الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد يا نور السماوات والارض. اللهم لك الحمد يا ذا الجلال والاكرام. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يا أهلا وسهلا. نستعين بالله ونستفتح المجلس التاسع من مجالس ميراث النبوة للجيل الصاعد وهي مجالس ينتقى فيها أحاديث من متن المنهاج للشرح والتعليق.
كان باقي لنا حديث واحد في باب الإخلاص، لكن يكفي القدر الذي أخذناه وسأنطلق الآن للباب ليس الذي يليه وإنما الذي بعده بعد الذي يليه يعني وهو باب في تحمل الفرد مسؤولية التكليف تجاه نفسه وغيره. باب في تحمل الفرد مسؤولية التكليف تجاه نفسه وغيره، أي تجاه غيره أيضا، وهذا الباب باب مهم جدا؛ لأنه متعلق بنجاة الإنسان وأن الإنسان هو المسؤول عن أن يسلك الطريق الذي ينجيه، هو المسؤول من ناحية بذل السبب.
يعني يوم القيامة يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن أناس سيأتون ويحاولون الاعتذار، أنه يجدون لأنفسهم مبررا في العصيان، أنهم عصوا سابقا، لماذا يبررون لأنفسهم يوم القيامة ولا يبررون لأنفسهم في الدنيا؟ يبررون لأنفسهم يوم القيامة لأنهم رأوا العذاب، النار صارت أمامهم، فأسقط في أيديهم، ويعلمون حينها أنه لا مجال ولا مناص، ففي ذلك الوقت يحاولون أن يتقوا العذاب ولكن التقوى كان مكانها متى يا أسامة؟ جميل، في الدنيا.
فيحاولون اتقاء العذاب الذي ينزل بهم في الآخرة ولا مناص ولا تحين مناص، فعند ذلك يحاولون إعطاء الأعذار، وهذه الأعذار أحيانا تصل إلى حد الجحود أنه ما أحد جانا ولا أحد قال لنا ولا ندري عن شيء ولا أي حاجة. تخيلوا يعني نوح عليه السلام كم مكث في قومه يدعو تسعمائة وخمسين عام، صح؟ وليلا ونهارا وسرا وجهارا بأنواع الطرق، صح؟ النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن قوم نوح يأتون يوم القيامة فيقولون ما جاءنا من نذير. شفتها؟ تسعمية وخمسين عام هاديك اللي تعب نوح عليه السلام بلغهم، قالوا ولا نعرف نوح أصلا ولا نعرف من هو أصلا ولا جانا ولا أي شيء.
وأحيانا كثيرا ما ينكر المجرمون يوم القيامة، ينكرون أنهم فعلوا شيئا حتى إن الله سبحانه وتعالى يعامل المنكرين يوم القيامة بإقامة الشهود عليهم، بإقامة الشهود عليهم، وهؤلاء الشهود مختلفون، فأحيانا يكون الشاهد على الإنسان جلده ويده ورجله. فالله سبحانه وتعالى الذي ينطق ما يشاء ومن يشاء سيجعل الجلود والابدان والابشار تشهد يوم القيامة على المنكرين من أصحابها الذين كانوا يعملون السيئات ويختم الله على أفواههم فلا يستطيعون الكلام، فإذا ختم الله على أفواههم فلا يستطيعون الكلام تنطق الجلود والابشار وتتحدث بما شهدت من صاحبها.
سؤال: هل يستطيع الإنسان أن يخفي المعصية عن بدنه؟ ما يستطيع، ما يستطيع. يستطيع أن يخفيها عمن شاء، لكن عن نفسه ما يستطيع، فينطق الله الجلود فتشهد، فيدهش أولئك المجرمون فيقولون وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَندُم بَرَبِكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ.
هذا الكلام كله ليش؟ ايش علاقته بالباب؟ باب تحمل الفرد مسؤولية التكليف تجاه نفسه وغيره، هذا كله للحديث على أو عن أن الإنسان يجب عليه أن يبادر في تحمل المسؤولية قبل أن يأتي يوم يتمنى أن لو حمل فيه وسار فيه على التكليف. التكليف ينقطع في الآخرة. طيب، قال الله عز سبحانه وتعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ، وقال: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا، وقال: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا. هذه الآيات صدر بها المصنف الباب، وهي آيات يعني خلينا نقول أتت في أكثر من موضوع، ولكن كلها الجامع المشترك بينها هو ايش؟ هو أن الفرد يتحمل المسؤولية، كل إنسان مسؤول عن نفسه.
كل إنسان مسؤول عن نفسه مو معناه أنه ليس مكلفا تجاه غيري بشيء، لا، أقصد أنه هو الذي سيتحمل مسؤولية نفسه ولن يحمل أثقاله ولا ذنوبه عنه يوم القيامة أحد. ثم ذكر الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فقال: يا معشر قريش أو كلمة نحوها: اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد مناف، لا أُغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله، لا أُغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا. اخرجه البخاري ومسلم.
هذا الحديث عظيم جدا وفيه أن المسؤولية الفردية على الإنسان في الإنسان على نفسه أو للإنسان على نفسه هي من أهم الأمور في الإسلام. ايش الدليل على أنها من أهم الأمور؟ الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغها في أول الرسالة، ومن المعلوم أن المرسل أول ما يبلغه هو من أهم الأشياء، اليس كذلك؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قام بهذا الكلام في أول رسالته فقال لهم جميعا: لا أُغني عنكم من الله شيئا. وكان يخاطب عمه وعمته وقبيلته وابنته ويقول لهم معنى الكلام: لا يغرنكم انك، لا يغرنك أنك بنت محمد ولا أنك عمة محمد ولا أنك عم محمد عليه الصلاة والسلام، فكونك ابنتي هذا لن ينجيك يوم القيامة بمجرد النسب. بمجرد النسب؟ ألم يكن ابن نوح كافرا؟ وقال نوح عليه السلام: يَا بُنَيَّ اركَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فكان من المغرقين، ثم حاول نوح عليه السلام مع ربه عز وجل فقال الله له: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
فانتبه، كونك في عند مثلا من عائلة شريفة، كونك من مركز تربوي جميل، كون شيخك ما شاء الله رجل صالح، كون أستاذك فلان، كونك ابن عالم، كونك ابن عم المدري مين، كل هذا لا يغني عنك من الله شيئا، لا يغني عنك من الله شيئا، لن ينفعك عند الله سبحانه وتعالى بمجرده. طب ايش ممكن ينفعك؟ لا لا، من ناحية هذه العلاقة، ايش اللي ممكن ينفعك ها؟ الذي ينفعك أنه الدلالة على الخير، الهداية إلى الهدى، الإرشاد، وممكن ينفعك الشفاعة يوم القيامة، ولكن الشفاعة يوم القيامة لا تكون بمجرد النسب، الشفاعة لابد فيها من أذن الله ورضاه سبحانه وتعالى.
طيب، إذا هذا الحديث الأول. ثم الحديث التالي: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته. اخرجه البخاري ومسلم.
هذا الحديث فيه إثبات أن مختلف طبقات المجتمع عليهم مسؤولية. المسؤولية المذكورة هنا هل هي مسؤولية تجاه النفس ولا تجاه الغير؟ تجاه النفس ولا الغير؟ تجاه الغير، صح؟ طيب واللي قبله ايش؟ تجاه النفس. طيب، هذا اللي في حديث عبد الله بن عمر مسؤولية تجاه الغير، صح؟ طيب هل هي مسؤولية الغير عن الغير ولا مسؤوليتك أنت عن الغير؟ أيوه، إذا المسؤولية الشخصية عن الغير. هذا الحديث ايش يؤسس؟ هذا الحديث يؤسس لقضية مهمة جدا، وهي أنك لست مسؤولا عن نفسك، أي مسؤول عن نفسك فيما يتعلق بها في شأنها الخاص فقط، بل أنت مسؤول عن نفسك وعن الواجبات المتعلقة بغيرك والمتصلة بنفسك.
فاذا كنت يعني أول شيء قال: الإمام راع ومسؤول عن رعيته. الحاكم، الحاكم راع وهو مسؤول عن رعيته. هذا المنصب الذي عليه لا يعطيه شيكا مفتوحا أنه تصرفاته صحيحة، لا، أو أنه تصرفاته لا حساب عليها، لا. قد لا يحاسبه أحد في الدنيا، ولكن هو مسؤول، وهو مسؤول وحسابه يوم القيامة حساب عسير، إذ أن مسؤوليته متعلقة بمين؟ بالغير اللي هم ثلاثة أربعة ولا الشعب؟ الشعب.
أيوه، مسؤوليته متعلقة أحيانا بملايين، بعشرات الملايين ها؟ فكل كل واحد في الشعب كان يمكن وكان بطوق هذا الحاكم أن يقدم له ما يصلحه وما ينفعه مما هو مسؤول عنه فلم يفعل، سيحاسب عليه يوم القيامة. عشان كده أحيانا الإنسان ينظر إلى ظاهر الأمر فيقول: والله أهل المناصب يا بختهم، يا حظهم ها؟ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا.
طيب، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، مسؤول، ما هي قضية أن هو يستمتع بأبهة؟ لا لا، هو مسؤول، عليه مسؤولية. والرجل والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، سيسأل الرجل عن أهله، عن ولده، يعني يأتي الرجل الأب يوم القيامة يسأل أول شيء عن نفسه تمام؟ أعماله الذاتية كلها، بعدين المسؤوليات اللي عليه تجاه غيره، فيسأل عن زوجته، يسأل عن أولاده، يسأل عنه وعن الله سبحانه وتعالى، مثلا مثلا كلفه بأن ينفق على أولاده فهل أنفق عليهم؟ أم تركهم عالة يتكففون الناس؟ إلى آخره، تمام.
هذا مو بس الرجل، قال: والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. وفي رواية في الصحيح: مسؤولة عن بيت زوجها وولده ومسؤولة عنهم. عشان كذا الأم اللي يصير عمرها أربعين خمسة الأربعين تقول: أنا أبغى أشوف حياتي وأبغى أشوف نفسي وأنبسط وأتفرغ وأعوض، تمام تمام، الله يعطيك العافية وإن شاء الله تنبسطي بإذن الله، ولكن عليك مسؤولية، عليك مسؤولية. لما يكون الابن يتفلت أمامك من حدود الله وبإمكانك أن تنصحي، وبإمكانك أن يعني توجهي، وبامكانك أن تصلحي، وبامكانك أن وأن فلا تفعلي فانت مسئولة، أنت مسئولة.
والخادم، حتى الخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته. وهكذا يؤسس هذا الحديث للمسؤوليات، مسؤوليات النفس تجاه الغير بحسب المقام وبحسب الطبقة. أنت عندك شغل وعمل مثلا تمام وتحت يديك أموال معينة تحاسب وما تحاسب، أنت مسؤول عن هذه الأموال، ستحاسب عليها يوم القيامة. وهكذا، وهذا من عطاء من الأمور الجميلة والعظيمة في الإسلام أنه يؤسس للمراقبة الذاتية، وأنه لو فاتك الحساب في الدنيا فلا تغتر ولا تسرق ولا تغش ولا تخدع، فإنك مسؤول في الآخرة.
ثم ذكر قال: عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل. فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ آآ قالوا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه. اخرجه مسلم.
هذا الحديث عظيم وفيه فوائد كثيرة، فوائده كثيرة، منها منها: أهمية استخدام الأسلوب الجاذب للانتباه بالنسبة للداعية والمصلح الذي يريد أن يسير على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هنا كان يحذر أصحابه من الدجال باسلوب يجعل وقع هذا الكلام شديدا في النفس، فمن شدة تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الدجال ظن الصحابة أنه هاهنا في طائفة النخل قريب حولهم يعني، تمام؟ هذه الفائدة الأولى.
الفائدة الثانية في مسؤولية الإنسان عن نفسه في أزمات الفتن. الآن الفتن، فتنة الدجال خارجية ولا فتنة داخلية من داخل النفوس؟ خارجية، جيد؟ طيب، ايش في فتن خارجية أخرى على مر التاريخ؟ في فتنة أعداء، في فتنة شهوات خارجية، يعني فتن دواعي للفتنة من الخارج، صح؟ فيه شبهات صح، وأفكار وتيارات واتجاهات، صح؟ في فتن داخلية بين المسلمين تصير اختلافات، هذه كلها تحديات خارجية.
النبي صلى الله عليه وسلم هنا يؤسس لمسؤولية الإنسان الذاتية في الفتن الخارجية، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا خرج الدجال فامرؤ حجيج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه. كل إنسان مسؤول يخلص نفسه. ندخل الداخلية والخارجية. أيوه، أنت عليك مسؤولية ذاتية في تحمل موقفك أمام الفتن الخارجية، يعني لا تأتي يوم القيامة تقول: والله كان في فتن، كان في مشكلات تمام، كان في فتن وكان في مشكلات، ولكن هل أديت ما عليك؟ هل اجتهدت؟ هل حرصت على دينك؟ هل ابتعدت عن الفتن أم اقتربت منها؟ هل ابتعدت عن الفتن أم اقتربت منها؟ الفتن حولك كثيرة، ما الذي عملته؟ بحثت عن صحبة صالحة أم لا؟ لا.
طيب ابتعدت عن هذه المواطن أم اقتربت؟ اقتربت. طيب حين اقتربت منها أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وجعلت بينك وبينها حاجزا أم ذبت فيها؟ ذبت فيها. ثم تأتي يوم القيامة فتقول: والله اللي حولي كانوا سيئين واللي البيئة كانت تعبانة، الوضع كان إلى آخره. الموضوع يا جماعة ترى مو لعب، مو مزح، هذه فيها جنة ونار، مو مزح وليست لعبا، هذه فيها جنة أو نار. وهذه الاحتجاجات، كل واحد راح يحتج عن نفسه يوم القيامة، كل واحد راح ايش؟ يحاول يدافع عن نفسه يوم القيامة، فاللي يقول مثلا ما جاءنا من نذير، واللي يقول أنا ما فعلت هذا الفعل، واللي يقول واللي واللي يبدي الندم، بس بعد ندم متأخر.
يعني مثلا أصحاب النار ايش يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عَذُنَّا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ آيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ها، وأصروا الندامة لما رأوا العذاب. ويقع، يقع الحجاج، وحتى الله سبحانه وتعالى يعرض أعمال العبد عليه، وأحيانا يناقشه فيها، أما الذي لا يناقش في أعماله فقد تعرض الأعمال عليه، فهذا من أهل الجنة، هذا من أهل الجنة، يعني المؤمن يحاسب حسابا يسيرا، ايش الحساب اليسير؟ تعرض عليه أعماله.
جيد آه، طيب، الآن الانسان ليس له عذر أمام الفتن الخارجية فيقول: ما كان، ما كان بإمكاني، لا، تحاول قدر المستطاع؛ فإذا حاولت قدر المستطاع ثم كان هناك بعض الإشكالات التي حصلت من حولك ولم يكن بيدك دفعها، فالله سبحانه وتعالى رحيم، ويقدر حالات الانسان، يعلم أن هذا كان كذا، يعني مثلا، مثلا انسان كان يتقي الله ما استطاع ثم أخذه أناس من أعداء المسلمين فضربوه حتى يسب الله، مثلا، تحمل، تحمل، تحمل، تحمل ما استطاع، سب الله فقتلوه، تمام؟
هذا إذا ذهب يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يعذره وإن كان سب الله، لماذا؟ لأنه كان مكره، كانوا يضربونه ضربا لا يحتمل، قال الله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ.
خلاصة الفائدة هي أن الانسان مسؤول عن نفسه ولو كانت حوله فتن، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن فتنة عظيمة وهي فتنة الدجال، ومع ذلك يقول: فامرؤ حجيج نفسه، كل واحد يحاج عن نفسه، كل واحد يحاول أن يجد المخرج له من تلك الفتنة.
طيب، آآ ويؤيد هذا الكلام الذي ذكرت في قضية الآخرة وما إلى ذلك الحديث الاخير في هذا الباب، وهو عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْكُم مَّنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَىٰ إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَىٰ إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَىٰ إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؛ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ.
آخرجه البخاري ومسلم. وهذا الحديث عظيم، وهو يبين جلالة الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى: أنت عندك جنسية يعني عالية المستوى ولا ولا جنسية منخفضة المستوى؟ أنت من قبيلة معروفة ولا لست من قبيلة معروفة؟ الناس يعرفونك أو لا يعرفونك؟ أنت عربي أو لست عربيا؟ أيا كنت، أيا كانت طبقتك الاجتماعية ستقف بين يدي الله، لن تفوت الله سبحانه وتعالى لا لكونك غنيا، ولا لكونك فقيرا، لا لكونك معروفا في الأرض، ولا لكونك مجهولا فيها.
فما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. الصالحون لأنهم يرون نصب أعينهم أو يضعون نصب أعينهم ذلك اليوم ويؤمنون به إيمانا تاما يقينيا، فإنهم كانوا يستعدون لذلك اللقاء ويستعدون لذلك اليوم، فكانوا لا يرون هذه الحياة الدنيا إلا نقطة عبور صغيرة، يتزودون منها لذلك اللقاء.
أما الغافلون، الغافلون فكانوا يسيرون ويظنون أنهم خالدون أو خالدون في هذه الأرض، ونسوا ذلك اللقاء، فانساهم الله سبحانه وتعالى الاستعداد له، نسوا الله وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ، الانسان الذي ينسى الاستعداد للقاء ربه يكون ناسيا نفسه.
هذا اللقاء حق، هذا اللقاء حق ولا ريب فيه ولا شك، سواء آمنا به أو لم نؤمن به هو حق في ذاته، وله دلائله وبراهينه التي تدل على أنه حق. والناس تجاه هذا، هذا اللقاء أقسام: منهم كما أسلفت، الغافل؛ الغافل الذي لم يستعد لهذا اللقاء أبدا، ولا يخطر في باله، أو سمعه مرة في موعظة أو شيء فاستعد له استعدادا يسيرا ثم نسي فكان من الغافلين، فكان يسير في الأرض وكأنه لن يكون له لقاء في الآخرة، هذه الطبقة الأولى.
الطبقة الثانية: الذين يتفاوتون في سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى ما بين تذكر فعمل، أو غفلة فترك ومعصية، فتتفاوت مسيرتهم بين هذا وهذا، إذا زاد إيمانهم تذكروا لقاء الله فاستعدوا له، وإذا نقصوا، إذا نقص إيمانهم أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، فهم ما بين تعثر واستقامة، وما بين قيام وقعود.
فهؤلاء، هؤلاء يوازن الله لهم يوم القيامة بين حسناتهم وسيئاتهم، فإن كانت حسناتهم أرجح كان ذاك اللقاء بالنسبة لهم مشرفا، وإن كانت سيئاتهم أرجح كان ذاك اللقاء بالنسبة لهم فيه خزي وندامة.
الطبقة الثالثة: هم طبقة الذين يتذكرون هذا اللقاء دائما، ولكنهم يغلب عليهم جانب الخوف من الله، فهم دائمو التذكر لهذا اليوم، وكلما أصبحوا وأمسوا هم يتذكرون جيدا ويوقنون أنهم سيقفون بين يدي الله فيخافون ذلك المقام، فَمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، ويستعدون له ولكن الشعور الطاغي عليهم هو الخوف، فتجدهم كثيري، أو كثيري البكاء وآآ الرهبة والخوف من الله سبحانه وتعالى.
ولا شك أن هذا عمل شريف وعمل صالح، ولكن طبقة أعلى منها، وهي الكم، الرابعة، هي طبقة تتذكر هذا اللقاء دائما ولكنها تتراوح في تذكرها بين الخوف والرجاء، بين الرهبة والمحبة، بين القلق وبين الشوق، فتارة يغلب عليهم الخوف فتقشعر جلودهم من خشية الله وخوفه ويهابون ذلك الموقف، وتارة يغلب عليهم الحب لله والشوق إليه فتطير قلوبهم، تسافر قلوبهم محبة وشوقا إلى الله سبحانه وتعالى، فهم يعيشون في الحياة ما بين خوف ورجاء، ما بين قلق وشوق، ما بين رهبة ومحبة، وهؤلاء هم الأكمل حالا، هم الأكمل حالا.
على أن هناك طبقة خامسة تغلب جانب المحبة والشوق ولا يخطر في بالها جانب الخوف، فيأمن كثير منهم من مكر الله ولا يخافون ذنوبهم ولا تقصيرهم، فيقول لك: أنا، أنا أحب ربي حبا كبيرا والله رحيم، وإذا لقيت الله سبحانه وتعالى فسيدخلني الجنة بإذن الله، والأمور طيبة والله أرحم الراحمين، وهو إلى آخره.
وهذا المقام الاخير مقام خاطئ إذا كان غير مصحوب بشيء من الخوف والرهبة من الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ.
يؤتون ما آتوا، ظن بعضهم: يؤتون ما آتوا أي من الذنوب والمعاصي، وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، فجاء في الحديث أن هؤلاء ليس، ليس يؤتون ما آتوا أي في الذنوب، وإنما من العمل الصالح؛ فهم يعملون الصالحات ويخافون ألا يتقبل منهم، يُؤْتُونَ مَا آتَوْا من الصالحات وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ.
فهذا المقام الاخير مقام فيه إشكال، وهو أن يسير الانسان بالرجاء فقط، أما المقام الرابع فهو المقام الأكمل والأجل والأشرف، ومن يعيش فيه يعيش جنة الدنيا وحلاوة الإيمان لذة الطاعة إلى آخره من المقامات الشريفة المحمودة.
الفائدة الثانية من هذا الحديث، وقد استغرقت الفائدة الأولى كل الوقت فيما يتعلق بهذا الحديث، الفائدة الثانية هي: لا تحتقر شيئا من العمل أن ينجيك من عذاب الله يوم القيامة.
لا تظن أن النجاة من عذاب الله لن تكون إلا بكثرة العمل، نعم استكثر ما استطعت من العمل، لكن وأنت تستكثر من العمل، يعني مثلا الانسان يقوم الليل، لا تستقل ولا تستحقر الأعمال الأقل منه، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبه أنه لا تحقرن من المعروف شيئا، لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.
يعني يمكن واحد زي همام الله يحفظه، تمام، ملتزم بالفرائض، بس ممكن مثلا، ممكن ما يكون عنده كبير أعمال صالحة ونفقات وقيام وما إلى ذلك، ولكنه إذا رأى أخاه المسلم يبتسم في وجهه، اطمأن على حاله: إن شاء الله بخير، كيف أمورك؟ يا جماعة، ترى ما أبالغ، ممكن هذا العمل هو الذي يدخله الجنة، شفت الجنة؟ ممكن هذا العمل هو الذي يدخلك، ليش؟ لأن الله يحب الإحسان إلى الناس، يحب أن تحسن إلى أخيك المؤمن.
فما أجمل أن تلقاه بابتسامة وبوجه منشرح تطمئن عن حاله، تقول له كلمة طيبة، فقد يدخلك الله الجنة بهذا العمل. فلا تحقرن من المعروف شيئا.
هنا، ما المعروف الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ممكن ينجيك؟ شق تمرة، ايش تعمل فيها؟ تتصدق بها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. تخيل أنت مثلا أكلت تمرة ورأيت فقيرا، تمام، أو عندك يعني شغلات بسيطة، عندك مثلا أكلت فطاير ولا أكلت حاجة، تمام؟ وباقي قطعة، قطعتين، ورأيت محتاجا ضعيفا أخذت هذي وأعطيتياه، تمام؟ وكان في قلبك من الرحمة والشفقة عليه ما لم يبلغه أو تبلغه هذه القطعة من الطعام، يعني قلبك حين تعطيه فيه قدر واسع من الرحمة، أليس كذلك؟ ومن الشفقة عليه.
ولكن ما كان معك شيء، كان معك مثلا مبلغ بسيط، ريالين ولا خمسة ريال ولا شغلات بسيطة، تمام؟ فأنت تشوفه تتمنى لو أعطيته أكثر بس ما معك إلا هذا، شغلة بسيطة جدا، تعرفوا العملة المعدنية هذي اللي يكون فيها، آه، على الأقل في مختلف العملات يعني، آآ تجد أن هذي الانصاص ولا الريالات ولا الليرات ولا أيا كان هذي يعني نحتقرها، جيد، بس ممكن تعطيها لمن يحتاج أو يستحق وأنت لا تراها شيئا.
لكن في قلبك من الرحمة والشفقة ما فيه، هذا أهم شيء تؤمن وتعرف أنه لا يضيع، لا يضيع. قال الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، ايش معنى يره؟ سيراه في الآخرة. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه.
وهذه الآية، هاتان الآيتان من أجمع الآيات في كتاب الله، من أجمع الآيات في كتاب الله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، تمام؟
قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. لا تقول: أنا تصدقت في رمضان الماضي نسيت الصدقة، لين، لا لا، خل دائما في بالك أنه حاول أن تبذل من الخير ما تستطيع، لعل الله سبحانه وتعالى أن ينقذك به من النار.
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين. لنا لقاء آخر إن شاء الله مع هذه آآ السلسلة إن يسر الله وأعان.
الشيخ أحمد السيد