طيب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا رب، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا المجلس الختامي بإذن الله في التعليق على سورة البقرة، يا أصحاب سورة البقرة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها، ومن المتدبرين، ومن حامليها بحق. وهو المجلس الختامي أيضاً لبرنامج رحلة الإنسان في القرآن، قبل أن نبدأ، أؤكد من جودة الصوت، يا رب، يا رب، أه مشايخنا، الصوت جيد؟ لو واحد يعلق لنا تعليق سريع الله يبارك فيكم حتى ننطلق. يا رب، أخشى أمر الصوت جيد.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس ختام نعقد بإذن الله في هذه السلسلة الطيبة المباركة التي ابتدأناها من رمضان الماضي وما زالت هذه الرحلة مستمرة معنا في أفياء كتاب ربنا سبحانه وتعالى.
ننتقل من سورة إلى سورة، ومن آية إلى آية، ومن صفحة إلى صفحة، حتى انتهى بنا المسير من سورة الناس إلى سورة البقرة. وها نحن نعيش في آخر سورة البقرة مع الصفحات الختامية لها، ومع سورة الفاتحة حيث تتم رحلتنا بإذن الله، مروراً على كليات القرآن كليات المعاني القرآنية. وهذا النوع من التدبر وهذا النوع من التفسير ينبغي علينا أن نهتم به وأن نفعلَه في حياة المسلم المعاصر.
يعني كثير من مجالس التفسير تكون أحياناً تفصيلية، تعرض فيها الآراء المختلفة، ويستحضر فيها كلام أئمة التفسير من بطون الكتب. هذا له مجاله ومساحته، لكن الناس اليوم والله بحاجة إلى أن نمرر معاني القرآن وكليات القرآن على أذهانهم حتى تبقى هذه الكليات مستحضرة في الحياة.
وهذا هو خلاصه رحلة الإنسان في القرآن، أن نعرف الرسائل الكلية التي يريد منا ربنا سبحانه وتعالى أن نستحضرها في رحلة الحياة. فهذا القرآن يرسم لك المسارات، يحدد لك الطرق، يبين لك الصراط المستقيم، ويحذرك من بنيات الطريق، ويحذرك من الضلال، ويبين لك أسباب الضلال ومنشأ مخادعات الشيطان وسبل الشيطان، وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين.
حتى لا أطيل عليكم أيها الكرام في هذا الختام، وجاء الختام مع ختام رمضان، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا سعينا وأعمالنا وصيامنا وقراءتنا للقرآن، وأن يجعل هذا رمضان رمضان عتق من النار، من المقبولين ومن المعتقين، والا يجعلنا فيه من المحرومين، وأن يعيده علينا أياماً عديدة وسنوات مديدة.
وصلنا ايها الكرام إلى قوله تعالى في سورة البقرة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. القسم الأخير من سورة البقرة يتكلم عن الرعاية المالية والفكر الإسلامي في القضايا المالية. ويحدد لك ما هي رؤية الإسلام تجاه استثمار الأموال، هل الإسلام إذا أراد أن نقارن النظام الاقتصادي الإسلامي بالأنظمة المعاصرة، هل الإسلام يدعو إلى الرأسمالية أو إلى الاشتراكية كما يعني تبحث هذه القضايا، أم الإسلام له صبغته الخاصة؟
فهو لا يريدك أن تكون مستحوذًا على المال جشعا في طلبه كحال الرأسمالية الأمريكية وأتباعها، ولا يحرمك من حب التملك وفطرة التملك للمال بالبيع والشراء والاستثمارات وبناء الشركات، كما هي نظرة الاشتراكية التي تقوم على إلغاء حق الإنسان في التملك وأنه أي مال تكسبه هو للجميع.
حقيقة الإسلام جاء بمنهجه المتوازن الذي يوازن بين حاجة الفرد وحب الإنسان للتملك وبين حاجة المجتمع لأن نبنيه جميعاً بأيدينا وسواعدنا هكذا الإسلام. ولذلك في القسم الأخير من سورة البقرة تجري التوازن الكبير في طرح أولاً قضية النفقة والحث عليها واشعار الانسان بمسؤوليته تجاه مجتمعه واسلامه وحضارته وان يكون انسانا منفقا لها خادما لها، وما بين تحريم اكبر جريمه تمحق البركات وتجسد النظام الراسمالي الجشع وهي منظومه الربا التي تضاد تماما فكره الانفاق.
الإسلام يدعوك للانفاق للبذل وأن تكون عنصرا تخدم بمالك مجتمعك، وأما الربا فعلى العكس يقوم على تركز المال في يد طبقة معينة تستغل حاجة الناس، حاجة الضعفاء، حاجة الفقراء، حاجة أصحاب الدخل المحدود. تستغل حاجتهم لسحب أموالهم واستنزافها، فيبقى الغني غنياً والفقير فقيراً، ولا توجد أعمال ولا شركات ولا منتجات، وإنما المال يولد المال بطريقه الجشع.
فسورة البقرة ترسم لنا المسارات: عليكم أن تنفقوا، وأن تبذلوا، وأن تخدموا أمتكم. ولذلك في هذه الصفحة التي سنقرا الآن إن شاء الله حجم الدعوة للانفاق عالي والتركيز على قضية أنه أي شيء ينفق فالله يعلم به وسيكافئ صاحبه وسيعوضه خيراً عالٍ. خاصة أن الإنسان ربما دوافع الإنفاق والبذل عنده للمجتمع تكون ضعيفة، فيحتاج إلى محفزات والى دوافع تعينه على أن ينفق لأنه يحب أن يشعر أن هذا الانفاق فيه بذل وفيه عوض، فالله سبحانه وتعالى خير معوض لعباده.
ثم بعد ذلك تختم بقضية إدارة ملف البيوع والتعاملات المالية، وكيف أن أي تعامل مالي داخل المجتمعات المسلمة يجب أن يقوم على الرضا ويقوم على الائتمان، وأن الإنسان يجب أن يأخذ احتياطاته في التوثيقات والشهود حتى أحياناً الرهن ما تحتاج إلى ذلك. لأن الإسلام عندما يشرعن للقضايا المالية لا يريد أن تكون القضايا المالية سبباً للخلاف، سبباً للنزاع، سبباً للتشاحن، فوضع لك البوصلة الأساسية التي تعيننا على ضبط معاملاتنا المالية بما يحقق الأمانة للمجتمعات.
فهنا في بداية هذه الصفحة يقول ربنا سبحانه: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ. أي نفقة تنفقها في سبيل الله طوعاً من تلقاء نفسك. قال: أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ. والنذر أيضاً الإنسان ينفق فيه، لكنه ينفق بناء على شرط اليس كذلك. يعني في انسان ينفق بدون ما يشترط على الله أنه يا رب إذا شفيت مريضي أذبح ذبيحة أو إذا نجحت في كذا ساتصدق. من تلقاء نفسه بماذا؟ بالنفقة في سبيل الله. وهناك اناس ينفقون، لكنهم لا ينفقون إلا على وجه النذر، يعني إذا ربنا شفاني أو حصلت أو فكذا فانني ساتصدق.
أيهما أفضل؟ بالتاكيد النموذج الأول أفضل، الإنسان الذي يبذل ماله دون أن يشترط على ربه. ولكن حتى النموذج الثاني، حتى النموذج الثاني الذي نذر نذراً ووفاه بالانفاق أو الذبح أو مساعده الناس، فهذا أيضاً مثاب عند الله سبحانه وتعالى. وإن كان الأولى به أن يجتنب النذر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر: إنه لا يأتي بخير. يعني النذر ليس سبباً في الأقضية الجميلة، وإنما يستخرج به من البخيل، في انسان لا يبذل إلا على نذر ما عنده قدرة أنه يبذل وحده هكذا لله دون اشتراط شرط.
عموماً، سواء انفقت وحدك بدون اشتراط شرط، أو انفقت لكن بناء على النذر، على كل الأحوال أي نفقة بذلت فإن الله يعلمها ويسجلها. طب هو لماذا يقول فان الله يعلمه ونحن متاكدون أن الله يعلم كل شيء؟ هنا المراد بالعلم التحفيز، يعني الله يعلمه، بالتالي لن يضيع عليك، لا تقلق، هناك عوض ستجد في الدنيا وفي الآخرة. قال: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. حقيقة هنا تستغرب من إيراد كلمة الظالمين في هذا السياق، نحن نتكلم في سياق النفقات والصدقات وخدمة المجتمع بالمال. من هو الظالم هنا؟ الظالم اخواني الذي لا يبذل ماله للإسلام، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، عدم بذل مالك للإسلام ولقضايا الأمة، وأن لا تكون تشعر بالمسؤولية تجاه حضارتك وامتك، وأن لا تفكر في إنشاء مشاريع تشغل فيها أبناء المسلمين واستثمارات تقوي بها العمل الاسلامي وتكون جزء من مشروع الإسلام هذا ظلم. فلذلك ربنا عز وجل قال: وما للظالمين من أنصار، الذين يبخلون بأموالهم على أمتهم.
طيب، بعد أن بين الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة شروط الإنفاق المقبول، أن الإنسان إذا أراد أن ينفق في سبيل الله هناك شرطان صحيح. الشرط الأول ما هو؟ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ. أي مال بدك تنفقه، أوءك بعد ما تنفق تمن على الناس انك اعطيتهم في أي جهة سواء على فقراء أو مساكين أو جمعيات إسلامية أو دعوية أو مشاريع، لأنه أنت من تحتاج للنفقة ابتداء، إياك أن تمن أو تسمع كلاماً مؤذياً. الشرط الثاني حتى تقبل النفقات: أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ. أنه يجب أن تكون النفقة من المال الجيد الحلال، ولا تخرج رديء ما عندك، تخرج أسوأ ما عندك، أو على الأقل المتوسط الجيد. هذه كانت شروط النفقة.
الان هنا الكلام عن طريقة النفقة، الكلام عن طريقة النفقة، طريقه دفع المال. يقول سبحانه: إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعْمَّا هِيَ ۖ وَتُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. أيهما أفضل أنني إذا أخرجت زكاة مالي أو صدقتي أن أجهر بها أمام الناس وأري الناس أنني أخرجها، أم الأفضل أن أسر بها وأن أخرجها على وجه الخفاء؟
حقيقة الأفضل هو حسب المصلحة التي ستتحصل. إذا كان إخراجك المال والزكاة بشكل علني سيدفع الناس أن تأتسي بك وتقتدي بك فتكون سننت سنة حسنة، اصبحت نموذج يحتذى مع سعيك للإخلاص في داخلك. لكن يا رب أنا أتريد أن أجهر وأنا أدفع زكاتي أو أنا أتصدق حتى يقتدي بي الناس وأكون سبباً في التشجيع والتحفيز، فهذا سيكون أفضل من الإسرار في هذه الحالة لأنك كنت قدوة حسنة.
لكن إذا كان قضية التحفيز غير حاضرة، وأنه أو نيتي لا، أنا أخشى أن تتقلب علي، أنا خايف يا شيخ إذا أنفقت بشكل علني والناس رأتني أن يتقلب علي قلبي وأن يدخل الرياء، أنا أريد أكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورجل تصدق بصدق فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. إذا كنت تشعر أنه لن يكون هناك فائدة من إجهار صدقتك أو من الجهر بها، أو تشعر أن قلبك يتقلب عليك، لا، في هذه الحالة الإسرار يكون خيراً لك.
بالتالي أسر أم أجهر؟ كلاهما جائز، لكن اختيارك سيكون على المصلحة أيهما أفضل. في هذا السياق يقول سبحانه: إن تبدوا الصدقات وتدفعوها علانية فنعما هي، خير وبركة. طبعا هي خير وبركة إذا لم يكن قصدك الاستعراض، أنه أنا بنفق، أو طلب ثناء الناس، أنه أنا كريم، لا، أنا فقط هدفي يا رب أن أحفز الناس، كما كان الصحابه في الغزوات، النبي عليه الصلاة والسلام يقول من يعطي، من يبذل، فيخرج عثمان يقول أنا أجهز. هو خرج أمام الناس، لكن لماذا؟ قال: أنا أجهز، هو أيضاً يريد أن يحفز صحابه الآخرين على البذل والعطاء، فهذا النوع نعمة.
قال: وَتُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. هو خير يعني أفضل في حال كان الجهر لا فائدة أو لا مصلحة مرجوه منه، عندئذ يكون الإسرار خيراً لكم. قال: وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ. دائماً في الحديث النبوي: الصدقة تطفئ الخطيئة. لذلك كان مشايخنا ينصحوك دوماً إذا عصيت الله سبحانه وتعالى فقم بماذا؟ بالصدقة. إذا عملت اليوم معصية، نظرت لحرام، أو قلت كلمة محرمة، أو فعلت فعل لا يرضي الله، مباشرة أطفئ غضب الرب بماذا؟ بالصدقات، حط لك صدقة في صندوق مسجد، حط لك صدقة لفقير، حط لك صدقة لانسان محتاج، لانسان على دينه، لمشروع، لأي شيء، تصدق. فالصدقات تطفئ الخطايا، لذلك قال: ويكفر عنكم من سيئاتكم.
ثم قال نفس الشيء تحفيز ثاني: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. يعني الله خبير لماذا أنت تصدقت علانية أو تصدقت سرا؟ لأنه كلمة الخبير ألطف من العليم. العليم تدل على الكليات والجزئيات، لكن دلالة اسم الله الخبير تدل على إدراك طبائع النفوس والاشياء الخفية التي بدها خبرة، يعني في أشياء بدها كلمة الخبرة، فالله يقول أنا خبير باختيارات لماذا فلان أعلن الصدقة ولماذا فلان أسر؟ الله عز وجل خبير بكل ذلك.
يقول سبحانه في الآية التي بعدها: لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. تعالوا نفهم سبب نزول هذه الآية لنعرف لماذا وردت هنا. سيدتنا أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها جاءتها أمها، وجدتها في بعض الروايات أيضاً، وكانتا كافرتين، أمها وجدتها كانتا كافرتين. فأسماء ذهبت سألت النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، هل أعطي أمي وأبي، عفوا، هل أعطي أمي وجدتي؟ هل أساعدهم بالمال مع أنهم كفار؟ فكان هذا أيضاً سؤال وارد حتى في أذهان الأنصار. فورد في سبب نزول هذه الآية أيضاً أن الأنصار كان لهم قرابات داخل المجتمع المدني ما زالوا على الشرك، فكانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام هل يجوز أن نتصدق على مشرك من قراباتنا؟
الان بالنسبة للزكاة استطيع أن أقول هناك شبه اجماع على أن الزكاة بالتحديد لا يجوز أن تصرف على مشرك إلا في سهم المؤلفة قلوبهم، أما بالنسبة للفقراء والمساكين لا يجوز في الزكاة أن تعطى للمشركين. أما بالنسبة للصدقات العامة والاحسان العام، جاءت سورة البقرة تقول: إذا كان، طبعا أنت سورة البقرة بدك تجمعها مع سورة الممتحنة: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُو إِلَيْهِمْ. إذا كان يعيش معنا في المجتمع المسلم إنسان مشرك تمام، لكنه لا يحارب الإسلام ولا يعادينا وفقير محتاج، هنا الله عز وجل يخبرنا أنه يجوز أن نعطيهم من الصدقات، وأننا مثابون على هذا العطاء، وأنك لا تدري لعل هذه الصدقة التي بذلتها لذاك المشرك غير المحارب الذي يعيش معك بطمأنينة بدون أي مشاكل، لعلها تكون سبباً في حبه للإسلام. اليس كذلك أسلوب دعوي تمام؟ أنه راى انك اعطيته مع أنه يخالف شريعتك ودينك، فهذا قد يكون من أساليب الدعوة الناجحه بشرط كما قلنا أن يكون هذا الرجل غير محارب.
لا يعادينا ولا يحاربنا. فالله يقول للصحابة؛ سواء لأسماء بنت أبي بكر أو للأنصار: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. يعني موضوع أنهم يسلموا أو ألا يسلموا هذا لله سبحانه، وأنت لا تملك الهداية لأحد، أنت فقط تبين وتعلم، الهداية بيد الله. فلا يحملنكم أنهم ليسوا بمسلمين وليسوا على دينكم ألا تعطوهم من الصدقات ومن التطوعات، وأن تلتفتوا لحالهم. فإن الالتفات لحال هؤلاء الكفار الذين يعيشون معكم في داخل المجتمع عموما مصلحته تعود لكل المجتمع.
هذا أولا، أنه ما دام هناك فقراء ولو كانوا مشركين، وجود الفقر المتقع في المجتمعات مقلق صحيح؛ لأنه الفقير في النهاية هذا مشرك لو ظله فقير وما حدا يلتفت إليه لأنه مشرك، ماذا سيحصل؟ سيشجع ذلك على الجريمة، سيشجع ذلك على السرقة. هو أصلا -عفوا- هو مش فرق عنده زي ما بقول يعني، هو مشرك مش مسلم، بالتالي إذا هو لم يتم كفاية حاجته، يمكن يصبح مجرم، سارق، محتال، خائن. فإحنا بدنا أيضا درء شره، وفي نفس الوقت نكون سبب في تأليفه للإسلام. فمن حكم الإسلام ومن محاسن الإسلام الراقية أنه يأمرك أن تلتفت حتى للمشركين الفقراء في مجتمعك. شوف محاسن الإسلام، حتى هؤلاء التفت إليهم، وقضية الهدى هذه لله، أنه ربنا يكتب له الهداية، هذا أمره عند الله.
ثم قال: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ. ولماذا قال هنا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ؟ لأنه الإنسان ممكن يستعظم أن يعطي صدقة المال للمشرك. يقول لك: معقول أعطي صدقة مالي لنصراني يعيش في المجتمع؟ الإنسان قد يستعظم هذا، فالله يقوله: أنت في النهاية لما تتصدق، سواء تصدقت على نصراني أو على مسلم أو على مشرك، هذه الصدقة أنت تحصل ثوابها لمصلحتك. وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، أنت بتنفع نفسك عند الله سبحانه وتعالى. فلا تقول والله إذا ذهبت إلى نصراني أو مشرك لا فائدة منها، أنت لا تعرف حكم الله العظيمة في تشريع هذه الأحكام.
ثم قال: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ. هذا خبر، لكنه في صي... هو خبر لكنه في معنى الأمر؛ هو يقول سبحانه: لا ينبغي أن تكون نفقات إلا ابتغاء وجه الله. وهنا ضرورة الإخلاص، ضرورة مزاحمة الرياء وطرده، وكلما جاءك خاطر أنني اريد أن يراني الناس أو اريد أن يسمع مع أنني أنفق، يجب أن تعالج هذا الخاطر سريعا. لا ينبغي لأهل الإيمان أن ينفقوا أموالهم إلا ابتغاء وجه الله.
ثم قال: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ. أي شيء تنفق في سبيل الله سبحانه ومن أجل هذا الدين، ما رح يضيع، يُوَفَّ إِلَيْكُمْ. لاحظوا الحرص هذا: وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ. لماذا هناك حرص على تكرار هذه الأفكار أنه صدقتك ما رح تضيع؟ هاء وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، هنا نفس الشيء: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ؛ لانه الإنسان برجع بقول لك: الإنسان شحيح، الإنسان بخيل، ما بده ينفق، فانت بدك تحاول مرة بعد مرة بعد مرة تقول له: صدقتك لن تضيع. لانه بقول لك يا شيخ: أنا تصدقت بس أنا ما رح أرى أثر وثمار هذه الصدقة، يعني أنا أعطيتها في مشروع علمي أو على فقير ومسكين، هل أنا سأرى هذه الثمار؟ الثمار لا تخشى عليها، موجودة عند الله سبحانه، فلازم تعزز في داخلك قراءة سورة البقره حتى تطمئن في أثناء عملية بذلك وإنفاقك، لا يوجد شيء يضيع، كن مطمئن أنها نزلت عند الله سبحانه. طبعا إذا كانت على المعايير الشرعية الصحيحة.
ثم يقول سبحانه بعد أن ذكر قضية الصدقه على فقراء المشركين، من هم أولى أن يتصدق عليهم؟ فقراء المسلمين، خاصة خاصة الفقراء الذين كان سبب افتقارهم في سبيل الله، أنهم سخروا أنفسهم وحياتهم لنصرة دين الله، فحصل لهم افتقار بسبب ذلك. يقول سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ذكر عدة صفات لهؤلاء الفقراء: فقراء، ايش أول صفة من صفاتهم؟ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ، يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. خمس مواصفات لهؤلاء الفقراء، الذين هم أفضل الفقراء، والذين يجب أن نعطيهم من العناية والاهتمام ما لا نعطي غيرهم.
الفقراء، أول صفة من صفاتهم: أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ما معنى أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ أي تم حصارهم والإغلاق عليهم لما هاجروا وقاتلوا وثبتوا في سبيل الله. حتى أطيك مثال قريب؛ حال إخواننا في غزة أسال الله أن يفرج عنهم، افتقروا، لكن ما سبب افتقارهم؟ الحصار، أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تم محاصرتهم من قبل الأعداء، وهذا الحصار فرض عليهم لأنهم رفضوا الخضوع، رفضوا الاستسلام، رفضوا مصانعة اليهود، رفضوا تسليم السلاح، رفضوا أن يضعوا أيديهم في أيدي اليهود، فأُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تم محاصرتهم ومنعهم من الخروج، ومنع الطعام والشراب أن يدخل عليهم. ليس لخلاف على دنيا، وإنما الخلاف معهم خلاف ديني عقدي، فاجتمع عليهم اليهود والصليبيون والمنافقون لأنهم يعرفون أن هؤلاء أصحاب دين، فخير الصدقات وأفضل الصدقات وأفضل البذل لهذا النوع من الفقراء الذين كان سبب افتقارهم الحصار في سبيل الله.
تمام، هذا خير الصدقات أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قال: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ؛ لأنهم أُحْصروا، أصبح من صفاتهم أنهم لا يستطيعون مغادرة بلدهم؛ لأن الحصار مطبق. لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ؛ أي السفر من أجل التجارة والاستثمار. يعني لو إنسان مقيم في بلدك فقير أو أموره الاقتصادية مش ماشية، ايش بتقول له يا اخي؟ اطلع بره على بلد آخر فَمْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا، ربنا بيفتحها عليك في بلد آخر، اليس كذلك؟ سافر للخليج، ويقول لك سافر للمغرب، سافر لمصر، عنده قدرة. لكن هذا الذي حوصر في سبيل الله كحال إخواننا في غزة، هل لديهم قدرة على أن يخرجوا ليتاجروا خارج أرضهم؟ يعني حتى لو فكر يخرج خارج قطاع غزة هو لا يستطيع أن يفعل شيء، هو ممنوع من السفر، لذلك قال: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ، لا يستطيعون السفر والتجارة خارج البلاد.
طيب، يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ. من هو الجاهل هنا يا إخواني؟ الجاهل هنا ليس ليس وصف ذم، الجاهل ليس ضد العالم، لا. الجاهل هنا بمعنى الذي لا يعرف أحوالهم. يحسبهم الجاهل، يعني أنت ممكن تكون تراعيش في بيت وجارك متعفف لكنه فقير، فأنت جاهل بحاله، فأنت جاهل بحاله. فيحسب الجاهل بحالهم يحسبهم أغنياء. طب أنا لماذا إذا فكرت أنه أنت غني ما إنه أنت في الواقع فقير؟ لأنك إنسان متعفف. ما معنى من التعفف؟ لعفته، لأنهم لا يتسولون ولا يمدون أيديهم إلى الناس، ولا يبذلون ما يبذل غيرهم من السؤال. الإنسان يظن أنه مكتفي، وقد يكون بات وهو جائع، وقد طوى بطنه على جوع. فهؤلاء انتبهوا عليهم، ممكن يموت جوع بعض الناس لعزة نفسه، والله ممكن يموت جوع ولا يسال، يموت جوع ولا يمد يده إلى الناس، يموت جوع ولا يشعر أنه اليد الدفلى، يريد دوما أن يكون اليد العليا. هؤلاء أمرنا الله أن نتفقد أحوالهم. يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ.
طيب، كيف بدي أعرفهم يا رب؟ ما دام هو لا يظهر لي فقره ومحتاج، ومتعفف، وعفيف النفس؟ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ. بسيماهم، بعلاماتهم؛ لما يكون يمشي ببطء، لما يكون كان في صحة وأصبح نحيل، من سيماهم ومن علامته بتعرف أنه محتاج. وهذه بدها نوع من التأمل، يعني لما تشوف جارك وجهه أصفر وبدنه نحيل، ودائما وجهه عابس أو كئيب وشاحب، هذا لحاله بعطيك مؤشر أنه عنده مشكلة، فروح اتفقه، ما في داعي أنه هو يطرق بابك، أنت اذهب فاطرق بابه. هذا الإسلام العظيم، الإسلام الذي يأمر أفراده أنه لا تنتظر أحد يقول لك أعطني، أنت روح ابحث عن مواطن العطاء وابحث عن الاستثمار الناجح عند الله سبحانه وتعالى. لا تنتظر، أنت اللي بدك تروح تبحث عن هؤلاء.
ثم يقول: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. من صفاتهم أنهم لا... الإلحاف هو إلحاح المسألة، فهم أبدا لا يلحون على الناس بالسؤال، وليس من شيمهم ولا من أخلاقهم، لا من سيماهم أنهم يمدون أيديهم. هذا الصنف هو أعظم صنف تنفق عليه، قوم حوصروا لأنهم في سبيل الله، والحصار الذي فرض عليهم في سبيل الله يمنعهم من الضرب في الأرض، وبطبيعتهم أناس أعفاء لا يسالون ولا يمدون أيديهم، ولكنك لو نظرت إلى سيماهم ستعرف أنهم في قمة الحاجة، هؤلاء اعتنوا بهم.
طيب، ثم مرة أخرى يدفعك للنفقة ويذكرك بالعوض الكريم، قال: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. تحفيز آخر، ثم ختم باب النفقة في سورة البقرة فقال سبحانه عموماً، الآن هذه الآية ختامية في هذا الموطن: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
أعظم الناس في باب الصدقات تعرفون من هم؟ هم هؤلاء، هم رجال اخذوا على عاتقهم أن يكون شغلهم الشاغل قضاء حوائج الناس. شوف التعبير القرآني الجميل: هناك رجال أخذوا على عواتقهم أن يكون شغلهم الشاغل في المجتمعات المسلمة قضاء حوائج الناس، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً، شغال بالليل والنهار، يجمع معلومات عن الفقراء، يبحث عنهم، حاول يذهب يقدم لهم في أي وقت، ليل، نهار، جاته معلومة أنه في فلان فقير في مستشفى بده علاج يذهب الساعة واحدة بالليل، ثنتين بالليل، فلان والله محتاج واقع في مصيبة مالية يذهب فزعة زي ما بقولوا، في ناس فزعات. هؤلاء من اعظم الناس عند الله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً، يعني كيف ما اجت معه، اضطر يدفعها علنا يدفعها علنا، دفعها سرا، هو هذه المواضيع ما عادت تهمهم الآن، ليل، الآن، نهار، الآن سيكون علن، الآن سر، المهم أن أقضي حوائج المسلمين.
هؤلاء من أعظم الناس عند الله سبحانه. ترى ليست العظمة أنك تكون فقط جالس في مسجد وبتقرا وحدك قرآن وبصلي وتذكر الله، هذا شيء جميل، لكنه ليس أفضل أحوالك، أفضل أحوالك: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، أفضل أحوالك: من أعان مسلما على قضاء حاجته. لذلك كان كثير من السلف يقولون: لأن أمشي في حاجة أخي خير لي من أن أصلي ليلة القدر وأن أقيمها. تخيل، أن أغش في حد، لأنهم يعرفون، هؤلاء السلف قرءوا القرآن ففهموا، عرفوا أن القرآن يحفز على النفع المتعدي، أنه خلي خيرك لمجتمعك، لا تعيش الإسلام وحدك، الإسلام قضيتنا جميعا والمجتمع المسلم مجتمعنا جميعا. ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
في ناس ما برتاح وما بينام إذا جاره تعبان، في ناس ما بيعرف يستريح وأهل غزة يحاصرون وأهل الشام في فقرهم وحالهم، في نفوس طيبة. هؤلاء هذه النفوس الطيبة التي كانت دائما قلقة وفزعة على إخوانها، مش فقط همها أنه هي تاكل وتشبع ولا تهتم بأحوال المسلمين، بماذا وعدهم الله؟ قال: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. هذا يطمن أنه عند الله في المكان الرفيع.
بعد أن انتهى حث الناس على الإنفاق في المجتمعات المسلمة، جاء التحذير من أكبر جريمة معاكسة للنفقات والبذل والعطاء، وهي جريمة الربا. جريمة الربا التي هي أكبر الجرائم المالية ومن السبع الموبقات لأنها تدمر المجتمعات: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا. الربا إخواني طبعا له صورة، من أعظم صوره: أن الإنسان يقرض شخصا مالا ثم يقول له عند السداد: بدك تربحني. هذا الربا يقوم على فكرة ماذا؟ أن الإنسان يربح بدون عمل، فقط المال يولد المال، أن أنا بعطيك مئة دينار آخر الشهر بتجيبها مئة وخمسين. طيب الخمسين دينار مقابل شو؟ ما هو العمل الإصلاحي المجتمعي اللي خدمت فيه مجتمعك؟ لا يوجد عمل. هذه الفكرة سبحان الله هي الفكرة التي تدمر أي اقتصاد لأي دولة.
حتى ولو كان تظهر لكم أمريكا وغيرها أنهم يعيشون في حالة من الرفاهية، لكن أنهم يعيشون في حالة من المديونية المرعبه. الشعب الأمريكي ولو تقرءوا الاحصائيات يعيشون في حالة من المديونيات المرعبه، هم يعيشون على الربا، يولد الربا، الربا يولد الربا. وفي حال لم تستطع أن تسد القرض الربوي ماذا يحصل؟ كل أملاكك يتم الحجر عليها وبيعها: سيارتك، بيتك، وحياتك.
الربا يقوم على أن المال يبقى في يد عدد معين من أصحاب الثروات وباقي المجتمع يبقى تحت خط الفقر. لماذا؟ لانه متى المجتمع يصعد في قدرته المالية؟ لما يكون صاحب المال يفتح مشروع، يفتح شركة؛ شركة ألبان، شركة سيارات، شركة كذا. هذه الشركة توظف فيها خمسين، ستين، مئة ألف مواطن، هؤلاء بيجوا بيشتغلوا بيتعبوا بيحصلوا رواتب، الشركة تجلب أرباح، وثم بعد ذلك هذه الأرباح بفتح مشروع ثاني وثالث ورابع، هنا الموظفين مع الوقت بصير عندهم قدرات مالية، الموظف بيشتغل عندك خمس ست سبع سنين بصير عنده مال قادر وهو نفسه يفتح مشروعه. وهكذا ينمو الاقتصاد وتنمو الشركات. فالاسلام هذه نظرته المالية أن المال لا يولد المال، المال يولد عمل، والعمل يولد مال، ما عنا مشكلة. أما أنه فقط أنت تستغل حاجة الفقراء والمحتاجين من أجل أن تربح أنت، وهو يضله مديون طول عمره بس يلهث مشان يسد هذا الدين اللي عليه، هذا ليس عدلا.
ولذلك اليوم لو أردنا ننظر لماذا الدول الإسلامية اليوم ضعيفة في قمة ضعفها؟ لأن الغرب اشترانا بالربا. الغرب نحن كل الدول العربية مديونة لأمريكا ولصندوق النقد الدولي وللمؤسسات العالمية، فبمجرد أنه إحدى الدول العربية والاسلامية تقرر أن تبني اقتصادها مباشرة تاتيك أمريكا بلافتة ماذا؟ ادفع مديونيات لصندوق النقد الدولي. تجد هذه الدولة عليها أربعين مليار، وهذيك الدولة مئة وخمسين مليار، وهذيك الدولة... فتبقى الدول العربية مأزورة فقيرة.
لذلك بعض الناس يقول لماذا في دولنا لا يوجد اقتصاد؟ كيف ستكون هناك اقتصاد ونحن في منظومة الربا العالمية التي تجعلنا مهما فكرنا أن ننشئ محاصيل زراعية بتيجي أمريكا بتقول لك وقف إنتاج القمح، وإلا مباشرة بتطالبك بالسداد وبضاعته، فأنت بتقول: لا لا خلص بطلت أنتج قمح، بدك تفكر تعمل شركات أنت؟
أمريكا وروسيا، كل واحد يريد أن يكون المال في يده، الثروة في يده، لا يريدون لدول الإسلام أن تشعر بالنماء الاقتصادي والحضاري، فاقدوا بالربا وبالموت الربوي حتى نحن أصبحنا لا نملك قراراً من قرارات، قراراً واحداً أن نكون أصحاب فيه، لا نملك ذلك، غرقانين في الديون، لذلك متى الدول العظيمة تبدأ تنهض؟ عندما تسد مديونيتها.
الدولة تصبح لها قرار عندما تبدأ ايش تسد مديونيتها، وهنا يخاف الغرب منك، لما يشوفك عم تسد مديونيتك وعم تنهي الملفات، يعرف أنك ستنافس، وهذا حصل في بعض الدول ترى أنهم نافسوا في سد المديونيات، بالتالي أصبح لهم قيمة، يعني أصبح الغرب يجلس معه ويحسب له حساب، ليه؟ لأنه هذا عنده اقتصاد.
أما هذه الدول العربية والإسلامية ما حدا بحسب لنا حساب لا في القوة ولا في الاقتصاد، لأنهم يعرفون أنه ما أسهل أنني أطالب بسداد مديونيات الربوية، فالربا دمار، الربا هيمنة، الربا سطوة الغني على الفقير، فيزداد الفقير فقراً وشقاءً في حياته، فلذلك الله شبه المرابي بأبشع صورة.
فقال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ، يعني المصروع، إذا اردنا أن نقرب الصورة، المرابي عقوبته أنه يوم القيامة لما يبعث من قبره يقوم كالمصروع، ألا بتعرف الذي يصيبه صرع يتخبطه الشيطان من المس من الصرع؟ كيف هدول المصروعين بتلاقيه بصير يعمل حركات عشوائية فوضوية حتى أنك لا تحب أن تنظر إليه، هكذا حاله لأنه تلاعب بأرزاق المسلمين، فجعل الله الشياطين أو جعل الله هذه الأمراض والصرع يتلاعب به لما تلاعب بالناس، تُلعب به، فأصبح كالمصروع يتخبط في ساحات يوم القيامة.
طيب، ذلك هذا الصرع، هذه العقوبة، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، اليوم لو جلست مع أي تاجر مرابي في البنوك الربوية، حتى في بلادنا للأسف، بقول لك: شو الفرق بين البيع والربا؟ لا فرق هائل بين البيع والربا، ما احنا حكينا شو الفرق؟ الربا مال يولد مال، ما في عمل، في شركات، فيش إنتاج، البيع عبارة عن سلع ومنتجات وشركات وعمل وماكينة عم تتحرك في المجتمع، أنت لما تبيع سلعة واحدة بكون هي السلعة اشترك في تصنيعها عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين واحد، كلهم استفادوا على الطريق، في الربا من سيستفيد؟ شخص واحد فقط، صاحب المال.
أما البيع أنا لما أبيعك سيارة، طب هي السيارة كم واحد شارك في صناعتها؟ انتد ٤٠٠ واحد صنعوها وكلهم استفادوا، فالمال يتوزع بشكل معقول، المال يتوزع بطريقه صحيحة منطقية، فالمجتمع يشعر بالأمان، فقال سبحانه: هؤلاء الفجرة قالوا إنما البيع مثل الربا، وهم كذبوا، وأحل الله البيع لأنه يقوم على مفهوم صحيح، وحرم الربا لأنه يقوم على الاستغلال.
طيب الخلاصه: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، الآن كل انسان عرف أن الربا محرم، كل شيء فعلته وانت جاهل خلص ربنا عفى عنك، فَلَهُ مَا سَلَفَ، يعني اللي عملته قبل ما تعرف تحريم الربا ربنا بعفو عنك، لكن متى ما عرفت تحريم الربا بدك تنتهي الآن.
فمن جاءته موعظة وتنبيه من ربه فانتهى، فانتهى، لاحظ، وقف، قال: سمعنا وأطعنا، انتهى يا رب، سمعنا وأطعنا، بعض الناس اليوم تجده يصلي في الصف الأول في المسجد، ويسمع آيات الربا تتلى عليه ولا ينتهي، الله يقول لك: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، وأنت بتقول يا رب ما بدي انتهي، ما قيمة هالصلاة اللي بتصلي يعني؟ ما معنى أنك تصلي وأنت مرابي؟ ولازم تصلي يعني شئت أو هبيت يعني، لكن هي الفكرة: ما قيمة هاي الصلاة إذا كان الله وأنت تسمع من الإام في رمضان فانتهى وأنت تقول يا رب ما بدي انتهي؟
هل بقي شيء؟ هل تركت شيء؟ إذا بعد ذلك لا تقل يا رب ليش صار معي بلوى في أبنائي؟ يا رب ليش صارت مصيبة في بيتي؟ يا رب ليش الحياة معسرة معي؟ لا تقول، لأنه هو الإام وأمرك أن تنتهي ولم تنتهي، قال: فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ، أي من استمر في ممارسه الربا، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
طبعا هل المرابي سيخرج في نار جهنم؟ جمهور أهل العلم، بل هو ما هو معتقد أهل السنة: أن المرابي إذا لم يعتقد أن الربا حلال، يفعل فقط كمعصية، هو واقع في كبيرة، إذا عذب في النار سيخرج منها، لكن غمسة في نار جهنم تنسيك الدنيا كلها، يعني لا تقايس على غمس على غمسه في نار جهنم، فكلمة هم فيها خالدون: إما أن تحمل على من يستحل الربا؛ لأنه هذا كافر، أو على الخلود بمعنى طول المكث، وليس أنه الخلود الذي لا مخرج منه، لأن الذي يخلد في النار دائماً أبداً من هو؟ الكافر، أما العصاة، الزناة، الفجرة، المرابون إذا لم يستحلوا هالمعاصي فلو دخلوا النار فلا بد وأن يخرجوا في يوم من الأيام.
ثم الله عز وجل يخبر عن الفرق الهائل بين الصدقات والنفقات اللي تكلمنا عنها قبل شوي وبين الربا، قال: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، الربا يذهب البركة من حياتك، وأما الصدقات والانفاق للمجتمع يزيد البركة في حياتك، شوف الفرق الهائل بين نظام الصدقات ونظام الربا، الربا يعدم البركات والصدقات يربي ينميها، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ، هذا الكفار الذي كلما سمع آية يقول: سمعنا وعصينا، الله لا يحب هذا النوع من البشر، أثيم الحريص على اكتساب الآثام.
طيب الله يحب من؟ ذكر مباشرة من الذين يحبهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ، هؤلاء الذين يحبهم الله، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، لانه دائما الانسان أهم شيء عندك أنت كإنسان أنك تشعر بالطمانينة والامان، هذه حاجة حياتية: أنني أريد أن أتشعر بالطمانينة والأمان، فربنا يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات وواظب على الصلاة والإنفاق في سبيل الله، هؤلاء يبشرهم الله بالأمان التام وذهاب الهموم والأحزان.
ثم يقول سبحانه وتعالى واعظاً المؤمنين مرة أخرى لضرورة ترك الربا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، خافوا ربنا، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، ما معنى ما بقي من الربا؟ أول ما نزلت هذه الآيات على الصحابة كان بعضهم يتعامل بالربا، خاصة اليهود كانوا في المدينة هم أساتذة الربا، ولا اليوم أساتذة الربا في العالم اليهود، كان بعض الصحابة قبل أن ينزل تحريم الربا يتعامل به، فلما أنزل الله هذه الآية قال الله للصصحابة: أي عقد ربوي بينكم وبين شخص ذروه، لا تكملوا فيه، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا، أي عقد ربوي كان بينكم وبين الناس اتركوه، لا تكملوا فيه، هذا معنى ما بقي، إن كنتم مؤمنين، إذا أنت مسلم مسلم بتقول: سمعنا وأطعنا.
بعض الناس، شوفوا بعض الناس بكون داخل في شغله محرمة، عرف الآن أنها حرام، بقول: طب يا شيخ، أكمل هبس بس أكمل هي تكون آخر مرة؟ لا لا، مش حينفع، إذا عرفت أن الشيء حرام بدك تتركه الآن، ما في قضية: بس خليني أكمل آخر مرة، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، إذا أصررت على الاستمرار في الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
لم يعلن الله الحرب على عص على عصاة المؤمنين إلا في هذه الآية، لم يعلن الله الحرب على عصاة المؤمنين يعني في هناك معصية ربنا اعلن عليها الحرب في القرآن، هسه الكفر هذا لحاله، بس انا بحكي معصية أقل من الكفر، الزنا ربنا ما قال حرب من الله، جريمة عظيمة وكذا، لكن ما قال حرب من الله، مثلا ايش عنا شرب الخمر ما قال حرب من الله، في الربا قال: حرب؛ لأنك تحارب المجتمعات المسلمة، إذا بتارب أولاد بلدك والمجتمعات المسلمة فانت تحارب الله، فالله يعلن حرب شاملة على المرابي، ومسكين هذا الإنسان الضعيف الذي بدو يوقف في مواجهة رب العزه سبحانه وتعالى، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
طيب، وَإِنْ تُبْتُمْ، أما إذا قررتم التوبة والإصلاح، وهذا كلام لكل مرابي، أي إانسان يقرر التوبة وأن تبتم، فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، إذا أنت كنت مرابي بترجع راس مالك، لا بظلمك ولا بتظلم الناس، قال: لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، أنت لا تظلم الناس ولا أنت تنظلم، خذ راس مالك.
طيب يا رب من الربا ماشي، أنا بدي أترك، ما بقي من الربا، لذاك الرجل عم بطالبني يرجع راس مالي، معسر، لأن الصحابة مش ربنا قال لهم اتركوا ما بقي من الربا؟ قالوا: يا رب بدنا نترك، لكن بعض الناس اللي بنستنى منهم سداد القروض معسرين، ما معهم يسدوا لنا القروض، فقال الله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، إذا كانوا الناس اللي بدكم منهم قروض معسرين، فترفقوا، فَنَظِرَةٌ، انتظروا، أرفقوا، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ، إيش يعني وأن تصدقوا هنا؟ يعني وأنكم تعفوا عن حقوقكم المالية وتسامحوهم في الديون، هذا أحسن وأحسن؛ لأنه من يسر على معسر يسر الله عليه.
وجاء في الحديث أن رجل ما كان يعمل خيراً والله أدخله الجنة، قيل: لماذا أدخله الجنة؟ قال: كان رجل يبيع الناس بالدين فإذا جاء وقت السداد قال: أنظروا إلى هذا الرجل، إن كان لا يستطيع السداد فاعفوا عنه، فعفا الله عنه، يعني رجل كان عاصي، مذنب، يعني يشرب مشروبات محرمة، بعمل أشياء محرمة، يعني بصلي بس بقطع له شوية، يعني عنده ذنوب كثيرة، لكن كانت في هاي الخصلة، شو هي؟ أنه كان يعفو عن أصحاب الدين، شاف واحد بده منه مصاري معسر، يتصدق، يقول له: خلاص مسامحك، أدخله الله الجنة بسببها.
وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، تعلمون أن عند الله العوض، تعلمون أن عند الله أن الله يخلف كل صدقة وكل خير تقدمها.
طيب الآن، آخر آية نزلت في القرآن، ما هي آخر آية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم؟ آخر اتصال بين جبريل والأرض في آيات القرآن ما هو؟ هذي الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، هذه آخر آية نزل بها جبريل على الأرض، واخر اتصال ملائكي يتعلق بالوحي الإلهي كانت هذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.
إخواني، مهما مر عليك من تشريعات في القرآن، وما سمعت من أحكام وأوامر إلهية، إذا أنت لا تخشى الوقوف بين يدي الله لن ينفعك الوعظ ولا النصح ولا الإارشاد، متى الإنسان ينتفع بالنصيحة؟ ومتى الإنسان يقف عند حدود الله؟ إذا كان يحسب حساب أنه في دار آخرة، ما بتحسب حساب أنه في دار آخرة انسى كل الوعظ وكل النصائح لن تنفعك؛ لأنك أنت لا تنتظر يوماً ستحاسب فيه على تقصيرك.
فالله يقول: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، خاف هذا اليوم؛ لأنه إذا ما خفته خلص هذه النصائح والمواعظ والتوجيهات والأوامر لن تؤثر في حياتك وفي ذاك اليوم، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
بعد أن انتهى النص القراني هنا من التحذير من جريمة الربا، جاء القسم الأخير، وهو الكلام عن إدارة ملف التعاملات المالية، إن المعاملات المالية في المجتمع المسلم أولاً يجب أن تقوم على الرضا، ويجب أن تقوم على التوثيق، ولا بد أن يكون هناك توثيق، لماذا؟ لأن الله سبحانه لا يريد أن تكون معاملاتنا المالية سبب للنزاع والشقاق والخلاف، يريد أن تكون المعاملات المالية سبب في البناء، سبب في طمانينة العائلات، وليس سبب في المحاكم والقضايا المرفوعة.
اليوم لو اتينا إلى القضاء في بلادنا العربية والإسلامية تجد آلاف القضايا المطروحة أمام المحاكم في المعاملات، صحيح؟ لماذا؟ لأننا لا نتقي الله في أداء المعاملات كما يرضي الله، فالله عز وجل يعلمنا، والله القرآن يعلمك كيف تحفظ حقوقك، كيف توثق تعاملاتك، كيف أنك ما تنغش، وكيف أنك برضه ما تضر غيرك.
فيقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، هذه أطول آية في القرآن، شوف قبل شوي كنا في آخر آية في القرآن والآن مع أطول آية في القرآن بجانب بعضهما البعض، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، لما أنت تداين شخص يا اخي اكتب، وثق، حتى ما يصير غدا جحود أو نكران أو إشكالات، التوثيق بريح، فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ، جيب كاتب وظيفته أن يكتب هالعقود ويوثق وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، يعني الله هنا يوجه توجيهاً للكتبة الذين يحسنون كتابه العقود وتوثيقها.
إذا إخوانك دعوك أنك تكتب عقد بينهم، إياك أنك تقول لا أنا مش فاضي، إياك تقول لا ما بدي أساعدكم، زي ما ربنا علمك زكي، علمك، كما أن الله علمك زكي علمك بأن تبدل هذا العلم لمصلحة إخوانك، وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، يعني كما ربنا علمك هذا الشيء بدك تزكيه، وهذه فكرة مهمة، أي علم ربنا بعطيك إياه هاي الآية بتعطينا قاعدة في الحياة: أي علم ربنا بعطيك إياه بدك تؤدي زكاته، ربنا علمك الطب، بدك تأدي زكاة كما علمك الله الطب، ساعد الناس المحتاجين لعلمك، ومش كل شيء في الحياة مال، لا، أحياناً بدك تنفع الناس في أمور طبية.
زكاة العلم. ربنا عز وجل رزقك علم بالمحاسبة، بدك تزكي مالك بانك تحاسب وتساعد برامج شرعية وحياتية وإخوانك في أمور مالية. ربنا رزق قدرة على الكتابة، ربنا رزق قدرة على اللغة العربية، على أي مهارة، لازم تزكي علمك. طيب، ثم قال فليكتب، إذن هذا الكاتب يجي، فليكتب. طيب، من الذي سيملي عليه؟ قال: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. اللي عليه الدين هو الذي يملي، فيقول للكاتب: اكتب أنني تداينت من عمر ألف دينار. اللي عليه الحق هو اللي بده يتكلم، لأنه هو الغارم، هو اللي عليه المسؤول، هو بده يدفع. طيب، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا. يعني وأنت وأنت بتنقل وبتنقل، وعك تلعب في العبارة، يكون الرجل أعطاك عشرة آلاف تحكي للكاتب اكتب أعطاني خمسة آلاف. لا يا عمي، هو أعطاك عشرة، بتكتب عشرة. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا.
طيب، فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا، إذا كان الإنسان اللي أداين سفيه، يعني عنده ضعف، سواء ضعف في الإدارة أو في الكلام، أو إنسان بسيط مسكين أو ضعيف أو لا يستطيع أن يمل، هو ممكن يكون أخرص ما بَعْرَفْ يحكي، من المسؤول أن يساعده؟ قال: أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُهُ بِالْعَدْلِ. هذا الإنسان الضعيف أو السفيه أو الصغير اللي ممكن نداینا من أجله، وليه هو المسؤول أن يملي على الكاتب تفاصيل الدين.
طيب، ومع وجود الكتابة، شوف كيف ربنا بعلمك التوثيق، وأنتم بتكتبوا، جيبوا شهود، أحضروا الشهود، ليش؟ اشهدوا على هذه الوثيقة. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ. طب ما فيش رجلين؟ قال: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أن يكون الشاهد عدلاً. طب لماذا يا رب من النساء، يعني الرجل تقبل شهادة الرجل الواحد، لكن من النساء إثنتين؟ قال: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى. النساء يمكن يكون أحياناً العاطفة تغلب، أو قد يكون عندها مشاكل نفسية، أو في بعض المراحل تكون عذر شرعي، فلا تكون في قمة تركيزها لطبائع، فالله سبحانه وتعالى يقول لماذا أمرت بامراتين مقابل كل رجل؟ حتى إذا إحداهما ضعفت تذكرها أختها.
ثم الله عز وجل، كما أمر الكاتب ألا ينسحب وأن يساعد إخوانه، أمر الشهداء الذين يدعون للشهادة أيضاً بأن لا ينسحبوا ويقول أنا مش فاضي أشهد. وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا، ساعدوا إخوانكم. ثم قال: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ. سبحان الله، كثير من الناس بتثاقل من كتابة الدين، بقول لك خلص يا شيخ، قلها 500 ليره، لا أخوي، إن شاء الله براجعها مش مشكلة. بعد سنة بلاقيهم ذابحين بعض هو وأخوه، إيش يا فلان؟ بقول والله يا شيخ ما فكرت إنه راح يعمل في هيك، يعني المبلغ! ربنا بقول لك: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبوهُ، سواء كان الدين صغير أو الدين كبير، اكتب. بكره ما بتعرف النفوس بتغير، مثلنا احنا في الأردن بقول لك الفلوس بتغير نفوس، يعني المصاري بتغير، خاصة إذا أخوك أصبح محتاجاً، ممكن يصير حاول يملص منك وفجاه يختفي، وخذ أنت عاد طارد وراه وتجيب حقك.
طيب، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ. الكتابة للديون، هذا هو الأقسط والأجل في ميزان الله، وأقوم للشهادة، يعني وهكذا نستطيع أن نقوم الشهادة عند القضاء، يعني في حال صار نزاع بينك وبين أخوك لما تكون أنت جايب شهود ابتداء شهدوا الوثيقة، تستطيع أن تقيم شهادة صحيحة أمام القضاء أنه أنا أريد من فلان مال هكذا، تقوم الشهادة أنه تم الاستشهاد على الوثيقة ابتداء. قال: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا، أنه لا تشكوا في مبلغ الدين، شو يعني ترتاب؟ والله أنا قديش بدي منك؟ لا، أنت بدك مني 200، لا أنا بدي منك 300. الشك بصير لما يكون في شيء مش مكتوب، لكن لما يكون معي وثيقة بطل لعها ومكتوب، انتهينا.
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا. الآن، إذا كانت التجاره هي تجارة حاضرة، ما معنى تجارة حاضرة؟ سلم واستلم، ما فيش فيها هدين، بتروح على بياع خبز، بتاخذ خبز، بتدفع له مال، بتروح على محل أقمشة، بتاخذ قماش، بتدفع، إذا كان البيع والشراء حالي بدون ديون، ربنا قال خلص فيش داعي إنه إيش تكتبه تمام. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا، لأنه يشق، أنت تخيل كل سوبر ماركت بدك تشتري علبة لبن، بدك تشتري منه مأكولات، بدك تروح تكتب، يعني هذه راح تطل الناس طوابير وهي تستنى الكتابة، فالإاسلام دين اليسر، لكن شو بقول لك؟ قال: الكتابة عفوت عنها في أثناء التجارة، لكن اشهدوا، وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ، لكن حقيقة الإشهاد متى تحتاج إليه في البيوعات؟ إذا كانت بيعة اسمي، يعني أنت أكيد مش راح تجيب الشهود مشان ربع دينار خبز، ولا عل دينار لبن، الشهود مثلا بيع سيارة، ولا بيع عقار، بيع شقة، المبالغ اللي بتحكي فيها تؤثر، آه، حتى لو كانت بيوع حاضرة وسلم واستلم الأفضل أن يتم فيها إشهاد لألا يحصل أي نزاع لاحق.
ثم قال: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ، تمام. الآن، وَلَا يُضَارَّ، شوف جمالية القرآن، هذه يمكن تفهم على تفسيرين، تفهم وَلَا يُضَارَّ، وَلَا يُضَارَّ، إذا قلنا ولا يُضَارّ، يعني ولا يُضَارّ كاتب ولا شهيد، يعني لا يستغل الكاتب والشهيد أنه تم دعوته فيستغل ذلك مالياً ويطالب أطراف العقد بمبالغ كبيرة، يعني لا تستغل أنك أنت كاتب أو شهيد مشان تستفزهم مالياً. وكذلك على التفسير الآخر، وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ، أي لا يتم إلحاق الضرر بهم، أنه أنا بعرف إنه عند فلان كتب لي، لأنه صارت مشكلة وبين أخوي رح أضر الكاتب أو أروح أضر الشهداء الذين يشهدوا، لا، حرام، ما بصير أن تضر كاتباً كتب لك أو شهيداً وتلحق بهم أذى أمام القضاء أو ما شابه ذلك.
ثم قال: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ. يعني ربنا عز وجل حث الكتب على أن يكتبوا صحيح، وحث الشهداء على أن يحضروا، لكنه حث على إيش؟ على عدم أذيتهم أيضاً، لانه الكاتب إذا بده ييجي يكتب وبعدين بقول لك رح أتورط يا شيخ، أو الشاهد إذا قال أنا بدي أشهُد بس رح أتورط، بقول لك لا، أنا ما بدي اكتب، ما بدي أشهد، فشوف توازنات القرآن، كما أنني حثثت هؤلاء على الإحسان، فانتم إياكم أن تضروهم، ومن يضر كاتباً أو شهيداً فإنه فاسق، وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ.
ثم يختم آية الدين فيقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ. وهذه من المقولات العظيمة في القرآن: اتقوا الله ويعلمكم الله. كلما تكون أشد حرصاً على تقوى الله، يكشف الله لك من العلوم ما لا تكشف لمن لا يسلك درب المتقين، وهذه نصيحة لكل طالب علم، لكل إنسان يبحث عن الهدى، كلما كنت متقياً لله علمك الله، لأن الله يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، ما قال يعلمكم الله بعدين اتقوا الله، لا، ابتداء شو شو قال؟ اتقوا، بعدين قال بعلمكم، فكلما كنت حريصاً على التقوى، كلما كشف الله لك من مستور العلم العظيم العظيم، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
طيب، الآن، أحياناً ممكن نكون أنا واياك مسافرين، وفي أثناء طريق السفر أنت تداينت مني مال ممتاز، وما كان في هناك لا كتاب يكتبوه بيننا ولا في شهود يحضروا، خاصة في السفر القديم يكون اثنين على جمل ماشيين في صحراء، بدك تجيب كاتب! فالله عز وجل علمنا هنا كيف نوثق الديون أثناء السفر، فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ، طريقة أخرى من طرق التوثيق وهي طريقة إيش؟ خذ رهن. بعلمك ربنا كيف تحفظ حقك، شوف الإسلام، الإسلام بعلمك كيف تحفظ حقك، قال: خذ منه رهن، داينه لكن خذ منه رهن، إيش ممكن أخذ منه رهن؟ على حسب حجم الدين، مثلاً ممكن تاخذ منه جواله رهن، اليوم كثير من الناس ياخذ الهوية الشخصية، اعطيني هويتك الشخصية رهنية، المهم خذ رهن حتى لا تكون أحمق ومغفل ويضيع عليك حقك، فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.
طيب، طب يا رب لو أردنا أنه نتداين من بعضنا البعض بدون ما يكون لا هناك رهن ولا هناك كتابة وشهود، هل يجوز؟ نعم، في النهاية كتابة الدين هذا استحباب وحث ولكنه ليس واجباً. ما الدليل على أن الكتابة والاشهاد ليس واجباً في الديون ما سنقوله الآن؟ قال سبحانه: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ. إذا أخوك قال لا، أنا ما بدي اكتب الدين، وخلص أنا أُوكلك لأمانتك وأنا مطمن أنك أخوي ما بتخادعني، هل ربنا قال إنه حرام؟ لا ربنا أجاز هذا، فهذا الذي صرف الآية السابقة عن الوجوب إلى الندب، أن الله قال: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، إذا أحببتم أن تتدابوا على وجه أنه أخوي وأنا مستأمن، لا نجبر على الكتابة، ولكن الله يوجه أمراً للمستدين: أخوك ائتمنك، وضع ثقته فيك، لا تخونه، وهذه والله آية لكل إنسان، في ناس بدهم منه حقوق، لما بتصلي ورا الإامام وبتسمع الله يقول: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ، إذا في ناس بدهم منك حقوق وما سجلوها لثقتهم في أمانتك، إياك أن تغدر فيهم، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ.
ثم قال سبحانه: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ. إيش يعني ولا تكتموا الشهادة في هذا السياق؟ أحياناً زي ما قلت لكم، أنا ممكن أعطيك مال وأنا مستأمن وما نكتب، صحيح، لكن لما أعطيتك المال كان في زميل إلنا حاضر معنا، يعني أنا ما جيبتش واحد يشهد حقيقة وما كتبتش بيني وبينك وثيقة، قلت لك يا فلان خذ ها 500 دينار وأنا أُوكلك لأمانتك، يمكن يكون هناك أحد زملائنا كان شاهداً علي وأنا أعطيك المال، أنا مش جايبه شاهد، بس هو قدراً قدراً كان حاضراً وعرّف بهذا الموضوع.
طيب، بعد سنة أنا واياك اختصم، بقول لك يا فلان سد لي المال، قلت لي ما إل ك مال، طبعا أنا هون متورط، لانه أنا ما في شي مكتوب وما في شهود أنا بعرف أنهم يشهدوا لي، هنا ممكن يقدر لك الله هناك شخص حضر هذا العقد أو ربما رآه من بعيد يمكن يشهد لك، فهذه دعوة من الله عز وجل لهؤلاء الناس اللي عندهم شهادة ويعرفون إنه في شخص محتاج لشهادتي: فلان داين فلان وذاك جحد وما في شيء يثبت الدين، أنا عندي شهادة وأنا كنت حاضر وقت ما صارت القضية، فربنا بيقول لهؤلاء الشهداء الأخفياء: إياك أن تخذلوا إخوانكم، إذا شفت أخوك محتاج شهادتك اشهد. قال صلى الله عليه وسلم: خير الشهداء هو الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها، مش لازم أخوك يروح يفزع للناس، يا جماعة مين شاهدني؟ في حدا عَرَف لما أعطيت فلان؟ أنت عارف إن أخوك محتاجك، لا تخذل إخوانك، وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. ليش ربنا قال فانه آثم قلبه؟ لأنه الشهادة شيء باطني، أنا عندي معلومة باطنية في القلب، إذا أنت لم تخرجها ولم تدلي بها وقت احتياج أخيك لها، فقد أثم هذا العضو الذي هو القلب، فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، ربنا شايف كل شيء وعند الديان تجتمع الخصوم.
طيب، الآن، آخر ثلاث آيات من سورة البقرة، بعد هذا الدرس الطويل وهذا التعليم المهيب من الله سبحانه وتعالى لنا في الجزء الأول علمنا سمعنا وأطعنا وألا نكون نموذج بني إسرائيل، وفي الجزء الثاني وبدايه الثالث مجموعة ومنظومة من الأحكام في باب العبادات وفي باب الجنايات وفي باب المعاملات وفي باب الأسرة والمناجم، يقول سبحانه في الختام: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. هذا اختبار أخير للصحابة في موضوع سمعنا وأطعنا، زي ما ربنا اختبارهم في توجيه القبلة، سيختبر الاختبار الأخير هنا في سورة البقرة: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، كل ما في السماوات وما في الأرض لله، بالتالي هو صاحب الأمر وصاحب القدر، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، فكل ما أمر به يجب علينا أن نقول سمعنا وأطعنا بدون نقاش ولا اعتراض ولا تأخر ولا تردد.
طيب هنا جاء الاختبار للصحابة، جاءت آية أُشكلت على الصحابة وأجمل عليهم، قال سبحانه: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لما نزلت ه الآية الصحابة فزعوا منها وأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعين، قالوا يا رسول الله، أي شيء في أنفسنا من خطرات وأفكر ربنا رح يحاسبنا عليها حتى ولو لم نعمل بها؟ إذن وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أن تبدي ما في نفسك، إنه الخطرات اللي في ذهنك تترجمها بشيء عملي، بتفكر بحرام تروح تعمله، هس ها باتفاق الجميع احنا محاسبين عليها، لكن وين وقع الإشكال عند الصحابة؟ في الجزء الثاني: أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، يعني يا رب إذا احنا فكرنا بخطرت أنا فكرت بمعصية فكرت أن اعمل حرام بس لسه ما عملته ساحاسب على ه الخطرات؟ فالصحابة شقت عليهم هذه الآية، وهكذا فهموها، فهموها إنه ربنا رح يحاسبكم على كل خطرة معصية تأتي في حياتك.
فالله سبحانه وتعالى لما أنزل هذه الآيات وجاء الصحابة مسرعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يعلمهم درس سورة البقرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل سمعنا وعصينا، خلص حتى لو ربنا بدّه يحاسبك على خطرات قل سمعنا وأطعنا، فكان الهدف من إنزال هذه الآية قبل أن تنزل الآية الأخيرة رؤية منهجية.
التسليم عند الصحابة، ولذلك الله سبحانه وتعالى يريد أن يرى منك التسليم ثم يعطيك التخفيف، وهذه قاعدة: الله يريد أن يرى منك التسليم ثم يعطيك التخفيف. ماذا حصل مع إراهيم عليه السلام؟ الله أراد أن يرى منه التسليم: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ. فلما سلم، جاءه التخفيف هنالك بذبح عظيم. ربنا لا يريد يهلكك، الله عز وجل لا يريد أن يوقعك في العنت، يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ، مش هيك في سورة النساء؟ لكنه يريد أن يرى منك التسليم والخضوع ومشاعر العبودية، أنه أنا عبد وهو رب وهو يفعل ما يشاء.
فالله سبحانه أراد أن يختبر الصحابة في قضية التسليم هنا، فالصحابي، النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: احذروا بعد كل هذا الدرس أن تقعوا في مشكلة بني إسرائيل، لا تعترضوا على ربكم. فالصحابي: سمعنا وأطعنا. طيب، الآن ماذا حصل بعد أن نزلت هذه الآية؟ نزلت آخر آيتين من سورة البقرة. هاتان الآيتان نزلتا نزولاً خاصاً مهيباً. النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً في السماء، سمع صوت جلبة في السماء، فقيل له إن هذا ملك، هذا باب فتح من أبواب السماء لم يفتح قط إلا هذا اليوم، نزل به ملك بايتين.
هاتان الآيتان من عند عرش الرحمن، هاتان الآيتان اللي معنا الآن آيتان من تحت العرش الرحماني مباشرة، نزل بهما ملك من باب خاص محدد. قال صلى الله عليه وسلم: من قرأهما في ليلة كفتاه. ها شوف، ها، إذا أنت بتكي عن شيء مهيب، يعني هذول الآيتين لهما مزية وخصيصة لا توجد في باقي آيات القرآن. المكان من تحت عرش الرحمن، باب خاص يفتح لهما، وثمرة من يؤمن بهما ويثق بهما ويعتقد بهما، ثمرة أن الله في كل ليلة إذا قرأت هاتين الآيتين يكفيك. قال: من قرأهما في ليلة كفتاه. كفتاه إيش؟ كفتاه همه وخوفه وقلقه، وأنزلت عليه السكينة والطمانينة.
إخواني، بس بشرط أنك تفهم هاتين الآيتين، تنزل عليك الكفاية التامة، بتنام وأنت في قمة الراحة والسكينة والطمانينة، لا تخاف من شيء. لماذا؟ أنظر إلى معدن هاتين الآيتين: آمَنَ الرَّسُولُ. الآن هي طبعا هاتان الآيتان هما خلاصة سورة البقرة، احنا قلنا سورة البقرة هي تقوم على أسلمت لرب العالمين، هاتان الآيتان هما خلاصة هذه السورة: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ. المؤمنون الصادقون تابعوا الرسل في الإيمان بما أنزل الله. لاحظ: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، كل ما ينزل من السماء بدك تؤمن به بدون نقاش، بدون اعتراض، هذه صفات المؤمنين وهذه الصفة التي وردت في بداية سورة البقرة أيضاً، لاحظوا المناسبة بين البداية والختام في صفات المتقين في أول سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ. نفس الشيء هنا، تكرار هذه الخصله أنه هي معدن الحياة أو صلب الحياة فيها أن تؤمن وتتمسك بما نزل من السماء من عند الله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.
ما هو الإيمان الحقيقي؟ الإيمان يكون بأن تكمل القوة العلمية وبأن تكمل القوة العملية. القوة العلمية اللي هي العقائد أن ترسخها تماماً، كل آي، كل من الرسول والمؤمنين آمنوا بماذا؟ بالله. كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ، أن تؤمن بالله، هي القوة العلمية الآن، أن تؤمن بالله بأسماء، بتوحيده ربوبية ألوهية وبأسماء وصفاته، وبملائكته وكتبه ورسله، وهي مهمة، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، ليس كاليهود والنصارى. الآن، إذا أكملت هذه الأركان أركان الإيمان هي بسموها اكتملت القوة العلمية مع طبعا الإيمان بالقدر الذي جاء في السنة وفي كتاب الله.
بعدين بدك تكمل القوة العملية بعد العلم في عمل، لأنه ماشي، أنت ممكن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لكن لما يأتيك تشريع بتقول سمعنا وعصينا. فلما قال لإكمال القوة العملية وقالوا: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. بعد الإيمان والعلم ياتي العمل، والعمل يقوم على التسليم: سمعنا وأطعنا. وإذا حصل تقصير منا يا رب: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا. وإذا حصل تقصير منا في العلم أو في العمل فماذا نقول؟ غفرانك ربنا واليك المصير، كلنا صائرون إليك وهذا محط رحالنا.
بعد إذا أعلنت التسليم ياتي التخفيف، مش قلنا قاعدة: إذا أعلنت التسليم ياتي التيسير. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. أنتم سلمتم، لا تقلقوا، لا يمكن يا أيها الإنسان أن أحملك ما لا طاقة لك به، سواء من حيث الأوامر أو من حيث الأقدار. وركز: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، سواء من حيث الأمر الشرعي أو من حيث القدر الكوني. لا يكلفك الله إلا شيئاً هو داخل في دائرة قدرتك أن تفعله أو أن تتحمله.
ثم أعطانا الله سبحانه وتعالى، قال: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. هذه الآية جاءت لتبين للصحابه الفهم الصحيح للاية السابقة. الآن هو في خلاف بين المفسرين، هل: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ، هل أو تخفوه يحاسبكم بالله منسوخ ارتفع، أو ليس منسوخا؟ لكن الصحابة كانوا فهموه على وجه، ثم بين الله لهم الفهم الصحيح له. كثير من أهل العلم يقول هو ليس منسوخا، وإنما كانوا فهموه على وجه والله أخبرهم لا، أن هناك وجه صحيح هو الذي تحاسب عليه من الخطرات.
متى ربنا بحاسب على الخطرات؟ قالوا الخطرات المكتسبه، يعني في خطرات للمعاصي والذنوب بتهجم علينا وبندفعها وربنا ما بحاسبنا عليها، لا، ربنا ما حسبكم على أنه خطر ببالك تعمل معصية قلت أعوذ بالله وتركتها، بالعكس، بتاخذ حسنة على هي. متى ربنا بحاسب على الخطرات اللي أخفيتها؟ قالوا إذا اصبحت عزائم في النفوس، يعني إذا أنت أضمرت هذه الخطرات في نفسك ووطنت نفسك عليها وتعايشت معها أنه دائما بتفكر بالسسوء وبتفكر بالحرام وما بتدافع هذه الخطرات، لا بتتعايش معها وبتتكيف معها وتحب استحضارها ولا تطردها، آه، هذا النوع من الخطرات هو الذي تحاسب عليه وهذا من اكتسابك أنت، لأنه لاحظ، هذا أنت اللي عم تستحضره وانت اللي عم تتعايش معه وانت اللي بتحب تتلذذ به، هذا النوع من الخطرات هذا أنت اكتسبته، هذا مش خطرة بالخطأ أو الشيطان وسوسة وأنت طردت أو سعيت في طردها، لا لا.
في خطر، إخوان، الخطرات على نوعين باختصار، في خطرات تهجم وأنت تدفع، هذه ربنا ما بحاسبنا عليها بل يثيبك إذا دفعت. في خطرات أنت تستجيب، بطح على فراشه ويبدأ يستحضر صور في الحياة وصورة معينة ويتخيل نفسه إنه يمارس معها أشياء ويفعل معها أشياء، هذا الخيال، هذا مش خطرة أجات ومرت، هذا أنت حضرتك عم تكتسب وعم تستحضر وعم ينتج عن هذا في كثير من الأحيان أعمال، وهي مش، قد ينتج عنها حتى ماذا عند كثير من الشباب والنساء أعمال، فهذه لا تقول لي إن هذه مجرد خطرة، لا، هذه أصبحت اكتساب من النفس، فقال: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ. هذه النفس لها ما كسبت من الخير، أي خطرة فكرة جيدة وأي فكرة نافعة بتكسبها النفس هي لها، يعني لصالحها، ربنا يثيب عليها.
قال: وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. أما هذه النفس إذا اكتسبت خطرات سيئة، ولاحظ سمى هذه النفس إيش؟ اكتساب. ليش قال هناك كسبت وهناك اكتسبت؟ أيما أخف وأسهل، الكسب أم الاكتساب؟ الكسب أسهل من الاكتساب، صحيح؟ قالوا: لما كان اكتساب الحسنات بتوفيق من الله وتسهيل من الله عبر عنه باللفظ الأسهل، لأنه أنت الخطرات النافعة لن تاتي إلا بتوفيق الله وتيسير الله، صحيح؟ فقال: لها ما كسبت من الأفكار والخطرات الجيدة. وأما الأفكار السيئة فقالوا هي نتيجة خذلان من الله تماماً، وهي أيضاً يبذل الإنسان فيها وقته أكثر فيجد فيها أكثر، لأنه الإنسان اللي عنده ربنا خذله بتجد يكد ذهنه في استحضار تلك الصور وفي استحضار تلك الشهوات، فهو فيه نوع من الشدة، شدة من جهة أنه نتيجة خذلان من الله أن ربنا خذله، وشدة من جهة ماذا يا شيخ؟ أنه هو عم يبذل جهده ووقته من أجلها، بتلاقي بعض الشباب ممكن يجلس ساعة وهو يفكر بصورة محرمة بعبث، فهو يتعب ويجد ويكد هنا مع خذلان من الله، فسماه اكتسبتها، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.
إذاً، هذه النفس ما تكسبه من الخطرات الجيدة لصالحها، وما تكتسبه من الخطرات الرديئة وهذا بفعلها وتفكيرها وباستجلابها -لأن هذه مش خطرة، هذا استجلاب للأفكار- فهذا بيكون ضدها: وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. طيب، فهنا الله عز وجل حل المشكلة للصحابة، صحيح، هم كانوا خايفين من قضية الخطرات، خلص حللكم حتى تفهموها بالشكل الصحيح، فهذا قد يكون ربما أقرب أن نقول إنه نسخ، البعض قال نسخ، ربما يكون قول من قال -يعني ابن تيمية وحتى في مفاتيح الغيب وكل الرازي وغيرهم يميلون لأنه لا، هو ليس نسخاً بالمعنى النسخي الاصطلاحي، بل هو نوعاً من البيان والسلف كانوا يسمون البيان نسخاً أيضاً.
ثم ربنا يعلمنا كيف نطلب منه الرحمات: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا. بعد أن قلتم سمعنا وأطعنا، ساعطيكم يا عبادي دعاء تدعون به ويجلب لكم هذا الخير والتخفيف: قولوا يا عبادي: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا. يا رب إذا فعلنا معصية وقصرنا في واجب نسياناً أو خطأ فيا رب لا تؤاخذنا. جاء في الحديث النبوي، قال الله: قد فعلت. فالحمد لله، استجيبت هذه الدعوة، لكن لمن استجيبت؟ لمن قالوا سمعنا وأطعنا أولاً، أن الله يعفو عن النسيان والخطأ، إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها وإيش؟ رفع، رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.
الدعوة الثانية اللي استجابها رب العالمين: رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا. والإصر هو الحمل الثقيل، العبء الثقيل، والمراد به هنا الأحكام الشرعية الثقيلة والمواثيق الشديدة التي كان مثلها على بني إسرائيل. نحنا الآن شفنا في كل سورة البقرة ربنا ماذا فعل في بني إسرائيل وكيف حملهم أموراً عظيمة، سواء في القصاص، سواء في بعض التوبات، كانت الأحكام عليهم شاقة لأنهم قوم شاقوا الله ورسوله. فنحن بنقول: يا رب لا تحمل علينا أحكاماً، لا تحمل علينا أحكاماً شرعية تشقنا كما حملتها على الذين من قبلنا من اليهود والنصارى. ثم قال، فقال جاء في الحديث: قال الله: قد فعلت.
ثم قال: وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. قال الله: قد فعلت. لكن هنا سؤال، ما الفرق بين: لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا، وبين: وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ؟ هناك قال: لا تحمل علينا، وفي الثانية قال: لا تحملنا، صح الإنسان بده يفكر. هنا قال: لا تحمل علينا إصراً، وفي الجمله التي تليها قال: ولا تحملنا، لماذا قال لنا لا تحمل علينا وهناك لا تحملنا؟ حقيقة في يعني آراء أيضاً للمفسرين، منهم من قال إنه لا تحمل علينا إصراً هذه المقدمة، ثم قال: ولا تحملنا ما لا طاقة (يعني هذه ما هو أصعب).
كذلك هناك رأي آخر وحقيقة ربما أميل إليه، هو ربنا ولا تحمل علينا إصراً هذه في التكاليف الشرعية، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به هذه في الأمور القدرية في البلاءات والاقدار الإلهية. يعني أحياناً في بعض البلاءات بتنزل بتهد الظهر، صحيح ولا لا؟ يعني إنسان يفقد فقداناً مفجعاً بيكسر الظهر، أو يفتقر فقراً مدقعاً، أو يقع تحت سطوة ظالم فاجر يسومه سوء العذاب ليل نهار كما يحصل مع إخواننا. فهنا ربنا سبحانه وتعالى يعلمنا أن ندعو بهاتين الدعوتين، بالنسبة للأحكام الشرعية: لا تحمل علينا، يعني لا تعض علينا مسؤولية، لا تحمل علينا أي لا تعض علينا مسؤولية أحكام شرعية تثقلنا. وبالنسبة للأقدار إيش قال؟ لا تحملنا، لأنه هنا مش أحمل عليك، أنا مش عم أكلفك، لا، هنا نزل عليك البلاء نزولاً، فأنت تقول: يا رب لا تحملنا، لا تنزل علينا بلاء شديداً لا طاقة لقلوبنا ومشاعرنا باستحماله. فقال الله: قد فعلت.
وهنا أنا أعتقد سر لماذا هذه الآيات تكفي الإنسان كل ليلة، ليه؟ من أعتقد بهذه الآيات ينام وهو مستريح، أنه لا يمكن أن يحملك الله شيئاً فوق طاقتك، كن مطمئناً، كل بلاء سيمر بك كن واثقاً أنه ضمن طاقتك وسعك أنك تستحمله، وكل حكم شرعي ربنا رح يكلفك فيه اعلم أنه ضمن طاقتك، هذا بيعطيني اطمئنان لأنه ربنا استجاب هذه الدعوة من قال سمعنا وأطعنا، لا يحمله الله في البلايا وفي الأحكام ما لا طاقة له به.
ثم قال: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا. اعف عنا يا رب، امسح السيئات، لأن العفو هو المسح، واغفر لنا يعني واسترنا ولا تفضحنا، أنه أحياناً أنا ممكن أعفو عنك وأمسح، بس إيش؟ بس أبقى أعيرك وأفضحك أمام الناس، شو الفائدة أني أعفو عنك أقول خلص رح أتجاوز وراح أمسح الشيء بس أبقى أتكلم عن خطاك معي وأفضحك يوم العرض الأكبر؟ فأنت بدك كل شيء، أنا بدي يا رب تمسح السيئات من ديواني وأريد برضه أنك تغفر لي يعني تستر علي ولا تفضحني يوم العرض الأكبر، لا بين يديك ولا أمام الناس. وَارْحَمْنَا، وارحمنا قال بدخول جنتك، آمين يا رب.
ثم قال: أَنتَ مَوْلَانَا. وهنا طلب الولاية، لأنه كل مسيرك في هذه الحياة الدنيا تحتاج إلى ولاية الله، لأنه بولاية الله ستحقق كل السعادات وتتمسك بكل الهدايات، وإذا خذلك الله خذلت. أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. لماذا كان الختام: فانصرنا على القوم الكافرين؟ لأننا من بداية سورة البقرة وننتكلم أن هذه الهدايات إذا أنت تحملتها ستقاتل عليها، مش قلنا في كل الدروس: أي هدايه حملتها فإنك ستقاتل عليها قوماً كافرين، فأنت تقول يا رب بالنسبة لي.
أرجو يا رب أن لا تحملني ما لا أطيق؛ لا من الأحكام ولا من الأقدار. وأما بالنسبة لمقارعة الهدايات الإلهية فأرجو يا رب أن تنصرني على القوم الكافرين؛ لأنني خلاص، أنت الآن في نهاية سورة البقرة، أنت تحملت هدايات سورة البقرة، أنت تحملتها. أنتم الآن سمعتم وتعلمتم وأنا معكم، الآن سنقاتل لتحقيق هذه المعاني، سنقاتل لتحقيق معاني سورة البقرة؛ لأن هناك كفار وفجار لا يريدون لمعاني سورة البقرة ولمعاني سور القرآن أن تتحقق في الوجود الإنساني.
فآخر دعوة كانت، وإيش هي؟ كأنه، ها، كأنه أنا تحملت سورة البقرة وأعددت سلاحي وسأبدأ المواجهة، سأبدأ المواجهة بهذه السورة: فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. ولذلك الصحابة لما كانت تكركب الأوراق في المعارك إيش كانوا ينادوا بعض؟ يا أصحاب سورة البقرة. ليش كانوا ينادوا بعض يا أصحاب سورة البقرة؟ لأنهم يتذكرون هذه المعاني، أن سورة البقرة حملتنا مسئولية: سمعنا وأطعنا، وأخبرت أن هذه المسئولية ستجعلنا نواجه الكفار ونقاتل بهذا الدين: فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فكانت تعطيهم طاقة للعودة إلى المعركة والنزال من جديد: فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
والله يقول، جاء في الحديث: قد فعلت. فالله ناصرنا، لكن متى؟ بدك تفهم، هي الدعوات الختامية هي مبنية على القواعد الابتدائية، هي مبنية على أننا أمة أسلمت لرب العالمين، لما تدخل في السلم كافة ولما نقول كما قال إبراهيم: أسلمت لرب العالمين سعيت: فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، تتحقق. طيب، هكذا أيها الكرام عشنا مع سورة البقرة، وهكذا انتهت بكل ما فيها من المعاني، أو بكل ما استطعنا -حتى تكون عبارتي دقيقة- وكل ما استطعنا أن ناخذه من المعاني. وإلا معاني القرآن، القرآن عين ماء لا تنضب، كلما أعدت النظر اكتشفت معاني وأفكار وأسرار. لكن هذه سعتي وطاقتي، وأريد أن أختم مجالس رحلة الإنسان بالقرآن مع سورة الفاتحة.
خلاص، نحن الآن انهينا من سورة الناس إلى سورة البقرة، والختام الجميل مع سورة الفاتحة. وسورة الفاتحة بعد أن تكون استعرضت القرآن كاملاً لها طعم آخر، لها طعم آخر؛ لأنك وأنت تقراها الآن، خاصة الإخوة الذين مشوا معنا من بداية السلسلة من رمضان الماضي، لما أنت تقرا سورة الفاتحة الآن أنت عم ياتي في ذهنك شريط من الهدايات والارشادات، وتفاصيل الهدى والنور، وبيان مسالك الحق ومسالك الضلال، وتفاصيل مداخل الشيطان وطرق المدافعة، والارشادات الإلهية والأحكام الشرعية، موسوعة هائله لا تنضب من الأفكار والمعاني والتوجيهات الإلهية.
تأتي الآن سورة الفاتحة لتتربع على عرش القرآن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الحمد لله على نعمه القرآن، الحمد لله الذي بين سبيل المجرمين وسبيل المتقين، الحمد لله الذي تفضل علينا بإنزال كتاب من فوق سبع سماوات يبين لنا سبل الخير والرشاد. لما تقول الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فلتسبح مع النعم العظيمة والآلاء الجزيلة بنزول هذا الكتاب. هناك أشياء كثيرة أنت تحمد الله عليها لا تنتهي، لكن نحن هنا في هذا السياق: الحمد لله على نعمه القرآن؛ لأنه بصرنا ووجهنا؛ لأن الله سبحانه وتكرم علينا نحن العبيد الضعاف بأن أعطانا توجيهات من عنده. هذا مش كلام واعظ ومش كلام شيخ ومش كلام فيلسوف، هذا كلام الله، الله يتفضل عليك بأن يبين لك سبيل السعادة الذي يوصلك إليه، ويحذرك من مسالك الشيطان بالتفاصيل العظيمة والكليات الرائعة.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رب هذا الكون، رب العالمين؛ لأنه رب أنزل القرآن، لأنه رب يريد أن يربي، يريد أن يصلح شأنك، وهذه معاني الربوبية، أنه رب مربي يصلح شأنك، يدير حياتك؛ لأنه يريد أن يصلح شأنكم يا أيتها البشرية. رب العالمين أنزل عليكم القرآن بكل ما فيه من الهدايات والتشريعات والتوجيهات. الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، هذه رحمة إخواني يعني هذا السياق سياق رحمة من رحمة الله أنه أنزل القرآن وقال: الرحمن والرحيم. هذه في الدنيا للمؤمن والكافر، من رحم الله رحمن في الدنيا للمؤمن والكافر أنزل عليهم القرآن ليرشدهم، فالكافر حتى يدخل الإسلام والمؤمن حتى يزداد هداية وبصيرة، فهو رحمن عموماً ورحيم خصوصاً، رحيم بأهل الإيمان بالتحديد.
فالمقام هنا مقام رحمة، أنت أمام رحمة عظيمة بين يديك، أنك تملك مفاتيح النجاح، مفاتيح الاستهداء، مفاتيح الخير، وأنت هنا لا تحتاج أن تجرب ما في القرآن لتختبر هو صح ولا خطأ، أنت هنا تأخذ لتعمل، تأخذ لتنجح مباشرة. هذا القرآن ما نزل إلا من الرحمن الرحيم. ثم قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. المالك الذي يملك الدنيا والآخرة، لكنه خص يوم الدين أنه يوم الدين تزول الألقاب، وتزول المظاهر، وتزول الاشكال، تزول الفخامة والسعادة والفضيلة، كل ألقاب الدنيا تزول، وكل أصحاب المناصب يفقدون كل شيء، والكل يأتي حفاة عراة غرلا، لا أحد يدعي ملك ولا أحد يزاحم الله في شيء: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
فخص يوم الدين حيث يظهر الخلق على حقيقتهم، على ضعفهم، على تجردهم، على ما خلقهم الله حقيقة دون زيف المظاهر، ودون زيف الألقاب، ودون زيف الاشكال والتعنت، يظهرون على حقيقتهم أمام الله سبحانه وتعالى. وهذا هو البداية، سورة الفاتحة. سورة الفاتحة هي ما بين ثناء وسؤال، فابتدأنا بالثناء: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حمدني عبدي. الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، أثنى علي عبدي. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، مجدني عبدي. إِيَّاكَ نَعْبُدُ، هذا خلاصة القرآن، اعلان الخضوع لله الواحد الديان. إِيَّاكَ نَعْبُدُ هذا منتصف سورة الفاتحة وهي لب العبودية وهو لب القرآن، هذا القرآن من أوله إلى آخره هو لتحقيق إيَّاكَ نَعْبُدُ.
كل مجالس الوعظ والعلم وكل صلاتك وصيامك وقيامك، كل عبادتك وتحريك للحلال، كل غض بصر، كل سعي لأن تكون إنساناً جيداً نافعاً صالحاً، كل هذا ليس من أجل متاع الدنيا، كل هذا من أجل تحقيق إِيَّاكَ نَعْبُدُ. ولكن إِيَّاكَ نَعْبُدُ لا تكتمل إلا بـ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ لأنه لا عون لك على أن تحقق إِيَّاكَ نَعْبُدُ إلا الله، فلذلك جمع بينهما: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. ثم بدأت تطلب حاجتك: واياك استعين يا رب على أن تجعلني عابداً؛ لأنني وحدي ضعيف، الخطرات كثيرة، والشيطان يحف بنا، والعدو مستعد، والمعركة على أوجها، فلن يقومني في مسالك العبودية إلا عونك يا الله.
ثم ياتي السؤال العظيم الذي لا ينفك عنه إنسان بعد ما تكون قرات القرآن وعرفت معارك الشيطان مع الإنسان، وجهود الشيطان في صد الإنسان عن الهدايه وعرفت سبيل المجرمين وخطوات الشياطين وطرق الإغواء. بعد أن تكون قرات القرآن وعرفت الشبهات والشهوات، وعرفت كيف الشيطان استطاع أن يضل قوم نوح وعاد وقوم صالح وفرعون، كيف استطاع الشيطان أن يضحك على كثير من البشر وأوقعهم في النيران وأجلب لهم الخسران، كيف استطاع الشيطان أن يضحك على الناس في الكثير من المواقف وكيف له خطوات.
بعد أن تكون قرات معارك الصحابه في القرآن غزوة بدر وأحد والخندق وكيف كان الشيطان حاضراً في التفاصيل وكيف تباينت المواقف والاتجاهات، لما عرفت اليهود وحجم ضلالهم وانحرافهم في القرآن والنصارى وحجم ضلالهم وانحرافهم، بعد أن تستحضر كل هذه المعاني وعرفت أن أكثر الناس ضلوا عن الله، تأتي قيمة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. لاحظ، إذاً أنت تستجر كل ما ورد في القرآن لتقول الآن: يا رب، أعظم دعاء عندي في الوجود اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ؛ لكثرة المنحرفين والهالكين والضائعين والمتساقطين أنا محتاج يا رب أن أمتلك الهداية.
وزي ما قلنا في سورة البقرة أنك تحتاج للهداية في كل قرار من قرارات الحياة، أنت تحتاج للهداية في كل خطوة، أنت في قرار دراسة الجامعة تحتاج للهداية، في قرار زواجك من امرأة تحتاج للهداية، في قرار عمل في شركة معينة تحتاج لا اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في أقل قرار من قرارات الحياة. أنت تحتاج للهداية، قرار واحد خاطئ تستأثر به بنفسك دون أن تعتمد على ربك كفيل أن ينهيك تماماً. قرار واحد من قرارات الحياة تستأثر فيه بنفسك ولا تعتمد على ربك يحرمك الله فيه من الهداية يهلكك، والله أناس إخواني هلكوا وارتدوا قرار سفر إلى بلاد الكفار يعمل بعض الناس هلكوا، قرار دراسة في جامعة في تخصص فاسد أو في جامعة فاسدة، قرار عمل في بيئة معينة، قرار واحد لم يهدك الله فيه للصواب يهلكك ينهيك تماماً، والقران أكبر شاهد على خطوات الشيطان وكيف أن الأخطاء اليسيرة تنتهي بكوارث كبيرة.
فلما تقول اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ تذكر أن هناك صراط واحد فقط هو الذي يوصل إلى الله وهو الذي يهدي إليه، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. صراط الناجحين يا رب، صراط الذين أهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، أريد يا رب طريق الناجحين الذين نجحوا في الوصول. طريق الناجحين مش اللي في جامعة كامبريدج، لا، مش اللي اخذوا مصاري وصار عندهم ثروات، لا لا، مش هذول الناجحين. الناجحون هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. يا رب ما بدي تغرني المظاهر، وما بدي تغرني الألقاب، وما بدي تغرني الدنيا بزخرفها، يا رب أرني الصراط المستقيم على حقيقته وأرني الذين أنعمت عليهم على حقيقتهم؛ لأنه أحياناً يصور لك الواقع أن المنعم عليهم هم ناس بسيطة ومسكينة، أنهم ناس غير مثقفين، أنهم أناس منعزلين، يصورون لك الذين أنعم الله عليهم بهذه الصورة، عليك أن تراهم على حقيقتهم الذين أنعم الله عليهم.
وفي المقابل يا رب غير المغضوب عليهم ولا الضالين، يا رب لا أكون في أحد المسلكين، المغضوب عليهم علم لكنه بدون عمل، والضالين جهل يتبعه ضلال، فالمغضوب عليهم رمز ناس عرفوا الحقائق لكنهم نكثوها، نكثوا المواثيق مع الله والضالين رمز النصارى ورمز كل إنسان يسير في الدنيا على جهل وعلى عماية، فأنت جمعت خلاصه ما في القرآن في هذا الدعاء: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. هذا سؤلي وحاجتي وأرجو أن لا أسقط في أحد المسلكين الضالين.
هكذا إخواني تنتهي رحلة الإنسان في القرآن في آخر مشهد من مشاهدها في هذه السلسلة الطيبة المباركة، وخير ما نختم به يوم الجمعة وهذه السلسلة هو الدعاء والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى.
اللهم أنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألنا يا ربنا بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم علمنا منه ما جهلنا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم اجعله لنا هداية ونوراً، اللهم علمنا هدايات القرآن، وارشدنا بإرشادات القرآن، وفقهنا معاني القرآن، وارزقنا تدبر القرآن.
اللهم اجعلنا ممن اخذ القرآن بقوة، اللهم اجعلنا ممن تلى القرآن حق تلاوته، ولا تجعلنا ممن قرءوا ولم يعملوا، ممن قرءوا ولم يفقهوا. اللهم إنا نسالك أن تجعلنا من أهل القرآن، اجعله لنا في الدنيا معلماً وقائداً وفي القبر مؤنساً وجليساً ويوم القيامة شفيعاً وإلى الجنة هادياً برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم يا رب افتح على عقولنا وافتح على قلوبنا أقفالها لنتدبر معاني الكتاب ولنكون من أهل هذا الكتاب ممن تلقوا هدايات القرآن فأضاءت حياتهم وأنارت مسيرهم وأصلحت بوصلتهم. اللهم يا رب لا تبعدنا عن القرآن، اللهم لا تجعلنا ممن اتخذوا القرآن مهجوراً، اللهم اللهم لا تجعلنا ممن هجر القرآن في حياته هجرة قراءة أو هجرة عملاً أو هجرة تفكيراً أو هجرة سلوكاً وطريقاً وبوصلة، اللهم لا تجعلنا ممن هجروا القرآن.
اللهم أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم فارزقنا هدايات القرآن. اللهم أن هذا القرآن نزل شفاء للقلوب والأبدان فاشف قلوبنا من الشبهات والشهوات بهذا القرآن يا رب، واشف أبداننا من أسقام ببركة القرآن. اللهم إنا نسالك ببركة هذه الختمة لتدبر كتابك أن تعيننا على العمل به، اللهم نسالك ببركة هذه الختمة لتدبر كتابك أن تعيننا على العمل به.
اللهم يا رب كما قرانا القرآن في رمضان فاجعلنا من أهل القرآن في كل الشهور يا أرحم الراحمين. اللهم كما رزقتنا تدبر القرآن في رمضان ارزقنا تدبره طواف العام. اللهم اجعل القرآن مؤنساً لقلوبنا ورفيقاً في حياتنا يؤنسنا في دروب الحياة ويوجهنا، اللهم حبب إلينا القرآن، اللهم اجعلنا ممن يستلذ بقراءة القرآن، اللهم طهر قلوبنا ليحل فيها القرآن، اللهم اجعلنا ممن جعل ممن كانت قرة عينه في تلاوة القرآن وفي فهم القرآن وفي تفقد القرآن وفي تصفح القرآن. اللهم اجعل قرة عيننا مع كتابك، اللهم حبب إلينا القرآن وقربه من قلوبنا واجعلنا ممن أنس به.
اللهم يا ربنا نعوذ بك من أن ننساه أو أن نتخلى عنه أو أن نفقده، اللهم لا ترفعه من قلوبنا ونعوذ بك أن ندرك زماناً يرفع فيه القرآن من بين الناس. اللهم إنا نحمدك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على نعمة القرآن، اللهم لك الحمد أن أنزلت علينا كتاباً يتلى وأن أنزلت علينا نوراً نستضيء به، اللهم أن الحياة موحشة، اللهم أن الحياة موحشة بدون كتابك، فيا ربنا نحمدك حمداً كثيراً طيباً عطراً كما يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك على نزول هذا القرآن لحياتنا.
اللهم إنا لا نتصور حياة بدون القرآن ولا نتصور ساعة وعمراً بدون القرآن، فاللهم يا ربنا لا تحرمنا من بركاته ولا تحرمنا من خيره وعطائه. اللهم اجعلنا ممن بذل للقران واعطاه فأعطاه القرآن وفتح له، اللهم اجعلنا ممن بذل للقرآن واعطاه فأعطاه القرآن وفتح له. اللهم افتح على قلوبنا فهم كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.
اللهم كما أعنت على صيام رمضان فأعنا على الثبات بعد رمضان، اللهم كما بلغتنا رمضان بسلامة وعافية فبلغنا جناتك جنات النعيم بسلامة وعافية يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسالك
ببركة هذه الختمة أن تفرج عن أهل القرآن في غزة، عن المرابطين الذين يقاتلون بالقران ويصولون بالقرآن ويجولون بالقرآن. اللهم فرج عن أهل القرآن في غزة، اللهم أنزل عليهم نصراً مؤزراً وفرجاً قريباً يسر به المؤمنون ويغيظ به الكافرون.
اللهم يا ربنا أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اجعلنا اللهم من جند القرآن ممن حملوا راية القرآن واختم حياتنا مع القرآن.
آمين آمين وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيراً على الحضور والمتابعة خلال هذه الرحلة الطويلة، من رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما بإذن الله، وجزاكم الله عني كل خير. وصل اللهم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل