تسجيل الدخول

ميراث النبوة للجيل الصاعد ٠٣

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، اللهم لك الحمد. لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

يا أهلاً وسهلاً ومرحباً، يا حي الله المتابعين والمتابعات لهذه المادة من أكاديمية الجيل الصاعد الإلكترونية. ومن غيرهم من أي أحد ممكن أن يتابع هذه المادة على الإنترنت؛ وهذه المادة حقيقة هي من -يعني خلنا نقول- من أغلى المواد على قلبي؛ لأنها مرتبطة بميراث النبوة، وأنما شرفنا وعزنا صلاح أحوالنا بمقدار اتصالنا بميراث النبي صلى الله عليه وسلم وبمقدار اهتمامنا بما ترك النبي صلى الله عليه وسلم من علم.

وهذا يعني ما ستبينه إن شاء الله هذه الدروس وغيرها، كذلك بإذن الله تعالى. طيب، نحن الآن في المجلس الثالث ومع باب جديد في متن المنهاج من ميراث النبوة، وهو باب شرف العلم النافع وذم من لم يعمل بعلمه.

ذكر جامع هذا الكتاب في بداية الباب ثلاثة آيات. ذكر ثلاث آيات؛ الآية الأولى هي قول الله سبحانه وتعالى: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. والآية الثانية هي قوله سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. والآية الثالثة قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمامان البخاري ومسلم من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن يُرِدِ اللَّهُ بِه خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. نعود إلى الآيات أو نتحلق حول هذه الآيات الثلاث ثم الحديث إن شاء الله تبارك وتعالى.

أنظروا يا كرام، العلم في الإسلام لا يمتدح لأنه زيادة معلومات وزيادة معرفة تتكون لدى الإنسان، بينما نحن اليوم في واقعنا كثير من مقامات العلم تمتدح لمجرد المعلومات، تمتدح لمجرد المعلومات. يعني مثلاً، إنسان يمتدح لأن لديه شهادة، فنقول أحياناً قد يمتدح إنسان لشهادة علمية معينة مثلاً يمتلكها، حتى لو كان سلوكه العملي يخالف العلم الذي تعلمه. لكن يمتدح الإنسان لمجرد أنه حصل مجموعة من المعارف من العلوم ومجموعة من المعلومات. بينما في الإسلام هذه القضية ليست هكذا؛ في الإسلام العلم لا يمتدح لمجرد المعلومات، ولا يتفاضل الناس بمجرد أن إنساناً قرأ أكثر من الآخر. هذا في ميزان الإسلام ليس مقياساً للتقديم، وليس مقياساً للعلو بمجرده، لابد أن يضاف إليه شيء آخر حتى يكون العلم وتكون القراءة وتكون المعرفة -حتى تكون- سبباً لرفعة الإنسان وعلوه وتقديم شأنه وحتى لفوزه، وهو الأهم عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك، لما نقرأ الآيات القرآنية التي تتحدث عن العلم سنجد أنها تختلف تماماً عن فكرة المعلومات، أو حتى عن فكرة التخصص العلمي الدقيق الذي يحصل فيه الإنسان معرفة دقيقة. جيد، هذا كله جيد، لكن هذا ليس كافياً، القرآن تجدونه يذكر العلم ويمتدح العلم إذا كان سبباً للعمل، إذا كان للامتثال، إذا كان سبباً للاستجابة، إذا كان سبباً لأن يكون الإنسان بعد العلم غيره قبل العلم؛ أعني أن ينتقل من درجة الدنيا إلى درجة أفضل من حيث النفس والقلب والزكاء والنقاء والاستجابة.

ولذلك يا شباب، يا بنات، الله يعطيكم العافية، لا تنظروا إلى العلم -حتى العلم الشرعي- لا تنظروا إلى العلم الشرعي على أن الشرف فيه بقدر ما تحفظ، ولا على أن الشرف فيه بمقدار الكتب الكبرى الكبيرة والموسوعات التي ختمتها. إياك، بل بالعكس، القرآن والسنة يقولان لنا إن هذا العلم الذي تتعلمه هو أمانة وميثاق وحجة، قد يكون حجة لك وقد يكون حجة عليك. بل القرآن يعرض لنا أناساً أو بعض النماذج لأناس تعلموا ووصلوا في العلم إلى درجة عالية، ثم بعد ذلك يشبههم الله بالكلاب أو يشبههم بالححمير؛ لأن العلم كان يجب أن ينتهض بهم فأبوا إلا أن ينخفضوا، فلما انخفضوا بأن اتبعوا أهواءهم وخالفوا العلم وكتموا الحق كانوا أشبه بالحيوانات وليسوا بأشباه العلماء وأولياء الله الصالحين.

لذلك قال الله سبحانه وتعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. شوفوا، كمثل الحمار! مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً، الحمار ضع عليه من الأسفار والكتب ما شئت لن يستفيد منها، وهكذا من يحمل العلم معه ثم لا يستفيد منه. وقال الله سبحانه وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.

لأجل ذلك، هنا في هذا الباب من المنهاج يريد المصنف هنا أن يقول لك: انتبه، العلم إنما يكون شريفاً أولاً إذا كان نافعاً، ثانياً إذا كان سبباً للعمل. وهذان الامران هما ضابطا الاستفادة أو ضابطة امتداح العلم؛ أن يكون نافعاً، اثنين أن يكون قائداً للعمل. وهنا نتكلم عن العلم الشرعي وعن العلم بالدين وعن العلم بما ينفع الإنسان في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى.

الآية الأولى قول الله سبحانه وتعالى -عفواً، بس قبل أن أذكر لكم الآية الأولى- في نقطة مهمة جداً تؤيد هذا المعنى، ألا وهي ايش؟ ألا وهي أن القرآن الكريم يذكر قضية الجهل ولا يكون سياقها في كثير من الآيات لا يكون سياقها في عدم العلم، وإنما يكون سياقها في عدم العمل. لاحظوا يا جماعة، لاحظوا الآن لمن أنت تقول إنسان جاهل، يعني جاهل يعني غير متعلم، جاهل يعني لم يأخذ العلم، تمام. القرآن يسمي الإنسان -حتى لو كان عنده علم- يسمي الإنسان الذي عنده العلم ولكنه لا يعمل به، وإنما يتصرف على خلافه، يسميه جاهلاً.

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ. ايش معنى يعملون السوء بجهالة؟ يعني يعملون السوء ولا يعلمون أنه سوء؟ لا، يعلمون السوء ويعلمون أنه سوء، ولكن تصرفهم حين عملوا السوء كتصرف الجهال. ولذلك لما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا؟ ايش قال لهم؟ قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. ايش معنى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين من غير العالمين؟ لا، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، يعني أعوذ بالله أن أتصرف تصرفات الجاهلين فاتخذكم هزواً.

لاحظوا، هذا لفت معنى مهم جداً، أنه العلم والجهل في الإسلام ليس مجرد المعلومات، فالإنسان قد يسمى جاهلاً ولو كان عالماً، ولو كان عالماً بمعنى ولو كان عالماً عنده معلومات. يعني حتى لو كان عنده شهادات عليا، حتى لو كان عنده تخصصات عالية، حتى لو حفظ ما حفظ، قد يُسمى جاهلاً إذا عمل بخلاف علمه. وهذه قضية -كما قلت لكم- في غاية الأهمية، وهي تظهر عظمة الإسلام أن القضية والموازنات فيه ليست بمجرد الحفظ والزيادة في المعلومات.

طيب، نرجع مرة أخرى، وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. هذا من شرف العلم وفضله؛ يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا. ولذلك قالوا: لم يأمر الله نبيه بأن يزداد من شيء إلا -يأمر الله نبيه وأن يسأل ربه أن يزداد من شيء- إلا من العلم أو بالعلم، فهذا من شرف العلم ومكانته أن يوصي الله نبيه عليه الصلاة والسلام يوصيه بأن يزداد، يدعو بأن يزداد من علم، وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا.

حسناً، إذا تأملنا في سياق هذه الآيات سنجد أن العلم هنا أكثر ما يصدق على علم الوحي، الوحي الذي نزل من عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك الازدياد من ميراث النبوة هو ازدياد من العلم واتصال بهذا الشرف العظيم الذي سأل النبي ربه أن يزيده منه. ثم قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. هذه الآية من الآيات العظيمة التي تبين الفرق بين من يعلم ومن لا يعلم، وهنا الفرق من الناحية العملية وليس من الناحية المعلوماتية. لماذا؟ ارجع إلى البداية من أولها؛ قال الله سبحانه وتعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. هل يستوي الذين يعلمون فقاموا وسجدوا وصلوا وخافوا ورجوا، والذين لا يعلمون فأهملوا وتركوا وناموا ولم يقوموا ولم يخافوا ولم يرجوا؟ هل يستوي هؤلاء وهؤلاء؟

طب حسناً، الله سبحانه وتعالى هنا هل ذكر قضية معلومات معينة فقال هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ الله سبحانه وتعالى قال: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ -هذا عمل- سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ. فلاحظوا، قل هل يستوي الذين يعلمون فيعملون والذين لا يعلمون لا يعملون؟ لاحظتم الفرق؟ العلاقة الوطيدة بين العلم والعمل. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ وكان هذا التفريق هو في قضية العمل، ولكن بلا شك أن هذا العمل تابع للعلم، بمعنى أنهم علموا فعملوا، علموا فعملوا، والعلم الذي علموه هو العلم بالله سبحانه وتعالى وبلقائه وبالآخرة وبالجنة وبالنار، فلما علموا هذا العلم وصدقوا قاموا فقنتوا آناء الليل ساجدين قائمين يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم. فلذلك فقال الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.

وكذلك في قول الله سبحانه وتعالى في الآية الثالثة التي وردت، التي أوردت في هذا المتن: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. هنا نتيجة ووسيلة؛ فالنتيجة هي الخشية والوسيلة هي العلم، فصار العلم طريقاً للخشية، ولذلك العلم في قاموس الإسلام هو وسيلة للتعبد إلى الله سبحانه وتعالى، ووسيلة للتعرف على ما خلق الله سبحانه وتعالى، ومن ثم الوصول إلى حالة الصلاح وحالة الإصلاح. فالمطلوب من هذا العلم هو ما وراءه من صلاح النفس وصلاح أحوال الخلق وصلاح أحوال الناس، وكذلك العلم قبله -طالب ومعه وبعده- العلم بالله والاستقامة على أمره سبحانه وتعالى، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.

لذلك، من أراد أن يحقق الخشية من الله سبحانه وتعالى فليسلك طريق العلم، فإن قلت: ما هو العلم الذي يوصل إلى الخشية؟ ما العلم الذي يوصل إلى الخشية؟ الجواب: أنه العلم المتصل بميراث النبوة، العلم الذي يكون فيه التعرف على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، العلم الذي يكون فيه التعرف على الغاية التي وجد الإنسان لأجلها، العلم الذي يكون به معرفة طرق صلاح أحوال الناس، العلم الذي يكون به معرفة سبيل تزكية النفس، العلم الذي يكون به معرفة محاربة الباطل، محاربة الفساد والانتصار للحق وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى؛ العلم الذي يدور في هذا الفلك هو هذا العلم الذي يوصل إلى خشية الله سبحانه وتعالى.

ثم ذكر بعد ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن يُرِدِ اللَّهُ بِه خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. وهذا الحديث حديث شريف يظهر شرف العلم وشرف الفقه وشرف هذه المقامات التي يتوصل الإنسان فيها من جهة النظر والتعلم حتى يصل إلى ناحية العمل كوسيلة من خلال الآيات التي سبق ذكرها.

ولكن هنا وقفة مهمة جداً، وهي ما المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: يفقهه؟ يفقهه، تعرفون الفقه الآن هو تخصص من التخصصات الشرعية عندنا، فن من الفنون الشرعية اسمه الفقه، كما أن هناك فناً آخر اسمه العقيدة والحديث والتفسير أو علوم القرآن، هناك فن أو تخصص أو مجال اسمه الفقه، وهو المعرفة بالأحكام الشرعية التفصيلية المتعلقة بالنواحي العملية من نحو الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد والنكاح والطلاق والحدود والجنايات، الإيمان والنذور، وما إلى ذلك من الفقه.

فهل مراد النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: مَن يُرِدِ اللَّهُ بِه خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، هل مراده الفقه بهذا المعنى الاصطلاحي التخصصي؟ الجواب: لا، ليس هذا هو المراد فقط، وإن كان داخلاً فيه، وإنما المقصود هو مجموع العلم بالدين، الذي يشمل عقيدة والتفسير وما إلى ذلك. ولذلك هذا الحديث ليس فيه تفضيل تخصص الفقه على بقية التخصصات الأخرى من علوم الشريعة، وإنما قال صلى الله عليه وسلم: يفقهه في الدين. والدين هنا اسم يشمل كل ما يتعلق بهذا الدين من أمور مرتبطة بكتاب الله وفهمه، أو مرتبطة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وفهمها، أو مرتبطة بغير ذلك مما يتصل بعلوم الدين. وهذا تنبيه مهم -يعني ينبغي الانتباه إليه-.

طب ما الفائدة؟ يعني أنا أذكر الآن هذه الفائدة ليس فقط لبيان المعنى، وإنما للتنبيه إلى أمر مهم جداً أيها الكرام، وركزوا معي جيدا في هذه النقطة: الخيرية في هذا الدين، الخيرية في العلم الذي امتدحه هذا الدين هي في أن تأخذ باطرافه مجموعة، وأن لا تكتفي بمجال دون الآخر، وإن كان من الحسن أن تتخصص في مجال بعد أن تحكم أو تمر على مختلف الدوائر.

هناك خطأ كبير جداً حقيقة يقع فيه البعض، وهو أن يظن الإنسان أنه مطالب بعلم واحد من العلوم أن يتقنه ثم لا علاقة له ببقية العلوم -وهذه العلوم الشرعية أقصد- وهذا خطأ كبير.

العلوم الشرعية مرتبطة ببعض، ولن تستطيع أن تفهم في كتاب الله وفي تفسيره فهما جيدا إذا لم يكن لديك حظ ونصيب من السنة، ولن تستطيع أن تكون متميزا في أصول الفقه ما لم تكن متقنا للغة العربية.

ولن تستطيع أن تكون متمكنا من الفقه ما لم تكن لديك صنعة حديثية في معرفة صحة الأحاديث ضعفها، وهكذا العلوم الشرعية مرتبطة ببعضها. وهناك مجالات أيضا وهي التزكية والعلم بالله والعلوم المرتبطة بسلوك الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه يعني في قضية في غاية الخطورة.

احنا ترى نشأنا يا جماعة نشأنا في يعني أنا أتكلم عن نفسي مثلا الواحد الحمد لله مر بدروس شرعية كثيرة جدا في إطار التكوين، يعني حضرت دروسا لا يعني لا أستطيع أن أحصيها الآن، ولكن كان من الإشكالات الكبيرة التي كانت موجودة في كثير من تلك الدروس هي أن التدريس كان متعلقا بالمعلومات الشرعية وبالمنهجية الشرعية، ولكن لا علاقة في كثير من الأحيان للمدرس أو للمعلم أو للشيخ بالنواحي التزكوية، وكأنها خيار شخصي يعني إذا الإنسان أخذها فكان حسنا وإذا لم يأخذها لا.

يجب على طالب العلم أن يفهم أنه أن المطلوب منه الفقه في الدين وليس أن يأخذ معلومات، يعني ترى التخصصات هذه الشرعية الأصول والعقيدة والحديث والتفسير وما إلى ذلك هذه تغطي مجالات. جيد، هناك مجالات أحيانا لا تصنف أنها من العلوم الشرعية كأنها يعني هي مجالات زائدة تكميلية، لا، يجب أن يكون لديك علم؛ يعني العلم الأهم أن تعلم ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى فتتعرف عليه عن طريق أسمائه وصفاته وتحاول أن تفهم الغايات الكبرى المتعلقة بالآخرة.

وكما يقول فريد الأنصاري: الإنسان كائن أخروي أول، وإن كان يعيش في الدنيا ويصلح حال الدنيا ولا يفسد فيها ويحارب الفساد، لكن هو في الأخير كائن أخروي بوصلته ونظره ورؤيته وما يحركه هو في الآخرة، فالعلم بالآخرة العلم بالطريق الموصل إلى الفلاح في الآخرة العلم بالله سبحانه وتعالى هو من أهم ما يدخل في الفقه في الدين.

فما بال كثير من طلاب العلم لا يعتبرون مثل هذه المجالات من مجالات التعلم الأساسية التي يجب الانتباه إليها والاهتمام بها؟ هذا نقص كبير، نقص كبير، ولذلك قد تجد قد تجد طالب علم متمكنا في الأصول وفي الفقه مثلا، ولكن تجد لديه قسوة قلب وأمراض في النفس والقلب والعجب والكبر وما إلى ذلك.

طيب، تخصص له خمس عشرة سنة وهو يطلب العلم، تمام، ولكن لم ينفعه علمه تمام النفع، لم ينتفع بعلمه تمام النفع. لا بد من البداية أن يؤسس الطالب على تعلم الإيمان وعلى محبة الله ورسوله، وأن تعاد عليه وتكرر عليه الحقائق الإيمانية التزكوية، فهي التي تجعل في العلم البركة، وهي التي توظف هذا العلم ليكون نافعا.

طيب، أيها الكرام، أحسن الله إليكم وأثابكم وأكرمكم وجعلكم قرة عين ونفع الله بكم الإسلام والمسلمين، وجعلكم من الصالحين المصلحين. هذا كان ما قدم في المجلس الثالث، وأنا أعلم أنه مجلس مختصر، ولكني في حالة اضطرار لهذا الاختصار، أكرمكم الله جميعا، ولنا لقاءات إن شاء الله بإذن الله تعالى، وصل اللهم على نبينا.