنجيل، أما نحن فلسنا أصحاب كتاب من الكتب، إنما نحن مشغولون بالقضايا العربية، بالثأر، الصيد، بالحياة العامة، وليس لدينا اطلاع.

فإذا كانوا يرون أن اليهود شيء عظيم من حيث العلم والمعرفة، فلذلك كانوا يعودون إليهم. وقد قصت علينا قصص السيرة النبوية أن كفار قريش كثيراً ما كانوا يذهبون إلى اليهود ويسألون: هل فعلا محمد صلى الله عليه وسلم صادق؟ هل تجدون خبره في كتبكم؟ كان كفار قريش يعتبرون اليهود علماء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، فيطلبون منهم النصح.

والأنصار من الأوس والخزرج كانوا محتاجين لإزالة هذا الوهم عن عقولهم، كانوا محتاجين في بداية الفترة المدنية لإزالة هذا الوهم عن عقولهم؛ وهم أن اليهود هم العلماء، وأنهم أصحاب معرفة بالإله، وأن لديهم اتصال خاص بالرب سبحانه وتعالى بسبب أنهم أصحاب موسى وأصحاب التوراة.

الأوس والخزرج -كما ذكرت لكم سابقا- كانوا على علاقات وثيقة باليهود في المدينة؛ يهود بني قينقاع، يهود بني النضير، ويهود بني قريظة. كانوا على علاقة بهم، وكانوا -كما قلت- يرونهم أنهم علماء وأصحاب كتب. فلما جاء الإسلام ولما جاء النبي عليه الصلاه والسلام إلى المدينة، أراد الله عز وجل أن يثبت قلوب الأنصار وقلوب الصحابه عموما تجاه الموجات التي كان يطلقها اليهود من الشبهات حول الإسلام.

يعني اليهود -كما مر معنا- اطلقوا مجموعة من الشبهات تجاه الإسلام، أرادوا بها أن يشوهوا هذه الهداية في عقول الصحابة، فقالوا: إن قرآنكم غريب يقوم بالنسخ، والدين لا ينبغي أن ينسخ، فانزل الله عز وجل: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.

وكانوا دائما ما يسعون الى رد الصحابه عن الإسلام: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً. حسناً، من عند أنفسهم كانوا يقولون للصحابة من الأنصار في المدينة: قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً والنصارى تقول لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً. فكان -كما قلت- الصحابة جدد على العرب، جدد على هذه المعاني.

وأقول: نعم، هم الآن مؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ومقرون برسالته، لكن لابد وأن يبقى شيء من الأثر القديم، أثر العلاقات القديمة؛ ينظرون إلى اليهود على أنهم علماء، فكان الإسلام يريد أن ينسف هذه النظرة، نظرة الهيبة والاجلال لليهود، ويخبرهم أن اليهود قوم بهت، قوم فسق، قوم أعطوا كتابا فتلاعبوا به والتفوا حول شرائعه، قوم أعطوا كتابا فقالوا سمعنا وعصينا ولم يقولوا سمعنا وأطعنا.

فمن ضمن كلام القرآن عن اليهود وإثبات أنهم لا يستحقون الاحترام والتقدير على ما عندهم من العلوم لأنهم القوا كتاب الله وراء ظهورهم، أن الله عز وجل يقول للصحابه: تظنون أن اليهود والنصارى -لأنهم أصحاب كتب سماوية- أنهم يحققون التوحيد وأنهم على دراية وعلم؟ انظروا إليهم، هم فيما بينهم -وهم أصحاب كتب سماوية- يكفر بعضهم بعضا!

وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، ليست على دين صحيح إنما هم على فراغ، وكذلك النصارى تقول عن اليهود أنهم ليسوا على شيء وأنهم على فراغ وباطل، وهم يتلون الكتاب. لاحظ، هي فكرة لماذا قال سبحانه وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ؟ إنه يريد أن يخبر الصحابة الكرام من الأوس والخزرج: هؤلاء أصحاب كتب سماوية ويزعمون اتصالهم بالإله، وها أنتم ترونهم يكفر بعضهم بعضا، مع أنهم كلاهما أصحاب كتاب سماوي. فكونه لم يكن عندكم كتاب سماوي سابقاً، أياكم أن يشعركم بالضعف والوهن تجاه اليهود، ويبقى لكم احترام وتقدير لهم وتعتقدون أنهم على هدايات ونور فقط لأنهم يقرؤون الكتب السماوية! طيب، هم اليهود والنصارى كلاهما يقرا كتاباً سماوياً، ومع ذلك يكفر بعضهم بعضاً.

تمام، أعطيك مثالا آخر قد يسهل عليك تصور هذا المعنى: بعض الشباب لما ينظر في أصحاب الفلسفة المعاصرة أو حتى الفلاسفة من الاقدمين، أو حتى لما ينظر في الفرق المتكلمة، الفرق الكلامية في الساحه الاسلاميه، لأنهم يتكلمون بمنظار عقلي وأدلة عقلية هكذا يقولون وبالمبرهن، لأنهم يكثرون استعمال مفردات الفلسفة ويكثرون استعمال مفردات الأدلة العقلية والعقل. يبقى -لانه هو غير منشغل ومتعمق في مصطلحاتهم وأفكارهم- يبقى يشعر أنه ضعيف وأن هؤلاء... لاحظ، هؤلاء الفلاسفة كيف يتكلمون بكلمة الجسم والجوهر والجوهر الفرد مش الجوهر الفرد، والعرض، ويقيمون الأدلة والشكل الأول والشكل الثاني من الأقيسة، يبقى يسمعهم يتكلمون هذا الكلام فيشعر أنه عنده نقص معرفي، وأن هؤلاء هم أساتذة المعرفة، ولكنه لا يعرف أن جل معرفتهم معرفة فاسدة لا توصل إلى علم، ولا تهدي حيراناً، ولا تبني إيماناً.

فأتي اقول لك: أنت تنظر إلى الفلاسفة وإلى المتكلمين على أنهم شيء مبهر لأنهم يستعملون مفردات فلسفية عقلية، ترى هم هؤلاء الذين يستعملون هذه المفردات فيما بينهم يكفر بعضهم بعضاً! لو دخلت إلى أروقة كتبهم ستجدهم كلهم يستعمل هذه المفردات ولكنهم أيضاً يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً. فلا ياخذك ذاك البريق ولا تبهر بما عندهم من فلسفة ومسائل عقلية وكلام فارغ يتصنعون به أمام الناس أنهم وصلوا إلى شيء.

تلك هي فكرة اليهود والنصارى مع العرب، أن العرب ما كان عندهم كتاب، فكانوا يرون أن اليهود والنصارى أصحاب كتب سماوية واطلاع وما شابه ذلك. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يزيل هذه الهيبة ويمحي قضية عقدة النقص: أنتم يا أيها العرب أتاكم كتاب عظيم، أتاكم القرآن الكريم، فإياكم أن تبقوا تروا اليهود والنصارى شيئاً عظيماً فقط لأنهم يتلون الكتاب يعني الكتب السابقة، ها هم يكفر بعضهم بعضاً!

وللأسف، من الذي لحق اليهود والنصارى في التكفير؟ الجاهليون من العرب، أصبحوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ترى أنت لست على شيء! وهم الجاهليون من العرب، يعني لا يعرفونها قراءة ولا كتابة، وإنما هي عقدة النقص تجعل المغلوب يتبع الغالب، تجعل ما يسميه الشيخ إبراهيم السكران "سلطة الثقافة الغالبة"، يعني أن لأن اليهود والنصارى قالوا عن الإسلام أنه ليس بشيء فتجد اتباعهم من الجاهليين العرب قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنت لست على شيء!

لذلك قال سبحانه: كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، من الذين لا يعلمون؟ قالوا هم كفار قريش ومن حولهم، قالوا مثل قولهم للإسلام ولمحمد عليه الصلاة والسلام، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. إذاً، هذه الآية فيها إسقاط هيبة اليهود والنصارى في قلوب الصحابة الجدد، حتى لا ينظروا إليهم نظرة العارف العالم وأنهم هم الجهال الذين يحتاجون أن يسمعوا ممن هم أعلم منهم.

ثم ينتقل سبحانه وتعالى فيقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

من الأمور التي ارتكبها اليهود أيضاً في محاولاتهم المستمره لحرف الصحابة الهداة، قضية تشكيك الصحابه في صحة صلاتهم، وهذه أوائل الأمور التي حدثت في الدين، وستاتي معنا هذه القضية بالتفصيل لأنها كانت أول اختبار داخل المجتمع المدني للصصحابة في قضية سمعنا وأطعنا، لما كان من أوائل الاختبارات -حتى لا اقول أنه من أوائل الاختبارات- أن قضية تحويل القبلة وقعت بعد ستة عشر شهراً من ذهاب النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. أمر أن يتحول من بيت المقدس إلى الكعبة، وستاتي معنا إن شاء الله بالتفصيل.

لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة وأصبحت هي القبلة، بدأ اليهود يشككون الصحابة في صلاتهم، ويقولون لهم: انظروا إلى صلاتكم! أنتم تركتم قبلتنا، تركتم قبلة اليهود، تركتم بيت المقدس، واتبعتم قبلة العرب الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، فصلاتكم لا قيمة لها ولا معنى لها! وبدأوا يشككون الصحابة في صلاتهم وفعلهم، وأن محمد صلى الله عليه وسلم يتلاعب بعقولكم.

طبعا أعود فأقول: أهل المدينة لماذا -ربما- ربما بعضهم يتاثر بهذه الدعايات وبهذه الشبهات؟ لماذا؟ لأنه -كما قلت قبل قليل- أنهم كانوا ينظرون إلى اليهود أنهم أصحاب علم، أصحاب معرفة، أصحاب كتاب، فكانت هذه الكلمات عندما تققال لهم من اليهود ربما تحدث في قلوب بعضهم شيء من الشبهة، في قلوب بعض الصحابة الجدد تحدث شيء من الشبهة: أي والله، كنا نصلي لبيت المقدس وكنا مع اليهود، واليهود أصحاب معرفة وعلم، لماذا النبي عليه الصلاه والسلام أمرنا أن نترك قبلة اليهود وهم أصحاب المعرفة والعلم ونتجه إلى قبلة مكة؟ مكة التي فيها أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتاولة كفار قريش!

فقال سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا. يذهب كثير من المفسرين أن المراد بيسعى في خرابها وأن ومعنى أنه يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ليس بأنه المنع الحسي؛ يعني ليس أن اليهود هم اتوا فخربوا المسجد ودمروه، أو كان صحابي ذاهب إلى الصلاة فمسك هذا الصحابي ومنعوه أن يصلي. لا، قالوا هنا المنع، المنع المعنوي والسعي في الخراب هو السعي المعنوي.

كيف يكون ذلك؟ مثلاً -حتى أطبق على واقعنا المعاصر- تاتي إلى كثير من الخطابات الإعلامية، تاتي إلى كثير من الخطابات الإعلامية اليوم في وسائل الإعلام وفي السوشيال ميديا من العلمانيين والحداثيين والليبراليين وأمثال هؤلاء، تجدهم يهونون من قضية المساجد وذهاب الشباب إليها وانكبابهم على الصلاة، وأن يحضر الإنسان مبكراً ويجلس يستغفر، يهون هذه القضايا ويستهزئ بها ويتهكم بها أمامك، فتجد الشاب اللي عنده عقده النقص ماذا يقول؟ يقول: اخي أنا ما عدت خلاص أريد أن أذهب إلى المسجد!

لاحظ كيف أن هؤلاء من المثقفين والصحفيين والاقتصاديين، لاحظ كيف يرون أن الصلاة ليست شيئاً كبيراً، إذاً هي أكيد ليست شيئاً كبيراً، ولماذا أنا أصبح مثل هؤلاء الناس أذهب إلى المسجد وأعود وألتزم بالصلاة بعد الصلاة؟ فيترك الصلاة في المسجد. من الذي منعه أو حرمه من الصلاة في المسجد؟ هنا لا يوجد شخص سحبه من يده، لكن لكثرة إلقاء الشبهات على قلبه وفكره، قرر أن يترك الصلاة في المسجد.

فهؤلاء الأبواق، هؤلاء الذين يهونون الخير ويحرفون الشباب عنه، هؤلاء منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها. كل من يفسد الشباب والجيل فلا يذهبون إلى المساجد وإنما يذهبون إلى الأندية الرياضية ودور السينما والمقاهي والمباريات والأماكن العامة، كل هؤلاء بمختلف أشكالهم وألوانهم هم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها. كل مناهج العلمنة في بلادنا الإسلامية وبناء أماكن أخرى تضاهى بها المساجد ويهون فيها أمر الله وأمر الصلاة والذهاب إليها والعودة منها، هؤلاء منعوا مساجد الله! فهمتم؟

إذاً هو المنع المعنوي والخراب المعنوي، هذا الذي اشتغل عليه اليهود قديماً ويشتغل عليه اليهود وأذنابهم اليوم؛ إشغالك بالسوشيال ميديا، إشغالك باللعب بالكرة، إشغالك بالمباريات والمسلسلات، إشغالك بكثير من الأمور حتى يهون عليك الذهاب إلى المسجد: ما في داعي أذهب إلى المسجد، ولماذا أذهب إليه، خلص صلِ في أي مكان! لسه هذا الذي يقرر أن يصلي في أي مكان، لسه هذا أفضل من غيره، لا لا، البعض أصلاً ما يعود يصلي!

وهذا كان أحد مشاريع اليهود في المدينة أن يشككوا الصحابة في موضوع الصلاة بعد قضية تحويل القبلة، فسعى اليهود في خراب المساجد من خلال تشويه الصلاة في عيون الصحابة الكرام. فالله عز وجل يقول: إن هؤلاء -قديماً وحديثاً- هؤلاء الذين يحرفون الشباب عن المساجد ويهونها في أعينهم وعقولهم، أولئك ما كان لهم أن يدخولها إلا خائفين!

أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين! هنا اختلف المفسرون، فبعضهم قال: أي أن هؤلاء الأصل الذي كان ينبغي أن يكون أن يذهبوا إلى المساجد خائفين متضرعين مخبتين لله، هذا هو الأصل الذي كان ينبغي أن يفعله اليهود والنصارى وكل البشرية والإنسانية، الأصل أن يذهبوا إلى مساجد الله وإلى بيوت الله ويخضعوا، لكن للاسف بدلاً من أن يدخلوا مساجد الله خائفين مخبتين متضرعين، فعلوا العكس، سعوا في تخريب المساجد وحرف الشباب عنها.

هذا تفسير. وهناك من قال: لا، هذه عقوبة، وأن معنى قوله: أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ، أي أن

هؤلاء، إن هؤلاء إذا ظفرتم بهم، إذا ظفرتم بهم، فانزلوا بهم أشد العقوبات، ولا تسمحوا لهم بدخول مساجد الله بعد تمكنكم منها؛ أولئك اليهود وأذنابهم والمنافقون. بعد أن تتمكنوا يا أهل الإسلام، ويكتب الله عز وجل لمجتمعتهم ودولتهم الانتصار والتمكين، لا تسمحوا لهم أن يعيشوا بين ظهرانينا ولا أن يدخول مساجدكم إلا مذلولين. ولذلك كان في كتب التفسير هنا يقولون كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة أمر بقتل أقوام معينين كثيراً ما كانوا يستهزئون ويتحكمون به صلى الله عليه وسلم وبالاسلام، وقال: وإن وجدتم بعضهم متعلقاً بأستار الكعبة فاقتلوه. يعني ذكروا هذا نموذج من النماذج الذي يدخل تحت أولئك: ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين.

فالمهم أنها على التفسير الثاني نوع من التهديد، أن هؤلاء بعد أن يتمكن الإسلام في هذه المجتمعات يجب أن يذلوا وأن تنكس رؤوسهم، وأن يبقوا خائفين في المجتمعات، لانهم عندما كانوا متمكنين كانوا يمنعون الشباب ويحرفون ويلعبون بعقولهم، أما بعد تمكن الإسلام حق للإسلام أن يذلهم وأن يخيفهم. ثم قال سبحانه: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. فهم مخزيون في الدنيا لأن مشاريعهم التي عاشوا من أجلها صرف الشباب عن المساجد، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

هذا أيضاً إذا قلنا من محاولات اليهود لإلقاء الشبهات في قلوب الصحابة في المجتمع المدني. ثم يقول سبحانه بعد ذلك مؤكداً للصصحابة أن قضية تحويل القبلة لا يجب أن تحدث في قلبكم هذه البلبله الكبيرة، قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. الله سبحانه وتعالى هو الذي يملك المشرق والمغرب والشمال والجنوب، فاليوم قال لكم صلوا تجاه المشرق أنتم صليتم لله، وغداً قال لكم صلوا باتجاه المغرب صليتم لله، وإذا قال لكم اتجهوا نحو الشمال فأنتم لله، وإذا توجهتم نحو الجنوب فأنتم لله. كل هذه الجهات هي ملك لله سبحانه وتعالى، فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، فالإله حاضر. يعني هل تظنون أنكم إذا صليتم إلى بيت المقدس فإن الإله حاضر، وأما إذا صليتم باتجاه الكعبة فإن الله لا يكون حاضراً حاشاه عز وجل؟ فكل هذه الأماكن ملك لربكم سبحانه وتعالى، فاسمعوا وأطيعوا ولا يلقين اليهود الشبهات في قلوبكم، إن الله واسع ملكه عليم كيف يأمركم أن تفعلوا في هذا الملك، واسع في ملكه عليم لما كان قال لكم صلوا إلى هذه الجهة ثم أخبركم أن تصلوا إلى الجهة الأخرى كل شيء بحكمة.

طيب، ثم بعد ذلك ما زالت هذه الصفحة تتكلم للصصحابة عن ضعف اليهود وعن ضعف عقلهم، وعن ضعف النصارى وعن ضعف عقلهم، وعن أذناب اليهود والنصارى وهم العرب الجاهليون. ولاحظ أن العرب، أن العرب الجاهليين هم دائماً كانوا أتباعاً لليهود والنصارى قديماً وحديثاً، أن العرب الذين لا ينتسبون إلى هذا الدين العظيم وليسوا في واحد، هم دائماً تبع لليهود والنصارى. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يؤكد للأوس والخزرج أن هؤلاء اليهود هم أبعد الناس عن الاتصال بالإله وأبعد الناس عن معاني التوحيد، والدليل على ذلك أنهم هم والنصارى قالوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا. هؤلاء اليهود الذين يتبجحون أننا أصحاب كتاب سماوي وأننا متصلون بالإله، انظروا كيف وصفوا الله عز وجل بأشد أنواع النقص والعيب؛ فاليهود تقول إن عزير ابن الله، والنصارى تقول إن المسيح ابن الله، وتتبعتهم العرب في ذلك فزعم العرب أن الملائكة بنات الله. فإذاً وقالوا هذا الواو تعود على اليهود وعلى النصارى ثم تبعا العرب، لكن المقصود أساساً اليهود والنصارى.

طيب، ما قصة هذه الآية هنا؟ أقول والله أعلم فيما أرى أن الآية ما زالت تبين للصحابة الكرام أن لا تنظروا إلى اليهود والنصارى على أنهم نموذج معرفي راقي في مسائل التوحيد والالهيات كونهم أصحاب كتب سماوية. هؤلاء الذين دائماً أنتم ترونهم أصحاب كتب سماوية وعلى اتصال بالأنبياء السابقين والإله، انظروا كيف وصفوا الله أو وصفوا ربكم بأشد العيب وزعموا أن لله ولداً، ولو أنهم كانوا نموذجاً معرفياً راقياً وأصحاب معرفة كما يتصنعون أمامكم لقادتهم عقولهم إلى استحالة أن يكون لله ولد. كيف يكون له ولد سبحانه؟ لاحظوا ماذا قالت الآية: سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ. كل شيء قانت، يعني هنا القنوت المعنى الخاضع لله سبحانه وتعالى. من كان مالكاً للسماوات والأارض وما فيهن وكل شيء خاضع له حاشاه أن يحتاج إلى الولد، لأن الولد إنما نحتاج نحن إليه لافتقاره، الولد دلالة الافتقار، الولد دلالة الاحتياج، فأنت تلد ولداً حتى تربي هذا الولد ويكبر على عينك، ثم إذا أنت كبرت تجده يسندك ويستمر جنس البشرية، فالبشر يحتاجون إلى الولادة والمخلوقات تحتاج إلى الولادة لافتقارها إلى التكاثر وإلى احتياج بعضهم لبعض.

أما الإله سبحانه وتعالى فهو غير مفتقر، هو لا يحتاج إلى أن يتكاثر، لا يحتاج إلى ولد يربيه حتى يكبر يسنده عند الكبر، بل سبحانه وتعالى علاقته بهذا الوجود أنه هو الخالق وكل ما سواه مخلوق له مربوب له، وليست هناك علاقة أخرى، علاقة مخلوقية وعلاقة ولدية حاشاه، بل كل ما في هذا الوجود علاقته معه علاقة المخلوق فقط لا غير. لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَلْأَرْضِ ملك ومخلوق ومربوب لله وكل شيء خاضع له، فلماذا يحتاج إلى الولد وأنى يكون له؟ وأنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ولم يكن له زوجة حتى يكون له ولد سبحانه وتعالى؟ فليس مفتقراً إلى زواج وليس مفتقراً إلى ولد، لأن الزواج والولد كل هذا من معالم النقص والضعف وليس من معالم الكمال، فهو غني بذاته عن احتياجه أي شيء سبحانه.

فالمهم الله سبحانه وتعالى أراد أن يبين للعرب من المسلمين من الأوس والخزرج كما قلت أن هذا هو النموذج المعرفي الذي يققدمه اليهود وهذا ما أدت إليه عقولهم ادعاء الولد، إلا حاشاه عز وجل، ولو نظروا في أدلة العقول لعرفوا أنه يستحيل أن يكون لله ولد، هذا نموذجهم المعرفي الساقط. لذلك كمن سبحانه وتعالى فيقول: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أنه سبحانه وتعالى أبدعها وخلقها لا على مثال سابق، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. كل هذه معالم الاستغناء، يعني الله عز وجل بمجرد أن يقول للشيء كن فإن هذا الشيء يكون، دلالة استغناء، قدرة كاملة، علم كامل، فكمالات الله سبحانه وتعالى تأبى أن يوجد له ولد. ثم يأتيكم هؤلاء يقولون نحن أصحاب نموذج معرفي وكذا، فهذا شوه، ما زالت هذه الآيات تشوه اليهود في عقول الصحابة وتبين لهم سقوطهم كمعرفة والعلم على جزيرة العرب باعتبارهم أصحاب الكتب، فتاتي هذه الآيات تسقط هذه القيمة المعرفية لأنها ليست قيمة معرفية حقيقية، بل هو ضلال معرفي، قوم تلاعبوا بكتبهم وانحرفوا عن المنطق السوي، فلا تروهم شيئاً، وإياكم أن يحتلوا مسافة في قلوبكم.

طيب، ثم قال سبحانه وتعالى يبين لك كيف تواطأت قلوب الجاهليين من العرب مع قلوب اليهود والنصارى وأن الكل أصبح يستفيد من بعضه بعضاً في إثارة الشبهات. فيقول سبحانه: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. شوف الآن اللي عنده عقدة النقص كيف يتبع صاحب السلطة الغالبه هنا وصاحب الهيمنة المعرفية. الجاهليون من العرب أصبحوا يقلدون اليهود في طلبهم من أنبيائهم المعجزات والمستحيلات. احنا بتعرفوا لما مر معنا كيف اليهود قالوا لموسى: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، مش مرت معنا في الصفحات السابقة وكيف أن الله سبحانه وتعالى صعقهم لما أخذ موسى سبعين من قومه كيف أنزلت عليهم الصاعقة؟ اليهود كانوا دائماً يقولون لموسى وأنبيائه عموماً: نحن نريد أن نرى الله، نحن نريد أن نكلم الله، نحن نريد أن تنزلوا علينا كذا وكذا، هي المماحكات وعدم اتباع منهج سمعنا وأطعنا. فالجاهليون من العرب أصبحوا يتعلمون من اليهود هذه الممارسات، وبرجع بقول نموذج الضعيف الذي يتبع القوي، الطالب الضعيف في الصف كيف يحاول أن يقلد الطالب الأرعن في الصف ويحاكي، فهكذا كان حال الجاهليين، قالوا يا محمد صلى الله عليه وسلم: لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ، نحن نريد أن الله يكلمنا تكليم مباشر أو تاتينا بمعجزة باهرة. طبعا كل المعجزات أتى بها محمد عليه الصلاة والسلام، لكن خلاص يعني هذا الطالب الذي عند عقدة النقص يريد أن يقلد أسياده: يلا نحن نريد معجزة غريبة، أسقط علينا كسفاً من السماء أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه. بدا المساكين هؤلاء من جاهلي العرب يمارسون نفس الممارسات اليهودية.

فالله سبحانه وتعالى انظر كيف يتهكم بهؤلاء الجاهليين يقول: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، يا اخي انتم حتى كتب سماوية ما عندكم على ماذا تتشاطر؟ وكان وقال الجهال أصحاب النقص: لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ من أسيادهم من اليهود والنصارى لأنبيائه مثل قولهم. طيب، إذا ما هي القضية؟ قال: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. قلوب أهل الباطل متشابهة، متشابهة في ماذا؟ أنها لا تنصاع للحقائق وأنها تبقى تدور سعياً لتشويهها وإسقاطها، وأنى لهم ذلك بإذن الله. فالقلوب متشابهة، كان يهودياً أو نصرانياً أو عربياً جاهلياً يتبع اليهود والنصارى، كلهم متشابهون، الكل يريد أن يحجب هذه الشمس ويريد أن يطمس معالم هذا الدين، ولكن أنى له ذلك؟ تشابهت قلوبهم، دعهم، اتركوهم، منهم، قد بينا الآيات. هناك آيات كثيرة بينها الله عز وجل لمن يبحث عن اليقين والحق، هم يقولون لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ، قد بينا الآيات، هناك آيات كثيرة ودلائل مبهرة ومن اعظمها هذا الكتاب الذي بين أيديكم، لكن لمن؟ لقوم يبحثون عن اليقين والحقيقة والمعرفة، وليس لقوم ملتفين عن الشرائع والحقائق. لذلك هنا لاحظ الختام يقول سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا. أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم أنت تملك الحق، أنتم من عندكم الحق يا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، يا اتباع الوحي الإلهي والهدى الإلهي، أنتم من تملكون الحقيقة الآن وليس اليهود والنصارى. ثم قال: وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ. كأنه يقول له: دعك منهم، أنت غير مسؤول عن تصرفاتهم وأعمالهم، أنا من سأحاسب.

ثم الله سبحانه وتعالى يضع لنا منهاجاً في كيفية وآلية تعاملنا مع اليهود والنصارى ونفهم عقلية اليهود والنصارى قديماً وحديثاً. يقول سبحانه: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. هكذا هم من أيام محمد صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، المشروع واحد، لن يرضوا عنك ولو أنك تكلمت وقدمت لهم كل التنازلات المادية هم لن يقبلوا منك حتى تتبع ملتهم، فاليهود يريدون أن تصبحوا يهوداً مثلهم، والنصارى يريدون أن تصبحوا نصارى مثلهم، هكذا هي الديانة اليهودية والديانة النصرانية. طبعا الديانة اليهودية نسبة إلى اليهود الآن وهي ديانة محرفة هنا، والديانة النصرانية نسبة إلى النصارى الذين حرفوا دينهم وليس هو دين موسى الحقيقي ودين عيسى الحقيقي، لأن دين موسى الحقيقي هو الإسلام ودين عيسى الحقيقي هو الإسلام، لكن هذه الديانات المحرفة لن تقبل من أهل الإسلام لا مساومة ولا دبلوماسية ولا مجتمع دولي ولا حقوق إنسان ولا محكمة دولية ولا كل هذا الكلام الفارغ، هم مشروعهم في بلادنا إفساد العقول والشباب حتى ينتقلوا إلى دينهم وعقائدهم وانحرافاتهم.

طيب ما المطلوب منا؟ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى. مطلوب منا أن نتمسك بهدى الله، أن نتمسك بالوحي الإلهي والشريعة الإلهية، أن نعض عليها بالنواجذ، أن نعلمها لأبنائنا، أن نتدارسها كما نفعل الآن، أن تصبح المعرفة الشرعية والهدى الإلهي هو الهدى المتمسك به في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا ومحافلنا وأعلامنا. هنا يجب علينا أن نتمسك بهويتنا وهو الهدى الإلهي الذي أنزله الله عز وجل علينا: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى. وإياكم يا أهل الإسلام أن تعتقدوا في يوم من الأيام أن اليهود والنصارى يملكون الهدايات والرشاد، أن الهدى هدى الله، وهو هذا الكتاب وما نطق به محمد صلى الله عليه وسلم في السنة هو الهدى الذي يستحق أن تتبعوه وأن تتمسكوا به، وليس أن تاخذوا قوانينكم وأحوالكم وإدارة مجتمعاتكم من هؤلاء المجرمين الفاسقين المتمردين على الإله سبحانه وتعالى.

لذلك هنا جاء الوعيد لمن يتخلى عن الهدى الإلهي الحقيقي واليقين ويذهب ليأخذ من اليهود والنصارى شرائعهم وقوانينهم وأفكارهم: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ. والعلم هنا الوحي الإلهي. كل إنسان يعني هو الخطاب ليس لمحمد صلى الله عليه وسلم مقصوداً، لأن هو حاشاه أن يتبع أهواءهم صلوات ربي وسلامه عليه، وإنما هي رسالة لكل المسلمين قديماً وحديثاً، أن من نبذ كتاب الله وراء ظهره وأصبح يتتابع لأخذ شرائع اليهود والنصارى وأفكارهم ويفرضها على المجتمعات المسلمة، هؤلاء يخذلهم الله، قال: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. سيخذلك الله ولن تجد من ينصرك من عذاب الله ومن يحميك من سخط الله الذي سينزل عليك، أعطيتكم الهدى الذي فيه الشفاء والتمام والكمال تتركونه وراء ظهوركم وتتبعون هؤلاء؟ أنتم تمارسون ممارستهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين، احذروا من هذه الممارسة يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، انتم تملكون الهدى.

ثم سبحانه وتعالى دائماً بعد أن يبين طبائع اليهود والنصارى يستثني القلة القليلة القليلة من اليهود والنصارى الذين اتبعوا محمد صلى الله عليه وسلم وخضعوا للحق المطلق. فهؤلاء هم قوم صادقون آمنوا بالكتاب الذي أنزله الله على موسى وعلى عيسى، ثم لما عرفوا صدق محمد صلى الله عليه وسلم اتبعوه. هؤلاء هم الذين كانوا يتدبرون التوراة بصدق ويتهاجرون الإنجيل بصدق وبقلب سليم سوي، فقادتهم التوراة والإنجيل الذي كانوا يقرؤون إلى اتباع محمد عليه الصلاة والسلام. فقال عز وجل: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. هذه القلة القليلة.

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ. والكتاب هنا فيما يظهر هو التوراة لليهود والإنجيل الذي للنصارى، يعني الذين أعطوا الكتب السابقة. لكنهم تلوه حق تلاوته، احنا مر معنا في بداية أو في الصفحات السابقة أن اليهود في طريقة تلقيهم لكتاب الله وكذلك النصارى، منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، اللي هم مش لا يعرفون القراءة أصلا ولا مارسوا قراءة أصلا صحيحه لأنهم أميون، وكانوا يتكلمون في كتبهم بالخرص والتخمين، ومنهم الذين كانوا يحرفون كلام الله من علمائهم ويبدلون ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. هذه انماط القراءة المنحرفة.

لكن للانصاف، للانصاف، كان هناك طائفة قليلة من اليهود أو النصارى يقرءون كتبهم قراءة سليمة، قراءة سوية، اللي سماها ربنا هنا: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ. كانوا يقرون كتابهم قراءة صحيحه؛ لأنهم قرءوه قراءة صحيحه، قراءة إنسان يبحث عن الحقيقة والهدى وليست قراءة إنسان يلتف على شرائع الله. هذه القراءة الصحيحة قادتهم إلى الهدى فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَكَانُوا يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ. تلاوة حقيقية صادقة من قلوبهم قادتهم هذه القراءة إلى الإيمان بك وبكتاب الله سبحانه وتعالى الختام وهو القرآن الكريم: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وبشريعته.

لاحظوا كيف يعلمنا الله عز وجل أن القراءة الصحيحة، القراءة التي تريد أن تصل بها إلى الهدى، توصلك إلى الهدى. وهذا حتى في الإسلام، من يريد أن يصل إلى الهدى من بين البدع عليه أن يقرأ القرآن ويسمع السنة ويفهمها سماعا صحيحا تدبرا علميا نيتك فيه صادقة، أنت لا تريد التلاعب ولا العبث ولا إشباع الأهواء والرغبات، وإنما تريد الوصول إلى الحقيقة. إذا كانت هكذا قراءتك للكتاب والسنة: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. أولئك الذين سيصلون إلى الهدى والنور بإذن الله. ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ. وعموما من يقرر الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي جاء به فأولئك هم الخاسرون.

ثم هنا يأتي النداء الأخير دعنا نقول لبني إسرائيل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ. عيب يا بني إسرائيل، هذا النداء الأخير هنا: عيب يا بني إسرائيل، تذكر، تذكروا كم أنعم الله عليكم من النبوات والكتب، وفضلكم على أهل زمانكم، وفضلكم على أهل زمانكم: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. فضلكم على أهل زمانكم فجعلت فيكم النبوات والشرائع والملك والحكم وأعطيت من النعم رايتم من المعجزات الباهرة ما لم يرى غيركم من الأمم.

أببعد كل هذا يا بني إسرائيل تقولون سمعنا وعصينا؟ أليس عيب أن تستقبل هدايات الله بهذه الطريقة بعد كل هذه النعم؟ وهذه رسالة لنا أيضا، أن الانسان الذي لا يتبع شرائع الله، لا يتمسك بالشريعة الإلهية فيأكل الربا وينظر إلى الحرام، والأخت التي تمشي متبرجة ولا تلبس الحجاب ولا الجلباب، ألا تتقي الله عز وجل وتتذكر نعم الله التي أنعم بها عليها؟ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ. مين اللي أعطاك هذه النعم؟ هذه النعم تستحق الشكر. والشكر مش فقط أن تقول أو تقولي بلسانك الحمد لله والشكر لله، لما أرى أعمالك إذا هي كلها بعيدة عن اتباع شرائع الله الشكر الحقيقي: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا. بالعمل، أن هذه النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليك أن تستعملها كما يرضيه هو أمرك سبحانه تترك الربا تترك الربا، أمرك بغض البصر تحافظ على نعمه البصر فتغض، أمرك ألا تسمع الحرام تحافظ على هذا السمع فلا تسمع، أمرك أن تترك من لسانك الكلام البذيء تحافظ على لسانك فلا تغتاب، ولا أمرك أن تحجبي وتستري هذا الجمال تقولين سمعنا وأطعنا هكذا هو المنهج الصحيح، وإلا فمنهج سمعنا وعصينا الذي يمشي عليه بعض المسلمين هو منهج اليهود والنصارى.

ثم يحذرهم سبحانه ويربطهم باليوم الآخر مباشرة: وَاتَّقُوَ يَوْمًا. لأنه هذا هو اصل المخوف بعد ذلك يوم القيامة، يعني حتى لو الدنيا مشت الآخرة ما راح تمشي، حتى لو أنكم في الدنيا لم تتعرضوا للعقوبات القاسية: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا. ما حدا رح يشيل عنك، ما حدا رح يدافع عنك أمام الله سبحانه وتعالى، الكل يأتيه يوم القيامة فردا، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ. العدل هو الفداء، إذا عاقبك الله لن يقبل منك فداء، لن تستطيع تفتدي نفسك وتقول يا رب هي مليون دينار بس ما تعذبني، ما رح يصلح، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا أَيُّ عَدْلٍ، أي فداء لتفتدي به، وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ. الله سبحانه وتعالى إذا لم يرضى عنك، والله لو جاء كل أهل الكرة الأرضية وكل الانبياء والرسل والملائكة ليشفعوا فيك لن يشفعوا، إذا لم يرضى الله عنك لن تصلح أي شفاعة قال: وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.

يجب على الانسان دائما أن يحسب حساب لقاء الله ويحسب حساب للدار الآخرة، ويحسب حساب أنه هذه القضية أن الله ينعم علي بنعم وأنا استعملها في معصيته لن تبقى الأمور هكذا، يعني أنت لا تتعامل مع انسان ساذج أو انسان بسيط يعطيك نعم وأنت تضحك عليه ولا تستعملها في رضاه، أنت تتعامل مع ملك الملوك سبحانه وتعالى، ولما أنعم عليك هذه النعم ويراك ويراك وأنت تعصيه بهذه النعم يعني لا بد وأن يحاسبك وأن يسائلك يوم القيامة، فمن لم يتعظ بيوم القيامة لن يعظه شيء. نال الله السلامة والعافية هنا انتهى ملف بني إسرائيل.

ثم يأتي ختام الجزء الأول من سوره البقرة ليعرفنا بأي منهجية وبأي نفسية وبأي عقلية يريد الله سبحانه وتعالى منا أن نستقبل الهدى الإلهي. يريده سبحانه وتعالى، يريد منا أن نستقبل هداه على ملة إبراهيم وعلى طريقة إبراهيم عليه السلام، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. هذه هي الطريقة والعقلية والنفسية التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تتلقى بها الهدايات ويتلقى بها القرآن وتتلقى بها شريعة الإسلام. فقال سبحانه وتعالى ولاحظ أن إبراهيم مهم جدا ذكره هنا؛ لأن اليهود والنصارى أصالة كانوا يزعمون أن إبراهيم على ملتهم، مع أن إبراهيم عليه السلام كان قبلهم، قبل أصلا وجود موسى وعيسى، ولكن هذه كانت من ألاعب اليهود التي كانت يمكن أن تنطلي على بعض العرب من الأميين الجهال، كان يمكن أن ينطل عليهم: آه والله طلع إبراهيم عليه السلام يهودي. طبعا العربي لأنه لا يقرأ ولا يكتب هو لا يعرف أن أصلا إبراهيم كان قبل اليهود والنصارى فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا؟ فالله سبحانه وتعالى أراد أن يخبر الصحابه أن أنتم من؟ أنتم من على ملة إبراهيم وليس اليهود والنصارى، فهذه أيضا يجب أن يلتفت إليها في هذا المقام.

يقول سبحانه: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. الله عز وجل ابتلى سيدنا إبراهيم بأمور وشرائع. الكلمات كما ذكر كثير من المفسرين هي تكاليف وتشريعات أمر الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم أن يمتثل لها وأن يقوم بها. ما هي هذه التشريعات والتكليفات؟ الله أعلم، يعني لا يوجد شيء يقيني حتى وأن حاول بعض المفسرين أن يتكئ على بعض الإسرائيليات في ذلك، نحن لا نملك يقينا ما هي هذه التشريعات ولا تهمنا؛ لأن لو كانت مهمة لنا أخبرنا الله عنها. المهم ماذا فعل إبراهيم مع هذه التشريعات؟ أتمها. فلما كان إبراهيم يتلقى تشريعات الله وابتلاه الله بتشريعات معينة فقبلها واداها على الوجه الذي يرضيه ربه، رفعه ربه وجعله إماما للناس.

واضح أنها تكاليف وتشريعات كانت على مستوى عالي من البلاء المبين. إبراهيم عليه السلام ابتلء بلاءات شديدة، فقد أمر مثلا بأن يترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل في مكة وكانت أرضا قاحلة وأن يعود إلى فلسطين أو إلى الشام، أمر في مقام آخر أن يذبح ولده، وكانت كلها بلاءات بعد بلاءات بعد بلاءات. ومنهج إبراهيم في تلقي هذه الأوامر الإلهية: سمعنا وأطعنا، أسلمت لرب العالمين، أنا راضي يا رب بتشريعات وبالهدى الذي أنزلته إلي أنا راضي. هذا الرضا وهذا التسليم الجميل الفريد من سيدنا إبراهيم لله رب العالمين رفعه عند ربه، رفعه عند ربه قال: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. الله عز وجل يقول لسيدنا إبراهيم: أنا سأجعلك إماما للناس.

وارتقى إبراهيم، شوف كيف أن الإنسان المطيع لله الذي يقبل الهدى تماما حتى ولو كان شاقا على نفسه كيف يرفعه الله سبحانه وتعالى بهذا الهدى! فارتقى إبراهيم إلى مرتبة الخلة فأصبح خليل الرحمن. هذه الخلة المرتبة العالية الهائلة في علاقة الله سبحانه وتعالى ببشر، هذه الخلة إنما حصلها بماذا؟ بس سمعنا وأطعنا. وهذه رسالة لي ولكم أنك إذا أردت أن يرتفع قدرك عند الله فعليك أن تسير على ملة إبراهيم وعلى خطى إبراهيم عليه السلام بالسمع والطاعة لأوامر ربك سبحانه ولو كانت مخالفة لهواك، فأنت الذي يجب أن توقِع توقعاتك مع هواك ومع رغباتك.

قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي. ومن شخصية إبراهيم الراقية أنه إبراهيم من جمالية شخصيته أنه أيضا يحب الخير للناس، وهكذا صفات الداعي إلى الله، أنه قال: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي. يعني أيضا ذريتي وأحفادي سيكونوا أئمة مثلي؟ فقال الله عز وجل: قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. ذريتك من سار على خطاك في الإسلام والاستسلام لله سأجعله أئمة، لكن من ظلم نفسه ولم يسر على خطاك فهؤلاء لا ينالون الإمامة. فلذا وهذا كأنه إشارة للرد على اليهود والنصارى الذين ينتسبون إلى إبراهيم: أنتم لستم على ملة إبراهيم، أنتم جماعة سمعنا وعصينا لن تنالوا الإمامة، إنما ينالها من سار فعلا وصدقا وحقا على ملة إبراهيم.

أنتم تعرفون أن إبراهيم عليه السلام له ولدان إسماعيل ومنه جاء العرب، وإسحاق ومنه جاء يعقوب ويعقوب هو أصلا إسرائيل ومنه جاء اليهود. فبالتالي العرب واليهود كلاهما يعني يعودان في النهاية إلى إبراهيم، لكن الله سبحانه وتعالى جعل السيادة والرئاسة أولا في اليهود وأرسل فيهم من الكتب والرسل الشيء الكبير. للأسف اليهود لم يسيروا على خطى جدهم إبراهيم وعرفنا ماذا فعلوا في في الصفحات السابقة، فسحب الله الولاية منهم والرسالة وجعلها في الفخذ الآخر في فخذ إسماعيل في العرب وهم الذين يحملون هذه الهدايات، وليس العرب لأنهم عرب، العرب هم أصدق من يحملها، لكن حتى من العرب من لا يحمل هذه الهدايات ومن لا يتقبلها ويسير على خطى بني إسرائيل لن ينال هذه الإمامة ولن ينال عهد الله سبحانه وتعالى بالرفع والسمو في الدنيا والآخرة.

ثم أراد سبحانه وتعالى أن يبين معالم ملة إبراهيم فقال سبحانه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ. وهو الكعبة مثابة للناس. أي مكان يثوب إليه الناس. يثوب أي يعودون إليه عاما بعد عام وهذا هو الحج، أننا نعود إلى الكعبة بيت الله الحرام عاما بعد عام بالحج والعمرة. فالله سبحانه وتعالى يخبر أنني جعلت الكعبة مثابة للناس وأمنا. منطقة أمن لا تسفك فيها الدماء ولا يصاد فيها الصيد ولا يفزع فيها الناس. ثم قال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. يعني من تكريم الله وتشريفه لهذا العبد الصالح إبراهيم أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نجعل مقامه مصلى. ما هو مقام إبراهيم؟ هناك صخره، من منكم ذهب إلى الحج أو العمرة هناك صخره بقيت إلى يومنا هذا، هذه الصخره فيها آثار أقدام سيدنا إبراهيم عندما كان يبني الكعبة كان يضع قدمه على هذه الصخره فلصقت آثار أقدامه بها. تخيل أننا لليوم نستطيع أن نرى آثار أقدام أبينا إبراهيم، الحقيقة شيء جميل يعني أنك تنظر هذه قدم نبي أنت تراها أمام عينيك ومحفوظة إلى يومنا هذا. فكل من طاف بالبيت أسبوعا أي سبعة أشواط يسن له أن يذهب إلى مقام إبراهيم ويصلي وراءه: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى.

ويقول العلماء أن الله عز وجل أيضا طلب من اليهود والنصارى أن يحجوا هذا البيت، هذا البيت الذي بناه أبو الجميع بناه إبراهيم وأسسه، طبعا هذا هو البناء الثاني كما قال كثير من المفسرين بعد البناء الأول وجاءت السيول وكذا، فأمر الله سيدنا إبراهيم أن يرفع القواعد وإلا قيل إنه وضع سابقا على يد آدم وقيل على يد الملائكة. المهم الله سبحانه وتعالى أمر الجميع حتى من اليهود والنصارى أن يحجوا هذا البيت، لكن اليهود والنصارى كعادتهم التفوا ولم يقبلوا أن يحجوه وهدى الله سبحانه وتعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليحجوه ويعمروه كما أراد الله عز وجل.

إذا: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. والتطهير هنا أساسه التطهير من الشركيات والاصنام. أي هذا المكان يجب أن يطهر من معالم الوثنية ومن معالم الشرك ومن أي دعوة لا يكون فيها التوحيد لله رب العالمين. ولذلك لما تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من مكة بعث عليا ينادي في العام في حجة أبي بكر الصديق في العام التاسع: ألا يحج بعد العام مشرك. لأن هذا البيت يجب أن نحميه من معالم الوثنية والشرك وكل من يسعى لإعادة الوثنية والشرك إليه سيدمره الله سبحانه وتعالى.

إذا طهرا زكيا نقيا هذا البيت للطائفين لمن يريد أن يطوف به والعاكفين المقيمين فيه والركع السجود المصلين. طهرا من معالم الوثنية والشرك ومن كل دعوة لا ترضي الله سبحانه وتعالى. هذه ملة إبراهيم ملة التوحيد وتطهير القلوب والعباد والبلاد من أي معلم من معالم الشرك.

وإبراهيم عليه السلام لما أتى إلى الكعبة وإلى مكة ماذا قال؟ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. الله عز وجل هنا يذكر العرب أن هذا البيت الذي أنتم تفتخرون به وتتشرفون به مع أنكم تشركون به، هذا البيت وبركة هذا البيت هي ببركة دعوة إبراهيم عليه السلام، أن إبراهيم دعا.

رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. إبراهيم خص ابتداء المؤمنين بالرزق، لكن الله لأنه أرحم الراحمين قال: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا. وهكذا أنتم يا كفار قريش، ها أنتم ترزقون وتأكلون وتشربون وتتاجرون، والناس تقدركم يا كفار قريش، هذا كله بماذا؟ برحمة الله سبحانه. إبراهيم دعا بالرزق والتوسع لمن أتى هذا البيت موحداً، لكن الله قال: وَمَنْ كَفَرَ، حتى ومن كفر ممن يسكن حول البيت: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، إذا مات على الكفر.

ثم قال سبحانه وتعالى وهو يصور لنا حال إبراهيم وححال ابنه وهما يسعيان إلى رفع هذا البيت وعمرانه: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ قَائِلَيْنِ. حالهم ماذا يقولون؟ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، اجعلنا ممن استسلم لك، يعني يسألون الله أن يجعلهم من المستسلمين له. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا، يا رب أيضاً اجعل أمة مستسلمة خاضعة لك. وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، يعني علمنا شرائع وتب علينا. إذا قصرنا في فعل هذه الشرائع، إذاً وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، علمنا يا رب الشرائع التي تريد منا أن نفعلها، وإذا قصرنا في القيام بشيء منها فتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

ثم لاحظوا، عبر التاريخ أطلق سيدنا إبراهيم دعوة، هذه الدعوة جاءت في محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هو مصداق هذه الدعوة. ماذا قال إبراهيم قبل مئات السنين بل آلاف السنين؟ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ، يعني ربنا وابعث في أهل هذه البلدة، في أهل هذه القرية: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، أي من جنسهم، من جنس من يسكن هذه البلدة. هذا الرسول ما وظيفته؟ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ. إذاً، وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام أن يتلو الكتاب علينا، وأن يعلمنا الكتاب والسنة، لأن الحكمة إذا قرنت بالكتاب فهي السنة. ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فتلاوة الكتاب وتعلم الكتاب والحكمة هو الذي يوصل إلى التزكية، لذلك هنا في هذا سياق آخر التزكية، قال العلماء باعتبارها ثمره التلاوة والتعليم. التزكية هي ثمرة التلاوة والتعليم، إذا أنت تلوت القرآن وتعلمت ما فيه من العلم، وما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من العلم، حصلت على التزكية. فإذاً تلاوة وتعلم وتزكية، والتزكية هي فعلياً ثمرة الوسيلتين السابقتين. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فمحمد صلى الله عليه وسلم هو استجابة ربنا عز وجل لدعوة سيدنا إبراهيم سابقاً: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ. فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل هذه القرية ليكون ليس نبياً ورسولاً لهم فقط، بل ليكون نبياً ورسولاً للبشرية جمعاء.

ثم سبحانه يقول: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. الإنسان الذي يزدي نفسه، ايش يعني سفه نفسه؟ ازدرى في نفسه. الإنسان الذي يزدري بنفسه هو الذي يرغب عن ملة إبراهيم. أنت تريد تخسر نفسك؟ تريد تحقرها أن تدريها إذا أعرضت عن ملة إبراهيم؟ هكذا تحتقر نفسك وتفهها، تريد تي من شانك وأن تكون إما في الدين؟ اتبع ملة إبراهيم، هذا يدل على أن التسليم لله هو الرقي، أن تمارس أسلمت لرب العالمين هذا ارتقاء بعقلك وفهمك وبشخصيتك يا أيها الانسان، وليس انحداراً كما يصوره العلمانيون والحداثيون وغيرهم من أذناب الجاهليين الذين يرون أنه ما معنى أن يكون الإنسان متبعاً للشرائع، ويدعون إلى العلمانية على مستواك الخاص وعلى مستوى المجتمعات والدول؟ هل تظن أن هذا رقي؟ أن هذا حضارة؟ اليوم يسمونها الدولة المدنية، ويعتبرون أن الحضارة أن تخرج عن التشريعات الإلهية وأن تصبح من أصحاب التشريعات الوضعية الأرضية، هذا قمة التدني والانحدار والسفه. لا، الله يقول: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. السفيه الذي لا يعطي نفسه قيمة هو الذي يترك طريق سمعنا وأطعنا ملة إبراهيم.

فقال سبحانه بعد ذلك: وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إذاً هذا المعلم البارز هنا في قصه إبراهيم، لأن هذا ما نحتاجه في سورة البقرة، التسليم: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلِمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. هكذا هي خطى سيدنا إبراهيم عليه السلام، وخطى من يسير على نهجه، الاستسلام المطلق لهدى الله والقبول العام لتشريعات الله. وعلى هذه القاعدة بني الجزء الثاني من سوره البقرة في تشريع القصاص والعمرة والحج والصيام وأحكام النكاح وأحكام البيوع وما شابه ذلك. القسم الثاني من سورة البقرة هو مبني على القسم الأول، على: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلِمْتُ. خضعت، أعرت اتباعي لرب العالمين. من ربى نفسه على هذه الآية، على ملة إبراهيم، فعندئذ سيقبل كل تشريعات الله ولن يناقش ولن يجادل. لن تناقش المرأة في عدة الوفاة، وبيصير اطلع يا شيخ من البيت ولا ما بصير اطلع؟ والله كثير أربعة أشهر وعشرا ليش ما تقصرو علينا؟ لن يناقش في مشروعية الجهاد والقتال في سبيل الله، لن يناقش في الحج والعمرة وأحكامها، لن يناقش في أحكام النكاح والتعامل مع الإيلاء والطلاق، لن يتلاعب بالطلاق ولن تتلاعب النساء بأحكام عدة الطلاق، لن يتلاعب بالربا ولن يدخل فيه، لن يتلاعب بالديون. كل ما يأتي في سورة البقرة من التشريعات والأحكام هي كلها تنصاع لقضية أسلمت لرب العالمين، خلص، عندك هذه القاعدة راسخة إذا ما بعد ذلك سهل. إذا عندك هذه القاعدة ما زال فيها ريبة وما زال عندك نوع من التردد في أسلمت وخضعت لتشريعات الله ولهدى الله، إذاً كل ما سياتي بعد ذلك نعم، يمكن أن تقبله ويمكن أن لا تقبله.

ووصى بها، هذا الاستسلام لله وهذا الخضوع لله، هذه ليس فقط ملة إبراهيم وحدها، بل إبراهيم وصى بها أبناءه واحفاده: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ أَيْضاً. يعقوب وهو من أحفاد إبراهيم وصى بها بنيه، وهي رسالة سريعه لمن؟ لبني إسرائيل، لأن بني إسرائيل هم من أحفاد يعقوب. جدكم يعقوب ترى وصاكم بالاستسلام لتشريعات الله وعدم التلاعب بها. وصاكم يعقوب يا أحفاد يعقوب بماذا؟ بالخضوع: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. هذه هي وصية إبراهيم لأحفاده ووصية يعقوب لأحفاده خصوصاً. اسمعوا يا بني إسرائيل، هذه وصية يعقوب لكم: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أوك تموت وأنت لم تظفر بسمع وأطعنا، أوك تسر حياتك وتفنى حياتك وأنت لم تستسلم وتعلن الولاء المطلق والاستجابة المطلقة لله عز وجل.

ثم سبحانه وتعالى يذكر لنا مشهداً معيناً فيقول: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ. ولماذا التركيز على يعقوب؟ أقول لأن بني إسرائيل هم من يعقوب، لأنه يعقوب هو إسرائيل، يعقوب هو إسرائيل، فهي رسالة له: ترى يا يهود جدكم يعقوب لما حضره الموت ماذا قال لابنائه؟ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ يُوسُفَ وباقي الأبناء: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟ أي يا أبنائي، فقالوا: نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا، إله واحد فقط، ومن نخضع له ومن ندين له ليس له والد ولا ولد ولم يكن له كفوا أحد. هذه هي ملة إبراهيم، إله واحد يعبد، تستقبل هدايات ويستسلم له، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

ثم الله سبحانه وتعالى يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ. هؤلاء يعقوب وأبناء يعقوب الأساسيون خضعوا لله، أما أنتم يا أيها اليهود يا من تقول نحن على ملة إبراهيم؟ انتم كذباً، إياكم أن تدثروا بإبراهيم ويعقوب وتنتسبوا إليهم، هؤلاء أمة خلت خضعت لله فأثابهم الله: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

آه، هنا عودة إلى اليهود والنصارى سريعا قال سبحانه: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا. هذا كلام عن طائفتين، اليهود ماذا يقولون؟ كانوا يقولون للصحة في المدينة: ترى إذا بتكونوا يهود تهتدوا إلى ملة إبراهيم الصحيحة. والنصارى كانت تقول للعرب: ترى إذا بتصيروا نصارى مثلنا تهتدوا إلى ملة إبراهيم. الآن الكل يريد أن يتصل بإبراهيم، العرب كانوا يقولون نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون نحن على ملة إبراهيم، النصارى تقول أننا على ملة إبراهيم، لكن اليهود وقعوا في الشرك وادعاء الولد، والنصارى وقعوا أيضاً في في هذه الأمور، فهم كذب هم ليسوا على ملة إبراهيم، لكن عموماً هكذا كانوا يقولون العرب اليهود يقول كونوا هوداً تهتدوا والنصارى يقول للعرب كونوا نصارى تهتدوا إلى ملة إبراهيم. فالجواب لكلا الطائفتين: قل قل لهم يا محمد عليه الصلاة والسلام: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا. حنيفاً أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد وعن الضلال إلى الهدى. إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً، إبراهيم لم يرتكب شركيات ولا وثنيات ولم يدع الولد لله سبحانه، فنحن اتباع ملة إبراهيم وليس أنتم، أنتم محرف مبدل. قل بل ملة إبراهيم حنيفاً موحداً لله وما كان من المشركين مثلكم، فكيف تقولوا لنا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا؟ ولا يمكن أن نهتدي بملة إبراهيم ما دمنا نشرك، لأن إبراهيم ويعقوب وإسماعيل كلهم كانوا مسلمين لله للإله الواحد.

وزادهم الله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا. يعني هذه رسالة المسلمين لكل البشرية، أننا نؤمن بالوحي الإلهي الذي نزل على جميع الأنبياء، نحن لسنا انتقائيين، صحيح نحن نؤمن بكل الوحي الإلهي الذي نزل عبر تاريخ البشرية، وأخر حلقاته هو الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فنحن نؤمن برساله الله لكل البشرية: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. هذه إضافة ما كل ما نزل على الأنبياء نحن نؤمن به لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، لأنه من استسلامك لله أن تؤمن بجميع شرائع الله وجميع هدايات الله التي نزلت على تاريخ البشرية، فمن آمن بنبي وكفر بنبي فلم يخضع لله، فاليهود هكذا يفعلون، يؤمنون بمن شاؤوا ويكفرون بمن شاؤوا، وكذلك النصارى. أما ميزة أهل الإسلام الحق اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أنهم يؤمنون بجميع هدايات الله للبشرية ويصدقون بها، كل من عند ربنا، فإذاً شعارنا أيضاً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. شوف كيف وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، نحن لم أمثلها كما امتثل أبناء يعقوب في الصفحة السابقة لما قالوا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. لاحظ كيف تكررت هنا وهنا، نحن نسير على خطى الأنبياء وعلى خطى اتباع الأنبياء الصادقين.

فالله سبحانه وتعالى بعد ذلك يقول: هؤلاء اليهود والنصارى إن آمنوا بمثل ما آمنتم به. إذاً اليهود والنصارى آمنوا بنفس ما آمنتم به، آمنوا بجميع الشرائع ولم يفرقوا بين الرسل والرسالات وخضعوا لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد اهتدوا وسلكوا مسلككم يا أيها الصحابة، وإن تولوا ورفضوا الخضوع لمحمد صلى الله عليه وسلم وبقوا فقط يقولون نحن اتباع موسى أو عيسى، فانما هم في شقاق أي في منازعة ومناهضة للحق وليسوا ملتئمين، فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ. بالتالي لا تخافوا منهم، لا تقلقوا، هذه أعظم كلمة تعطينا الأمان والطمانينة أن مشاريع اليهود والصهيون والنصارى لن تتم، فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، بس بشرط أنه احنا نتمسك بهدينا وشريعتنا نحن، إذا تمسكنا بهدينا وشرائعنا وقلنا سمعنا وأطعنا فالله يكفينا اليهود والنصارى ومكرهم وخداعهم وَهُوَ السَّمِيعُ لِمَا يُخْفُونَ الْعَلِيمُ بِمَا يُدِيرُونَ سبحانه. سميع لمخططاتهم، عليم بأحوالهم، فالله كافيناه شرهم بس بشرط أنه نحن نتمسك. المشكلة فينا إخواني، المشكلة فينا نحن من لا نتمسك بشرائعنا، نحن من قصرنا في اتباع ملة إبراهيم، فتجد الواحد منا يأخذ من الشريعة ما يهوى ويترك من الشريعة ما لا يهوى، هي الانتقاية هي التي عم تضعف، وإلا لو أمنا بشرائع ربنا على ملة إبراهيم أسلمت لرب العالمين لما وصل بنا الحال إلى ما وصل إليه اليوم.

صِبْغَةَ اللَّهِ، ملة إبراهيم هذه صبغة إلهية، والصبغة يعني كأنها نوع من كيف يكون الصبغ؟ والله صبغت عقله بهذه الفكرة، صبغت قلبه وذهنه بهذا الشيء. ملة إبراهيم وشرائع الله وهدايات الله تعطيك صبغة خاصة وميزة خاصة وصفات خاصة لا توجد في المشركين والمنحرفين عن هدايات الله، فاعلم أن تأخذ صبغة الله، شريعة الله، هدايات الله، لأنها ستصبغ حياتك بصفة ولون وطبائع تختلف عن أي صبغة أرضية وثنية شركية وضعية. خذوا صبغة الله ودعوكم من صبغات البشر ومن أهواء البشر: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، بدك شيء تصبغ به حياتك وفكرك وعقلك كصبغة الله؟ لا يوجد: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ. ونحن له عابد، نحن خاضعون لله، فكأن الآية تقول: التزموا وتمسكوا بصبغة الله، فإنكم لن تجدوا صبغة ولن تجدوا منهجية ولن تجدوا طريقاً أقوم من طرائق من طريقه الله سبحانه وتعالى، من الصراط المستقيم اللي قلتم في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.

ثم يقول سبحانه وتعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام: قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِي اللَّهِ وَهْوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ. تناقشوننا في رب العالمين وتقولون لنا يا أيها اليهود والنصارى، مش قلنا اليهود والنصارى يقولون للعرب اتبعونا تهتدوا؟ انتم تناقشنا في الله وتظنون أنكم أعلم منا بالله وأعلم منا بمسالك الهدى بالله؟ قل أتحاجوننا في الله؟ يعني عم بتناقشونا في رب العالمين وعم بتقولوا اتبعونا نحن نهديكم لرب العالمين تهتدوا؟ قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ قَالَ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ، يعني الله هو رب الجميع، لكن نحن مشينا بطريقة صحيحة مع هذا الإله وأنتم مشيتم بطريقة خاطئة، فنحن لنا أعمالنا ولنا منهجنا اللي هو منطبق تماماً مع ملة إبراهيم، وأنتم لكم منهجكم وأعمالكم وطرائقكم، فنحن المخلصون لله وأنتم المشركون به. نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، لكن أنتم لستم مخلصين له، فلا تأتوا باللغة هذا تعلموا.

علينا أنكم أدرى منا بالله وأعرف منا بالله وأعرف منا في كيفية قبول الله وإلى الهدايات الإلهية، نحن أعرفكم لأننا نحن من تمسك بملة إبراهيم، نحن من وحدنا. أم قلتم لله ولد؟ أم ألقيتم كتاب الله وراء ظهوركم؟ أما أنتم فالله قص علينا تصرفاتكم وتاريخكم المشين.

طيب، أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى؟ يعني تزعمون أنهم كانوا على ملة اليهودية أو على ملة النصرانية التي أنتم عليها؟ قل أأنتم أعلم أم الله؟ الله عز وجل أخبرنا أن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً. نعم، نحن العرب أمة أمية لا نقرا ولا نكتب وليس لدينا اطلاع على التاريخ، لكن الله عز وجل أخبرنا أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب كل هؤلاء كانوا قبل اليهود والنصارى فليس لهم أي علاقة بهذه الديانات أصلاً، هذه كلها ديانات نشأت بعد موسى وعيسى وهي ديانات محرفة، فكيف تزعمون؟

كما قلت لكم، اليهود والنصارى كانوا يستغلون جهل العرب بالتاريخ وجهل العرب بالأنبياء السابقين وترتيبهم الزمني؛ لأنه كانوا يستغلون نقطة الجهل، ودائماً عفونا الإنسان المفسد إذا أراد أن يفسد في مجتمع كيف يفسد؟ يستغل جهلاء المجتمع. يعني اليوم العلمانيون والحداثيون وغيرهم كيف يفسدون شباب المسلمين؟ يستغلون جهل شباب المسلمين بإسلامهم وبتعاليم دينهم، والا لو الإنسان يعرف الإسلام حقاً لن تنطل عليه كل هذه المحاولات للتشويه والتلاعب بشرائع الله سبحانه وتعالى.

فكما قلت لكم، اليهود والنصارى كانوا يضحكون على العرب يستغلون قضية الجهل التي عندهم في ترويج قضية ترى إبراهيم كان يهودي أو كان نصراني، فالله عز وجل أخبر العرب ترى إبراهيم عليه السلام كان قبل اليهود والنصارى أصلاً تاريخاً زمنياً، فالله عز وجل يقول أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ.

قل أأنتم أعلم أم الله؟ من أدرى بحال إبراهيم؟ أأنتم أعلم من إبراهيم؟ عفواً، أأنتم أعلم بحال إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط أم الله أعلم؟ الله أخبرنا أنهم لم يكونوا يهوداً ولا نصارى، قال وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ. اليهود والنصارى هم كانوا يعرفون أنهم كذب، وكانوا يعرفون أن إبراهيم عليه السلام أصلاً تاريخاً كان قبلهم، فالله عز وجل أخبرهم بذلك وعلمهم بذلك، لكنهم كتموا هذه القضية وشوهوها وأخبروا العرب بالكذب، فيقول سبحانه وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ. أنتم عندكم شهادات من الله ومعلومات من الله جاءت على ألسنة الأنبياء تخبركم أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب كانوا قبل اليهود والنصارى، لماذا يا أيها اليهود، أيها النصارى، كتمتم هذه الحقيقه وشوهتموها وحاولتم أن تدلست على العرب استغلالاً لجهلهم؟ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. الله يعلم سبحانه وتعالى ماذا تفعلون وحيلكم الكبيرة.

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط هؤلاء أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ التزمت بمنهج الله خضعت لله، خلت انتهت وحقبة مضت، الآن أنتم جيل جديد لن ينفعكم مجرد الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام حتى تكون فعلاً على هذه الطريقة. تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ هذا جيل انتهى وأنتم جيل جديد وأمة جديدة وحقبة جديدة من حقب هذا التاريخ الإنساني، عليكم أن تلتزموا بشرائع الله وبها الله وبوحي الله هذا الذي ينفعكم. لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لا تزر وازرة وزر أخرى، كل إنسان مسؤول عن عمله وعن تصرفاته وعن الحقبة التي عاش فيها، نحن لسنا مسؤولين عما وقع في الماضي إيجاباً أو سلباً، والاجيال التي ستاتي بعدنا ليست مسؤولة عما سيقع إيجاباً أو سلباً، كل جيل هو مسؤول عن اختياراته عن تمسكه عن المنهج الذي يختاره، هناك أجيال اختارت أن تسلم لرب العالمين وهناك أجيال اختارت التمرد على الهدى والشرائع الإلهية.

تذكر يا أيها الإنسان، نرجع نقول إنك خليفة في الأرض لتتمسك بالهدايات والشرائع الإلهية، احذر من المسالك المنحرفة وأن تتلاعب وأن تقفز عن هذه الشرائع. انتهى الجزء الأول من سورة البقرة، سيُبدأ الجزء الثاني بأول تطبيق وتجربة عملية وقعت في المدينة لنختبر هل الصحابه تعلموا من درس سورة البقرة، هل تعلموا منهج سيدنا إبراهيم سمعنا وأطعنا؟ سيُبدأ الجزء الثاني مباشرة بقضية تحويل القبلة وكيف أحدثت هذه القضية خلينا نقول حالة من الانشقاقات داخل المجتمع المدني، ماذا قال اليهود، ماذا قال المنافقون، وماذا قال المشركون في جزيرة العرب، عفواً في مكة المكرمة، وماذا قال اتباع محمد صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً.

إلى هنا ننتهي من مجلس اليوم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.