طيب، الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد في الأولى والأخرة، ولك الحكم وإليك المصير.
الحمد لله الحي القيوم العزيز الحكيم، الذي له ما في السماوات وما في الأرض. الحمد لله ولي المؤمنين وولي الصالحين، وصلي اللهم ربنا وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد؛
فهذا هو المجلس الخامس من مجالس ميراث النبوة للجيل الصاعد. وهذه المجالس هي مجالس في شرح أحاديث وأبواب من كتاب المنهاج من ميراث النبوة. فهذه المجالس ليست شرحا لكل الكتاب، وليست شرحا لكل الأحاديث، وإنما انتقاء لبعض الأبواب والأحاديث بما أرى أنه يتناسب مع هذا الإطار؛ إطار الجيل الصاعد، خاصة أنه احنا نتكلم عن ربما درجة عمرية معينة من الجيل كذلك.
ولأجل ذلك اليوم سنذهب إلى الباب الذي يلي، يعني احنا توقفنا عند باب ايش كان؟ فضل العلم النافع. بعده مراتب الأمر والنهي. سنتجاوز باب مراتب الأمر والنهي، وسنأتي إلى باب في تربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل وإبعاده إياهم عن القيل والقال وكثرة السؤال.
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. وقال سبحانه: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم، أو الذين من قبلكم، كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. اخرجه البخاري ومسلم.
طيب يا شباب، الباب ماذا يقول يا أسامة؟ باب في تربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل، باب في تربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل وإبعاده إياهم عن القيل والقال وكثرة السؤال. شباب، من أهم معالم، يا عز، من أهم معالم المدرسة النبوية، المدرسة النبوية؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم لما ربى أصحابه، تقدر تقول مدرسة كبرى. هذه المدرسة الكبرى يجب أن تؤسس عليها وعلى نموذجها كل إنسان يريد أن ينشئ مدرسة معنوية، يريد أن يربي فيها المسلمين، لازم يقتدي بمدرسة النبي صلى الله عليه وسلم.
لو افترضنا أن هناك عناوين أساسية تعليق في جدران تلك المدرسة، فواحد من العناوين الكبرى التي كانت معلقة في جدران مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم هو عنوان مركزية العمل، وأن المسلم إنسان بالصيغة الأولى هو إنسان عامل، عامل بطاعة الله، أكثر من كونه متحدثا، أكثر من كونه متحدثا.
طيب واليوم يا همام لو تتأمل في واقع الشباب المهتم بدينه ستجد أن كثيرا منهم مهتم بالقول أكثر من العمل. كيف بالقول أكثر من عمل؟ يعني: أستاذ، هذا الكتاب أحسن ولا هذا؟ أحفظ هذا المتن ولا هذا المتن؟ أقرأ بهذا البرنامج ولا هذا البرنامج؟ وأحيانا ممكن يبدأ بطريق طلب العلم وفقط علم، يعني فقط يتعلم يتعلم يتعلم، ثم يتعلم يتعلم يتعلم، ثم يتعلم ثم يقف.
بينما المطلوب والصحيح يا أسيد هو أن تدرك أن العلم كل العلم إنما هو وسيلة وخطوة بداية وانطلاق، وأن الغاية هي العمل، العمل. لذلك متى ما كنت تسير في طريق الإسلام والدعوة إلى الله والعمل الصالح وأنت تفضل القول على العمل، فاعلم أنك تسير بشكل خاطئ.
وأشد القول إشكالا هو القول الذي لا فائدة منه، أو القول الذي يمكن أن يؤثر على العمل. صار القيل والقال عندنا أقسام؛ في قيل وقال ممكن يكون فيها بعض الفائدة، ولكنها ليست مقصودة، وفي قيل وقال ما في ولا فائدة، وفي قيل وقال ايش؟ مضر، تمام؟
من القيل والقال المضر: القيل والقال المتعلق بعدم التسليم للنصوص الشرعية، أنه هذا النص جاء كذا، طب ليش كذا؟ طيب ما مو ليش من باب الاستفسار، ليش من باب الاعتراض، هذا جزء مما ذمت الشريعة الحديث عنه. إذا يا خالد، الدين هذا جاء ليعمل به، جاء ليعمل به، والعلم وسيلة للعمل. هذه القاعدة الكبرى في درس اليوم، تمام؟
أعطيتكم مثالا الآن في موضوع الجداول والعلم، وايش هذا الكتاب أنفع، وبعدين طيب خلني أعطيكم مثالا آخر مهم جدا؛ هل يوجد أحد منكم لا يعلم أن الله أوجب خمس صلوات في اليوم والليلة في أوقات محددة؟ في أحد منكم ما يعرف هذا؟ طيب، هل يوجد أحد منكم لا يعلم أن الله حرم اللعن مثلا؟ هل يوجد أحد منكم لا يعلم أن الله حرم الظلم أو العقوق أو قطع الرحم؟ الكل، المفترض كل المسلمين يعلمون هذا، صح؟
طيب، ما الذي ينقص المسلمين اليوم في مثل هذه القضايا؟ عدم العمل، العمل، تنفيذ العمل والالتزام، العمل والالتزام. يا شباب، ديننا دين عملي، ديننا دين عمل. تعود يا يوسف، تعود أنك إذا تعلمت علما أن تعمل به، وأهم ما تعمل به هو الفرائض الأساسية؛ يعني إذا أردت أن تتقرب إلى الله بالعمل فأول ما أول عمل تتقرب به إلى الله هو الفرائض، جود هذه الفرائض وحسنها وحافظ عليها وواظب، فهذا من خير ما تعمل يا سعد.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما نهيتكم عنه فإش، فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم. قاعدة واضحة؛ الدين هذا هو سهل، واضح، بين، بسيط. إذا أمرتكم بأمر، إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. وهذا قانون مهم في سير المسلمين: أن يهتموا بالعمل أكثر من اهتمامهم بالنقاشات النظرية والفلسفة الزائدة.
ثم قال آآ في هذا الباب، عن كاتب ابن المغيرة ابن، عن كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. أخرجه البخاري ومسلم.
طيب المفترض أنك يا أسامة إذا سمعت هذا الحديث وأنت إنسان مسلم تحب الله ورسوله، وتعلم من خلال هذا الحديث أن الله يكره لنا، يكره لنا أن تكون مجالسنا هي عبارة عن قيل وقال، قيل وقال؛ دريتوا ايش قال فلان؟ قال فلان مدري، طب هذا ما قال؟ قال وقال وفلان قال وما أدري ايش قال، تمام؟
هذا الكلام الكثير وضياع الأوقات والكلام هذا اللي هو فيه قيل وقال، ممكن يدخل للغيبة والنميمة والحسد والبغضاء، هذا يكرهه الله يا رضوان، يكرهه الله. ولذلك ثبت في البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. لو عملنا بهذه القاعدة جيدا لتخلصنا من سوء كثير ولتمسكنا بخير كثير، ولكن كثير من مجالسنا ومن أعمارنا تذهب في القيل والقال.
وكما أن الله يكره لنا القيل والقال، فهو يكره لنا أيضا ايش؟ إضاعة المال، إضاعة المال فيما لا ينفع، وكثرة السؤال.
ثم قال: عن نواس بن سمعان رضي الله عنه قال: أقمتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة؛ كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء. أخرجه مسلم.
هذا آآ النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحب للصحابة أنهم يمضوا وقتهم معه أسئلة، كان يحب أن يرى الصحابة وهم يمتثلون، يمتثلون يعني يعملون بما تعلموا، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره لأصحابه السؤال حتى ممكن يمنع بعض آآ في مقامات معينة من السؤال.
مين اللي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتح لهم أبواب السؤال؟ الناس البعيدة اللي تجي؛ لأنه تعرف لما يجي واحد مثلا من قرية ولا شي، يجي يريد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قالوا النبي صلى الله عليه وسلم لا تسأل ممكن ينفر، والشيء الثاني أن علمهم قليل.
أما الصحابة فيحضرون الخطب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويسمعون كلامه بعد الصلوات -يعني بتعبيرنا اليوم يحضرون دروس ومحاضرات النبي صلى الله عليه وسلم إيش دائما- ويسمعون القرآن دائما، ويجاهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فهم تعلموا. فعشان كدأ الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان حاب للصحابة أنه بعد كل هذا العلم كمان يقعدوا أسئلة وأسئلة وأسئلة؛ الدين واضح، يريد أن يربيهم على العمل.
أما الأعراب الذين يأتون من بعيد ها، فهؤلاء مساكين عندهم جهل، فيفتح لهم النبي صلى الله عليه وسلم باب السؤال، والصحابة لحبهم للعلم كانوا يفرحون إذا جاء الأعرابي العاقل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم حتى يسمعوا السؤال والجواب.
الجواب، الجواب هنا. النواس بن سمعان كان يحب السؤال، فقال: مكثت في المدينة سنة بصفة زائر وليس بصفة مهاجر، والسبب في ذلك أن أنه كان يريد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ما أقمت بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث فيه فائدة أخرى، وهي ضرورة أن يفرق الداعي والمصلح بين الناس في في كيفية التعامل؛ في ناس ممكن تتعامل معهم بصيغة مخففة ما تشدد عليهم في بعض الأشياء، وفي ناس تشدد عليهم في بعض الأشياء، صح؟ والنبي صلى الله عليه وسلم كان يمنع أناسا من السؤال ويسمح لآخرين بالسؤال، في فرق بين هذه المقامات.
ثم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم. اسمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم الحريص علينا، اسمعوا يا شباب كويس؛ بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا. أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة. أخرجه مسلم.
هذان الحديثان في معنى واحد، في معنى واحد، ما هو هذا المعنى الواحد؟ بس أنا نسيت أسماعكم، علي، حذيفة، عبد الرحمن؟ طيب عبد الرحمن. بادروا بالأعمال فتنا، بادروا بالأعمال ستا، ايش الجامع المشترك بين الحديثين؟ المبادرة إلى الأعمال. المبادرة إلى الأعمال وأنها ايش؟ وأنها سبب لايش؟ ها يا أهل الجذور وغراس، وأنها سبب للنجاة من ايش؟ من الفتن، الوقاية من الفتن والنجاة من الفتن. جميل.
طيب يا شباب، النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم كما يعلمنا على العمل أنه مركزي، فهو يعلمنا أن العمل له ثمرات، وهذه الثمرات من أهمها أن الفتن إنما تكون الوقاية منها بتقديم العمل الصالح قبلها حتى يعصمك الله سبحانه وتعالى. بادروا بالأعمال، بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم؛ عند تلك الفتن يصعب عليك التمييز أحيانا، وأحيانا حتى يصعب عليك العمل.
تعرفوا الإنسان لما يكون في حالة سلم ورخاء عنده وقت أوسع، صح؟ عنده وقت للعمل، لما تجي فتن وحروب وقتال خاصة لو كانت فتن بين المسلمين فالإنسان يصعب عليه أن يعمل، صح صح؟ يكون في طور الفتن والهروب والحرب والمدري إيش.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، ثم يحذرنا من هذه الفتن يا همام فيقول: يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا.
شباب، الفتن اللي مرت على الأمة الإسلامية خلال ألف وأربع مئة سنة كثيرة، لكن هذه الفتنة التي يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيها إن الرجل يصبح فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، هذه الفتنة أنا لا أظن أنها وقعت قبل ذلك، وأظن أنها واقعة في زمننا هذا، أو أن زمننا مقدمة لهذه الفتن. متى سمعنا بناس يغيرون دينهم مباشرة، يصبح مؤمن ويرجع ملحد في الليل، أو يكون على يقين ويصير متشكك في الليل؟ متى صارت هذه القضية إلا في زماننا هذا مع كثرة الشبهات والشكوك والفتن والبلاوي والإلحاد؟ تمام.
وقد يكون القادم ربما، قد يكون القادم ربما أعظم. لذلك يا شباب، إذا سمعنا وصية النبي صلى الله عليه وسلم هنا، فليكن من أهم ما نقضي به أوقاتنا في هذه الأوقات، أوقات الرخاء، من أهم ما نقضي به أوقاتنا: العمل، العمل!
مرة أخرى يا شباب، النبي صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على العمل. يا أخي، العمل يدخل في تلاوة القرآن، صلاة الفرائض، صلاة النوافل، الذكر، الدعوة إلى الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، آآ مثلا آآ المناجاة والدعاء، صلة الرحم، آآ نصرة المظلومين، إطعام الفقراء، إعانة المحتاجين؛ هذا كله اسمه عمل.
هذا يا عبد الرحمن، هذا لا يحتاج إلى علم كثير حتى تفعله، اليس كذلك؟ هل تحتاج إلى علم كثير حتى تصلي لله بالليل والنهار؟ هل تحتاج إلى علم كثير معلومات كثيرة حتى تتصدق على الفقراء؟ لا خلاص. هل تحتاج إلى علم كثير حتى تذكر الله صباح مساء؟ ما تحتاج، ما تحتاج إلى علم كثير، تحتاج إلى علم عميق، وليس كثير، عميق يعني فيه فيه مستوى من اليقين والتصديقها والمحبة.
وبهذا كله أيها الكرام، بهذا كله أيها الكرام نكون سائرين على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي ربى عليها أصحابه، وهي أهمية العمل.
لذلك الجيل الصاعد يا جيل الأمل، لن تكونوا جيل الأمل إذا لم تكونوا جيل العمل، لن تكونوا جيل الأمل إذا لم تكونوا جيل العمل.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد