طيب، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات عبر البث المباشر في هذا المجلس قبل الأخير، بإذن الله، من التعليق على كليات سورة البقرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم لكتابه، وأن يكشف لنا هدايات ورسالاته، وألا يحرمنا من بركة تدبر القرآن في رمضان وما بعد رمضان وإلى آخر الأنفاس في الحياة. قبل أن نبدأ، نتاكد من جودة الصوت؛ شوف يا شيخ عمر، إذا أحد الإخوة والاخوات الصوت... جيد يا رب الصوت جيد. ها، الصورة إيش مشكلتها؟ حتى ما مش قادر أجاوب.
طيب، حياكم الله أيها الكرام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. ما زلنا نعيش في ظلال هدايات سورة البقرة، هذه السورة العظيمة التي كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يجلسون سنوات في تلقي هدايتها ومعانيها وفهم رسالات الله عز وجل فيها. واليوم، بإذن الله، سنشرع في الجزء الثالث والمقطع الثالث، وهو المقطع الأخير يعني أو القسم الأخير من سورة البقرة.
في المجلس الماضي تكلمنا عن قصة طالوت وما فيها من الحكم، وعرفنا أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا أمراً، وهو أن الذي يثبت للنهايات هم القلة، وأن هداية الإنسان أو تمسك الإنسان بالهدى في مرحلة معينة لا تعني أنه سيستمر في التمسك بالهدى إلى آخر الطريق. فلا تغتر ببريق البدايات، وعليك دوماً أن تستعين بالله وأن تطلب منه الهدايه: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، هذا أعظم دعاء يحتاجه الإنسان في حياته؛ لأن كثيراً من الناس يظن أنه بمجرد أنه مسلم فقد حقق الهدى التام، وهذا من أكثر المفاهيم ابتعاداً عن الصواب ومغالطات في جانب الحقائق والمعارف.
أنت اهتديت إلىسلام، هذه بداية الهدى، لكن حتى وانت في داخل دائرة الإسلام أنت تحتاج إلى أن يهديك الله في كل المسار وفي كل القرارات وفي كل الاختيارات، وأن يثبتك الله سبحانه وتعالى إلى نهاية الطريق. بنو إسرائيل عرفنا في قصة طالوت كيف أن الله سبحانه وتعالى غربلهم ومحص، وامتاز الخبيث من الطيب فيهم، وأن الذين صمدوا إلى نهاية المعركة هم صفوة الصفوة. هذا الثبات يحتاج إلى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، يحتاج إلى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
الآن في مطلع الجزء الثالث يقول سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّن آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يفْعَلُ مَا يُرِيدُ.
الله سبحانه وتعالى أمر الصحابة بأن يجاهدوا ويقاتلوا في سبيل نشر الهدى والدفاع عن الحق في سورة البقرة في عدة مواطن: وَقَاتِلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، وهو سبحانه وتعالى يرسخ الأحكام الشرعية والهدايات الإلهية. كان ينبه الصحابة الكرام أن هناك من سيخالف في هذا الهدى، وبالتالي سيكون هناك مواجهه مع أهل الباطل. لذلك عندما أمرهم بتحويل القبلة ختم موضوع تحويل القبلة وماذا حصل من تداعيات، ختمه قال: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ. لماذا في نهايه الكلام عن تحويل القبلة؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ. قلنا هذا إرهاصات وإرشادات للصصحابة أنه هذا الهدى الذي أنتم عليه ستقاتلون عليه، وستقتلون عليه.
أي هدى نزل على البشرية كان هناك خصوم وأعداء له، لا يريدونه أن يكون في الأرض، وهناك محبون ومناصرون له. هذه سنة الله في هذا الكون، مدافعة الحق مع الباطل، فأهل الحق سيقاتلون أهل الباطل وسيصدقونك. بالتالي: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ. الله يجهد الصحابة وكل أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، أي إنسان يحمل هذا الهدى لابد وأن يواجه أهل الباطل ومنظومات الباطل قديماً وحديثاً، فعليكم أن تستعدوا للبلاء: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. هذا كان متى؟ بعد أن ذكرت موضوع تحويل القبلة.
ثم لما ذكر الله سبحانه وتعالى أحكام الصوم والحج تماماً، بعد أن أنهى أحكام الحج، أعاد الدرس مرة أخرى على الصحابة، قال لهم أولاً: احذروا أن تكونوا نموذج بني إسرائيل؛ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة، ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب. تكلم أن بني إسرائيل أعطوا الهدى فتنكبوا عنه، أنتم عليكم أن تتمسكوا بهذا الهدى واحذروا أن تبدلوه أو تتلاعبوا به.
ثم ختم المشهد بماذا؟ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا. هذه مني حتى تفهم السياق: الناس اختلفت منذ فجر البشرية، والناس تختلف مواقفها من استقبال هدى الله، فينقسم الناس إلى مؤمن وكافر. سيدنا نوح، انقسم الناس معه إلى مؤمن وكافر، سيدنا هود، سيدنا صالح، سيدنا موسى، سيدنا عيسى، البشر يختلفون في تلقي الهدى الإلهي عبر تاريخهم. طيب: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ. أهل الإيمان هداهم الله.
ثم مباشرة يقول الله للصحابه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ. هذا الموطن الثاني في سورة البقرة الذي بعد أن يتكلم عن ضرورة التمسك بالهدى يخبر مباشرة أن هناك إيش؟ قتال على هذا الهدى، وهذه قضية يجب أن تفهمها الأجيال؛ أن الصراع بين الحق والباطل هذا صراع كتبه الله على البشرية منذ بعثة الرسل وإلى قيام الساعة، سيكون هناك صدام بين أهل الحق وأهل الباطل. ولا تدخل الجنة، قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، تظن ح تدخل الجنه بدون أن تحمل هذا الدين وهذا الهدى وتثبت عليه وتعض عليه بالنواجذ وتقاتل من أجله؟ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، وهذه علقنا عليها سابقاً صحيح.
الآن هذا الموطن آخر من المواطن ما نحن فيه الآن، أنا لماذا استقرت هذا الاستقراء؟ حتى نحاول نربط بين أجزاء هذا الجسد اللي هي سورة البقرة، كيف أنها عندما تطرح الهدايات تبين أن هناك قتال على هذه الهدايات، وأن هناك مصارعة مع أهل الباطل. فهنا سبحانه وتعالى في مطلع الجزء الثالث يقول: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. ما أشعر به في الآية إذا أردنا أن نكملها: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم. أحياناً الإنسان بده يفهم لماذا ذكر الله موضوع الاقتتال؟ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ.
لماذا يقتتل الناس بعد بعثة الرسل؟ فكان هناك سؤال يدور الآن في أذهان الصحابة وفي أذهان الجميع، وهي أحد الاستشكالات التي تطرح اليوم في الدوائر الفكرية: هو لماذا يكون هناك جهاد وقتال على الهدى؟ لماذا هناك دائماً صراع بين الحق والباطل؟ لماذا مثلاً لم يجعل الله كل أهل الأرض مؤمنين وخلصنا؟ ليش في يهود ونصارى ومسلمين ولابد في اقتتال ومدافعة ودماء وتضحيات وبذل؟ هذا من الأسئلة التي تأتي إلى أذان بعض الناس.
فالله سبحانه وتعالى يريد أن يخبر الصحابة الكرام وهو أول من خطبوا بهذا الكتاب، ويخبرنا نحن الأجيال القادمة، أن الله سبحانه وتعالى يعني الاقتتال بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هو ليس بدعاً من الأمر، بل هذا الاقتتال واقع حتى مع الانبياء السابقين، مع اتباعهم، مع الذين خالفوا هؤلاء الأنبياء، لأنه قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم. كان الله يريد أن يقول لك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مقاتلتكم عن هذا الهدى ومدافعاتكم لأعدائه ليست أول مرة تحصل في تاريخ البشرية، بل هي العادة المتكررة؛ ما أرسل الله رسولاً وهذا الرسول يكون مؤيد بالبينات والمعجزات والادله الواضحات إلا واختلف مواقف الناس تجاه هذا الرسول وتجاه هذه البينات، ومنهم من آمن ومنهم من كفر، والمؤمنون سيصطدمون بالكافرين ويحصل هناك اقتتال.
طيب لماذا كل هذا يا الله؟ شوف ختام الآية المهيب: وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ. هذا أمر الله، يعني ليس لك يا أيها الانسان أن تعترض على أقدار الله؛ لماذا قدر الله أن يكون في هذا الكون مؤمن وكافر؟ مش بعض الناس بقول لك لماذا مش كل الناس مؤمنين؟ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ. قبل أن ندخل في باب العلل ومحاوله فهم حكمة الله، عليك أن تسلم لأمر الله؛ أراد الله هذا أن يكون ديدن العالم، فنقول سمعنا وأطعنا، سواء بلغت عقولنا فهم طبيعة هذه الأقدار أو ضعفت عقولنا عن فهم طبيعة هذه الأقدار، سمعنا وأطعنا يا رب.
وهذه من تربية الإنسان نفسه على منهج التسليم لله سبحانه وتعالى في أحكامه الشرعية وفي أحكامه القدرية، ثم بعد ذلك قد تتجلى بعض العلل والتفسيرات لماذا الله سبحانه وتعالى قدر وجود الكفار ومصارعة المؤمنين له؛ في سور أخرى قال: لِيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ، ليظهر معنى اسم الله المنتقم الجبار في مقابل ذلك معنى اسم الله الرؤوف الرحيم، لتظهر معاني أسماء الله الحسنى. هذا باب كبير يدرس في موطنه، لكن هنا سورة البقرة ركزت على التسليم لأمر الله.
طيب، لاحظوا كيف تم عرض الموضوع يقول الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة: الحق الذي انتم تقاتلون عليه لا تعوزه الأدلة صحيح، لا تعوزه البراهين والمعجزات؛ تِلْكَ الرُّسُلُ التي أرسلنا عبر تاريخ البشرية فضلنا بعضهم على بعض فيما أتيناهم من المعجزات والادله الباهرات. الله عز وجل هل جعل جميع الرسل على درجة واحدة في المعجزات اللي اعطاهم إياها؟ لا، المعجزات متفاوتة، فهناك من كانت معجزاته أكثر من معجزات غيره.
لكن نتفق أن هناك قدر مشترك بين جميع الرسل، وهو أن جميع معجزاتهم مبهرة، جميع معجزات الرسل مفحمة، جميعها تظهر الحق وضوحاً جلياً، لكن مع ذلك كان من حكمه الله أن فضل بين الرسل فيما أعطاهم من المعجزات ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم هذا يقول: ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وكان الذي أوتيتُه وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة.
النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخبر أنه هو عليه الصلاة والسلام كان أكثر الأنبياء معجزات وأكثر الأنبياء إتيان بالآيات الباهرات التي تجعل الإسلام واضحاً لا غبار عليه. لأنه هنا أحياناً ممكن البعض يتسلل إليه فكرة: هل الإسلام تعوزه الأدلة المقنعة؟ يعني هل الكفار الذين رفضوا الأخذ بهذا الهدى، ماذا كانت مشكلتهم؟ مشكلتهم أن الإسلام يفتقر للأدلة المبهرة القاطعة والدلائل التي تبين صحته، هل هذا سبب كفر الكفار؟ لا، الإسلام أدلة باهرة قاطعة، والمعجزات التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم هي مئات المعجزات، ولكنه أعطي معجزه لم يعطها سائر الأنبياء السابقين، وهي أن معجزته عليه الصلاة والسلام كانت هو نفس القرآن الذي هدى به الناس.
يعني سيدنا موسى عليه السلام التوراه لم تكن معجزة له، كانت معجزته العصا اليد معجزات أخرى والتوراه كانت هي فقط كتاب هدايه، نفس الشيء سيدنا عيسى عليه السلام الانجيل لم تكن معجزة له كان ماذا؟ هدايه من الله ومعجزته كانت في إبراء الأكمه والابرص وأنبيكم بما في بيوتكم إلى غير ذلك. لا، النبي صلى الله عليه وسلم يختلف تماماً؛ معجزته هي نفس وحيه، هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو ليس فقط مجرد هدايات وإرشادات من الله، لا لا، هو هو نفسه معجزة، معجزة في نظمه، معجزة في تشريعاته على جوانب كثيرة، لكن أساس معجزته في إيش؟ في بيانه وبلاغته وفصاحته، جاءت معجزه خارجه عن طوق البشر.
طبعاً احنا دائماً نقول الناس، الناس في وقتنا المعاصر هي تؤمن أن القرآن معجزة من حيث البلاغه والبيان صح، بس مش فاهمه ليش، يعني لو سالتك أنت مؤمن أن القرآن معجزة في بيانه صح بس أنت عارف ليه؟ لا ليه؟ لأنك ضعيف اللغة العربية. الناس اليوم لا يعرفون أساسيات البلاغة العربية ولم يدرسوها، بخلاف الصحابة الأوائل والجيل الأول؛ الجيل الأول من العرب هو على تمام الدرااية بأسايب اللغة، فهو على تمام الفهم لماذا هذه الآيات معجزة في بيانها. أما أكثر الناس اليوم خليني أقول هي مؤمنة أن القرآن معجز في بيانه بس هي مش فاهمه ليش، وهذا يكفيهم يعني وفي النهاية هذا يكفيهم، ولكن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا تبصراً في اللغة العربية لنفهم سر الإعجاز.
مش موضوعنا هذا، لكن ما أريد أن أقوله أن الله سبحانه وتعالى يخبر أنه فضل أو فاضل بين الرسل في مقدار المعجزات التي منحها إياهم، حتى إن بعضهم وصل إلى درجة أنه كلمه الله، قال: مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ، يعني بعضهم بلغ في الرتبة والرفعة أن الله يكلمه مباشرة، إيش تريد أعظم من ذلك؟ وهذا خلاف المعتاد حتى في مختلف الرسل، أن الرسل في العادة لا يكلمون الله مباشرة، وإنما يأتيهم وحي عن طريق ملك، لكن هناك.
عدد محدود من الرسل من عظم كرامتهم عند الله وصل بهم الحال أن الله كلمهم مباشرة، مين هم؟ سيدنا موسى عليه السلام ومين أيضاً؟ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج كلمه الله، وذكر بعضهم أيضاً آدم عليه السلام؛ لأنه بعض الناس يظن أن تكليم الله للرسول مباشرة هذا فقط من خصائص موسى، لا هذا خطأ، الله عز وجل كلم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مباشرة، كلم أيضاً سيدنا موسى عليه السلام، وقيل أيضاً وروي أنه كلم آدم عليه السلام.
طيب، فقال منهم من كلم الله، يعني حتى وهذا نوع من أنواع كأنه يقول لك: حتى تعرف حجم التفاضل، وصل الحال ببعض الرسل من شدة فضلهم عند الله أن الله يكلمهم مباشرة، وهل تريد تفضيلاً أعظم من هذا؟ ثم قال ورفع بعضهم درجات، هنا البعض قال: أليس هذا تكرار؟ يعني هو قال في البداية: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، ثم قال: ورفع بعضهم درجات، ما الفرق بين ورفع بعضهم درجات وبين تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض؟ أليس هذا هو هذا؟
قال كثير من المفسرين ورفع بعضهم درجات، قالوا: هذه كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم، وأن المراد بالبعض هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، يريد الله أن يبين تفوقه حتى على جنس الرسل والأنبياء وأنه أعلاهم مرتبة. طب لماذا لم يصرح باسمه؟ يعني ما دامت الإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هنا يعني كأنه قال ورفعت محمدا صلى الله عليه وسلم درجات، درجات في زيادة على الأنبياء، درجات في حجم المعجزات الباهرات، درجات في جوانب عديدة، لكن لماذا لم يصرح باسمه؟ قيل أن هذا تعليم من الله الأدب لنا أنه لا هو سبحانه يفضل ما شاء على من شاء، وأما أنتم فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث لا تفاضل بين الأنبياء، صحيح، ليس لنا أن نبقى نقول محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من نوح أو محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من عيسى، وإن كنا نعلم داخلياً ذلك أنه أفضل الرسل، لكن ليس لنا أن نخوض في هذه الأمور.
لماذا؟ حتى لا يدخل في أنفسنا الازدراء بمكانة نبي من الأنبياء، وهذا الخطاب كان مهم للصحابة في الفترة الأولى أنه كانوا يواجهون اليهود ويواجهون عيسى عفواً ويواجهون النصارى، فكان الله يريد منهم أن لا يدخلوا في قضية التفضيل حتى لا يصبح هناك شجار، يلا مين أفضل نبي؟ يأتي الصحابة يقولون محمد عليه الصلاة والسلام، يأتي النصارى لا عيسى، يأتي اليهود لا موسى، فيبدأ كأن الأنبياء يصبح الموضوع في أمرهم ايش هو؟ نوع من التنافس والاقتتال، لا موسى ولا عيسى، لا لا الأنبياء يكمل بعضهم بعضاً وكلهم على درجة عالية من الفضل واختيار الله لهم، وإن كان فضل الله نبينا عليه الصلاة والسلام عليهم فهو سيد ولد آدم وسيد الأنبياء، لكن ليس لنا نحن أن نقتحم هذه الابواب ونشغل أنفسنا وفي النقاشات الدينية نشغل الناس بها، فكانه يعلمنا الأدب، قال: ورفع بعضهم درجات، وأنتم عارفين من هم البعض؟ وأنتم تعرفون ماذا أقصد بالبعض؟ أقصد محمداً صلى الله عليه وسلم، لكن لا لا لا يكون هذا الموضوع هو محور النقاش وموضع الحوار مع الأديان.
طيب ورفع بعضهم درجات، إذا هذا إذا صح كلام أكثر المفسرين بيان لارتفاع مرتبة محمد صلى الله عليه وسلم في المعجزات والأدلة وتأييد الله له إلى غير ذلك من هذه القضايا، ثم عاد فذكر عيسى، لأنه ذكر عيسى في هذا السياق مهم، لماذا؟ لأنه لما قال منهم من كلم الله هذه فيها إشارة لموسى عليه السلام، على صعيد ورفع بعضهم درجات إشارة لمين؟ لمحمد عليه الصلاة والسلام، فلا حتى لا يظن أن عيسى ليس في مرتبة المنافسة كان لابد من ذكر عيسى، وأيضاً يعني كأنه يقول وأيضاً لا تنسوا عيسى.
وهذا مهم أيضاً، لأن الديانات التي نحن سنواجهها إلى قيام الساعة من أصحابها أما قوم ينتسبون إلى عيسى وهم النصارى، وأما قوم ينتسبون إلى موسى وهم اليهود، وأما نحن وهو أهل الإسلام، فكان لابد من ذكر عيسى حتى لا يظن أن عيسى قلت مرتبته لذلك لم يتم الإشارة إليه في السياق، لما قال منهم من كلم الله اليهود سيسرون أن هذا فيها إشارة لمين مثلاً؟ لموسى، ورفع بعضهم درجات نحن سنسر أن فيها إشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فلعل يدخل في ذهن النصارى شيء فيعتقدون أن الإسلام يقلل من شأن عيسى، فلم يتم ذكره فقال لا وبرضه عيسى، عيسى لا يقل يعني ليس من آخر يعني من خلينا نقول من الدرجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، بل هو من مقدمي الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم، لذلك قال برضه وعيسى بن مريم آتيناه البينات ومعجزات باهرات واضحات.
طيب إذا الأنبياء جميعاً لم تكن تعوزهم البينات، ولم يكن شخص منهم دعوة غامضة، بل كلهم أتوا بأشياء مبهرة مقنعة وحجج دامغة، لكن مع ذلك أقوامهم اختلفوا من بعدهم، فهناك من آمن وهناك من كفر، وكان عادة ما يحصل صدام واقتتال بين المؤمنين والكفار، فلا تحزنوا يا أيها الصحابة ولا يقع في ذهنكم لماذا أمرتكم بقتال كفار قريش، ولماذا أمرتكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقتال الكافرين؟ هذا هو الوضع الطبيعي في تاريخ البشرية، وهذا يجعل الإنسان يفهم الكون كيف يمشي، قال سبحانه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ. لو شاء الله أن لا يقتتل أهل الحق مع أهل الباطل لما حصل اقتتال، أليس كذلك؟ قال: ولكن.
طبعا أنت كنت تترقب أن تكون الآية ايش؟ ولكن اقتتلوا صح؟ ال شوف ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، لكن ماذا حصل؟ ولكن اقتتلوا، بس الآية ما قالت ولكن اقتتلوا، قالت ولكن ايش؟ ولكن اختلفوا، لماذا تغير السياق؟ قال العلماء: الخلاف هو سبب الاقتتال، ولماذا الناس تقتتل؟ سبب الخلاف، فهو لما قال ولو شاء الله ما اقتتلوا قالوا هذه نتيجة، ثم قال ولكن اختلفوا هذا هو السبب، الاقتتال سببه وقوع الخلاف بين البشر، فلما ذكر النتيجة ولو شاء الله لم يحصل اقتتال ضمنياً ولكن حصل اقتتال، لماذا حصل الاقتتال؟ بسبب الاختلاف على الهدى ما بين مؤمن وكافر، شوف جمالية القرآن يذكر النتيجة والسبب، ولكن اختلفوا في استقبال هذا الهدى، فمنهم من آمن به بهذا الهدى، فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
ثم عاد ليؤكد أن كل ما يحصل من صراع بين الحق والباطل بمشيئته، إياك أن تظل لحظة واحدة أنه ما يحصل في هذا الكون خارج عن مشيئة الله، فعاد فكرر الدرس فقال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، إذا هو قبل شوي قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم، بعدين رجع قال في ختام الآية: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، لأنه يريد أن يوطئ ويؤكد على ضرورة الاستسلام لحكم الله القدري، ولكن الله يفعل ما يريد.
طيب إذا الله يفعل ما يريد، أنا كمسلم ايش المطلوب مني؟ سمعنا وأطعنا، خلاص إن شاء الله أن الناس تختلف إلى مؤمن وكافر وأننا وأننا سنقاتل الكفار على هذا الدين، بالتالي سمعنا وأطعنا يا رب لن نناقش لماذا أوجدت الكفار وخلقته وجعلتهم يصارعونه، سنسلم لحكمك، وبالتالي هنا يبدا الإنسان يشتغل بماذا؟ بالمقاومة والمجالدة للكافرين وليس بالاعتراض على رب العالمين.
ممتاز، إذا هذا تأكيد مرة أخرى على أن الهدى الذي معكم يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ستقاتلون عليه وهذه سنة الله، ثم قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم. قال العلماء: لما أسس في الآية السابقة أن هناك اقتتال وجهاد ورباط، أساس الجهاد والرباط والمقارعة يحتاج إلى ايش؟ إلى مال، هل هناك قتال وجهاد ودفاع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدون وجود مال؟ لذلك الله عز وجل دائماً في القرآن قال لما كان يتكلم: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ، قبل النفس بقول لك المال، أي مشروع حضاري، أي مشروع إصلاحي، أي مدافعة تحتاج إلى المال، المال هو عصب الدفاع عن الإسلام، هو مادة الدفاع عن الإسلام، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً لما بده يجهز غزوة يأمر الصحابة أن ينفقوا، مين يجهز جيش العسرة وله الجنة؟ سيدنا عثمان يضع كل ماله وكل تجارته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.
لماذا؟ هل كان بامكاننا أن نذهب إلى جيش العسرة ونقاتل في تبوك بدون وجود صحابه أصحاب ثروات وأموال يدعمون هذه الحركة في الجهاد؟ فدائماً وأظن أننا اليوم في الساحة الإسلامية مغيبون عن كثير من هذه القضايا، يعني بعض الناس يظن أن الجهاد فقط هو بالنفس، وحقيقة قبل الجهاد بالنفس أنا أعتقد أن الجهاد بالنفس هو آخر مرحلة، لكن نحن نحتاج إلى أرضية مالية خصبة، أرضية مالية اقتصادية، أرضية مالية من مشاريع علمية وفكرية وإصلاحية وتنموية، لأنه هذه هي التي تثبت دعائم الإسلام، فلما نقول أنفقوا لما الله يستنهض لدفع المال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم، هذا الإنفاق إخواني هو ليس فقط الزكاة بل هو أن يبذل المسلم ماله ويعرف أن هناك حق في ماله يجب أن يدفعه من أجل نصرة دين الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية ترتبط بلا شك بما ورد قبل قصة طالوت: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.
الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تخصص جزءاً من مالك لدعم الإسلام، لدعم الدعوة إلى الله، لدعم المشروع الإصلاحي والمشروع الحضاري للإسلام والمسلمين، دعم المشاريع العلمية، دعم المشاريع الإصلاحية، لأن هذا كله من الجهاد، الجهاد ليس فقط بالبدن وهذا جزء عظيم طبعا بس هناك امور كثيرة وأرضيات يجب أن تجهز، ما من الذي سيقاتل بالبدن إلا شباب من الصالحين أمثالكم ممن تربوا في مراكز التحفيظ هم الذين سيدافعون عن الأمة وعن شرفها وعن عزها. طب إعداد شباب التحفيظ والعلميين والمفكرين والمصلحين والمدارس والجامعات، طب مش هذا بده مال؟ فلذلك أنا أظن أن هناك قصور اليوم عند كثير من الملتزمين والمحافظين في فهم دور المال ودور البذل المالي في إقامة الأمة واستنهاضها، لا تقول لي أنا بس فقط يا شيخ زكاة المال وأكثر من هيك لا تطالبني، ما مش حينفع، أنا واياك مسؤولين، كل من آتاه الله مالاً هو مسؤول على قدر استطاعته أن يبذل ماله في مشاريع الإصلاح والخير وصناعة الجيل والشباب والأمة.
الله يستنهض لدفع أموالكم في أجل مشروع الاقتتال أنه شوف هو قال سيحصل اقتتال، لما ذكر الاقتتال قال بدكم تدفعوا أموالكم، لأن هذا الاقتتال يعني تمام، الله تأكد أخي بس تأكد سريعاً يا رب يعمل.
طيب، الله سبحانه وتعالى استنهض أموالنا، ثم قال: مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ. كأن الله يقول لنا: ادفعوا أموالكم اليوم واستثمروها استثماراً ناجحاً لذلك اليوم المهيب ليوم القيامة، أعظم استثمار تستثمر به مالك ليس هو في تجارات الدنيا، أعظم استثمار تستثمر به مالك في تجارات الآخرة، فلذلك قال: من قبل أن يأتي يوم اللي هو يوم القيامة، ذاك اليوم لا بيع فيه، مش يعني مش راح تقدر يوم القيامة تيجي تبيع وتشتري عشان تدخل الجنة، الصفقات يوم القيامة ليست بالأموال، لا بيع فيه ولا خلة، لن يكون هناك أصدقاء يشاركونك ويقفون معك ويدعمونك من أجل دخول الجنة، وإنما الذي سيدعم أعمالك الصالحة، قال: ولا شفاعة، يوم القيامة ما في واسطات بالمعنى العربي اليوم، ما في واسطة، تمام.
بعد أن يرضى الله عنك ويتقبلك يمكن أن يأذن نعم لبعض الصالحين والأنبياء أن يشفعوا فيك، لكن انك ابتداء تكون معول أنه أنا رح يجيني يوم القيامة فلان يشفع لي وتتفق مع شخص في الدنيا أنه يوم القيامة فلان تشفع لي، لا الأمور في الدنيا ليس في الآخرة ليست كما هي الحال في الدنيا.
طب ما الذي سيعين يوم القيامة ما دام يوم القيامة الأمور ليست بالدينار والدرهم بالبيع والشراء وليست بالخلة ولا بالشفاعة؟ ما الذي سينجيني؟ استثماراتك الدنيوية من أجل المصالح الأخروية أن تبذل مالك الآن من أجل جنة عرضها السماوات والأرض، من أجل جنة عرضها السماوات والأرض ابذل الآن وأنفق، ولذلك المال الذي تنفقه من أجل مشاريع الإصلاح هو المال الذي يبقى، والمال الذي تبذله لرغباتك وشهواتك وملذاتك جزاك الله خيراً لكن هذا سيزول ولن يبقى أثره، ما سيبقى هو ما بذل لله سبحانه وتعالى.
ثم قال: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ. تمام هنا يعني ختام والكافرون هم الظالمون، الحقيقة يستشكل المفسرون يعني ويكون هناك نقاشات كثيرة، لكن ما أعر به دعني أقول هنا أن هذه الآية مرتبطه بالايه السابقة لما فقال إن هناك اقتتال مع الكافرين ولو شاء الله ما اقتتل، لكن فما يريد وذكر ضرورة أن المؤمنين يدفعون المال من أجل هذه المدافعة بين الحق والباطل، ذكر أن الكافرين هم الظالمون لذلك استحقوا القتال استحقوا هذه المدافعة، هم ظلموا أنفسهم ويظلمون الشعوب والأجيال عندما يحرمون الناس من الهدى، فهم ظلموا أنفسهم وظلموا الأمم والمجتمعات والبشرية، فلذلك أردتم أن تقاتلوهم وأن تبذلوا المال في مواجهتهم، والكافرون هم الظالمون، أنتم مش ظالمين لما قاتلتم، أنتم مش ظالمين لما تبذل المال لمجاهدتهم ومقارعتهم، لا بد أن نكون مسالمين مع الناس جميعاً وفرض حالة السلام الشامل والعام وأنه تكون كل الديانات أحباب وأصحاب، اخي الله يقول لك ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعده.
وسيحصل قتال. أنت بدك تخالف إرادة رب العالمين، ولكن الله يفعل ما يريد. الله سبحانه أراد أن تكون الدنيا تقوم على الصراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل، حتى هو نفسه عدوك ما راح يسكت، يعني هو حتى العدو هو أصلاً يعني الغرب والصهيونية العالمية وأمريكا وأذنابها هم 24 ساعة يبذلون أموالهم ويضخون ثرواتهم من أجل محاربة الإسلام، فأنت تقعد تجلس تعمل نفسك البريء المسالم اللي لا احنا ما بدنا مشاكل واحنا بدنا نكون إذا عدوك يبذل ماله ليصدوا عن سبيل الله والله يقول فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، أنت كمؤمن لماذا لا تدفع المال في الجهة المقابلة لتبذل في سبيل الله؟ إذا هناك مشاريع اليوم تقوم على بذل المال ليصدوا عن سبيل الله، أين نحن من بذل المال من أجل نصرة دين الله سبحانه وتعالى؟
فالكافرون إذاً هم الظالمون، وبالتالي استحقوا هذه المدافعة وهذه المقاتلة. انتهى الآن هذا المقطع، جاء المقطع الآخر الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يبين فيه أنه قامت الأدلة الواضحة البينة على استحقاقه للألوهية، وأن دين الإسلام لا تعوزه الأدلة والبراهين كما قلنا قبل قليل، وأن الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وجلاله هو الذي يستحق أن يعبد دون من سواه، فتأتي أعظم أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ أي نعاس وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ هيمنة يعلم مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ علم وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ضعف وعجز فينا وَسِعَ كُرْسِيُّ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ ۖ عظمة وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ قدرة وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
تعرف الله علينا إلينا، تعرف الله إلينا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ليخبرك أنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة من امتلك هذه الصفات العلى وهذه الجلالات وهذه الكمالات، هو الذي يستحق أن تقف في صفه وفي جنبه وأن لا تقف مع الصف المعادي له الذين يحادون الله ورسوله، فتأتي هذه الآيات هنا تدفع الإنسان ليععرف أنا أقاتل لصالح من؟ أنا أصطف في صالح من؟ أنا أصطف في صالح اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. طبعاً الله عز وجل هو ليس محتاجاً إلينا، فلذلك هو يأامرنا أن نقاتل من أجله، وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، يعني هذه المجاهدة والمقاتلة لصالحنا، وهو سبحانه يهلك الكافرين بكن فيكون، يعني الأمر ليس لا يعجزه شيء، لكنه يريد أن يرى اصطفافات في الحياة، يريد أن يرى مع أي طائفتين ستكون؟ مع المؤمنين ولا مع الكافرين؟
فأتى لك الآن بما يجعلك متيقناً من اختيارك ومن قرارك في أنك اخترت صف الله سبحانه، فأراد أن يقول لك هو الله، من هو الله الذي أنت قررت أن تكون في صفه؟ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إلى آخر الآية العظيمة، وهذه الآية تحتاج لمجلس كامل، لكن أنا هنا فقط للكليات وليس للتفاصيل. فإذاً الله سبحانه وتعالى أراد أن يخبر أنه بجلاله لا تعوز الأدلة الدالة على وحدانيته، اليس كذلك؟ هل هناك غموض في أمر الله؟ هل هناك قضايا غير مفهومة في قضية من هو الرب والإله؟ حقيقة لا يوجد شيء من ذلك.
أسماؤه تدل عليه، أفعاله تدل عليه، إتقانه يدل عليه، خلقه يدل عليه، علمه يدل عليه، إذاً لا يوجد أي غموض فيما يتعلق بمسألة لا إله إلا الله، أن الوحدانية لله وحده هذه مسألة ما فيها غموض، لذلك ماذا قال في الآية التي بعدها؟ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. هس احنا عاده بنفهم لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ أنه إيه أنه نحن كنظام إسلامي لا نجبر اليهود والنصارى الذين يعيشون معنا على اعتناق الإسلام، يدفع الجزية وخلص نحميه، وهذا مفهوم صحيح، وهذا مفهوم صحيح، لكن أحياناً تاخذني الآية إلى أبعاد أخرى، كأنه يقول لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ أن مسائل الدين أنت لا تحتاج أن تغصب نفسك غصباً حتى تؤمن بها مع أنها مش مقنعه، يعني أحياناً لو تنظر في الديانة النصرانية كثير من معتقداتهم هم مضطرين يؤمنوا بها بس هم مش مقتنعين.
قضية أنه الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، بتعرفوا النصارى يقولون ثالث ثلاثة أنه في ثلاث آلهةوبتجمع في إله واحد، فلذلك أوغسطين أحد كبار الكهنوت النصارى يقول هذه قضية الثلاثة واحد من أسرار الديانة النصرانية التي لا نبوح بها لأتباعنا، ليش لا يبوحون بها لأتباعهم؟ لأنه ما حداش فاهم شو هي، هم نفسهم مش فاهمين، نفس سقفة النصارى هم مش فاهمين كيف ثلاث آلهة بتصير إله واحد، بعدين بتنقسم لثلاث؟ طب يعني كيف يتصور هذا؟ ما هو الإله يعني هو هم ثلاث آلهة ولا واحد؟ طب إذا ثلاث آلهة كيف الإله يتجزأ؟ كيف الإله ينقسم إلى روح قدس وابن وأب؟ بعدين كيف اجتمعوا مع بعض؟ يعني كيف يحصل اجتماع في اللاهوت والناسوت وأن الثلاثة بتجتمع في جسد عيسى في البشر، وبعدين تطلع وتجتمع في الإله في عالم الملكوت؟ أشياء باختصار غير مقنعة، بس النصارى غاصبين حالهم أنهم إيه غاصبين أنفسهم، يكرهون أنفسهم إكراهاً أنه خلص بدنا نأمن هاي الفكرة.
سؤال: هل يوجد في الإسلام فكرة واحدة في العقيدة تجد نفسك مغصوب انك تؤمن بها مع أنها غير مقنعة؟ في انت هيك أي شيء في الإيمان بالملائكة، بالنبيين، بالقضاء والقدر، في فكرة إسلامية مش مفهومة ونحن بنغصب أنفسنا أننا نؤمن فيها؟ لا. إذا لاحظ جمالية لَا إِكْرَاهَ فِي التَّدَيْنِ، يعني في دين الإسلام لا يوجد إكراه، يعني لا يوجد مسائل غامضة، لا يوجد شيء أنت تغصب نفسك عليه. هل في هناك شيء من أمر الله، من صفات الله عز وجل تعرف إلينا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إلى آخر الآية، هل شعرت أنه في شيء مش مفهوم في أمر الإله، بخلاف الديانة اليهودية والنصرانية في كير أشياء مش مفهومة؟ لكن دين الإسلام دين الطمأنينة، دين الراحة.
بالتالي وأنت تدافع عن الهدى الإسلامي، وأنت تصطف أو أنت تقف في جانبه، أنت في كمال شعورك بالارتياح لقرارك، لأنه كل شيء واضح بين. عندي وعند أهل البدع من المسلمين؟ نعم، أهل البدع من المسلمين أصحاب الفرق المنحرفه هم الذين عقدوا علينا ديننا، بتيجي على المعتزلة، بتيجي على الفرق الضالة، هم الذين يشوهون الدين، وإلا الدين بفطرته التي عرضها القرآن لا توجد أي مسألة أنت تكره وتغصب نفسك على أنك تؤمن بها، لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.
طيب ايش اللي بؤكد يا شيخ فهمك له الآية بهذه الطريقة؟ طب هو مش فاهم بعض العلماء أن الله ماذا قال بعد ذلك؟ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. لماذا لا يوجد مسألة أنت تكره نفسك على الإيمان بها مع أنها مش مقنعة؟ لماذا لا يوجد هذا؟ لأنه الله بين الرشد بياناً شافياً كاملاً، وفصل بينه وبين الغي والضلال، فأنت لا تحتاج أن تكره نفسك على شيء، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ، كل شيء واضح، ما فيش عنا غموض، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.
طب بالتالي ما المطلوب مني؟ قال: فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ. إذاً أنت كما قال بعض المفسرين، إذا أنت تمسكت بدلائل الإسلام الواضحة البينة، فانت تمسكت بعروة قوية لا تنقطع، بخلاف الذين يبنون دينهم على الظنون والتخمينات والأهواء، هؤلاء مش مستمسكين بعروة وثقى. لماذا؟ من كفر بالطاغوت وآمن بالله بناء على دلائل الإسلام هو متمسك بعروة وثقى، بخلاف الذين يؤمنون بالنصرانية أو اليهودية أو البوذية هو مش مستمسك بالعروة الوثقى. العروة الوثقى في ذهننا تدل على ماذا؟ على شيء قوي صح، لقول العروة بتعرف عروة الباب أو عروة الحبل لما تكون عروة وثقى شو ما شديتها أنت ما بتخاف أنها تنقطع، فكانه يقول لك دلائل الإسلام قوية، أدلة الإسلام وحقائق الإسلام قوية، فأنت لما أنت متمسك بها أنت مش خايف أن تسقط، مش خايف ما عندك شكوك أو أوهام أو احتمالية أنه تطلع دلائل الإسلام ضعيفة وأتورط، بخلاف أصحاب الديانات المنحرفة والبدع المهترئة، هل هم مستمسكون بأدلة متينة هم واثقين منها، أم هم مستمسكون بعروة هزيلة؟ هم مستمسكون بعروة هزيلة.
من تمسك بالقرآن وبأدلة الإسلام فقد تمسك بحبل متين وعروة لا يخشى أن تنقطع، بخلاف من تمسك بأهواء البشر والأنظمه الأرضية والأفكار الوضعية والتخمينات البشرية، هذا وإن ظن نفسه أنه متمسك بشيء، لكنه متمسك بحبل مهترئ سرعان ما ينقطع فيسقط، ولذلك أهل الإسلام في العادة لا يرتدون صحيح، بخلاف الكفار اليهود والنصارى هم الذين يأتون إلى الإسلام، وكل شخص طب لا يا شيخ أنا شفت واحد على اليوتيوب مسلم وكفر، هذا ما كان مستمسك بالعروة الوثقى، هذا كان يعني مسلم لكن بالتقليد وليس عن فهم، مسلم بشكليات وليس عن واقع، فسرعان ما اهتز وانقلب، لكن اتحداك تجد إنسان مسلم فهم الكتاب والسنة وفهم دلائل الإسلام وعرف الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق محمد صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن وبعد ذلك يرتد، مستحيل مستحيل تماماً. من تمس لو ربنا قال تمسك بالعروة الوثقى كل من ارتد عنده شبهات واشكالات فكرية ونفسية، هو قد لا يبوح بها أمامك.
لذلك قال شوف شوف حتى كيف الله عز وجل يصور لك المشهد بجماليته، أن من يتمسك ببراهين الإسلام ودلائل الإسلام ما بخاف، قال: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا، لا يمكن أن تنقطع بك، وهذا يدل إخوان على قضية وهو أن المسلم يجب دوماً أن يجدد النظر في ماذا؟ في دلائل الألوهية، يعني ما تكتفي أنك ولدت في بيت مسلم، الإيمان يبلى كما يبلى الثوب، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: عليك دوماً أن تتعلم براهين الإسلام وأن تجدد النظر في الأدلة التي تعمق الإسلام في قلبك.
وسياتي معنا نموذج من نماذج تعميق الإسلام سيدنا إبراهيم بعد قليل، رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ. إبراهيم ما كانش مؤمن؟ قال: أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. أنا يا رب أريد أن أنظر وأن أرسخ دلائل الإسلام في قلبي أكثر وأكثر، أنا مش شاك لكن أنا أريد أن أنتقل من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين، وهذه وظيفة المسلم، إياك أن تكتفي بما تربيته في بما تعلمته في بيت والدك أو هكذا بعض الأشياء اللي تعلمتها في مدرسة أو شيء، ينبغي على المسلم دوماً أن يجدد تمسكه بالعروة الوثقى وأن يحضر مجالس العلم ويقرا القرآن وينظر في الكون ليزداد تمسكاً ببراهين الإسلام.
لذلك قال ختم: وَاللَّهُ سَمِيعٌ، سميع لما تقولون، هل ستقولون الشهادة بالتوحيد وهل ستكفرون بالطاغوت وتؤمنون بالله وعليم باختياراتكم؟
ثم قال: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، اللي واقف في صف الإله لا تقلق، الله وليك، ربنا معك، معك، وإذا كنت صادق في الاصطفاف معه سيظهر لك دوماً من الأدلة والبراهين ما يزيدك إيماناً ويقيناً، لاحظ التعبير القرآني اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا معهم، يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. قال العلماء يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ أن يدفعوا عنهم الشبهات بالبراهين النورانية اليقينية التي تعزز الإيمان في نفوسهم. الله سبحانه إذا راك صادقاً مؤمناً فإنه إذا طرأت عليك شبهة يساعدك في دفع هذه الشبهة ومعالجتها ويزيدكيقيناً بهذا الإسلام، وهذا معنى يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وهذا ارتباطه بالآيات السابقة.
بدك تفهم الارتباط، فالله يقول لك إذا كنت واقف في صفي فسأخرجك إلى النور. هل معنى إخراجك من الظلمات إلى النور هل معنى هذا أنه أنت واقع في الظلمات وراح يطلعك منها؟ ليس شرطاً. الإخراج قد يطلق أحياناً على الدفع، يعني إذا جاءتك شبهات وأحاطت بك تماماً، أن يدفع الله عنك هذه الشبهات ويعزز اليقين في نفسك، هذا هو إخراج من الظلمات إلى النور، كما قال سبحانه وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا. طيب كيف أنقذكم واحنا ما دخلناهاش ها وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ، فهل الانقاذ يقتضي أنني أنا وقعت؟ لا، بس أنا قاربت أقع ومع ذلك هو سبحانه بعدني.
نفس الشيء لما أنت تكون مؤمن وبتحب دين الله وتقترب من شبهات وتقترب الشبهات منك، برضه ربنا بيساعدك، فيرسل لك من يعلمك ويوجهك، أو يعطيك سبحان الله آية تحصل معك في حياتك، أو هكذا رؤيا في النوم أحياناً تدفع عنك هذه الشبهة وتزيدك يقيناً باختيارك، يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، هذه قيمة أنك تكون في جانب الله، الله يساعدك. وسياتي معنا نموذج عزير إن صح أن اسمه كيف ساعده الله لما قال إيش في الآية التي تليها لما مر على قرية وهي خاويه على عروشها قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا. الآن هو ما كان شاك، لكن كان يبحث عن أدلة وبراهين تعزز أكثر وأكثر، فالله عزز له البراهين، جعله آية للناس، أَمَاتَهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ.
شوف كيف ربنا بيساعدك، ربنا ليش بتكرر لنا هاي القصص إخواني؟ حتى نفهم أن الله كريم، إذا كنت أنت تريد جانب الله وتريد فعلاً أن تصل إلى مراد الله، الله يخرجك من الظلمات إلى النور ويعزز اليقين فيك ويرزقك من الأدلة والبراهين ما يشفي الغليل ويدفع الشكوك والأوهام، بخلاف الصف المقابل الذين اختاروا أن يكونوا مع الطاغوت قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظَّلُمَاتِ. الآن كلمة الطاغوت في تفسير القرآن تطلق على كل ما يعبد من دون الله صحيح، هكذا يأتي المفسرون، لكن في بعض السياقات قد تحمل الطاغوت على الطاغوت البشري الذي يقوم باغواء الناس وأفساد دينهم وإخراجهم إلى الشبهات والاشكالات الفكرية.
مره أخرى، وهذا يمثل كل كافر وكل إنسان نصب نفسه لحرف الناس عن الاستقامة، وعلى رأس هؤلاء من؟ الشيطان وهو رأس الطواغيت، أليس كذلك؟ ثم قس عليه كل طاغوت من البشر؛ من كافر وملحد وداع إلى ضلالة يريد أن يعاكس مراد الله. الله عز وجل ماذا يفعل بنا؟ يزيل عنا الشبهات ويرزقنا دلائل الإيمان. طواغيت البشر ماذا يفعلون؟
بالعكس، يحاولون دوماً إثارة الشبهات والإشكالات حتى يخرجك أنك مسلم تصير ملحد، حتى يخرجك من أنك محافظ على دين الله موحد إلى إنسان مشكك، فيبذلون أموالهم ومشاريعهم وتضحياتهم. اليوم كم مؤسسة في أمريكا وظيفتها إخراج الشباب المسلم إلى الإلحاد وإلى الكفر؟ كثيرة هي المؤسسات التي تتبع للصهيونية العالمية، وأمريكا ومؤسسة راند، مؤسسة راند للبحوث الأمريكية هي إحدى المؤسسات الكبرى في العالم اللي فقط وظيفتها دراسة المسلمين ووضع خطط ومناهج كيف ندرس العالم الإسلامي لإخراجهم من النور إلى الظلمات. هي شغلتها هي المؤسسة؛ مؤسسة راند من كبر المؤسسات اللي لازم تكونوا فاهمين شغلها.
إذاً قال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُوهُمُ الطَّاغُوتُ. هؤلاء الطواغيت الذين يتبعهم الكفار ماذا يفعلون بهم؟ الطواغيت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، ولاحظ قال الظلمات بالجمع بينما النور واحد، لماذا يا شباب؟ لأنه طرق الضلال كثيرة، بينما الحق واحد لا سواه، صحيح؟ فالكفار الطواغيت البشرية هدفها أن تخرجك من النور لوين؟ لأي ظلمة، مش مش مهم تصير كملحد، تصير نصراني، تصير يهودي، مش فارق عندهم، المهم أنك تترك الإسلام. لاحظ لاحظ، الله يخرجك من تشتت الأفكار إلى الطريق الوحيد الذي يوصل إليه، وهم يريدون أن يسحبوك من هذا الطريق الوحيد ليعيدوك إلى تشتت الأفكار. ثم قال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
طيب، بعد ذلك ذكر الله عز وجل لنا نموذجاً من نماذج هؤلاء الطواغيت البشرية الذين يسعون لإثارة الشبهات من أجل إضلال الناس. شوف تناسق القرآن؛ بعد أن قال الله عز وجل هناك طواغيت بشرية هدفها إضلال الناس، أعطاك نموذجاً من نماذجهم. من هو النموذج الذي سيأتي معنا؟ النمرود: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ. هذا أحد طواغيت البشر الكبار، النمرود ربنا أعطاه ملك فزعم أنه إيش؟ إله، وأصبح يطالب الناس بعبادته لأنه ربنا أعطاه الملك، أصبح يحاج إبراهيم ويقول هو هذا الرجل الكافر يقول إنه هو الإله وليس الله. فإذن لاحظوا كيف المدافعة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وأن المدافعة أحياناً صح تكون بالقتال، بس أحياناً في مدافعة علمية، في نقاش بالبراهين. فسيدنا إبراهيم هو أستاذ المجادلات العقدية والفكرية، فماذا يقول لهذا النمرود؟ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. أفضل، أنت يا نمرود أرنا هل تستطيع أن تحيي وتميت؟ شوف النقاش الفكري، إذن إبراهيم هو داعي الله يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، والنمرود هو الطاغوت الذي يريد أن يضلل الناس ويقنعهم أنه هو الإله.
فالنمرود ماذا فعل؟ النمرود قال: برضه أنا أحيي وأميت. طيب اقنعنا كيف أنت تحيي وتميت؟ ورد في كتب التاريخ والتفسير أنه ماذا فعل النمرود؟ أتى برجلين، قال: بدك أثبت لك إني أنا أحيي وأميت؟ أتى النمرود برجلين كانا سجناء عنده، فقتل واحداً منهما وأعتق الآخر، قال: شايف، هي أنا أميت وهي أنا أحيي! طب برايكم هل هذا كلام مقنع؟ يعني هل هو أمات هذا الرجل ولا تسبب فقط في الموت؟ أنت بس تسببت في الموت.
والدليل أنك فقط متسبب ولست مميتاً أنه هذا الرجل لو وقف أمامك قلت له موت أو بدون أن تفعل سبباً، هل سيموت؟ ما راح يموت، أنت فقط فعلت شيئاً. وبرايكم هل الناس الذين حول النمرود مقتنعون أن آه والله ها شايف هي أمات؟ يعني هل هو قدم دليلاً مقنعاً حتى لمن حوله، ولا أحياناً الذين في قلوبهم مرض يعني يحاولون المدافعة عن الباطل حتى ولو كان مهترئاً؟ أحياناً بعض الناس بيدافعوا عن أشياء هي ليست حتى نقاش علمي، هي مجرد تراهات وتفاهات. الذي فعله النمرود تفاهة، هكذا تحيي وتميت؟ هي مجرد تفاهة يمكن أن تنطلي على السفهاء، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ. ممكن إنسان سفيه تشكل عليه، فإبراهيم عليه السلام ما بده يطول الجدال حول هذه النقطة ويخبر بفهافة هذا الدليل الذي قدمه النمرود، أراد أن ينتقل معه إلى ما هو مبهر، مسكت، مفحم. فماذا قال له؟ قال: طيب تنزلاً بدي أعتبر نفسك يعني أنك أنت حاولت تقنع الناس اللي حولك، قال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.
آه، الآن قال ربنا عز وجل: الهي يخرج الشمس من جهة الشرق، حضرتك ورجيني كيف بدك تطلع الشمس من جهة الغرب! قال: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. انخرس، انفهم ليه؟ وهذيك استطاع أن يوهم الناس، يوهمهم أن أنا استطيع أحيي وأميت، الآن هنا ماذا سيفعل؟ كيف سيوهم الناس أنه يستطيع أن يخرج الشمس من المغرب بدلاً من المشرق؟ هذا العلم هذا الجدل الفكري اللي مش محتاج كثرة كلام، كلمات محدوده لكنني أفحم بها الخصم. هذا مثال دلائل التوحيد أن دلائل التوحيد مبهمة أو عفو مبهرة، شوف دلائل التوحيد مبهرة، ولكن دلائل الباطل مخزية. شو شو الباطل؟ إيش عنده حجج وبراهين؟ لكن فقط تحتاج إنسان ذكي من الدعاة المصلحين يحسن الإجابة فينتتهي ويزول الباطل.
لذلك قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لماذا ختم الآية: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؟ يعني الله عز وجل لا يهدي الظالمين إلى طرق الحجاج الصحيح، لأنه لاحظ أن النمرود ما عرف كيف يجيب، فيقول الله عز وجل: الله لا يهدي الظالم، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى طرق المجادلة والحوارات الصحيحة. فلذلك دائماً الباطل يخسر، ولذلك دائماً الباطل يهزم في الحجاج العلمي الصحيح لأنه مخذول، لأنه ليس في جانب الإله فالله خاذل. لكن أحياناً احنا بنكون مقصرين في طلب المعرفه فيتصور مقصرين، لو كل واحد فيكم تعلم دينه ودلائل الدين سيجد أن الباطل لا يقوم على معرفة علمية.
طيب، ثم الله سبحانه وتعالى يعطينا نموذجاً آخر كيف أن دلائل الإسلام مبهرة، وكيف أنه يساعدك إذا أردت تجديد الإيمان في قلبك والبحث عما يرسخ الإيمان، كيف أنه يساعد كل إنسان على ترسيخ الإيمان. هذا رجل قيل اسمه العزير، مر على قرية وهذه القرية كانت خاويه على عروشها، هذا الرجل كان مؤمناً لكنه كان يبحث عن ماذا؟ عما يعزز الإيمان في داخله، فقال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا. فالله سبحانه لما هذا الرجل أراد أن يعزز الإيمان، الله أراد أن يعزز الإيمان فيه وأن يجعله في نفس الوقت آية للمجتمع لأجيال لاحقة، قال: فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ. مئة عام يعني شبه قرن، فكان آية لجيل قادم، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. فلما بعث واستيقظ من نومه قال: كَمْ لَبِثْتَ؟ وهذا يعطيك صورة عن نومة القبر لأهل الإيمان، أنه كيف الإنسان ممكن ينام مئة سنة يفكرها عبارة عن إيش؟ عن ساعة أو ساعتين. قال: وهكذا ينام المؤمن في قبره بخلاف الكافر، الكافر في القبر بحسبها ساعة بساعة! تخيلوا من شدة عذاب الكافر في قبره؛ يعني الكافر اللي مات زمن نوح عليه السلام اللي الآن عم حسبها ساعة وساعة ليوم القيامة، أما المؤمن الذي يموت ويدفن في القبر يحسب نومته في القبر إلى قيام الساعة قالوا: كما بين العصر إلى المغرب مغرب بس! كأنه نام لله ساعتين واستيقظ. سبحان الله لا يشعر بحركة الزمان وتاريخ الزمان، وهذا من لطف الله بك.
طيب، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. تخيل هو متصور أنه نام بس يعني من الظهر من الصبح للمغرب أو بعض يوم. قال: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ مئة سنة نمت. طيب الآن انظر، قال: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ. إيش يعني لم يتسنى؟ لم يتغير، ما زال محافظاً على حاله، لكن في الجهه المقابلة: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ -عفواً- وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا. قال المفسرون: الله سبحانه جعله يرى حماره كيف تتركب عظامه رويداً رويداً ويبعث أمامه من جديد، وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ كَيْفَ نُحْيِيهَا.
طب هنا سؤال: لماذا الطعام والشراب لم يتغير بينما الحمار تغير صح؟ يعني لماذا برضه الطعام لم يجعله الله يفنى ثم يري عزير كيف أن هذا الطعام يبنى من جديد؟ فرضا قال العلماء: أراد الله أن يبين لعزير قدرته على فعل كل شيء، فأنا قادر أن أبقي الشيء إذا أردت إبقائه، وقادر أن أفنيه إذا أردت إفناءه، فهمتم؟ يعني خلال الطعام والشراب لم يتغير، أنا استطيع أن أجعل الشيء لا يتغير ولو لألف سنة ولو إلى أبد الآباد، وقادر على أن أجعل الأشياء تتغير ثم أعيد تركيبها، فكانه يريد أن يقول: أنا قادر أن أفعل المختلفات، فأبقي ما أبقي وأهلك ما أهلك. فالطعام بقي والحمار فنى، مع أن العوامل الأصل أنها أيضاً تقتضي بأن الطعام يفنى. أنت بتخيل البرتقال اللي معاه ضلت مئة سنة زي ما هي، بعد مئة سنة ضلت البرتقال والعنب زي ما هو! من الذي أبقاها مع أن عوامل الجو والحت والتعرية تقتضي إفناءها؟ الله. ومن الذي أهلك الحمار ثم بعثه أمامك؟ الله. إذاً هذا لاحظ كيف هذه القضية تزيدك تعزيزاً بقدرة الله الباهرة على كل شيء.
قال: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا. ننشزها أي نرفعها، وفي قراءة أخرى ننشرها أي نبعثها، ننشزها من النشوز والنشوز هو إيش؟ الارتفاع. قال: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا قيل فرى عظام الحمار ترتفع أمام عينيه وتجي العظمة فوق العظمة حتى يتركب الحمار كامل، ثم بعد ما تتركبت العظام كساها الله لحماً أمام عينيه. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ -لاحظ كيف أن الله يبين يقيم الأدلة والبراهين لعباده- قال عزير: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إيش يعني أَعْلَمُ؟ يعني أن هذه أنا لما سالت لم أكن شاكاً، أنا أعلم مسبقاً أن الله على كل شيء قدير، لكنني يا رب أريد أن أُعزز دلائل التوحيد في قلبي، أنه فرق بين الإنسان اللي التوحيد عنده عين اليقين وبين التوحيد اللي عنده مجرد معلومة يقينية لكنها أخذها من أبيه وأمه ولا يعزز اليقين بالنظر في الآيات الباهرات.
نموذج آخر من نماذج تعزيز اليقين: سيدنا إبراهيم عليه السلام يقول لربه: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى. فالله يقول له: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قال: بَلَى، أنا مؤمن يا رب 100%، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. ما معنى لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي؟ هي نفس ما قلته لكم؛ أريد أن أُعزز اليقين، أريد أن أنتقل إلى درجة عين اليقين، لأنه الإنسان لما يشوف البعث أمام عينيه ليس كإنسان مؤمن بالبعث على أنها قضية غيبية، صحيح؟ هسه نحن قلنا مؤمنين بالبعث على أنها قضية إيش؟ غيبية، نحن ما شفنا واحد يبعث أمامنا وكيف يركب، فأنت لما تقول يا رب أنا بدي أشوف شخص يبعث أمامي، كأنك تقول يا رب بدي أشوف قضية عياناً ما بدي إياها تبقى في حيز الغيب، مش لاني شاك، بس لاني بدي ازداد إيمان. وهذا الإنسان الحريص إخواني في إنسان حريص على تدينه حريص أن يبقى في أعلى درجات اليقين، صح؟ وفي وأغلب الناس اليوم من المسلمين للاسف مش مهتمين مشتغل بالدينار والدرهم والحياة والزوجة والاولاد، صار متى آخر مرة حضرت درس يُعزز اليقين في قلبك؟ لو سمحت من آخر خمس سنين وع الغلط على التلفزيون فتحته سمعت شيخ بحكي عن الإيمان والتوحيد! ولذلك الإيمان يبلى في قلوب أكثر الناس اليوم لأنه ما أحد يهتم بتجديد الإيمان، الإيمان يحتاج أن يجدد من خلال البحث والنظر والتفكر: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. هكذا المؤمن دائماً يُقلب النظر فيستدل بالمخلوق على الخالق.
طيب، فالله عز وجل قال لإبراهيم: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. صرهن إما بمعنى اضمن إليك، وقيل بمعنى قطعه، وإن كان إليك تضل على المعنى الأول؛ فصرهن إليك يعني أحضرهم إليك. لماذا يحضرهم إليك؟ قالوا ليتأمل في الديك والغراب وكذا تأكد من الخلق. تمام، الآن بعد ذلك بعد أن تصرن إليك وتعرف أشكالهن -هناك كلمة محذوفة في السياق: قطعه- فصرهن إليك ثم قطعه بعد أن تكون حفظت أشكالهم، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، روح على الجبل وحط على كل جبل جزء، وقيل في بعض الإسرائيليات أنه خلطها ببعضها البعض، يعني خلط الغراب بالديك بالهدهد الله أعلم شو هي العصافير هذه، خلطها مع بعضها ووضعها ككتلة لحم على هذا الجبل، على هذا الجبل، على هذا الجبل، على هذا الجبل. قال: ثُمَّ ادْعُهُنَّ قل لها تعالي ياتينك سعيا. قيل فأصبح لحم الغراب اللي على هذا الجبل ينضم للحم الغراب اللي على الجبل الثاني اللي على الجبل الثالث وتجتمع، وتجتمع أمام إبراهيم، ولحم -مش قلنا الدجاج أيضاً فرق لحمه؟- ولحم الدجاج يأتي إلى لحمتها في الجبل الثاني والثالث وتجتمع أمام إبراهيم.
طبعاً إبراهيم يرى شيء مبهر أمامه؛ تخيل قطحة لحم عم عم تأتي مع قطحة لحم أخرى أمام عينيك، اكتملت الدجاجة، نفخ فيها الروح، أصبحت تمشي! هنا الإنسان يزداد يقيناً، فـطبعاً لما تزداد يقيناً أنت تزداد انتماءً إلى هذا الدين صحيح، تزداد تيقناً أنني أقف في الاتجاه الصحيح، وأن كل بذلي وعطائي لهذا الدين لن يذهب سدى لأنني أقف في المكان الصحيح. ثم قال: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، عزيز لا يغلب، حكيم في كل
ما خلق وصنع. طيب، بعد أن انتهت هذه الفقرة، وهي فقرة تعزيز اليقين، وأن الإنسان يجب أن يفهم أن الإسلام واضح، وأن مقاتلتها للكفار ليس لأننا لا نملك الأدلة الواضحة وأن الإسلام تعوزه الأدلة، بل لأن هؤلاء قوم لا يريدون النظر في الأدلة، قوم كفروا الأدلة وغطوها وجحدوها، فلذلك أن تعزز الإيمان ثم جاهد بهذا الإيمان. هنا ستعود سورة البقرة إلى موضوعها، وهو موضوع ذكر تطبيقات أخرى من تطبيقات الأحكام الشرعية. سننتقل الآن لموضوع الإنفاق في سبيل الله يقول سبحانه وتعالى: كما نظم الله سبحانه وتعالى أحكام العمرة والحج وأحكام الجهاد وأحكام الزواج، هنا سورة البقرة في مقطعها الأخير تنظم أحكام إيش المال؟ سواء في جهة الإنفاق والصدقات والبذل، أو في جهة الربا والمعاملات المالية والديون. الآن الموضوع مالي، هذا هو القسم الأخير من سورة البقرة.
يقول سبحانه وتعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. الذين ينفقون أموالهم في المشاريع الإصلاحية ومشاريع الرباط وإقامة نهضة الإسلام والمسلمين، كل من يبذل ماله في سبيل الله، هذا شخص استثمر استثماراً ناجحاً ليوم القيامة، شخص وضع حبة في أرض، هذا الدينار اللي بتنفقه في سبيل الله عبارة عن بذرة أنت زرعتها في الأرض، هذه البذرة ستخرج سبع سنابل، والسبع سنابل ستعطي إنتاجاً مضاعفاً. قال: أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. تخيل دينار واحد أنت تبذل في سبيل الله، هذا الدينار سيخرج لك حسنات مهولة يوم القيامة، هذا الذي الدافع الله عز وجل يجعل عندك دافع لتذل مالك في سبيل الله. نحن لنا نتمسك بالدنيا ونبخل، نحتاج إلى دوافع، فالله سبحانه يعطيك دافع يقول لك: دينار واحد في سبيل الله يعطيك كمية مهولة من الأجر يوم القيامة، إيش بدك استثمار أعظم من هذا الاستثمار؟ والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
لكن الآن أراد أن يبين لك شروط هذا الاستثمار، لأنه ليس كل من تصدق تصدق، وليس كل من أنفق في سبيل الله أنفق. ما هي شروط هذا الاستثمار الناجح؟ ذكر في هذه الصفحة الشرط الأول حتى يكون هذا العمل مقبولاً، وهنا نركز إخواننا أنه أحياناً بعض الناس بيعمل أعمال صالحة لكنه يبطلها لأنه لا يلتزم بشروط قبول العمل. لما بدك تعمل عمل صالح بتعمله وفق المعايير الإلهية وليس وفق رغبتك وطلباتك. أول معيار حتى يكون بذلك للمال مقبول عند الله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى. هي أول شيء، لما بدك تبذل مالك في سبيل الله، إياك ثم إياك بعد ما تنفق أن تتبع إنفاقك بالمن. ما هو المن؟ هو اظهار الصنيعة، أن تمن على الشخص اللي اعطيته المال أنه أنا يلا أنا اعطيتك وساعدتك. إياك إياك أن تمن على فقير أو مسكين، إياك أن تمن على أي مركز قرآني أنت أعطيته مال أو على أي جهة إصلاحية أنت، من تحتاج هذا الدفع أنت من تحتاج هذا الاستثمار الناجع عند الله، فاياك ثم إياك أنك في يوم من الأيام تفكر، فقط تفكر تحكي لهذا الشخص اللي أنت وضعت له المال أو لإخوانك اللي دفعت لهم المال في غزة، في السودان، في الشام: أنا والله نعم أرسلت لكم المال! ترى أنت بترسل المال لصالحك، وإلا الله قادر يغنيهم عنك، هذا استثمار لك أنت، فاياك أن تمن على الناس.
ولا أذى، ما هو الأذى؟ قالوا: الأذى أن يسمع الفقير كلاماً قاسياً بعد أن يعطيه المال. بعض الناس بيعطي المال للفقير أو المحتاج وبقول له: يا اخي أنت كثرت علي، يا الله بقدر ما يعني يعني، روح اشتغل يا اخي، روح اعمل لك شغلة يعني، أخي أنت اعطيته المال ما فيش داعي تجرح مشاعره، فيش داعي تسمعه كلمة قاسية وأنت بتعطيه المال، يعني لا يجوز لك أن تمن ولا يجوز لك أن تؤذي المشاعر، لا يجوز أن تؤذي المشاعر تقول: يا اخي أنت مللتني بقدر ما طلبت مني، خلص خذ هذا الدينار والله يسهل عليك. هذا إيش اسمه؟ هذا اسمه أذى، هذا ما اسمه انفاق في سبيل الله، هو طبعا مفكر أنه ايه، خلص لما أعطاه الدينار راح ياخذ أجر، يا خذ هذا الدينار لوجه الله بس أوع أشوف وجهك مرة ثانية. لا لا خلي الدينار في جيبتك احسن، لأنه ربنا ما راح يتقبل هذا الدينار، هذا الدينار الله هي الدينار في سبيل الله بس أوك توريني وجهك يعني مش راكبة ها، يعني بتعطيه دينار وبتذله بقول لك أوك أحذر. هذا ليس إنفاق في سبيل الله.
إذا النفقة المقبولة أول شرط لها، شوف الإسلام يأمرنا أن نحترم كرامة الناس قبل ما ننفق أموالنا. احترام كرامة الناس ومشاعرك مقدم على دفع المال، أما تخرج هذا المال بطيب نفس منك وتنتظر ثوابه عند الله، أو خلي هذا المال في جيبتك أفضل والله لك، وهذا سياتي معنا أنه أفضل انك ما تدفع المال ولكن يكون كلامك طيب مع الناس هذا أفضل. لاحظ ماذا قال: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ. هذول اللي ربنا بيتقبل صدقاتهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم شوف ربنا شو بيقول: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ. أنك تحكي قول معروف مع هذا الفقير أو المسكين وتتكلم معه باحترام، ومغفرة، ايش يعني مغفرة؟ قالوا: أن تستر عليه فقره وحاجته. المغفرة في اللغة أصلها الستر، فقال أن تتكلم معه إحسان وتستر حاجته ولا تفضحه ولا تشير إليه أمام الناس، قال: خير من صدقة تعطيها له لكنك تتبعها بالأذى.
يعني في المعايير الإلهية أنو احسن أنه أنا يجيني فقير أقول: والله يا فلان ترى أنا ما أنا قادر أسأل الله أن يقضي حاجتك، أسأل الله أن يفرج همك، لكن والله حالياً لا استطيع أن أعطيك جزاك الله خير. خلص أنت بكل احترام رديت هذا الرجل، إذا ما عندك قدرة وانتهت القضية هنا. هذا الأسلوب أفضل عند الله من أنك تعطي هذا الفقير ألف دينار لكن تسمع كلمة تجرح مشاعره. شوف رقي الإسلام كيف يهتم بالمشاعر قبل المال، الله قادر يغنيه هذا الفقير لكنه أرسل لك هذا الفقير حتى تستثمر فيه، ركز، أرسل لك هذا الفقير حتى أنت تستثمر فيه، أحط مال عنده هذا أجده عند الله، بدل ما تاخذ هذا الاستثمار بنجاح حضرتك أذيته بالكلام والمشاعر. لا لا نريد هذا المال منك شكرا، سياتي شخص أكثر ذكاء منك وأكثر توفيقا منك يستثمر فيه استثمار ناجح، فيعطيه بكل يعني يجمع بين القول بالمعروف والصدقة، هؤلاء هم أسياد الناس وكبرائهم.
طيب الله سبحانه وتعالى أراد، شوف الإسلام العظيم كيف يركز لأنه أكثر شيء يهلك الصدقات إخواني المن والأذى، أكثر شيء يهلك الصدقات المن والأذى والرياء. وعادة ما الذي يبطل الصدقات يا رياء؟ أنك بدك تورجي حالك أمام الناس أنك بتبذل، أو ايش بعض الناس مش مرائي بس يا الله قد ما بحمل الناس جميلة زي ما يقولوا قد يعني لسانه من وأذى وبيسمع الناس مئة كلمة وهو يعطي المال، فالله يريد أن يخبرها كلا النموذجين فاشل. فلاحظ ماذا قال في هذا المثل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ. ثم شبه بطلان الصدقة بالمن والأذى كبطلانها بالرياء تماماً، قال: كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ. الذي المن والأذى يبطل الصدقات كما أن المرائي تبطل الصدقات، والمرائي طبعا هي من حال المشركين أو من صفاتهم، فلذلك قال: وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. لأنه الإنسان المرائي لو كان مؤمناً حقاً بالله واليوم الآخر لما راءى، لكن ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر هو الذي يولد الرياء.
طيب الآن أراد الله أن يعطيك مثل يصور لك حال الذي ينفق ماله ثم يتبع ذلك بالمن والأذى، وحال المرائي، هذا مثل يصلح للامرين. قال شوف هذا المثل الجميل، قال: فَمَثُلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ. ما هو الصفوان؟ قالوا صخره أو حجر أملس، هذا هو الصفوان حجر عبارة عن حجر أملس. هذا الصفوان هو يمثل ماذا؟ هو يمثل قلب المرائي وقلب ذاك الإنسان الذي عنده من وأذى، ربنا يشبه قلبه ومشاعره وأحاسيسه كأنه عبارة عن صخره، صخره صماء، صخره إيش صماء قاسية، ولانه قاسي لذلك يتبع بالمن والأذى، انسان ما عنده أحاسيس فهو كالصخره الصماء. قال صفوان، هذا الصفوان عليه تراب، تخيل حجر صخره تماماً عليها شوية تراب، قال: فَأَصَابَهُ وَابِلٌ. مطر، هذا الوابل هو الصدقة اللي أنت عملتها. الصخره اللي أنت عملتها، الله عز وجل يخبرنا الأعمال الصالحة اللي بنفعلها في حياتنا يا شباب هي عبارة عن مطر نحن نحيا به، انت بتحيي نفسك، الأعمال الصالحة اللي بتعملها هون صح نتكلم عن الصدقه بس عموما الأعمال الصالحة اللي انت بتعملها حبيبنا يعني سفر لي إياهم الاثنين، الأعمال الصالحة التي أنتم تفعلون هي عبارة عن ماذا؟ عن إحياء للانفس. فالله يقول هذا المرائي وهذا الذي يبطل صدقاته بالمن والأذى عبارة عن صخره صماء.
دي أسالك سؤال: هل الصخره الصماء بيطلع منها شجر؟ هل يمكن تزرع فيها وتطلع منها محصول زراعي؟ لا يخرج منها شيء صخره عبارة عن صخره تامة. هكذا شخصية هذا الذي يتبع صدقاته بالمن والأذى حاول يعمل خير، هذا الخير شبهه بالوابل، هذا الوابل هذا المطر اللي من طبيعته أن يحيي النبات وينعش الأرض، نزل هذا الوابل على صخره صماء عليها شوية تراب فقط، ماذا فعل هذا هذه الأعمال الصالحة لما نزلت على هذه الصخره الصماء بدل من أن تكون سببا في انه هذا التراب القليل يحسين من حال الصخره الصماء لعلها تنبت شيئاً أزال التراب عنها، فعادت هذه الصخره اللي كان عليها شوية شوية تراب، وهي اللي شوية تراب أنا بشبهها بتعرفوا بإيش؟ بإنسان قاسي بس في شوية خير، لما أجى عمل الأعمال الصالحة للاسف لم يستثمر شوية الخير اللي فيه، تصدق واتبع صدقاته بالمن والأذى، فذهب كل ما يمكن أن يكون خيراً، وعادت الصخره، قال: فَتَرَكَهُ صَلْدًا. ما معنى صلدا؟ أي صخرا نقياً من التراب تماماً قاسياً لا يوجد عليه أي شيء.
إذا لاحظ بدك تفهم أنت المثل حتى تعرف جمالية القرآن، إذا هناك رجل حيا شخصيته كصفوان، مشاعره ضعيفة جداً، قاسي وفي شوية خير، لما عمل أعمال صالحة هي المطر كان بإمكانه يستثمر شوي، ممكن لإصلاح قلبه، لكن للاسف قال: فَأَصَابَهُ وَابِلٌ. هذا المطر لما نزل أزاح التراب تماماً، فعادت الصخر لا خير فيها من وجه من الوجوه. وهكذا أنت يا أيها القاسي عندما تفعل الصدقات وتتبعها بالمن والأذى أعدت نفسك بلا شيء، بلا مقابل، بدون أي استثمار ناجح، ثم قال: لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا. يعني لن يستفيدوا في الدنيا ولا في الآخرة شيئاً مما كسبوا من الأعمال الصالحة. كل العمل الصالح اللي تعبت فيه وبذلته ذهبت فائدته، لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ذهبت فائدة كل الأعمال الصالحة. وهذه للاسف صور انسان عم بيعمل أعمال صالحة ولا يرى نتيجة لها، بيعمل أعمال صالحة ولا يرى نتيجة لها، لماذا؟ لأنه يخالف المعايير الشرعية، ماشي أنت بتعمل عمل صالح لكن حضرتك تتبعها بالمن والأذى.
في المقابل المثل الآخر وهي الصفحة الأخيرة معنا اليوم: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ. حقيقة آيات القرآن جميلة إخواني في إظهار قيمة الأعمال الصالحة وايش دورها في حياتك. الذي يبذل ماله في سبيل الله بدون من ولا أذى هذا إيش بيعمل؟ قال: هذا عم بثمّر بنفسه استثمار ناجح. أين عبرت الآية عن الاستثمار في النفس؟ قال: وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ. كل عمل صالح أنت تقدمه للإسلام أنت تثبت نفسك أكثر وأكثر على العبودية لله، وتثبت نفسك في درب الاستقامة، يعني بعض الناس يظن أنه عمل أعمال صالحة بس لن يرى بركتها في الدنيا، كلا والله، كل عمل صالح تقدمه للإسلام سترى بركته وين صالح؟ في تثبيتك على الدين أكثر وأكثر. هذه الخمس دنانير اللي أنت بذلتها في منطقة معينة هي الخمس دنانير لوجه الله لن تضيع، بل هي سبب في زيادة ثباتك على الدين في الوقت الذي ترى فيه الناس تفتن وتسقط أمام الشهوات، أنت تجد في شيء بيثبتني، بتعرف شو اللي ثبتك؟ أعمالك الصالحة. الخمس دنانير اللي اعطيتها في سر وخلوة لفقير ولم تتبعها بمن ولا أذى، هي كانت سبب في تثبيتك، أحيانا بيكون شخص عاصي بس يبذل ماله فعلا ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا، تكون هذه الصدقات اللي يفعلها سبب في توبته من المعاصي.
إذا شوف جمالية القرآن: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، هم يثبتون أنفسهم على درب الاستقامة. فأنت باختصار أنا لما أعي مالي لأي جهة خيرية أنا عم بطلع على نفسي أنه أنا محتاج أني أبذل، لأن هذا البذل سيثبتني أنا. ولاحظ كيف شبه الله عز وجل هذا الذي ينفق ليثبت نفسه عكس ذاك الشخص، ذاك الرجل صفوان عليه تراب أصابه وابل، هذا الشخص ماذا قال فيه؟ قال: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ. الربوة في رأي كثير من المفسرين هي الأرض الخصبة، إذا شوف هذا الشخص نفسيته طيبة فلم يشبهه الله بالصخره الصفوان، شبهه بماذا؟ بتربة خصبة، خصبة أنك تزرع فيها، خصبة أن الماء لما ينزل عليه الأعمال الصالحة أنها تثمر في حياته. قال: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ، في أرض خصبة، هذه الأرض الخصبة أصابها وابل. إذا الوابل قبل قليل أصاب الصخره الصماء.
ماذا فعل بها؟ تركها صلدا. هنا الوابل نزل مرة أخرى، لكن نزل على وين؟ على إنسان نفسه سوية، على إنسان تربته خصبة، تربته نظيفة. فهذه الأعمال الصالحة لما نزلت على الترب الخصبة، ماذا فعلت؟ صنعت بستانا، أثمرت فيه، صلحت حياته وصلحت آخرته. شوف جمالية القرآن: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ، والوابل هو المطر الغزير. فعل أعمال صالحة، أعمال صالحة، أعمال صالحة، أعمال صالحة كثيرة على تربة خصبة جيدة، تنشئ ماذا؟ حياة طيبة، الحياة الطيبة. ذاك المسكين فتركه صلدا، هذا جنة وبستان. قال: فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ. إيش يعني؟ في ناس إخواني تربتهم خصبة، ماشي، لكنه يعمل أعمال صالحة بس قليلة. حتى لو أعمالك الصالحة قليلة ما دامت تربتك خصبة، والله تنتج.
الطل، ما الفرق بين الوابل والطل؟ الطل قالوا هو المطر الخفيف، والوابل ايش قلنا؟ هو المطر الغزير. فالله يقول: اللي تربتهم خصبة، سواء فعلوا أعمال صالحة كثيرة أو أعمال صالحة قليلة، كلاهما سينتج في حياته. أكيد إنتاجية الأرض لما يكون المطر غزير، ليس كإنتاجيتها لما يكون المطر طل، لكن في النهاية هذا انتفع وهذا انتفع، كلاهما أنتج، وإن تفاوتت كمية الإنتاج. فالله يقول كأنه يركز سبحانه على ضرورة تربية النفس، أهم شيء تكون تربتك خصبة، ما تكون صفوان. هذا أهم شيء في حياتك: أن تكون تربة خصبة، ربوة.ها يا شباب، كونوا ربوة ولا تكونوا صفوان؛ لأنه الربوة شو ما نزل عليها من خيرات من الأعمال الصالحة تنتج.
أنت فعلت، صليت، ختمت القرآن مرتين، هذا ختم مرة، هذا بيصلي ثماني ركعات، هذا بيصلي أربع ركعات، هذا تصدق بالألف، هذا تصدق بدينار، ما حصل، لكن في النهاية في إتاج راح أستفيد في النهاية. فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. ثم عاد سبحانه ليضرب مثلا آخر على ذلك الذي يتبع صدقاته بالمن والأذى ورياء الناس، لضرورة معالجة هذه الشخصية الصفوان. لكن المثل الآن لن يكون صفوان، مثل برجل عجوز. رجل قبل أن يصل إلى إلى مرحلة الشيخوخة كان هو شاب عم بيحني حديقة وبستان ويزرع فيها عنب ونخيل، ليه؟ مجهزها لفتره الشيخوخة. في هناك رجل شاب كان عنده بستان عم بضبطه، بيزرع نخيل وعنب وكذا. شوف نيته: نيته أني الآن بدي أزرع البستان لأني أنا بكره رح أصير كبير.
وهذا الرجل الكبير كان عنده ذرية ضعفاء، كان عنده امرأة ضعيفة، وكانوا أولاد بيعرفوش يدبروا حالهم. فهو الرجل إيش قال؟ قال: بدي اعمل الآن حديقة وبستان حتى لما أكبر وأصير محتاج ألاقي شيء أسد منه إيش حاجتي؟ اللي هو هذا البستان، أسد حاجتي وحاجة مين برضه؟ وحاجة أولادي وأبنائي. أنا بكره راح أكبر وأولادي قد يكون مثلا فرضا يعني هيك، له ذرية ضعفاء، ممكن مثلا يكون عندهم إعاقة -هيك أنا بحاول أتخيل- عندهم إعاقة ربنا يعافينا، وعنده امرأة كبيرة عاجزة، يعني أولاده ما يستطيعوا أنهم يقوموا بأنفسهم، هو المسؤول يصرف عليهم. طيب، بقول لك: أنا بكره أكبر، مين بده يصرف على أولادي؟ فهو من الآن عم ببني حديقته من أجل الاستثمار المستقبلي.
قال: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ -شوف جمالية القرآن وهو يعالج لك الفكرة- أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ، جنة ممتازة، تَجْرِي مِن تَهْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ. يعني فعلا هو شاب عمل بستان فخم، كل شي بدك إياه موجود، الآن هو خلص مطمن أنه بكره بس أكبر خلاص هذا البستان سيقضين غلتي ويشب عني ويشبع عائلتي وأبنائي، وما راح احتاج لأي أحد، فهو داخل على ثقة، دخل في مرحله الشيخوخة وهو على إيش؟ على ثقة أنه مجهز أموره. شوفوا شو صار معه، قال: وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ، دخل في مرحله الشيخوخة، وله ذرية ضعفاء ما يستطيعوا يصرفوا على أنفسهم، هو المسؤول عنهم.
هذه الحديقة وهذا البستان وهو في مرحله الشيخوخة هو بأمس الحاجة إليه من أجله ومن أجل أبنائه الضعفاء، جاء إعصار مفاجئ فيه نار فاحترقت هذه المزرعة. إيش راح تكون مشاعر هذا الرجل المسنين وحسرة البستان اللي تعب فيه وبذل وبذل، وهو الآن بأمس الحاجة إليه يحترق أمامه؟ ماذا سيصاب؟ ممكن يغمى عليه صحيح، يغمى عليه، إنه راح كل شيء الآن وأنا بأمس الحاجة، فقدت كل تعب الشباب وسهر الشباب.
هذا مثل ضربه الله لايش يا شباب؟ هذا مثل للإنسان اللي بيتعب في أعمال صالحة، بس ما بتكون مقبولة عند الله. حفظ القرآن كامل، بس حفظه ليقال إيش؟ قارئ كان عالم وصلى ليالي وتعب سنين، لكنه لماذا تعلم العلم؟ ليقال عالم! فلما يأتي يوم القيامة، أنت يوم القيامة أنت الكبير، يعني مش الكبير، أصابه الكبر. هذا مثل للإنسان يوم القيامة لما تيجي يوم القيامة، أنت تكون بأمس الحاجة لحسنة واحدة، لحسنة واحدة يوم القيامة لما تكون في أضعف أحوالك وأنت تحتاج إلى الحسنة الواحدة، أنت بتكون جاي ومفكر أنه أنا عملت أشياء كثير ممتازة، لذلك أول من تسعر بهم النار ثلاثة، مش منهم العالم؟ ربنا بيسأله: لماذا تعلمت العلم؟ طب هو داخل يعني واثق من نفسه بده يتكلم: أنا تعلمت فيك يا رب العلم، قال: كذبت، ولكن تعلمت ليقال عالم، اذهبوا به فألقوه في النار.
شوف، بعد كل تعب السنوات: درس بكالوريوس وماجستير ودكتوراه وألف كتب وعقد محاضرات ودورات، آخر شيء لما كان بأمس الحاجة لحسناته وكان مركن عليها، فشلت. نفس الشيء المتصدق، وتي رجل تصدق، فسأله الله: لماذا تصدقت؟ قال: فيك يا رب، قال: كذبت، تصدقت ليقال كريم، كنت ترائي، وهذا مثال أقرب لنا هون، فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. هذا مثال إخواني للإنسان اللي بيتعب في أعمال صالحة، لكنه يكون مرائيا أو يتبع أعماله الصالحة بالمن والأذى. أنه الذي يبطل العمل مش دائما الرياء، أحيانا أن لا يكون العمل وفق المعايير الإلهية، هذا عمل فيه من وأذى لا نقبله.
إذا على الإنسان أن يكون حريصا حتى وهو يعمل أعمال صالحة أن يكون حريصا على ماذا؟ على أن يتاكد أنه عمله الصالح يرضي الله، بيسموه الاتباع وليس فيه ابتداع. لذلك أهل البدع يوم القيامة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أهل البدع هو بده يجي يوم القيامة مفكر أنه ايش؟ أنه أنا عامل كثير أشياء منيحة، ولكنه يجدها هباء منثورا. بقول لك: أنا يا شيخ سهرت للصبح واحنا عاملين دروشة في المسجد ونرقص ونسقف، تعبنا واحنا بنقفي يا شيخ من أجل ذكر الله! يوم القيامة بقول له ربنا: هذا كله هباء منثورا، من قال لك أن ترقص من أجل أن تذكر الله أو أن تقفز، ولا إنتسب؟ يعني هكذا يذكر الله؟ من قال لك أن تبتدع وتأخذ من الفلاسفه واليونان عقيدتك حتى تنصر الإسلام؟
هذا مثال على كل إنسان يعمل أعمال صالحة، لكن لا يقبلها الله سبحانه وتعالى، وهذا مثال مهم تفهموه: إياك أن تتعب التعب الخاسر؛ تعمل أعمال صالحة، لكنها ليست على المعايير الإلهية، فلما يأتي يوم القيامة تاتي صاعقة فتهلكك، فتصبح وأنت في أمس الحاجة تتحسر، لذلك قال: كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. تفكر في هذا المثل، واحرص على الاتباع وأنت تفعل الصدقات وعموم الأعمال الصالحة.
طيب، ثم يقول سبحانه: الشرط الثاني حتى يقبل الله صدقاتكم وعطائكم للدين. الشرط الأول شو كان؟ لا تتبعوها بالمن والأذى. الشرط الثاني قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنتُمْ تُنفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ انفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ. لما تاتي تنفق في شرط ثاني: بدك تنفق من الطيبات. ما هو الطيب هنا في هذا الموطن؟ الطيبات قالوا هو الحلال الجيد. فالله لا يريدك أن تنفق حلالا لكنه رديء.
النبي عليه الصلاة والسلام مرة دخل المسجد النبوي فرأى رجلا تصدق بتمر رديء هيك معلقة في المسجد الحشف اسمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم غضب لما راى جاي التمر رديء وتحط لي إياه في المسجد الفقراء، قال: هذا الرجل يلقى عند الله يوم القيامة حشفا. يعني شو قدمت في الدنيا بتلاقي عند ربنا، قدمت لربنا الرديء ستجد عند الله الرديء. ما بصير تقدم لله سبحانه وتعالى أسوأ الأشياء التي عندك في البيت. نَحْنُ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. إذا ما بدك تنفق من أعز الأشياء عندك، على الأقل أنفق من إيش؟ من شيء جيد.
لما أطي للفقير أو لمركز أو شيء، دائما بعض الناس بيكون عنده أثاث مستعمل طاوله مخلوعة: يلا ودوها لمركز القراني اللي موجود. بيكون عنده شيء مكسور في الدار: يلا ثلاجة قربت تخرب أعطوها لإخواننا في دار القرآن هون. يعني قربت تخرب إن شاء الله هم يستعملونها! يعني أنت تمن على الله أنك تعطي لمركز قراني ثلاجة قاربت على السقوط وطاولة مخلوعة الأقدام وكرسي مهتز فقط لأنه أصبح رديئا، هل هذا ما تقدمه لله؟ غريب الإنسان!
فقال سبحانه: انفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ، وأيضا ومما أخرجنا لكم من الأرض. من طيبات ما كسبتم أي التجارة، ومما أخرجنا لكم من الأرض أي المزروعات، فلذلك هذه الآية تدل على أنه التجارة فيها زكاة، والمزروعات فيها زكاة وفق شروط الزكاة فيسلام. قال: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ. يعني لا تقصد الخبيث الرديء من أموالك في البيت تروح تنفق في سبيل الله. هذا الخبيث هذا رديء، لو أن شخص عرضه عليك تأخذه بتقبله أنت نفسك يا أيها المتصدق، لو شخص عرض عليك طاوله مخلوعة ستتحرج وربما تغضب أنه كيف تعطيني طاوله مخلوعة؟ طيب أنت نفسك عم تعطيها لمركز القرآن، أنت تعطيها لله هي الطاولة الرديئة أنت عم تقدمها لله! تخيل، قال: وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ. وأنتم أنفسكم لو انعرضت عليكم لا تأخذونها وإذا اخذتموها لا تأخذونها إلا على إغماض. والأغماض يعني التغافل وأنت كاره، لو فرضا راح تأخذها لن تأخذها إلا وأنت كاره لها، هل هذا يعطى لله في النهاية؟
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيُّ حَمِيدٌ. يعني في النهاية الله لا ليس محتاجا إلى صدقتك، هو الغني ربنا صاحب العطاء، كلكم جائع إلا من أطعمته، هذه الصدقة استثمار لك، فلما تستثمر لنفسك استثمر شيء طيب، هذا كله لصالحك والله غني عن مالك، حميد يعني يحمد الذين يقدمون خير أموالهم. شوف لماذا قال غني حميد؟ غني عن صدقتك، حميد يعني يحمدك ويثني عليك إذا راك تقدم الجيد.
آخر آيتين معنا اليوم، قال سبحانه: ما الذي يجعل الإنسان إخواني يقدم؟ أولا: ما الذي يجعل الإنسان أصلا لا يقدم ولا يبذل ولا ينفق في سبيل الله، وإذا فكر يقدم يقدم الخبيث؟ ما الذي يجعله؟ الشيطان، هو اللي بخللي الإنسان يفعل هذه الأمور. الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ. الشيطان كل ما تحاول تنفق دينار في سبيل الله: لا هذه خليها لأولادك بلاش بكره تفتقر. كل ما تحاول تبذل شيء وتقدم لمشروع إصلاحي، علمي، فقراء، مساكين، لغزة، للسودان، لإخوانك، كل ما تحاول تبذل والله لا لا تنفق بلاش بكره تفتقر.
يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، يعني دائما الشيطان بصور لك أنك لازم تضلك تحوش تدخر تكنز بكره بتفتقر بكره ما بتلاقي، دائما هو يجعل هاجس الفقر أمامك لالا تقدم في سبيل الله، وإذا قدمت تقدم الخبيث. وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ، الفحشاء هنا هو البخل، وهذا مر معنا حتى في معلقة طرفة بن العبد: عقيلة مال الفاحش المتشدد، مش هيك يقول طرفة بن العبد في معلقته: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد.
فيقول الشيطان: يعدكم الفقر في المستقبل، ولذلك يأمركم الآن بالفحشاء، إيش يعني الفحشاء؟ بالبخل وعدم الإنفاق. والله سبحانه وتعالى بالمقابل وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا. يعدك مغفرة يوم القيامة وستر، وفضلا في الدنيا. ما نقص مال من صدقة، ربنا بقول لك: أنفق ولا تخاف، لن ينقص المال من الصدقة. ليه؟ طب كيف يا شيخ ما راح ينقص المال من الصدقة؟ طب أنا معي ألف، تصدقت بـ ٣٠٠ هي نقص! أنت شو مال النقص عندك؟
أحيانا إخواني يكون الإنسان معه والله ۲۰۰ دينار، لكن فيهم بركة. وفي المقابل في ناس معه ٥٠٠٠ دينار ما فيش فيهم بركة. مين اللي يضع البركة في المال؟ الله. ممكن أنت معك ٥٠٠٠ دينار شهري، بس ابنك في المستشفى معه سرطان الله يعافيك، وعندك أولاد كلياتهم في مشاكل ودواهي ومصايب والسيارة انقلبت وفلان عنده مصيبة ما فيش بركة! لكن شايف أنت الألف تقتطع منها ٣٠٠، والله ستشعر ببركة الـ ٧٠٠، إذن فضلا، فضلا في البركة، وأيضا لا مانع أن يكون أيضا فتح لباب زيادة المال في المستقبل.
كل أشكال الفضل موجودة لمن ينفق في سبيل الله، وهذا والله رايته في كثير من المتصدقين الصادقين الذين أعرف من حالهم أنهم يريدون الخير، والله حسيبهم، أن حياته بركة ربنا بيصرف عنهم الأمراض وبيصرف عنهم الإشكالات واستثماراته تنجح وحياته هادئة، بخلاف الرجل الغني الفقير. والله كثير من الأغنياء كنت أتعامل معهم، بس لما أدخل في خصائص بيوتهم، السحر إخواني والله سحر في البيوت، مشاكل أسرية، أبنائهم في إعاقات. أقول: أعوذ بالله من غضب الله! يعني هذا الرجل أنا شايفه ثري وعنده فيلا وقصر، مش متهني في حياته بدينار. لكن المتصدق والله فضل، فضل من الله، فضل على الاستقرار النفسي.
والأسري إلى غير ذلك، طيب، والله واسع في عطائه والشيطان ليس واسعاً، وعليم بالصادقين ليكرم. نختم فيقول: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ. لماذا هنا قال الحكمة؟ ما هي الحكمة هنا؟ الحكمة أن تصغي لنداء الرحمن ولا تصغي لوعود الشيطان، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ. من هو الحكيم؟ من يصغي... لا، هنا في هذا يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، من هو الحكيم فينا؟ قالوا: الحكيم الذي يصغي لنداء الرحمن ولا يصغي لوعود الشيطان، الشيطان يعدكم الفقر والله يعدكم مغفرة. مين الحكيم؟ اللي بيسمع للقوي ولا يسمع للضعيف؟ والله هو القوي والشيطان هو الضعيف، والله هو الصادق والشيطان هو الكاذب.
قمة، بعض الناس يعتبر الحكمة أنه، ماذا؟ خليك حكيم، فكر، الحكمة البخل، فلما ما يصرف في سبيل الله مفکر أنه هو الحكيم، أنه أنا ادخرت مالي للمستقبل، كلا والله، الحكمة كل الحكمة أن تصغي لله ولا تصغ للوعود الكاذبة، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. أعظم شيء وعطاء يعطيك الله إياه أن يعطيك الحكمة الصحيحة، أن تفهم طبيعة الدنيا وفلسفتها والفرق بين الوعود الإلهية والوعود الشيطانية، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.
نسأل الله سبحانه أن يذكرنا وأن يبصرنا وأن يجعلنا ممن أوتوا الحكمة، إنه ولي ذلك القادر عليه. غداً بإذن الله سيكون المجلس الختامي لسورة البقرة، والمجلس الختامي لرحلة الإنسان في القرآن التي استمرت معنا أيها الكرام من رمضان إلى رمضان، مررنا على تفسير القرآن كاملاً بحمد الله، وهو تفسير لكليات القرآن، هذه رحلة الإنسان في القرآن هي رحلة عشناها سنة كاملة، الهدف تفسير كليات معاني القرآن، والحمد لله الذي أوصلنا إلى التمام، فغداً نختم بالتعليق على آخر سورة البقرة مع سورة الفاتحة على الساعة الخامسة بعد صلاة العصر إن شاء الله، ويكون فيها أيضاً بركة الدعاء والختمة. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل