تسجيل الدخول

يا أصحاب سورة البقرة | برنامج وتزوّدوا | المجلس الأول: سورة البقرة (بداية التعريف بالسورة + الآيات من 1 إلى 7)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجالس رمضان، وفي هذا المجلس القراني الذي نتدارس فيه كتاب ربنا سبحانه وتعالى.

ومن أهم ما ينشغل به الإنسان في رمضان وفي كل العام عموماً، لكن في رمضان تحديدا، مدارسة القرآن؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان في كل رمضان يتدارس القرآن مع جبريل عليه السلام، وهذا إن دل فإنما يدل على أن رمضان له خصوصية وله مزية في الدرس القراني وتدبر القرآن والعيش في أفيَاءِ السور العظيمة.

وحقيقة ينبغي أن ينظر ويلتفت إلى هذا؛ فرمضان ليس فقط لتلاوة القرآن -وإن كان تلاوة القرآن لها ثواب عظيم وأجر كبير-، لكنه أيضاً لتدارس القرآن والوقوف على معانيه، وأن سورة من كتاب الله يا عبد الله تأخذها وتقلب معانيها وتعيش في أفيَاءِ وظلالها، فتبنى الإيمان في قلبك، لهو خير من الكثير من القراءات التي يقرأها الإنسان، وإن كان بإذن الله يثاب على كل حرف، لكن لا يكون الثواب ثواب المتدبرين.

ففرْق هائل بين من يقرأ القرآن والقران يبني إيمانه ويعطيه المفاهيم ويشكل التصورات، وبين من يقرأ القرآن وهو لا يعرف رسالات القرآن؛ وإن قلوبنا لن تصلح أيها الكرام إلا إذا تلقينا القرآن كما تلقاه الجيل الأول رحمه الله تعالى عليهم، حيث تلقوا القرآن فهماً ودرساً وعلما وعملاً وتلاوة، فالتلاوة كانت إحدى مفردات التلقي لكنها لم تكن هي الصورة الأساسية، فإنما نزل القرآن ابتداء: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.

ومن هنا أيها الأحبه فإننا في برنامج تزود الرمضاني سنضع رحالنا عند سورة من السور العظيمة في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، نعيش في أثنائها في أثناء هذا الشهر الطيب المبارك ونحاول أن نأخذ كلياتها. وهذه السورة التي انتهينا إليها، وهي السورة الأطول في كتاب الله عز وجل سورة البقرة، إنما وضعنا الرحال إليها بعد عام كامل عشناه من رمضان الفائت.

في رمضان الفائت أيها الكرام أطلقنا برنامجاً بعنوان رحلة الإنسان في القرآن؛ هذا البرنامج كان هدفه أن نعيش في كليات سور القرآن مع كل سورة سورة ونفهم رسائلها العامة، وكنا نظن في بادئ الأمر أنه يمكن أن ننتهي من هذه الرحلة في وقت موجز، فاذا بهذه الرحلة تمتد بنا إلى هذا رمضان، والحمد لله الذي بلغنا رمضان، بحمد الله عشنا عاما كاملا مع سور القرآن سورة سورة حتى وصلنا إلى عرش المصحف من سورة الناس جزءاً جزءاً إلى أن انتهينا إلى سورة البقرة.

وها نحن اليوم نضع رحالنا بإذن الله في آخر سور القرآن من الأعلى -طبعاً آخر نسبياً، وإن كان بعد سورة الفاتحة لكن أنها من حيث البناء الإيماني والهرمي أنت تبدأ من سورة الناس وتنطلق في بناء معاني الإيمان حتى تصل إلى سورة البقرة- ولاحظ جزء عمَّ باياته القصيره وإن كانت المعاني عظيمة، أنت تكبر تكبر تكبر مع كتاب الله عز وجل إلى أن تنتهي بأطول سورة.

ثم بعد أن تنتهي بأطول سورة سورة البقرة وتقف على معانيها، تأتيك سورة الفاتحة تلخص لك بالمجمل ما وقع في تفصيل القرآن، فإن القرآن إنما هو تفصيل لما وقع في سورة الفاتحة كما سياتي معنا إن كان لنا في العمر بقية.

إذا هذا الدرس هو حقيقة ليس منقطعا عما كان معنا في العام الماضي، لكنني أحببت أن أفرد سورة البقرة في شهر رمضان بالدرس والنظر والوقوف في كلياتها، نظراً لما لهذه الصورة من مركزية ومحور وأهمية في بناء الإيمان في قلب الإنسان، خاصة عندما نعرف هوية هذه الصورة، ترابط الأفكار في هذه الصورة، الجسد العام الذي تقوم عليه مع فضلها، وكيف كان حرص السلف رضوان الله تعالى عليهم على تلقيها.

أنا ساعدكم بإذن الله قدر المستطاع أن يكون الدرس بإذن الله ساعة واحدة حتى يكون لديكم همة إن شاء الله الحضور في الأيام القادمة، ولذلك ساحاول تماماً أن ألتزم بالوقت وألا أتدا -يعني إذا تعديت خمس دقائق ليس أكثر بإذن الله-، ونصيحتي لكل إخواني وأخواتي اجعل لرمضان نصيباً من التدبر، وعش في أفيَاءِ سورة معينة وحلق معها ومع معانيها، واجعل هذه السورة تبني الإيمان في قلبك.

ربما من الصعب أن تحمل كل معاني القرآن مرة واحدة في رمضان، القرآن ثقيل القرآن يحتاج منك إلى وقت أكثر وأكثر، لكن ولو سورة واحدة تعيش مع معانيها وتترك لها مساحة لتعيد تشكيل التصورات في ذهنك، هذا بإذن الله مهم جداً جداً، خاصة في هذا الوقت أيها الكرام عندما عزف الناس عن التدبر واستثقال جعلوا بينهم وبين القرآن مسافات، فأصبحت معاني القرآن أجنبية غريبة عن كثير من العقول.

أحياناً أنظر في بعض الناس كيف يقلب المصحف في رمضان، أشعر ولو أنني أقرا في عينيه أنه يقلب المصحف وهو لا يعرف معانيه، وهو لا يدرك ماذا يقرأ؛ هو جزاه الله خيراً يحب الثواب، يحب الأجر، يريد أن يفعل شيء مع القرآن في رمضان، لكن أكثر ما يمكن أن يفعل هو أن يقلب الصفحات، وحقيقة هذا قصور، والأصل في الإنسان المسلم أن يكون عنده أهمية خصوصاً في رمضان أن يحضر ولو درساً واحداً تدبرياً يعينه على استثارة القرآن وفهمه والعيش في معانيه، فإن قليلاً دائماً في معاني القرآن -فإن القليل الدائم في معاني القرآن- خير من كثرة القراءة التي لا تنتج فهماً ولا عملاً ولا سلوكاً.

حتى لا أطيل، أريد أن ندخل أيها الكرام فيما نحن فيه مع سورة البقرة؛ هذه السورة العظيمة وسورة البقرة أيها الكرام عندما نتكلم عنها نتكلم عن شيء عظيم حقيقة، عن شيء مهول، عن شيء جميل ورائع وفخم وعالي، كل المعاني هنا تتزاحم عندما نتكلم عن سورة البقرة.

سورة البقرة أي كما يسميها الشيخ فريد الأنصاري سورة منيعة قوية، وهي في نفس الوقت سورة جليلة فخمة في معانيها، وفي نفس الوقت يصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها بركة، وسياتي معنى هذا الحديث، وأيضاً توصف في السنة النبوية بأنها سنام القرآن، فقد روى الحاكم في مستدركه قوله صلى الله عليه وسلم: إن لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة. السنام هو أعلى شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي صححه الحاكم وغيره من أهل العلم يقول: إن لكل شيء سنام، وسنام القرآن -أعلى شيء في القرآن- هو سورة البقرة.

إذا هي الذروة، ولاحظ أن هذا يتناسب أيضاً أن سورة البقرة سورة مدنية، وكاننا نعيش في السور المكية؛ هذه السور المكية التي نزلت قبل الهجره بنت الإيمان رويداً رويداً، وأنت تقرا المصحف من سورة الناس، جزء عم، جزء تبارك، المجادلة، تصعد تصعد، كانك إذا وصلت إلى سورة البقرة وصلت إلى أعلى الجسد، وصلت إلى السنام، وصلت إلى الذروة، وهذا يقتضي منك أن تعلم ما أنت مقبل عليه في تدبر هذه السورة.

أنا الآن أتدبر أعلى شيء في القرآن، أفخم شيء، أوسع شيء، وهذا يقتضي أن هناك رسائل عظيمة وتصورات هائلة أنت مقبل عليها في أثناء تدبرك لهذه السورة.

قبل أن نبدا ونعيش في أفيَاءِ الصفحات الأولى من سورة البقرة، دعوني أتكلم عن فضل هذه السورة؛ يعني فضل هذه السورة ربما سيجعلنا نبدا نفهم قيمة هذه السورة وعظمتها في الترتيب القراني.

روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا القرآن فانه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: اقرؤوا البقرة وآل عمران، فانهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجّان عن صاحبهما. ثم يقول صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة.

الحقيقه هذا الحديث عظيم في بيان قيمة سورة البقرة، وإن كان يتحدث ابتداء عن عموم القرآن، لكن لاحظ أن سورة البقرة تكررت في هذا الحديث ثلاث مرات؛ تكررت في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، وسورة البقرة هي جزء مهم من هذا القرآن.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا البقرة وآل عمران بالتحديد، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما على صورة غمامتان أو غيايتان أو بالتشبيه الآخر أو كأنهما فرقان من طير صواف، وما وظيفتهما يوم القيامة؟ وظيفتهما الدفاع عن حاملها، وحامل سورة البقرة هو ليس فقط الذي كان يتلوها، حامل سورة البقرة هو الذي كان يفهم معانيها ويعيش في أفيَائها ويمتثل في الحياة؛ فالتلاوة وحدها ليس قط هو التلقي الكافي لتأتي سورة البقرة يوم القيامة مع آل عمران لتدافع عنك، فهذه المره الثانية التي ذكر فيها سورة البقرة في الحديث.

ثم المرة الثالثة يقول صلى الله عليه وسلم يخصص البقرة بالتحديد قال: اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة.

حقيقة أريد أن أقف في هذه الأوصاف الثلاثة التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم لسورة البقرة، لأنها تعظم قيمة هذه الصورة في قلبك قبل الدخول في معانيها.

يقول صلى الله عليه وسلم في الوصف الأول لسورة البقرة: فإن أخذها بركة؛ أولاً، ما هو الأخذ؟ يقول شراح الحديث: الأخذ هنا ليس فقط التلاوة، أخذها أي أن تأخذ دروسها ومعانيها؛ من أخذ سورة البقرة درساً وفهماً وعاش معها وعمل بها، هذا شخص سيحصل البركة.

البركة في أي جهة؟ قالوا في كافة الصُّعُد؛ هناك بركة في زيادة الإيمان، وفعلاً بإذن الله من عاش معنا في سورة البقرة سيزداد إيمانه؛ بركة في زيادة معرفتك بإلهك وبشريعتك وبهذا الدين العظيم الذي تنتمي إليه؛ بركة في رسوخ معاني الشريعة والتصورات الكلية في قلبك؛ بركة -وركز في هذا المعنى- بركة في دفع الشيطان وآثار الشيطان عن حياتك، ومن الأحاديث التي تبين بركة سورة القرآن في دفع الشيطان عن حياتك -طبعا لما نحكي عن دفع الشيطان نتكلم عن وساوسه، خطراته، ما يسببه من الأذى للإنسان حتى من تسلط الجن عليه في السحر والعين والحسد وما شابه ذلك- يقول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم كما جاء في صحيح مسلم: إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة؛ إن الشيطان يفر يهرب من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، سورة البقرة بالتحديد الشيطان لا يستطيع أن يقاومها بشرط لمن قراها بحقها وأخذها بحقها وعاش مع هويتها القرآنية، لا الشيطان لا يستطيع أن يصمد أمام قوة سورة البقرة في قلب المؤمن، لاحظ هذه البركة.

وهناك أيضاً أحاديث أخرى تدل على قيمة سورة البقرة أو بركة سورة البقرة في توريث المؤمن الثبات؛ فمثلاً النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين عندما حصلت بلبلة في الصحابة الكرام في بداية الغزوة، أمر العباس أن ينادي أصحابه فيقول: يا أصحاب سورة البقرة! وكذلك عاد المشهد مرة أخرى في معركه اليمامة، وهذه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عندما قاتل المسلمون مسيلمة الكذاب وكانت معركة شرسة، أصبح الصحابة في خضم المعركة يتنادون مع بعضهم البعض: يا أصحاب سورة البقرة!

هذا يدل على أن سورة البقرة من بركاتها أنها تزيد المؤمن ثباتاً في خضم الفتن وفي خضم المعمعة، يعني من تلقى سورة البقرة وفهم رسالتها، حجم الثبات عنده يزداد، لذلك دائماً كنت أتساءل: ما الذي يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول للعباس في غزوة حنين: نادي يا عباس: يا أصحاب سورة البقرة؟ ولما تطرق هذه الكلمه أسماع الصحابة الكرام وهم في بلبلة المعركة، يعيدون الحشد وترتيب الصفوف لمقابلة العدو؟

إذا كلمة يا أصحاب سورة البقرة هي تذكر الصحابة بمعاني عظيمة عاشوا معها في سورة البقرة، هذه المعاني تستدعي منهم الثبات عند البلبلة وإعادة ترتيب الأوراق، وهذه من أعظم بركات سورة البقرة في حياة أنها ثبات في زمن الفتن والقلاقل والاضطرابات والبلايا.

طيب، إذا لما نقول سورة البقرة النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أخذها بركة على كافة الصعد، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: وتركها حسرة؛ يعني في المقابل كما أن من ياخذها يشعر بالبركة في حياته في كافة الصعد، والعكس بالعكس، من ترك سورة البقرة وقصر في فهمها وفي فهم ما فيها من معاني الهدى والرشاد والسداد، فانه سيفوت من الإيمان بقدر تقصيره في فهم هذه السورة، وسيفوته من هدايات القرآن ومن الرشاد في حياته بقدر تقصيره في أخذ هذه السورة، ويفوت من الثبات بقدر تقصيره، إذا ستحسر كثيراً من لم يتعلم معاني هذه الصورة لأنه فاتك خير عظيم جداً، إذا وتركها حسرة على صاحبها.

ثم ختم صلى الله عليه وسلم فقال: ولا تستطيعها البطلة. وهنا يظهر لي معنى في ولا تستطيعها البطلة؛ الآن البطلة قالوا جمع باطل، وكان المعنى الذي يراد أن يقال والله أعلم أن معاول أهل الباطل -معاول أهل الباطل- لا تستطيع أن تهدم الإيمان في قلب من تعلم سورة البقرة؛ إذا تعلمت سورة البقرة وتلقيتها بمعانيها وعرفت تسلسلها وترابطها والرسائل المطلوبة منك، فإن معاول أهل الباطل -لاحظ قال: ولا تستطيعها البطلة- أهل الباطل لو حشدوا ما حشدوا من قوى وإعلام وجهات ومؤسسات ومصنفات وطرق لتشويه الإيمان في قلبك، هذا الإيمان الذي بنته سورة البقرة بناء محكماً، لا تستطيع معاول أهل الباطل أن تهدمه.

فإذاً سورة البقرة سورة محورية في بناء الإيمان وبناء التصور الإيماني وطبيعة هذه الشريعة وعلاقتك أنت بها وكيف تتلقاها، إذا أححمت ذلك فإن البطلة أهل الباطل -وطبعاً وكلمة البطلة هنا ربما في كتب الحديث كثيرة ما يفسرونها بالسحرة، لكن في اعتقادي أن الأمر أعم من السحر بل

كل مبطل يريد أذيتك، يريد تشويه الإسلام في قلبك وفي عقلك، يريد أن يحرف، يريد أن يضلّك. والشياطين والسحر وهذا هم جزء منهم، كل من يريد أن يهدم الإيمان في المؤمن يقف عاجزاً أمام تحدي سورة البقرة. إذاً، أنت لا تتكلم عن شيء سهل، أنت تتكلم عن معقل من معاقل بناء الإيمان، هذا المعقل اسمه سورة البقرة. إذاً، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة.

وقد أدرك الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم عظم هذه السورة وحجم أثرها في بناء الإيمان، ولذلك كانوا يتنافسون في حفظها ويأخذون وقتهم وأريحتهم في ذلك، لأنه كان المهم عندهم ليس فقط أن ينجزوا الحفظ. لذلك ورد عن ابن عمر أنه جلس قرابه سبع سنوات إلى ثمان سنوات وهو يحفظ هذه السورة ويتلقاها. ابن عمر ما كان يعاني من مشاكل في الذاكرة أو ضعف في الحفظ، لكن هو كان يدرك أن الأخذ لسورة البقرة هو ليس مجرد حفظ الألفاظ، وإنما هو تحقيق المعاني؛ فكان يأخذ أريحية ووقته في تحقيقها.

وأنس بن مالك رضوان الله تعالى عليه، كما جاء في مسند الإمام أحمد، يقول أنس بن مالك عن وصف الصحابة الكرام: إنه كان من أخذ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا. لاحظ ماذا يقول أنس: كان من أخذ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا، يعني عظم فينا؛ لأننا ندرك أنه هذا ليس كأي واحد من هذا الصحابي استطاع أن يفهم البقرة، فكان يعظم في أعين أصحابه. وكذلك ورد في صحيح مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص لما قدم عثمان بن أبي العاص مع وفد ثقيف، يقول عثمان: فاستعملني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر الستة الذين وفدوا إليه، وذلك أني كنت أقرأ سورة البقرة.

عثمان بن أبي العاص كان من أصغر قومه، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام استعمله عليهم. عثمان يخبرنا لماذا النبي صلى الله عليه وسلم وضعه أميراً على قومه، ما هي الخبرات التي يمتلكها مع أنه كان من أحدثهم سناً؟ الخبرة التي كان يمتلكها قال: وذلك أني كنت أقرأ سورة البقرة. لاحظ، ليس يقصد، هو لا يقصد كنت أقرأ يعني أقرأها عن ظهر غيب فقط، لا لا، هو يقصد أنني كنت أفهمها وأدرك وتلقيت؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يرى أن من تلقى هذه السورة وبنت هذه السورة هو الذي يستحق إمارة قومه وسيادتهم.

وحقيقة الكلام عن سورة البقرة وفضلها وآثارها كلام يطول، ولكن ليس هذا مقصدي، وإنما مقصدي أن نبدأ نعيش فيها، لكن لا بد من هذه المقدمة حتى نشحد الهمم للتركيز والانتباه واعطاء هذه السورة حقها. طريقتي أيها الكرام في يعني التعامل مع هذه السورة هو لن أقف مع كل كلمة كلمة لأفهمها، ربما هذا يحتاج منا إلى يعني سنوات، ولكن طريقتي بإذن الله في هذا الشهر أن نققف مع المعاني الكلية، ونحاول أن نربط الآيات مع بعضها البعض بعد معرفتنا لهوية السورة. بعد قليل بإذن الله، أزعم والله أعلم أن من فهم هوية السورة والمعنى العام الذي تريد السورة أن تطرحه سيستطيع بعد ذلك أن يستلذ وهو يقراها، أنه أصبح ينتقل من موضوع إلى موضوع، ومن صفحة إلى صفحة في سوره البقرة، وهو يفهم ارتباط هذه الصفحات مع بعضها البعض في بناء الهوية العامة والصورة العامة.

فإذاً، نحن ندرس الكليات وليس التفاصيل، لكننا نحتاج ابتداء إلى الكليات كمرحلة أولى في عرض سوره البقرة، حتى إذا كتب الله عز وجل لكم تدبراً تفصيلياً جزئياً لكل كلمة وآية، تستطيعون بذلك أن تشكلوا صورة عظيمة عامة مفهومة لسوره البقرة في أذهانكم، سواء وأنت تقراها في الصلاة أو أنت تقراها وحدك وفي وردك.

أي، طبعا، بعض الإخوة يسالني كان: هل هناك شيء تحيلنا إليه مع اثناء هذا الدرس أو في أثناء متابعتنا لهذا الدرس حتى نقرا معه في تفسير سوره البقرة؟ حقيقة، أنصحكم أن تقرأوا تفسير سوره البقرة للأستاذ فريد الأنصاري في كتابه مجالس القرآن المجلد الثالث. الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله تعالى عليه أبدع أبدع في تقديم سوره البقرة وطرحها وإيصال رسائلها وأفكارها في كتابه مجالس القرآن. وكنت أتمنا أن هذا الكتاب ينتهي، لكن سبحان الله كان أجل الله أقرب. الشيخ عليه رحمه الله تدارس بعض السور في هذا الكتاب كتاب مجالس القرآن مجلداته الثلاث، لكن لم يكتب له العمر لإنهاءه.

الطريقة التي يتعاطى فيها الشيخ فريد الأنصاري مع سوره البقرة، وعموماً مع عموم سور القرآن، طريقة تتناسب مع المسلم المعاصر؛ المسلم المعاصر الذي يعاني من فجوة بينه وبين كتب التفسير القديمة. أسلوب الشيخ فريد يقرب السورة إلى قلبك، ويقربك أنت من السورة، ويجعل هناك نوع من التعايش والفهم لطبيعتها ومعانيها. لذلك، أنصح أثناء متابعتكم معي إن شاء الله في تدبر هذه السورة أن تقرأوا في كتاب الشيخ فريد الأنصاري في تدبره، وستكون فائدة حقيقة، أو جزء من الفوائد التي أعطيها في هذا المجلس حقيقة أنا استفدت من الشيخ فريد جزاه الله خيراً مع كتب التفسير الأخرى والمعاني التي تخطر في ذهن الإنسان. اللهم سدد ووفق.

طيب، نبدا الآن إن شاء الله في عملية الدخول إلى هذا المعقل العظيم من معاقل الإيمان سورة البقرة. ما هويتها العامة وما فكرتها العامة التي تدندن حولها؟ أنا هنا سأختصر الاختصارات حتى نسير أكثر وأكثر. استطيع أن أقول أن سورة البقرة كفكرة عامة تعيش فيها السورة من أولها إلى آخرها، تتكلم عن كيفية تلقي المسلم للهدى من الله سبحانه وتعالى؛ ما هي المشاعر، وما هي الأحاسيس، وما هي الطريقة التي ينبغي أن يتلقى فيها المسلم الهدى والشريعة من الله سبحانه وتعالى؟ فهناك مسلك يميز أهل الخير والصلاح وأهل الهدى والرشاد في تلقي الهدى، وهناك مسالك لأهل الباطل ولاهل الضلال في التعامل مع الهدى.

فتأتي سورة البقرة لتبين هذا المنهج بشكل عام مع تطبيقات وممارسات في داخلها. وهذا الجميل في الطرح القراني أنه لا يكتفي بالنظرية، لا، القرآن يعطيك القواعد، وأنت تقرأ القواعد تجد التطبيقات حية أمامك في زمن الصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وحتى في استجرار أمثلة من الزمن المتقدم. إذاً، هذه الهوية العامة التي أرجو أن تبقى في أذهانكم ونحن نعيش مع مقاطع هذه السورة مقطع مقطع. نعيد نقول: سورة البقرة هي حديث عن كيفية تلقي المسلم للهدى للوحي للشريعة من الله سبحانه وتعالى، وهذا من المفاهيم العظيمه، بل هو أعظم مفهوم في حياة المسلم وفي حياة الناس عموماً، وهي كيف يتلقى الإنسان الوحي الذي ينزل من الإله، بأي مشاعر، بأي أحاسيس، بأي قلب؟

ولعل اسم السورة، اسم السورة وهي سورة البقرة، يجعلكم تتاكدون أن هذا هو أو أن هذه الفكرة هي الفكره الأساسية لسورة البقرة، أنه كلمة البقرة هي تشير إلى قصة بني إسرائيل وطريقة تعاملهم مع تلقي الهدى من الله، لما أمرهم الله أن يذبحوا البقرة، كيف كان هناك العناد والمماحكات؟ القصه في آخرها لتقول: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، يعني مع أنهم في النهاية ترى ذبحوها، لكن كيف كان تلقي بني إسرائيل للهدى من الله؟ المماحكات، وهذا في أحسن أحوالهم، أنهم بعد المماحكات و و و و آخر شيء بيقفل ما أراده الله سبحانه وتعالى منه. هذه الطريقه في تلقي الهدى والشرائع الإلهية لا يريدها الله سبحانه وتعالى أن تكون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

فاذاً، اختيار اسم هذه السورة سورة البقرة لتبقى رمزية قصة البقرة تشكل لك هوية السورة: كيف ستتلقى يا أيها المؤمن الوحي الإلهي؟ هل ستتلقاه بطريقة اليهود سمعنا وعصينا، أم تتلقاه بطريقة أهل الإيمان سمعنا وأطعنا؟ ولذلك سنجد أن جزء كبير من السورة هو تحذير أهل الإيمان وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم من ممارسة طرائق اليهود في تلقي الشرائع والتعامل معها. وهذا المعنى، أو المعنى العام للسورة الذي ذكرناه، سنبدأ به ونلاحظ من بداية السورة حتى يضع رحاله في نهاية السورة في الآيتين اللتين من قرأهما في ليلة كفتاه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. هذه هي الخلاصة، خلاصة سورة البقرة في الآيات الأخيرة: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. هكذا هو منهج تلقي الوحي عند أهل الإيمان. والسورة من أولها إلى آخرها هي تتجه نحو هذه البوصلة، وهذه أهم بووصلة في حياة الإنسان.

طيب، الآن بعد أن فهمنا هوية الصورة والفكرة العامه التي بناء عليها؛ لأنه دائماً إخواني، تصور الفكرة العامة يجعلك وأنت تقرأ صفحة بعد صفحة تحاول تقول: هذه الصفحة كيف تخدم الفكرة العامة؟ ثم الصفحة التي تليها، ثم الموضوع الذي يليه، وهكذا، هنا ستشعر أن السورة تشهد وأصبح هناك تصور عام في ذهنك لها وأنت تقرأها من بدايتها إلى نهايتها. الآن سأمر على المعاني الكلية التي مرت عليها سورة البقرة من أولها إلى آخرها تباعاً، ثم سنبدا العيش إن شاء الله في المقطع الأول.

طيب، حتى لماذا أريد الآن سموها أنا الاستعراض العام لتفاصيل هذه السوره؟ أن هذا الاستعراض العام أيضاً يؤكد هوية هذه السورة وفكرة هذه السورة في أذهاننا. تبدأ سورة البقرة في مطلعها لتكون امتداداً لسورة الفاتحه. في سورة الفاتحة، ولاحظ هنا ماذا يحصل، نحن نقول في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. فتأتي سورة البقرة في مطلعها: هُدًى لِلْمُتقِينَ، ذلك ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. إذاً، أنت في سورة الفاتحة عندما قلت: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، سورة الفاتحة البقرة في مطلعها مباشرة تجيبك: ذلك ذلك الصراط المستقيم الذي تسال الله الهدايه اليه ستجده في هذا الكتاب. إذاً، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، تريد الهداية؟ ذلك ذلك الصراط المستقيم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ هُدًى، فيه الهداية التي تطلبها.

إذاً، فاتحة هذه السورة تبين مصدر الهداية، أنت تقول اهدنا، مصدر الهداية هو ذلك الكتاب، وسنأتي لنبين كيف فيه هدى للمتقين. ثم من بدايتها السورة ستقسم تلقي الناس لهذه الههداية؛ كيف تلقى الناس عموماً هذه الهداية، هذا الوحي الإلهي؟ انقسم الناس إلى مؤمنين متقين، إلى المتقين، ثم ذكر صفاتهم، ثم ذكر بعد ذلك صفات الكافرين وكيف تلقوا القرآن، ثم ذكر بعد ذلك صفات المنافقين وكيف تلقوا القرآن، كيف تلقوا هذا الهدي الإلهي؟ وفي المنافقين كان هناك نوع من البسط والتفصيل أكثر حتى يكون لدينا تصور واضح عن هؤلاء، لأن تصور المتقي قد يكون فيه سهولة، تصور الكافر يكون فيه سهولة، لكن تصور الشخصية المنافق فيه صعوبة، وسنعرف بعد قليل لماذا هذه الصعوبة، لكن المهم أن السورة ابتدات ببيان مصدر الهدى وكيفية انقسام الناس في تلقيهم هذا الهدى إلى متق وكافر ومنافق، وكيف تعامل هؤلاء الأصناف الثلاثة مع هذا الهدى.

ثم بعد ذلك يأتي الأمر العام للجميع بضرورة الخضوع لإله هذا الكون سبحانه وتعالى، وعدم تحدي الهدى الذي نزل به، ويخبر كيف أن هذا الهدى من أحسن التعامل معه وصل إلى الرشاد، ومن لم يحسن التعامل معه كان هذا الهدى حجة عليه وسبباً في ضياعه: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا. هنا ينهي المقطع الأول بعد هذه التقدمة والتمهيد لبيان الهدى وكيف تلقي الناس له على أصناف، ثم النداء للناس جميعاً بضرورة الخضوع له.

تنتقل بين السورة إلى مقطعها الثاني وهو العودة إلى كيف نشأ الإنسان على هذه الأرض، وأن الإنسان كان نزوله إلى الأرض أصالة إنما كان بسبب خطيئة الانحراف عن الهدى في جزئية معينة. فتأتي قصة آدم في مكانها المناسب: أنه أنت أصلاً يا أيها الإنسان أنت في قمة احتياجك إلى الهدى، في قمة احتياجك أن تقول لهذا الهدى سمعنا وأطعنا؛ لأنه أصالة مبدأ نزولك إلى الأرض كان بسبب الخطأ في ترك الهدى. فتأتي قصة آدم وكيف أن الله عز وجل أمره أن يأكل من الأشجار إلا شجرة، وكيف أن آدم عليه السلام عندما أخطأ فابتعد عن الهدى في هذه الجزئية نزل. وهنا ابتدات قصة الإنسان: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا، والذكر أنه: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ، ومن أعرض عن هذا الهدى ماذا ستكون؟

فاذاً، ابتدأت البقرة من قصة من سورة البقرة القصة من بدايتها: أنت يا أيها الإنسان نزولك إلى الأرض إنما كان هو ضريبة عدم تلقيك الهدى التام من الله سبحانه، وكيف أن عدم تلقي الهدى بتمامه وكماله يسبب لك نكبات في الحياة، فأعظم نكبه هي نزول الإنسان إلى الأرض بعد أن كان في الجنة، وكانت هذه نتيجة عدم تلقي الهدى بتمامه. ثم كيف أن آدم تاب وأصبح من خصيصة هذا الجنس الذي يسمى الإنسان أنه يحتاج إلى التوبة والعودة والتمسك بالهدى، وكلما تفلت يحتاج التوبة والإنابة مرة أخرى حتى يستطيع أن يكمل هذا الإنسان ويعود إلى موطنه الأصلي.

بعد أن تنتهي قصة آدم ودور الإنسان على الأرض، يأتي الآن القسم الثالث من سورة البقرة وهو استعراض لأكبر قطيع من البشرية وهم بنو إسرائيل، الذين كثرت فيهم الأنبياء والرسل والكتب السماوية، كيف كان يتعامل هذا الجنس من البشر أو هذا النوع من البشر مع هدايات الوحي الإلهي وحجم المماحكات: تبديل الكتاب، واشتروا بايات ثمناً قليلاً، ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويقولون أحياناً به ثم يتركونه ثم ينبذون وراء ظهورهم. لما نستعرض كيف تحدث القرآن عن طريقة بني إسرائيل في تلقي الوحي، نقطع تماماً أن الله عز وجل إنما يسرد هذه القصص علينا ليقول لنا: احذروا أن تكونوا نموذج بني إسرائيل، احذروا أن تكونوا وأن تعيدوا نموذج بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل كيف كان تلقيهم للوحي الإلهي؟ فعلوا كذا وكذا وكذا وكذا.

بتجد سورة البقرة تتكلم عن مشهد بعد مشهد. بعد عشرات المشاهد تسردها عليك سورة البقرة، الهدف منها أن تخبرك: انظر إلى هؤلاء كيف يتلقون الوحي الإلهي مع أنني أكثرت فيهم الرسل والأنبياء والرسالات، و و و؟

ثم ماذا كانت النتيجة الإلهية؟ انسحب الله النبوة منهم، وجعل النبوة الخاتمة في جنس آخر من أجناس البشر وهم العرب، بعد أن فعل بنو إسرائيل ما فعلوا في الوحي الإلهي؛ فهم لا يستحقون بقاء هذا الاستخلاف فيهم، فانتقل هذا الاستخلاف إلى غيرهم.

إذاً، بعد هذا الاستعراض الطويل والعميق لأكبر جنس من البشر، وكيف عبثوا الهدايات الإلهية التي كانت تأتيهم، بعد ذلك يأتي المقطع الذي يليه في سورة البقرة: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي.

تأتي سورة البقرة لتعرض لك نموذجاً رائعاً من نماذج تلقي الوحي الإلهي وهدايات الله؛ نموذج إبراهيم. إذاً، الله عز وجل ابتلى إبراهيم بأمور وأعطاه أشياء معينة ليقول: سمعنا وأطعنا فأتم.

وكان شعار إبراهيم في سورة البقرة إذ قال له ربه: أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. هذه محورية في قصة إبراهيم في سورة البقرة؛ أن الله عز وجل يعرض لنا نموذج إبراهيم عليه السلام، نموذج عظيم بارز، لذلك أصبحت الشعار مِلّة إبراهيم، طريقة إبراهيم في تلقي الهدى الإلهي هي إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين.

هذه طريقة المؤمن في تلقي الوحي، وأصبحت هذه الطريقة موروثة في ذرية إبراهيم، ووصى بها إبراهيم وبنيه ويعقوب: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. الاستسلام، الانقياد التام للشريعة الإلهية، فأصبحت إذاً قصة إبراهيم هنا لتكميل هذه الفكرة العامة؛ الانقياد والقبول والطاعة لأوامر الله وهداه ووحيه.

بعد ذلك يأتي مطلع الجزء الثاني من سورة البقرة بأول اختبار تطبيقي للصحابة في تلقي الوحي الإلهي؛ قضية تحويل القبلة، وكيف انقسم المجتمع المدني إلى تلقي هذا الموضوع: كنا نصلي لبيت المقدس، أمركم الآن أن تتوجهوا للكعبة إلى بيت الله الحرام.

ثم يتبعها قضية الصفا والمروة بعد صفحتين مباشرة الحديث عنهما تباعاً، أن هو أيضاً كانوا لا يعني كان الصحابة الأنصار عندهم حرج من الطواف أو السعي بين الصفا والمروة كما سياتي، ثم يامرهم الله أن يسعوا بين الصفا والمروة.

فيأتي أول الجزء الثاني كأول اختبار تطبيقي: هل استفدتم من الدرس الذي في الجزء الاول؟ هل تعلمتم من أخطاء بني إسرائيل؟ إذاً دعونا نرى، دعونا نرى التطبيق: ساحولك بل من بيت المقدس إلى الكعبة، كيف ستتلقين هذا الأمر؟ وكيف ستتعامل مع هذا التطبيق؟

ثم يرصد القرآن ماذا حصل في هذه اللحظة، وكيف انقسم المجتمع المدني إلى من في قلوبهم مرض وإلى منافقين أزعجهم هذا وبداوا يشعرون بالاضطراب وعدم الموافقة، وإلى مؤمنين مسلمين: سمعنا وأطعنا يا رب. وكذلك قضية الصفا والمروة وضرورة أنه من شعائر الله وضرورة أن تسعوا بينهما، كيف تلقاها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟

بعد هذا الأول تطبيق من تطبيقات تلقي الهدى الإلهي، تعود السورة لتركز على التحذير من أكبر جريمة يمكن أن يفعلها الإنسان، وهو أن يحاول أن يشوه أو يكتم أو يطمس الهدى الإلهي. تخيل أن الله عز وجل ينزل هدى من السماء فيتسلط عليه أصحاب القلوب المريضة واصحاب المشروعات المشبوهة والمأجورين فيحاولون كتمانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.

ولاحظ كلمة الهدى رح ستتكرر معك كثيراً في سورة البقرة بدك تكون مركز فيها: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنْنَاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إلى آخ إلى الصفحة التي إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

هنا تسهب سورة البقرة في التحذير من هذه الجريمة الكبرى: احذروا أن تكتموا هدايات الله. يعني في بعض الناس هو يترك الهدايات لكنه لا يشتغل بتشويه هذا مجرم، لكن أكثر إجراماً من الذي يسعى إلى تشويه الشريعة وإلى تشويه دين الله سواء في المناهج في المقررات في الاعلام في عقول الناس، هذا ايش جريمته عند الله؟ تخيل هناك هدايات من الله وأنت كإنسان تسعى إلى طمس هويتها.

بعد ذلك، بعد أن تعظم سورة البقرة هذه الجريمة النكراء، تعود سورة البقرة لتبين حقيقة الإيمان؛ أنه حقيقة الإيمان يعني ليس هو صلب الموضوع أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ هذه جهات، والله يوجه إلى أي جهة شاء، لكن صلب الإيمان أن يقر التصديق بالله وباليوم الآخر ومعاني الإيمان في قلبك: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

لكن يعني مش هذه القضية العظمى العميقة، وإن كانت هذه من الدين، لكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه، هو أن تحافظ على كليات الدين وعقائده العامة. قضية التحويل نحو المشرق والمغرب كان هدفها اختبار مدى سمعنا وأطعنا ومعيار التلقي عندكم، لكن صلب الموضوع هو كيف الإيمان في قلبك؟ طمني كيف كليات العقيدة في حياتك؟

ثم بعد ذلك تبدا سورة البقرة تتكلم عن التشريعات، بعد أن بنت مفهوم الطاعة وبنت مفهوم الانقياد. لاحظ كنا كيف الدرس يبنى؛ أنه أنا بنيت قاعدة الطاعة، بنيت قاعدة أسلمت لرب العالمين، أنني الآن خلاص فهمت يا رب، أنا فهمت هذا الكتاب هو يشكل الهدايه لي في الحياة، وفهمت كيف انقسم الناس في تلقيه، وفهمت أنه أصلاً أكبر يعني أول خطأ للبشرية هو أصلاً سبب وجودنا في الأرض هو عدم تلقي الهدى بتمامه، وكيف أن آدم تاب من هذا الخطأ.

وفهمفنا كيف تعامل بنو إسرائيل مع الهدايات ولم يتعاملوا معها بالطريقة الصحيحة التي ترضيك، وعرفنا ملة إبراهيم: أسلمت لرب العالمين. بعد أن بني هذا المفهوم الكامل، الآن ستبدأ التشريعات الإلهية تنزل رويداً رويداً؛ يقابلك تشريع القصاص: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، بعد ذلك: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وما يتعلق بها كذلك شيء من آيات الجهاد، ثم بعد ذلك الآيات: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.

مجموعة إذاً من التشريعات متنوعة، ما بين تشريعات جنائية قصاص، إلى تشريعات جهادية سياسة شرعية، إلى تشريعات عبادية متعلقة بالصيام والحج والعمرة. ثم بعد ذلك، وهذا جمال القرآن، عادت السورة مرة أخرى لتبني مفهوم الانقياد لله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.

والتحذير من نموذج بني إسرائيل مرة أخرى، حيث أعطاهم الله نعمه نعمه الوحي ونعمه الهدايات فتركوها وانسلخوا عنها. واعاده التنبيه لهذه القضية: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ، وكيف أنه دائماً عندما كانت تنزل الكتب الإلهية للبشر والهدايات الإلهية للبشر يختلف مواقف الناس منها، ما بين متلقٍ لها بسمع وأطعنا، وما بين ملق لها وراء ظهره.

ثم تعود السورة بعد أن اعادت التركيز على نقطة التلقي، تعود لتبني بعض الأحكام الشرعية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ. أي، ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير. ثم مجموعة من الأحكام المتعلقة بالقضايا الأسرية: ويسألونك عن المحيض والآيات التي تتعلق بالوطء والجماع: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.

الآيات التي تتكلم عن الإيلاء من الزوجات الذين من نسائهم، آيات تتكلم عن الطلاق. ولاحظ أن القرآن يبني سمعنا وأطعنا ثم يعطيك تطبيقات، يبني سمعنا وأطعنا ثم يعطيك تطبيقات لتتعامل معها، كلها في منهجية سمعنا وأطعنا.

فتمضي سورة البقرة في هذا المقطع تتكلم عن أحكام الأسرة: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ، وأحكام الرضاع: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ. وكذلك أحكام العدة، وكيف أن المرأة التي يتوفون زوجها أربعة أشهر وعشرا، ولا جناح عليكم فيما عرضتم.

وأحكام الطلاق تاتي هذه الأحكام بعد بناء مفهوم الطاعة؛ لانه حقيقة أي أحكام إلهية لا تاتي على قلب تربى على ملة إبراهيم: سمعنا وأطعنا وأسلمت لرب العالمين. للأسف كما ترون في واقعنا كثير من الناس عندما تقول: يا اخي حكم الله في المسألة كذا، حكم الله كذا، قلبه ليس متربياً على معاني سورة البقرة، ليس متربياً على تلقي الهدى من الله بالسمع والطاعة وعدم المناقشة.

كثير من الناس لا يقبل الهدى أصلاً، ويقفز إلى هواه. وأحسنهم حالاً هو الذي يفعل كما فعل بنو إسرائيل في البقرة: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، بيحاول أن يناور ويلتف على الشريعة و و و لأنه هو يستحي أن يعارضها ويتركها، فيبقى يناور ويماحك حتى يجد مخرجاً، وإذا لم يجد مخرجاً فعل الشريعه وهو كاره لها.

سورة البقرة تعلمنا درساً: لا يصلح أن تفعل الشريعة وأنت كاره لها، ما ينفع! إياك أن تكون من نموذج فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ. فإذاً تأتي كل كل هذه الآيات على أرضية سمعنا وأطعنا.

بعد أن تنتهي موضوع أحكام الأسرة تعود سورة البقرة لتبني مفهوم الطاعة، وتقص علينا قصة طالوت وكيف فعل مع قومه، وكيف أن هناك من سمع وأطاع لطالوت وهناك من أعرض وتنكب عن الهدى في قصة طالوت، وكيف كانت ضريبة هذا وضريبة هذا، قصة جميلة ناتي إليها.

ثم بعد ذلك سورة البقرة تتكلم عن تعظيم الله في القلوب، لأنه إذا عظمة الله مش موجودة في قلبك فإنك لن تقبل هداه. فتاتي بعد قصة طالوت أعظم آية في كتاب الله، وهي آية: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، تبني لك تصوراً عن الله بعظمته؛ أعظم آية في كتاب. لا بد أن تعظم الله في قلبك، لأنك إذا عظمت الله ستعظم هداه.

وتاتي بعد ذلك بقصة إبراهيم وعزير، وقصة إبراهيم مرة أخرى كيف أنه سعى لتعظيم وتثبيت عظمه الله في قلبه.

ثم بعد أن ننتهي هذه الجولة من تعظيم الله في القلب، تعود إلى مجموعة أخرى من الأحكام، وهي الأحكام المالية: أحكام الصدقات، أحكام الربا، أحكام: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، وتبدا تبني لك القضايا المالية من موضوع إلى موضوع، بداية من الصدقات والحث عليها ومنهج التصدق والانفاق في الإسلام، ثم التحذير من الربا وتاكيد قيمه البيع.

ثم قيمه الدين وضرورة توثيقه في أطول آية: آية الدين، ثم الكلام عن الرهن وكيف الإنسان يفعل الرهن في حياته.

طبعاً هذا كله مرور سريع، بعد أن تنتهي القضايا المالية، لاحظ إذاً: سورة البقرة تكلمت عن أحكام العبادات الصوم والحج والعمره والصلاة، تكلمت عن أحكام المعاملات في البيع والديون والرهن، تكلمت عن حياه أحكام الأسرة النكاح والطلاق والرضاع والعدة وما شابه ذلك، تكلمت عن أحكام السياسة الشرعية الجهاد والقتال والسلم والحرب، تكلمت عن الجنايات القصاص و و.

كل هذا أحكام عظيمة بنيت في سورة البقرة لم تبن بهذا الحجم في أي سورة أخرى.

ثم بعد ذلك اختبار آخر للصحابة بعد اختبار تحويل القبلة الذي كان في مطلع الجزء الثاني، الاختبار الاخير للصحابة لما نزلت عليها نزلت عليهم آيات الله عز وجل: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ. فثقلت هذه الآية على الصحابة، قالوا: يا رب يعني الله يريد أن يحاسبنا على ما نخفيه أيضاً في قلوبنا؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية حذر الصحابة: احذروا أن تكرروا نموذج بني اسرائيل نموذج سمعنا وعصينا. أقبلوا هذه الآية وإن كان فيها مشقة عليكم. فالصحابة فعلوا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: سمعنا وأطعنا، خلاص ما دام الله يريد أن يحاسبنا حتى على مواطننا سمعنا وأطعنا.

فكان هذا اختباراً سينس الله في الآيات التي تريها، لكن يريد سبحانه أن يرى مدى فهم الصحابة لدرس سورة البقرة وطريقة التلقي للشريعة؛ لا تجادل، لا تعترض، لا تناقش. رب العالمين سبحانه وتعالى أحكامه كلها على العين والراس، تقبلها في البيوع، في المناكحات، في العبادات، في القصاص والجنايات، في السياسة الشرعية، لا نقاش مع ما يأتي من الله سبحانه وتعالى من الهدى: سمعنا وأطعنا.

فتاتي بعد ذلك آخر آيتين تتربع على ختام سورة البقرة: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ. تختم هذه الآية ب سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير.

ثم تخفيف الله عز وجل على المؤمنين ليخبرهم أنني وإن كنت كلفت أن تسمعوا وتطيعوا في كل شيء، لكن ادعوا بهذا الدعاء: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، فقال الله: نعم. وَرَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا، فقال الله: نعم. وَرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، فقال الله: نعم. وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

فتجد أن آخر آية تنسجم مع قضية أنه في هدايات، واطلبوا من الله التيسير والسداد، والله سبحانه وتعالى لن يخيبك، لكن المهم قبل أن تطلب من الله أن يخفف عنك ويسهل عليك، ربي قلبك على سمعنا وأطعنا.

هذا هو الاستعراض العام لسورة البقرة، ولاحظ أننا من بدايتها إلى نهايتها ندور على نفس الفكرة المحورية الجوهرية، وهي كيف يتلقى المؤمن هداية الله سبحانه وتعالى؟ بأي قلب، وبأي مشاعر، وبأي أحاسيس؟

الآن انتهينا من الاستعراض العام لمواضيع سورة البقرة، سنشرع إن شاء الله في العشر دقائق المتبقية معنا الآن للمرور على الصفحات (يعني صفحتين ثلاث) الأول منها إن شاء الله، مروراً كلياً عاماً حتى يكون هذا بداية الخير معنا باذن الله.

طيب، وأعجبني هذا التعليق الختامي، يعني لاحظ من بداية السورة: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ إلى ختام السورة: سمعنا وأطعنا. كان الله في بداية السورة يقول لك الصراط المستقيم: ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وأنت في ختام السورة تقول: سمعنا وأطعنا يا رب. لأحد ما

بين البداية والنهاية قصة وحكاية، قصة وحكاية في تفاصيل ونقاشات وأشياء عظيمة مبهرة في سورة البقرة، وهي تحاول أن تبني في قلب المؤمن فكرة الانقياد لله سبحانه وتعالى والتسليم المطلق للوحي الإلهي.

بداية سورة البقرة: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، الم. طبعا الم، النقاش في الأحرف المقطعة التي تبتدأ بها السور وما فكرتها وما المعاني التي ذكرت فيها، هذا كله تعودون إليه في كتب التفسير، وخلاصة ما يمكن أن يققال ومن أجمل ما يمكن أن يقال: أن هذه أحرف أنزلها الله سبحانه وتعالى ليتحدى بها العرب وليقول لهم: هذا الكتاب مؤلف من هذه الحروف من الألف واللام والميم، وقد تحديكم به فأروني قوتكم وأروني طاقتكم على معارضته.

أنتقل مباشرة إلى المعنى الذي يلي ذلك: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَقِينَ. كما قلنا، ذلك الكتاب لا ريب فيه، هذه الآية ينبغي أن تقرأها في ضوء ما دعوت الله به في سورة الفاتحة، أنت تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، فتأتيك: ذلك الكتاب، تريد الصراط المستقيم؟ ذلك الكتاب.

وأي الآن الكتاب، بماذا يأخذ قيمته عند الإنسان؟ أي كتاب الآن كقاعدة عامة، أي كتاب حتى يأخذ قيمته ويكون له أهمية عند الإنسان؛ لابد وأن يتميز بصفتين: مصداقية المعلومات التي في هذا الكتاب، وحجم النفع من هذا الكتاب. إذا أنت تقرأ كتاب لكن ما في مصداقية وأنت تشك فيه، ذهبت هيبة الكتاب، طيب ممكن أقرأ كتاب لا مصداقيته ممتازة لكن لا أشعر أن هناك نفع فيه، يعني لا أجد أن المعلومات الموجودة فيه ذات نفع وأثر في حياتي، إذا أيضا ذهبت قيمة الكتاب.

أي كتاب حتى يأخذ قيمته في حياة الإنسان؛ لابد وأن تجتمع فيه خصلتان: قمة المصداقية مع قمة النفع، وهذا يوجد في القرآن، بل هو القرآن، هو الوحي، فالوحي الإلهي يتميز به: لَا رَيْبَ فِيهِ، قمة المصداقية لا شك فيه بشكل من الأشكال. وهدى أي فيه دلالة على سبل الرشاد والسداد.

طيب، إذا الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن هذا الكتاب وهو مادة الوحي الإلهي الأساسية بصفتين عظيمتين تجعل الإنسان يعطيه كل الاهتمام وكل الاعتناء. لكن مباشرة دخلت سورة البقرة لتبين كيف قسم الناس تجاه هذا الوحي، تجاه هذا الهدى، فبين أن الناس تنقسم دائما في كل زمان وفي كل مكان تجاه هذا الهدى إلى ثلاثة أقسام: إلى المتقين، وإلى الكافرين، وإلى المنافقين.

فالله سبحانه وتعالى بدأ بالقسم الأول وهو أشرف الأقسام، بدأ بالمتقين فقال: هُدًى لِّلْمُتَقِينَ. من هم المتقون؟ المتقون القسم الأول، وهم الذين يتلقون هدايات القرآن فعلا ويستفيدون منها، ولذلك لاحظوا أن الله سبحانه وتعالى حصر هدايات القرآن وإرشاد القرآن بالمتقين فقال: هُدًى لِّلْمُتَقِينَ.

طبعا هنا سأسألكم سؤال: طب هل القرآن هو فقط كتاب هداية للمتقين؟ أليس هو كتاب هداية للبشرية جمعاء للكافرين والمنافقين أيضا؟ فلماذا قال: هدى للمتقين؟ قال العلماء: لما كان المتقون هم الذين استفادوا من هدايات القرآن من هدايات هذا الكتاب حصر الهدى فيهم فقال: هدى للمتقين، ولما كان الكافرون والمنافقون أعرضوا عن هذه الهدايات، أسقط سبحانه وتعالى كون هذا القرآن سبيلا لهدايتهم لفوات المقصد.

تمام، لما أنا أعطيك كتاب عظيم مليء بالهدايات وأنت تعرض عنه وتلقيه وراء ظهرك ولا تعطيه بالا، إذا هذا الكتاب ما عاد وسيلة لهدايته هو في الأصل نعم هدايه للجميع لكل الفئات، للمتقي وللكافر وللمنافق، لكن لما لم يستفد الكافر والمنافق منه سقطت غايته كوسيلة، لما سقطت الغاية أسقط كونه وسيلة لهداية الكافرين والمنافقين، لما لم يحصل ذلك منهم وحصل هدايته للمتقين فقط، وإن كان هو في ذهننا وتصورنا أنه هداية للبشرية جمعاء.

الان سؤال هنا يقول ربنا عز وجل: إن هذا الوحي هو هدايه وارشاد للمتقي، السؤال الآن: من هو المتقي حقيقة؟ هناك أناس من البشر تتعامل معه هو فعلا أنا بسميه -يعني ما بعرف إذا صح لي أن أختار هذا الاسم- بسميه شخصية اتقائية، شخصية هي فعلا تحاول أن تتقي الخطأ، تحاول أن تبتعد عن الضلال، تحاول أن تبحث عن الحقيقة، هذا هو الشخص المتقي، المتقي هو الذي يريد أن يصون نفسه عن المهالك وعن الضلالات وعن الشبهات وعن الشهوات وعن الأخطاء، ويريد أن ينقذ نفسه، هو يريد لها السلامة.

في أناس تتعامل معهم هو شخصية أنا بسميه شخصية متقي فعلا، بتحسوا شخصية متقي، إنسان ما بده الخطأ، ما بده الانحراف، لا يعطي الزمام لنفسه تقوده لشهواته وشبهاته، لا، هو فعلا يبحث عن الاتقاء وعن الصيانة، وبالتالي هو نهم يبحث عن شيء يهديه في خضم الظلمات، في خضم الحيرة، في خضم المسات التائهة التي يأتي فيها البشر، يقول ربنا: هذا الكتاب هدى لهذا النوع من البشر، للشخصية الاتقائية.

ثم مباشرة تعرض لك سورة البقرة ما هي صفات تلك الشخصية تمام، هذه الشخصية انتقائية حتى بعض الناس قد يكون من لساته لم يسلم سبحان الله لكن بتشعر إنه صادق عم بحاول يبحث عن الحق ما عنده مش حاط عقبات وشمعات ومعرض لا هو بحاول يبحث هذا سريعا ما يستفيد من هدايات القرآن ويشكل القرآن.

وكذلك في أوساط أهل الإسلام بتجد في شخص هو فعلا لما تتعامل معه هو فعلا بده يتقي الخطأ، مش هامه أي موضوع، بقول لك: أنا أهم شيء يا شيخ ما بدي أقع في الخطأ، بدي أتقي النار، بدي أتقي غضب ربنا، أحكي لي أين الهدايه؟ هذا النوع من البشر ومن الشخصيات والنفوس هي التي تستفيد من هدايات القرآن، بخلاف الصنف الثاني والثالث الذي سيأتي معنا، لن يستفيد من هدايات القرآن ومن إرشادات القرآن ما دام يتعامل بتلك الطرق الفاسدة.

فإذا الشخص المتقي هو الذي سيستفيد من هذا الهدى من هذا النور، طب من هو المتقي يا رب؟ الله عز وجل أعطاك معايير لهذه الشخصية، أول صفة في الشخصية الاتقائية: الإيمان بالغيب، وهذه حقيقة أهم صفة، يعني أي شخص بدك تعرف أنه هل هو شخص متقي؟ لا، لابد أن يكون عنده إيمان راسخ أن هذا الكون لا يمكن فقط أن يكون عالم الشهادة، مستحيل شخصية عندها تقوى عندها اتقاء للمهالك ولا تؤمن إلا بالمحسوس.

لأنه من بدييات العقول ومن الأمور المقررة التي لا يشك فيها عاقل مهما كان زمانه ومكانه، أنه لا يمكن أن يكون هذا الكون بما فيه من الإتقان والخلق والإيجاد لا يمكن أن يكون وجد فقط من عالم المادة، بل لابد من إله، نحن لا نراه لكننا نرى آثاره في كل قطرة ماء، وفي كل صخرة وفي كل جبل، وفي كل يابسة ونهر وبحر.

فأول قضية وأول صفة لازم تكون في الشخصية الاتقائية التي بدها تستفيد من القرآن: أنه لابد أن يكون عنده إيمان تام بعالم الغيب، وأن هناك قوة عظمى هي التي تدير المشهد في هذه الحياة وتتحكم به، إذا إنسان لا يؤمن بعالم غيب وفقط لا يؤمن إلا بالمحسوس، هذا إنسان كاذب، هذا مش موقف عقلي أو علمي.

لا يا شيخ ما هو خلص ما مش قادر يؤمن بعالم الغيب، مش قادر يفهم إلا عالم الشهادة، هذا يخالف فطرة الإنسان وضرورات العقول، وكل إنسان سوي مهما كان دينه وحياته وشكله ولونه؛ لابد وأن يؤمن أن هناك عالم غيب، والا فهذا لا يمكن أن يكون شخصية اتقائية، إذا هذه القضية الأولى.

القضية الثانية أو الصفة الثانية، لابد أن تكون في الثالثة مباشرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. طبعا إقامة الصلاة هي عبادة بين الإنسان وبين الله، ومما رزقناهم ينفقون عبادة بين الإنسان وبين المجتمع.

فإذا الشخصية الاتقائية أيضا من صفاتها أنها مشتغله باصلاح نفسها على كافة الصعد، سواء بعلاقات بينه وبين الله أمور شخصية، أو حتى في علاقاتها اجتماعية فهي أيضا تهتم بمن حولها، يعني إذا بدك تعرف هل هذا الشخص هل هو فعلا شخص متقي؟ هل هو شخص اتقائي يحاول أن يبتعد عن الخطأ؟ شوف صلاته وشوف عطاؤه للمجتمع.

إذا وجدتهم يقيمون الصلاة -ومن معاني يقيمون الصلاة يداومون عليها- وحريص على الانفاق والعطاء للمجتمع، ولاحظ ما تكلم عن الزكاة، عن العطاء للمجتمع بكافة الصعد: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. هذه إذا صفات فعلا إنسان في خير، وهذه الخيرية التي فيه ستأهله إلى أن يستفيد من هدايات القرآن.

الصفة التي تليها أن الله عز قال عن الشخصية الاتقائية أنها تؤمن بالوحي الإلهي كيف كان شكله وكيف كانت هيئته وبغض النظر على من نزل، إنه في شخصية انتقائية مش انتقائية ركزوا في شخص اتقائي وفي شخص انتقائي، اليهود والنصارى شخصيات انتقائية، شو يعني انتقائي؟ اليهود بقول لك: لا احنا فقط نؤمن بما أنزل على موسى وليس النصارى على شيء ولا نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، النصارى أيضا انتقائيين قالوا: نحنا نؤمن فقط بالوحي إذا نزل على عيسى أما ما قضية موسى أو قضية محمد صلى الله عليهما لا نؤمن به.

من صفات الشخصية الاتقائية أنه هي لا تركز على من نزل الوحي وبأي صورة نزل، لا، هي تؤمن بالوحي باعتباره نزل من السماء بغض النظر علاما وكيف نزل، ما دام وحي من السماء يجب أن يؤمن به، نزل على موسى نزل على عيسى نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، إذا يا أيها الكرام نؤمن به جميعا، وهذه قضية مهمة في الشخصية الاتقائية تخالف الشخصية الانتقائية فهذه ننتبه لها.

طبعا إخواني هو الدرس بدا تقريبا سبعة فاحنا ثمانية ها بس معي كم دقيقة، إذا الصفة الرابعة حكينا: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ. إذا هم ليسوا انتقائيين بل انتقائيين، فهم يقبلون الوحي بكل أشكاله وصوره ما دام ثابتا عن الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. اه، إذا من صفات أيضا المتقي أنه يحسب حساب ليوم القيامة، يوم حساب، هو يفهم أن الدنيا لا يمكن أن تنتهي هكذا، ولذلك قالوا: الدار الآخرة كما أن الوحي دل عليها فالعقل يدل عليها، أنه مش ممكن المشهد ينتهي هكذا، يموت المظلوم مظلوما، والسجين في سجنه، والفقير في فقره، والظالم الذي استبد وآوى يدفن وتنتهي القضية، لا يمكن لابد من إيقان، لأنه إيقان بالدار الآخرة هي التي هذه الخصله تجعله يبقى محافظا على توازنات وعدم إسرافه على نفسه بالظلم والمعاصي والاعتراض على الله.

معقول إنسان عاش حياته معارض لربه ولهدا ربه وفي النهاية خلص يموت موته طبيعية وانتهى المشهد، والإنسان اللي بيعيش وهو يكافح من أجل رضا الله وعدم الوقوع في المعاصي والزلات لا بد في وجود دار آخرة تقام فيها محكمه العدل فينال فيها المحسن جزاؤه وينال فيها الظالم جزاؤه، فلاحظ هنا قال: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، ما قال يؤمنون فقط، ما قال يوقنون وكان الإيقان درجة أعلى هنا في هذا السياق من الإيمان، قال إيقان تام ما عنده أي ريب وأي شك وأي تردد في قضية أنه في دار آخرة.

هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصال، خصال أنهم يؤمنون بالغيب وأن هناك إله يدير هذا الكون، ويحافظون على إصلاح نفسهم بالصلوات والعطاء، ويؤمنون بالوحي بكافه أشكاله وصوره باعتباره نازلا من الإله، ويؤمنون إيمانا تاما باليوم الآخر، من استحكمت فيهم هذه الصفات أُولَئِكَ عَلَى هُدًى، ولاحظ على كانه جواد هم فوق ظهره أولئك استحكم من الهداية استحكامات، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ السعداء في الآخرة.

بعد أن انتهى من الصفة الأولى، من القسم الأول من المؤمنين المتقين، والذين جعل القرآن هنا هدى لهم، بدأ يخبر عن عن الصنف الثاني كيف تلقى هذا الهدى، وهم الكفار، وسأكتفي بالكفار لن أتطرق إلى المنافقين لطول الحديث عنهم.

القسم الثاني الكفار، هؤلاء كيف تلقوا الهدى وكيف تحدثت سورة البقرة عنهم بآيتين؟ قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. لاحظوا هنا أيها الكرام أن الله سبحانه وتعالى استعمل لهذا الصمت كلمة الكفر، والكفر في اللغة يعني التغطية، ما معنى كفر؟ غطى.

فيقول سبحانه في المقابل، كما أن هناك متقي شخصية اتقائية هناك شخصية كافرة، ولابد من أن أستحضر المعنى اللغوي هنا للكفر، شخصية كافرة أي شخصية تغطي الهدى، تحاول أن تمنعه، تحاول أن تطمسه.

هذه الشخصية الكافره المغطية الجاحده للحقائق مع وضوحها، هذه الشخصية كأن الله عز وجل يقول: سواء مادام ما دامت تمارس -طبعا هو ركز- مادام تمارس منهج الكفر التغطية، فسواء أنذرت أم لم تنذر هي لن تؤمن.

طبعا هذا لا يعني أن لا ينشغل الإنسان بالدعوة، لكنها تعني أنه بدك تفهم قضية مع هؤلاء، ما دمت تتعامل مع شخصية لا تبحث عن التقوى ولا تبحث عن الهدى، هي ما بدها الرشاد والخير، هي بدها تغطي وتجحد الحقائق، عليك أنك تكون فاهم كم المساحة اللي رح تعطيها من التعب مع هؤلاء، أنه أحيانا أنت قد تبذل جهد كبير كبير مع شخصية هي شخصية كافرة مغطية وليس الشخصية الاتقائية.

فالله يريد أن يفيدك ويقول لك: الشخصية الكافرة المغطية للحقائق ولهدايات وكاتمه لها ومعرضة عنها، هذه الشخصية سواء أنت بذلت جهدك وأقصى جهدك في إنذارها أو أعرضت عنها، ما دامت تتعامل مع الهدى مع الوحي بمنهج التغطية: لَا يُؤْمِنُونَ.

ولذلك أنا مع الاتجاه الذي يقول أن هذه لا تتكلم عن كفار معينين، بل تتكلم عن صنف عن طريقة تفكر عن نموذج، نموذج الإنسان الذي يغطي الحقائق ولا يريد يسمع لها، فلما كان هذا نهجه ما دام هو بهذه الطريقه بدك تفهم كم مساحة أعطيها من جهدي، معه أنا ما راح أضيع وقتي وجهدي كداعية مع انسان هو هكذا طريقته، بل الذي يستحق التعب أكثر هو.

الإنسان الذي لا هو جاي يسمع وبده يتعلم. ولذلك الله عز وجل عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة عبس: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ، أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ، وَمَا يُدْرِكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ، وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ، وَهُوَ يَخْشَىٰ، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ.

كأن الله يقول له: هؤلاء لا يستحقون هذه المساحة الزائدة من التعب معهم، مقابل ذلك المتقي الأعمى في بعينه لكنه بصير في قلبه، اللي جاي يريد تلقي الهدايات، هذا اللي أعطه جهدك، هذا اللي أعطه طاقتك. أما ذاك الشخص إذا شعرت أو لاحظت أو ظهر بالقرائن أنه لعوب كتوم كافر للحقائق، فعليك أن تعرف كم المساحة التي ينبغي أن تعطيها له من الوقت. ولذلك لما تعاملوا مع هذه المنهجية منهجية الكفر والتغطية، عاقبهم الله سبحانه وتعالى بجنس فعلهم، قال: خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ.

والختم من أشد أنواع الخذلان الإلهي، والختم كيف تختم الرسالة حتى لا تفتح، فالله سبحانه وتعالى ختم على قلوبهم فهي لا تفتح، وختم على أسماعهم فهي لا تسمع الحق، ثم قال: وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ. وعلى أبصارهم بنوع معين من الغشاوة، وهي غشاوة عدم رؤية الهدى والرشاد. ولاحظ هذا الخذلان أن الله جعل على أبصارهم غشاوة غطاء، هذا غطاء من نوع خاص، هو غطاء عدم إبصار الحقائق وعدم رؤية الأمور كما هي، وهذه كلها عقوبات من الله جزاء على صنعهم: أنتم كفرتم غطيتم الحقائق، فأنَا سأعاقبك بأن أغطّي على قلوبكم فلا تعود تسمع الحق كما ينبغي، أغطّي على أسماعكم وأغطّي على أبصاركم، وهذا في الدنيا، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يعني وفي الدنيا ينتظركم المهول.

طب هل هؤلاء يمكن أن يصلح حالهم وأن ينعدل أمرهم؟ ابن القيم رحمه الله عليه يقول: وهؤلاء الذين ختم الله على قلوبهم هل يمكن أن يفك الختم في يوم من الأيام؟ قال: إذا غير ما بنفسه يغير الله ما به، إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ. إذا هو قرر أن يعود فينصت ويهتم ويترك منهج الكفر والتغطية ويريد أن يتعلم، الله سبحانه وتعالى يبدل فيرفع الختم عن قلبه وعن سمعه، ويرفع الغشاوة عن أبصاره، ويعود يتعلم، لكن بده هو يتقدم ويثبت للجميع أنه انسان ترك منهج الكفر والتغطية لأنه يريد أن يسلك منهج الاتقاء والصيانة، فالله عز وجل إذا غيرت غيرت، وإذا بدلت بدل عليك هذا. وهذا الصنف واضح وأموره مكشوفة، هو يصرح لأنه لا يريد أن يسمع الحقائق ويريد أن يجحدها.

هنا بقي الصنف الثالث وهو الأعوز حقيقة، وهو صنف المنافق وكيف هذا المنافق كان يتعامل مع الهدى وكيف كان يتلقى، هل كان يتلقى هدايات الله بسمع وطعناً أم بنوع من التلاعب يحاول فيها أن يكسب جميع الأطراف بطريقة يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا؟ هذا الصنف سأتكلم عنه إن شاء الله في المجلس القادم ونغوص في أخباره وأحواله، طبعا غوص يليق بالمرور الكلي على سورة البقرة لنفهم هذا الصنف.

وهذا الصنف إخواني حقيقة لازم نتعلمه ونفهم طبيعته؛ لأنه كثير في مجتمعاتنا، بل يخشى الإنسان على نفسه أن يكون عنده جزء من هذا الصنف، خصوصاً أن الله لما سيتكلم عن المنافقين سيتكلم عنهم من جهتين: المنافق الخالص في النفاق وسيعطيه مثلاً نارياً، والمنافق اللي لا عنده مادة إيمان ومادة نفاق، وهذا هو الأكثر اليوم في المجتمعات المعاصرة، اللي عنده مادة إيمان ومادة نفاق، بيمشي شوي، بوقف شوي، بيتقدم شوي، بتراجع شوي، فهذا لازم نركز عليه ونفهمه أكثر وأكثر.

اللهم علمنا هدايات سورة البقرة، وابنِ الإيمان في قلوبنا ببركات سورة البقرة، إنك أنت نعم المولى ونعم النصير، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.