بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس التاسع من مجالس القراءة والتعليق المختصر على كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الفهم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يزيدنا علما، وأن يبارك لنا فيما نقرأ ونحفظ ونتعلم ونتدارس، وأن يبارك لنا في هذا الشهر الكريم، وأن يعز الإسلام وأهله ويذل أعداءه.
اليوم عندنا منزلة الورع، ومنزلة الورع تتلوها منزلة التبتل، ثم منزلة الرجاء. حقيقة سنطيل إن شاء الله في منزلة الرجاء، يعني هي المقصود الأساسي اليوم منزلة الرجاء؛ لذلك سنسير بالقدر الذي يأتي على مقاصد المختصرة لما قبل منزلة الرجاء، وهي منزلة الورع ومنزلة التبتل.
قال رحمه الله تعالى: فصل منزلة الورع، أو فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الورع. قال الله تعالى: يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وقال تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب. أُكِّنَ عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم النخعي والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تلبسها على معصية ولا غدر. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: وإنّي بحمد الله لا ثوب فاجرٍ لبست، ولا من غدرةٍ أتقنّعُ ثم قال في الصفحة التالية والمقصود -أو قبل ذلك- قال: ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق؛ لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن، ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها.
والمقصود أن الورع يطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته. وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة، ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله، ويؤثر كل منهما في الآخر. ولهذا نهي عن لباس الحرير والذهب وجلود السباع لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع.
وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها وبهجتها وكسفتها، حتى إن توبة البر لا تُعرف من ثوب الفاجر، وليس عليهما. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة فقال: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ. فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاجتماع والبطش والمشي والفكري وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.
قال إبراهيم بن أدم: الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضلات. وفي الترمذي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ. ثم بعد ذلك قال: وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا. هذه في العلاقة بين المقامات: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا.
ثم بعد عدة عبارات قال: وقال يونس بن عبيد: الورع الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين. وقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع؛ ما حاك في نفسك فاتركه، ما حاك في نفسك فاتركه. طبعا هنا في الحديث المشهور حديث الحسن رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ. وفيه أيضا أكثر من حديث اللي هو الإثم ما حاك في نفسك إلى آخره.
طيب، ثم يقول في صفحة مئة وتسعة وتسعين، مئة وتسعة وتسعين يقول: واما صيانة الإيمان -يعني هو هذا قوله وصيانة الإيمان تعليقا على قول الهروي وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى تجنب القبائح لصون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان-.
يقول: وأما صيانة الإيمان فلأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتتابعين ومن بعدهم، وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود. فإن العبد كما جاء في الحديث إذا أذنب نُكِتَ في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستغفر صُقِل قلبه، وإن عاد -فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن عاد فأذنب- نُكِتَ فيه نكتة أخرى حتى تعلو قلبه، وذلك الران الذي قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُون. فالقبائح تسود القلب وتطفئ نوره، والإيمان هو نور القلب، والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا، فالحسنات تزيد نور القلب، والسيئات تطفئ نور القلب.
وقد أخبر الله عز وجل أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها، وأخبر أنه أَرْكَسَ المنافقين بما كسبوا فقال الله تعالى: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا. وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب فقال: فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار من تقسية القلب واللعنة وتحريف الكلم نسيان العلم.
من أهم ما يمكن أن يقال في قضية العقوبات الإلهية، هذا هذي قضية في غاية الخطورة والأهمية، من أهم ما يمكن أن يقال هو أن الله سبحانه وتعالى قد يعاقب الإنسان ليس دائما عقابه بضيق الصدر ولا بالأمراض ولا بالخسف ولا بالزلازل ولا بالعقوبات العامة -أيا كان لا- وإنما من العقوبات الإلهية العقوبات المتعلقة بالقلوب. وهذه القضية واضحة في كتاب الله سبحانه وتعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فبما نقضهم ميثاقهم فبسبب نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية، قسى الله قلوبهم نتيجة نقضهم الميثاق، هذه عقوبة قلبية: رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ، وطبع على قلوبهم. آآ ثم انصرفوا: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. وهكذا: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
فالعقوبات الإلهية المتعلقة بما يحول الله به بين المرء وقلبه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ. آآ هذا هذا أمر في غاية الخطورة وضروري جدا أنه الإنسان يفهمه جيدا من كتاب الله سبحانه وتعالى.
طيب يقول في المعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة سواء بسواء، ولذلك قال السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت، فإيمان صاحب القبائح كقوة المريض على حسب قوة المرض وضعفه. وهذه الأمور الثلاثة -وههي صون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان- هي ارفع من باعث العامة على الورع؛ لأن صاحبها أرفع همة؛ لأنه عامل على كيلة نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربها، فهو يصونها عما يشينها عنده ويحجبها ويحجبها عنه، ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها؛ لأنه يسير بها إلى ربه ويطلب بها رضاه إلى آخر الكلام. مم.
قال في الصفحة التانية ميتين واثنين: وأما التخلص عن اقتحام الحدود فالحدود هي النهايات وهي مقاطع الحلال والحرام، بحيث ينقطع وينتهي فذلك حده، فمن اقتحمه وقع في المعصية. وقد نهى الله تعالى عن تعدي حدوده وقربانه أو قربانها فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا. وقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا. فان الحدود يراد بها أواخر الحلال، وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك أوائل الحرام. يقول سبحانه: لا تتعدوا ما أباحت لكم، يعني معنى الآية لا تتعدوا ما أباحت لكم ولا تقربوا ما حرمت عليكم. فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدي هذه وهو اقتحام الحدود. يعني هذي هذا كلام آآ فيه نستطيع أن نقول فيه خلاصة جيدة من أنه الورع الورع يخلص العبد من اقتحام الحدود أو يمنع العبد من اقتحام حدود الله.
طيب، آآ نذهب إلى آخر شي مئتين وأربعة، قال فصل: الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر العمل وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد، الخوف يثمر الورع وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء والقناعة تثمر الرضا والذكر يثمر حياة القلب والإيمان بالقدر يثمر التوكل ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة والورع يثمر الزهد أيضا والتوبة تثمر المحبة أيضا ودوام الذكر يثمرها والرضا يثمر الشكر والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات، والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه والمعرفة تثمر الخلق والفكر يثمر العزيمة والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظ الأيام والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظ الأيام والحياء والخشية والإنارة وأمانة النفس وإذلالها وكسرها يوجب حياة القلب وعزه وجبره ومعرفة النفس ووقتها يوجب الحياء من الله عز وجل واستكثار ما منه واستقلال ما منك من الطاعات ومحو أثر الدعوة من القلب واللسان ومحو أثر الدعوة من القلب واللسان وصحة البصيرة تثمر اليقين وحسن التأمل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة يثمر صحة البصيرة.
هذا هذا متن يحفظ، هذه الأسطر متن يحفظ، ومن أجل الأمور في القضايا السلوكية معرفة العلاقات والاسباب بين المنازل والمقامات والأمور التعبدية. برأيي أنه هذي هذي كلمة من الذي يحفظ هذي مهمة جدا جدا.
وملاك ذلك كله أمران: أحدهما أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة، ثم ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله، وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته وتنزيلها على داء قلبك. فهذه طريقة مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى، آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب ولا جوع ولا عطش ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق البتة، وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم، ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها. والله المستعان.
طيب مرة أخرى أؤكد على هذا الكلام كله وأهميته. آآ ثم قال فصل: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التبتل. قال الله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. والتبتل الانقطاع، وهو تفعل من البتل وهو القطع. وسميت مريم البتول بانقطاعها عن الأزواج وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها، ففاقت الزمان نساء الزمان شرفا وفضلا وقطعت منهن. والمصدر بتل تبتلا كالتعلم والتفهم، ولكن جاء على التفعيل مصدر تفاعل لسر لطيف، فإن في هذا الفعل إيذاْنا بالتدريج والتكلف والتأمل والتكثر والمبالغة، فأتى بالفعل الدال على أحدهما وبالمصدر الدال على الآخر؛ يعني تبتل وتبتيل، تبتل وتبتيل كل واحدة منها لها مصدر، فكأنما قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا، ففهم ففهم المعنيان من الفعل ومصدره، ففهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثير في القرآن، وهو من أحسن الاختصار والإيجاز. هذي فائدة جميلة ومهمة.
طيب، طيب قال صاحب المنازل: التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية، وقوله عز وجل: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ، أي تجريد المحض ومراته بالتجريد المحض التبتل عن ملاحظة الأعوام، بحيث لا يكون المتبتل كالأجير الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة، فاذا أخذها انصرف عن باب المستأجر، بخلاف العبد؛ فانه يخدم بمقتضى عبوديته لا للأجرة، فهو لا ينصرف عن باب سيده إلا إذا كان أبق. والآبق قد خرج من شرف العبودية ولم يحصل له إطلاق، فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده، وغاية شرف النفس دخولها تحت رق العبودية طوعا واختيارا ومحبة لا كرها وقهرا، كما قيل: شرف النفس دخولها في رقهم والعبد يحوي الفخر للتمليك.
والذي حسن استشهاده بقوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ، في هذا الموضع إرادة هذا المعنى وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته، وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابا فإنه يستحقها لذاته، فهو أهل أن يعبد وحده وحده ويدعى وحده ويقصد ويشكر ويحمد ويحب ويرجى ويخاف ويتوكل عليه ويستعان به ويستجار به ويلجأ إليه ويسند إليه، فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده. ومن قام بقلبه هذا معرفة وذوقا وحالا صح له مقام التبتل والتجريد المحض.
وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد والإاخلاص فيه والصدق، ومرادهم هذا المعنى فقال علي رضي الله تعالى عنه: دعوة الحق التوحيد. وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله. ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها.
آخر السطر في الصفحة قال: ثم ذكر الشيخ ما يعين على هذا التجريد وبأي شيء يحصل فقال: يحسم الرجاء بالرضا، أو يحسم الرجاء بالرضا، وقطع الخوف بالتسليم ورفض المبالاة بشهود الحقيقة. يقول: إن الذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرضا بحكم الله عز وجل وقسمه لك، ومن رضي بحكم الله وقسمه لم يبقَ لرجاء الخلق في قلبه موضع. والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله، فإن من سلم لله واستسلم له وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وإن ما أخطأه لم يكن لم يكن ليصيبه، وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، لم يبقَ لخوف المخلوقين -لم يبقَ لخوف المخلوقين- في قلبه موضع أيضا؛ فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب الله لها، وأن ما كتب لها لابد أن يصيبها، فلا معنى للخوف من غير الله بوجه.
وفي التسليم أيضا فائدة لطيفة وهي أنه إذا سلمها لله فقد أودعها عنده وأحرزها في حرزه وجعلها تحت كنفه حيث لا تنالها يد عدو عاد ولا بغي باغ عاتب.
طيب، آآ ننتقل الآن إلى منزلة الرجاء، ننتقل إلى منزلة الرجاء، ومنزلة الرجاء من أهم المنازل في آآ مدارج السالكين، على أنها ليست طويلة يعني ذاك الطول يعني تقريبا آآ فيها آآ خمسة وثلاثين صفحة.
لكنها في غاية الأهمية. وفيها عدة فوائد، يعني ليست الفائدة فقط فيما يتعلق بمنزلة الرجاء وإنما بالإضافة إلى ذلك بالإضافة إلى ذلك وبالإضافة إلى التكامل الموجود فيها، يعني من حيث الأدلة ومن حيث الضوابط ومن حيث الوسائل ومن حيث علاقة الرجاء بغيره من المقامات ومن حيث ومن حيث ومن حيث. إلا أن هذا الموضع في الكتاب هذا الموضع في الكتاب هو من أفضل المواضع في منهجية النقد، من أفضل المواضع في منهجية النقد وفي أدب النقد مع الكبار، موضع من المواضع الفخمة جداً سنقرأها بإذن الله، وسنقرأ أغلب المنزلة إن شاء الله.
وأعيد مرة أخرى وأؤكد أنه فرقوا أثناء القراءة بينما هو تعريف وبينما هو دليل وبينما هو وسيلة وبينما هو ضابط وبينما هو علاقة وبينما هو آثار، فهذه من أفضل طرق تثبيت العلم وفهمه قبل ذلك.
إذاً يقول: فصل، ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرجاء. قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.
طبعا الآن معناها هذه الآية أنه أنكم أنتم تدعون غير الله، هؤلاء الذين أو الذين يتحدث عنهم الله أنهم أنهم تدعون غير الله، يدعون أناس من الصالحين أو من الملائكة أو من الأنبياء، تمام. الله سبحانه وتعالى يقول لهم هؤلاء أو أولئك الذين تدعونهم أو أولئك الذين يدعونهم أنتم لا تعرفون ما حال أولئك الأنبياء والصالحين الذين أنتم تتخذونهم أولياء من دون الله.
أولئك هم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه. يعني أولئك الأولياء، أولئك الأنبياء، أولئك الصالحون، أولئك هم في في ذاته أنهم يبتغون رجاء يبتغون رحمة الله أو يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويبتغون إلى ربهم الوسيلة. قال: فابتغاء الوسيلة إليه طلب القرب منه بالعبودية والمحبة، فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب والخوف والرجاء.
قال الله تعالى: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَاتِ. وقال: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. وقال تعالى: أُولَئِكَ يَرْجُونَ اللَّهَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: لا يموتن أحدكم إلا وهو يححسن الظن بالله. وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء.
طبعا نبه المخرج إلى أنه بهذا اللفظ هو هو في مسند الإام أحمد وليس في الصحيحين بهذا اللفظ.
طيب، الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة ويطيب لها السير، وقيل: هو الاستبشار بجوده وفضل الرب تبارك وتعالى والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه وتعالى، وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى. هذه الآن كلها تعاريف للرجاء.
هنا ضابط، قال: والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل. ثم قال: ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل.
والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان ونوع غرور مذموم. فالأولان المحمودان، يعني رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه، ورجل أذنب أو رجاء رجل أذنب ذنوباً ثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه. والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب.
الآن سيذكر وسيلة، قال: وللسالك نظران؛ نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف، ونظر إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره يفتح عليه باب الرجاء. إذا هنا نظران؛ نظر إلى النفس وآفاتها وعيوبها وما عملت وما قدمت فهذا يفتح باب الخوف، نظراً إلى سعة فضل الله وكرمه وجوده وإحسانه يفتح باب الرجاء. ولهذا قيل في حد الرجاء: هو النظر إلى سعة رحمة الله.
ثم قال: وسئل أحمد بن عاصم ما علامة الرجاء في العبد؟ فقال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهمه الشكر راجياً لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة وتمام عفوك عنه في الآخرة.
طيب، ننتقل إلى كلام صاحب المنازل. ومن هنا ابن القيم رحمه الله سيبدأ في درس عملي طويل وجميل مهم في غاية الأهمية في كيفية النقد ومنهجية الأدب والتعامل والانتصار للحق، وأيضاً فيها أشياء جميلة عن الرجاء.
يقول: قال صاحب المنازل: الرجاء أضعف منازل المريدين، لانه معارضة من وجه واعتراض من وجه، وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة، وفائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة ودخل في مسالك المحقين، وتلك الفائدة هي كونه يبرد أو يبرد حرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى اليأس.
يعني صاحب الهروي يقول الرجاء ما في فائدة إلا واحدة هي أنه يبرد حرارة الخوف حتى الإنسان ما ييأس، بس. وإلا هو ترى أضعف منازل المريدين.
هنا يقول ابن القيم: شيخ الإسلام اللي هو الهروي حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك، ونحن نحمل كلامه على أحسن ثم نبين ما فيه. فبدأ يبين يحاول يعني يحمل هذا كلام على أحسن المحامل، يعني يقول: أضعف منازل المريدين بالنسبة إلى غيره، بالنسبة إلى غيره مما هو أعلى كمنزلة المعرفة والمحبة، يعني هذا معنى كلام ابن القيم؟ يقول: لأنه معارضة من وجه.
لأنه عرضة من وجه، يعني يقول لأنه تعلق بمراد العبد من ربه من الإحسان والثواب والأفضال، وقد يكون مراده تعالى من عبده استيفاء حقه بحكم عدله. فيقول: الراجي الراجي يريد الإحسان والثواب والأفضال، فيقول هذا معارضة معارضة لله سبحانه وتعالى معارضة من وجه ليش؟ يقول لك قد يكون أنه أنه الله سبحانه وتعالى يريد أنه يبتلي الإنسان أو يعاقب الإنسان أو يعامله بعدله، فلما واحد يرجو فهو يعارض إرادة الله من وجه.
يقول: وأما وجه الاعتراض، نعم، هو الهروي يقول إنه اعتراض أيضاً، يقول وجه الاعتراض فهو أن القلب إذا تعلق بالرجاء ولم يظفر بمرجوه اعترض حيث لم يحصل له مرجوه ولم يظفر به، وإن ظفر به اعترض حيث فاته غير ذلك كالمرجو.
ثم ذكر أيضاً وجه آخر من الاعتراض، لسه لسه ما جاء فرق الاختلاف، نستمع الكلام طويل وجميل درس عملي إلى أبعد درجة حقيقة.
ثم الكلام لابن القيم يشرح أيضاً كلامهم يقول: وأصحاب هذه الطريقة أول طريقهم الخروج عن نفوسهم فضلاً عن حظوظها، لأنهم عاملون على أن يكونوا بالله لا بنفوسهم، فغاية المحب أن يرضى بأحكام محبوبه عليه ساءته أم سرته، حتى يبلغ بأحدهم هذا الحال إلى أن ينشد: أحبك لا أحبك للثواب، ولكني أحبك للعقاب، وكل مآربي قد نلت منها سوى ملذوذ وجدي بالعذاب.
يعني هذا مما ينشدونه يقولونه فيه، طبعا وفيه ما فيه من الاشكال، ولو كان نفسه لذة بالعذاب مقصود من العذاب لكان أيضاً واقفا مع حظه، ولكن أراد أن رضاه بمراد محبوبه منه ولو كان عذابه، لم يدع فيه للرجاء موضع من الخوف إلى آخره.
ثم يقول ابن القيم: ثم أخبر أي الهروي في صفحة مئتين وثلاثة وعشرين، ثم أخبر أنه لم يأت في القرآن والسنة إلا لفائدة واحدة وهي تبريده لحرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى انقباس.
قال ابن القيم: هذا وجه كلامه وحمله على أحسن المحامل فيوقع هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات ويستغرقها كمال الصدق وصحة المعاملة وقوة الإخلاص وتجريد التوحيد، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه الأسطر الآن سيقرأها هي من أهم الأسطر في قضية النقد، يقول: وهذه الشطحات لأنه هذه ليست خاصة بالشطحات المتعلقة بباب التصوف وإنما هي عامة، يقول: وهذه الشطحات أوحبت فتنة على طائفتين من الناس؛ إحداهما حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بها بهم مطلقاً، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت أو الحكم وتعطلت معالمها.
يقول مما أوجب لناس أن يسيئوا الظن بالمتصوفة جملة هو وجود مثل هذه الشطحات، فلما وجدت مثل هذه أوجب هذا لبعض الناس غير المنصفين أنهم أغلقوا النظر الحسن لأي شيء حسن في هذه الطائفة، يقول: حجبت بها عنهم محاسنهم ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم إلى آخره.
وهنا الجهة الأخرى يقول: والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن أو ذيل المحاسن وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها واستظهروا بها في سلوكهم، وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.
والطائفة الثالثة وهم أهل العدل والانصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد.
وهذه الشطحات ونحوها هي التي حذر منها سادات القوم، سادات الصوفية الأوائل الكبار، وذموا عاقبتها وتبرأوا منها، حتى ذكر أبو القاسم القشيري في رسالته أن أب سليمان الداراني رئي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ما كان شيء أضر علي من إشارات القوم.
وقال أبو القاسم: سمعت أبا سعيد الشحام يقول: رأيت أبا سهل الصعلوكي في المنام فقلت له: أيها الشيخ؟ فقال: دع التشيخ. فقلت: وتلك الأحوال؟ فقال: لم تغن عنا شيئاً. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بمسائل كانت تسأل عنها العجائز.
وقال أبو سليمان الداراني: تعرض علي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل الكتاب والسنة. وقال الجنيد: مذهبنا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في طريقتنا، هذا إلى غير ذلك من الأقوال التي وردت عنهم.
الان بدأ الرد التفصيلي بالأدلة فيما يتعلق بالموضوع نفسه. قال: فأما قوله الرجاء أضعف منازل المريدين فليس كذلك، بل هو من أجل منازلهم وأعلاها وأشرفها، وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله.
وقد مدح الله تعالى أهله وأثنى عليهم فقال: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما عن ربه عز وجل: يا ابن آدم، انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وانا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، رواه مسلم.
وقد أخبر تعالى عن خواص عباده الذين كان المشركون يزعمون أنهم يتقربون بهم إلى الله أنهم كانوا راجين له خائفين منه، فقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضَّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا.
الآن يعلق على كلام الهروي مرة أخرى، قوله: لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه. يقال: وهو عبودية وتعلق بالله من حيث اسمه المحسن البر، كذلك التعلق والتعبد بهذا الاسم والمعرفة بالله هو الذي أوجب للعبد هو الذي أوجب للعبد الرجاء من حيث يدري ومن حيث لا يدري.
وقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته وغضبه وغلبة رحمته غضبه، ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً.
بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات. ولي من الأبيات:
لولا التعلق بالرجاء تقطعت ... نفس المحب تحسراً وتمزقاً وكذلك لولا برده بحر أكباد ... ذابت بالحجاب تحرقاً أيكون قط حليف حب لا يرى ... برجائه لحبيبه متألقاً أم كلما قويت محبته له ... قوي الرجاء فزاد فيه تشوقاً لولا الرجع يحدو المطي لما سرت ... بحمولها لديارهم ترجو اللقاء
قالوا: على حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فكل محب راج خائف خائف بالضرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه، وكذلك خوفه، فانه يخاف سقوطه من عينه وطرد محبوبه له وابعاده واحتجابه عنه، فخوفه أشد خوف، ورجاؤه ذاتي للمحبة، فانه يرجوه قبل لقائه والوصول اليه.
فاذا لقيه ووصل اليه اشتد الرجاء له لما يحصل له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه وبره وبره وأقباله عليه ونظره إليه بعين الرضا وتأهيله في محبته وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيماً ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه.
فرجاؤه أعظم رجاء وأجله وأتمه، فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة، فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير، وأين رجاء المحب من رجاء الأجير وبينهما كما بين حاليهما.
وبالجملة الرجاء ضروري للمريد السالك والعارف، لو فارقه لحظة لتلف أو كاد؛ فانه دائر بين ذنب يرجو غفرانه، وعيب يرجو إصلاحه، وعمل صالح يرجو قبوله، واستقامة يرجو حصولها ودوامها، وقرباً من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها، ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها. فكيف يكون الرجاء من أضعف منازله وهذه حاله؟
وأما حديث المعارضة والاعتراض فباطل؛ فإن الراجي ليس معارضاً ولا معترضاً، بل راغباً راهباً مؤملاً لفضل ربه وحسن الظن به، متعلقاً الأمل ببره وجوده، عابداً له بأسمائه المحسن البر المعطي الحليم الجواد الوهاب الرزاق.
والله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يرجوه، ولذلك كان عند رجاء العبد له وظنه به، والرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه، بل هو من أقوى الأسباب. ولو تضمن معارضة واعتراضاً لكان ذلك في الدعاء والمسألة أولى، فكان دعاء العبد ربه وسؤاله أن يهديه ويوفقه ويسدده ويعينه ويغفر ذنوبه ويدخله الجنة وينجيه من النار معارضة واعتراضاً، لأن الداعي راجٍ وطالب ما يرجو؛ فهو أولى حينئذ بالمعارضة والاعتراض.
الآن يفسر لماذا وصل الشيخ أو لماذا حدث هذا الاشكال عند الشيخ، وهذي اسمها معرفة أسباب المقولات، معرفة أسباب المقولات، والذي يفقه أسباب المقولات فإنه يأخذ من العلم بأصل متين جداً ومن الفهم بأصل متين جداً. يقول: والذي أوجب للشيخ هذا القدر الاسترسال في القدر والفناء في شهود الحقيقة الكونية، فإنه من الراسخين فيه الذين لا تأخذهم فيه لومة لائم، وهو شديد في إنكار الأسباب، وهذا موضع زلت فيه أقدام أئمة أعلام، ولولا أن حق الحق أوجب من حق الخلق لكان في الإامساك فسحة ومتسع.
طبعاً لا يزال برد أيضاً هناك كلام للشيخ ابن القيم رحمه الله في الأدب والتلطف مع الشيخ الهروي سيأتي إن شاء الله. ثم قال: وليس في الرجاء ولا في الدعاء معارضة لتصرف المالك في ملكه، فإنه إنما يرجو تصرفه في ملكه أيضاً بما هو أولى وأحب الأمريرين إليه، فإن الفضل أحب إليه من العدل، والعفو أحب إليه من الانتقام، والمسامحة أحب إليه من الاستقصاء، والترك أحب إليه من الاستيفاء، ورحمته غلبت غضبه. الراجي علق رجاؤه بتصرفه المحبوب له والمرضي له، فلم يوجب رجاؤه خروجه عن تصرفه في ملكه، بل اقتضى عبوديته وحصول أحب التصرفين إليه.
وه وهو سبحانه وتعالى لا ينتفع باستيفاء حقه وعقوبة عبده حتى يكون رجاؤه مبطلاً لذلك، وإنما العبد استدعى العقوبة وأخذ الحق منه لشركه بالله -أه اللي استدعى العقوبة وأخذ الحق منه لشركه بالله وكفره به واجتهاده في غضبه- ولغضبه موجبات وآثار ومقتضيات والعبد مؤثر لها ساع في تحصيلها، وربه يحذره ويبصره ويناديه: هلم إلي أأحمك وأصنك وأنجك مما تحذر وأؤمنك مما تخاف، وهو يأبى إلا شروداً عليه ونفاراً عنه ومصالحة لعدوه ومظاهرة له على ربه، ومتطلباً لمرضاة خلقه بمساخطه، رضا المخلوق آثر عنده من رضا خالقه، وحقه آكد عنده من حقه، وخوفه ورجاؤه وحبه في قلبه أعظم من خوفه من الله ورجائه وحبه.
فلم يدع لفضل ربه وكرامته وثوابه إليه طريقاً، بل سدد طرق مجاريها بجهده، وأعطى بيده لعدوه فصالحه وسمع له وأطاع وانقاد إلى مرضاته، فجاء من الظلم بأقباحه وأشده، فهو الذي عارض مراده به منه بمراده وهواه وشهوته. ثم قال: والرب تبارك وتعالى ليس له ثأر عند عبده فيدركه بعقوبته، ولا يتشفى بعقابه، ولا يزيد ذلك في ملكه مثقال ذرة، ولا ينقص بمغفرته شيئاً، ولو غفر لأهل الأرض كلهم لما نقص مثقال ذرة من ملكه.
كيف والرحمة أوسع من العقوبة، وأسبق من الغضب، وأغلب له، وهو قد كتب على نفسه الرحمة؟ فرجاء العبد له لا ينقص شيئاً من حكمته، ولا ينقص مثقال ذرة من ملكه، ولا يخرجه عن كمال تصرفه، ولا يوجب خلاف كمال ولا تعطيل أوصافه وأسمائه. ولولا أن العبد هو سد على نفسي طرق الخيرات وأغلق دونه أبواب الرحمة بسوء اختياره لنفسه لكان ربه له فوق رجائه وفوق أمله.
وأنا أرى حقيقة أنه مثل هذا الكلام هو من مظان الإجابات عن بعض الإشكالات والشبهات التي يعني يصعب أن تجد الجواب فيها في مواضع متخصصة، مثل الأسئلة التي تأتي عن العذاب ولماذا العذاب والخلود وما إلى ذلك. ابن القيم هنا يغوص في أعماق هذه القضية، كيف يعني إيش جناية الإنسان؟ وأنه يعني مثل هذه المعاني حقيقة طبعاً هو كررها ومرت معنا، لكن هذا المعنى عظيم جداً جداً.
يعني يقول: وأما استسلام العبد لربه، واستسلامه بانطراحه بين يديه ورضاه بمواقع حكمه، فما ذاك إلا رجاء منه أن يرحمه ويلهي له عثرته ويعفو عنه. ثم قال: وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه، فهذا هو الرعونة كل الرعونة؛ هذا تعليق على مثل تلك الأبيات اللي قرأناها.
فإن مراده سبحانه نوعان: مراد يحبه ويرضاه ويمدح فاعله ويواليه، فموافقته في هذا المراد هو عين محبته وإرادته، وخلافه رعونة ومعارضة واعتراض. ومراد يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله وعاديه، فموافقته في هذا المراد عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه. فهذا الموضع موضع فرقان، فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر.
فالعبودية الحقة معارضة مراده بمراده، ومزاحمة أحكامه بأحكامه، فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط وما يوجبه ويقتضيه عين الرعونة للخروج عن العبودية، وهو عين الدعوة الكاذبة، إذ لو كان مصدر ذلك الاستسلام والموافقة وترك بعض المعارضة لكان ذلك مخصوصاً بمحابه ومراضيه وأوامره التي الاستسلام لها والموافقة فيها وترك معارضتها هو عين المحبة والموالاة.
ثم قال في آخر صفحة مئتين وأربعة وثلاثين: قال: وأما كون الرجاء وقوفاً مع الحظ، وأصحاب هذه الطريقة قد خرجوا عن نفوسهم فكيف حبوبهم؟ فيا لله العجب! أي رعونة فيمن يجعل رجاء العبد ربه وطمعه في بره وإحسانه وفضله وسؤاله ذلك من قلبه ولسانه؟ فإن الرجاء هو استشراف القلب لما يرجوه. فإذا كان العبد دائماً مستشرفاً بقلبه، سائلاً بلسانه، طالب لفضل ربه، فأي رعونة هاهنا؟ وهل الرعونة كل الرعونة إلا خلاف ذلك؟
ومن العجب دعواهم خروجهم عن نفوسهم، وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم، وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبساً على مراد الله الديني للأمر النبوي، ودلها لله في إقامة دينه وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي، فانغمس فيهم يمزقون أديمه، ويرمونه بالعظائم، ويخيفونه بأنواع المخاوف، ويتطلبون دمه بجهدهم، لا تأخذهم في جهادهم في الله لومة لائم، يصدع بالحق عند من يخافه ويرجوه، ويدعوهم في مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وتشيخهم له وتقبيل يده وقضاء حوائجه، يصيح فيهم بالنصائح جهاراً، ويعلن لهم بها، ويسر لهم إصراراً، قد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم، وتعلّق بمرضاة الحي القيوم، مقامه ساعة في جهاد أعداء الله ورباطه ليلة على ثغر الإيمان آثر عنده وأحب إليه من فنا ومشاهدات واحوال هي أعظم عيش النفس، أعلى قوتها، وأوفر حظها، ويزعم أنه قد خرج عن نفسه! فكيف حظها إذاً؟ أي فكيف حظها؟ ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده وهو حظه، ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عياناً.
وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه، وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظاً وإيثاراً لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه فانه لا حظ للنفس في ذلك؟ فوالله ليس فيه أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا اسمج. وماذا يلعب الشيطان بالنفوس؟! وإن نفساً وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال معافى.
فزن أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء الغالطين الذين مرجت بهم نفوسهم، ثم قايس بينهما وانظر التفاوت، فأين هذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وقوله لعمه العباس: يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية.
وقوله لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد سأله معلمه دعاء يدعو به في صلاته: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. وقوله لصديقة النساء وقد سألته دعاء تدعو به إن وافقت ليلة القدر فقال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. وقوله في دعائه الذي كان لا يدعه وإن دعا بدعاء أردف إياه: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وقد أثنى الله على خاصته وهم أولوا الألباب بأنهم سألوه أن يقيهم عذاب النار فقال: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وقال صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة: لو سألت الله أن يجيرك من عذاب النار لكان خيراً لك. وكان يستعيذ كثيراً من عذاب النار ومن عذاب القبر، وأمر المسلمين أن يستعيذوا في تشهدهم من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، حتى قيل إن هذا الدعاء واجب في الصلاة لا تصح إلا به، وهذا أعظم من أن نستقصيه.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فرآه مثل الفرخ فقال: ما كنت تدعو به؟ فقال: كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا. فقال: سبحان الله! إنك لا تطيق ذلك، ألا سألت الله العفو والعافية؟ وهذا في صحيح مسلم. وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم قال: ما سئل الله شيئاً أحب إليه من سؤال العفو والعافية. وقال لبعض أصحابه: ما تقول إذا صليت؟ فقال: أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن.
فأين هذا من حال من قال: لا أحبك لثوابك لأنه عين حظي، وإنما أحبك لعقابك لأنه لا حظ لي فيه، والرجاء عين الحظ، ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا وجه رجاء؟ فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيه إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوباً على عقله كالسكران ونحوه، ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده، ولكن الذي ينكر كون هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العلية التي يتعاطاها العبد ويشمر إليها، فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب ولا تصبر عليه نفوس العلماء، وحاشى سادات القوم وائمتهم من هذه الرعونات، بل هم أبعد الناس عنها.
نعم، قد يعرض لأحدهم حال يحدث نفسه فيه بأنه لو عذبه لكان راضياً بعذابه كرضا صاحب الثواب بثوابه، ويعزم على ذلك بقلبه، ولكن هذا أمنية، وعند الحقيقة لا يكون لذلك أثر البتة، ولو امتحنه بأدنى محنة لصاح واستغاث وسأل العافية، كما جرى للقائل وهو: وليس لي من هواك بد فكيف ما شئت فامتحني فامتحنه بعسر البول فطاحت هذه الدعوة عنه واضمحل حالها، وجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب! فالعزم على الرضا لون، وحقيقته لون آخر.
وأما قوله وإنما نطق به التنزيل لفائدة وهي كونه يبرد حرارة الخوف أو يبرد الخوف، فيقال بل فوائده كثيرة، أو له فوائد بل له فوائد كثيرة أخرى مشاهدة، منها: إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربه ويستشرفه من إحسانه، وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين. ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده أن يأملوه ويرجوه ويسألوه من فضله، لأنه الملك الجواد، أجود من سئل وأوسع من أعطى، وأحب ما إلى الجواد أن يرجى ويؤمل ويسأل. وفي الحديث: من لم يسأل الله يغضب عليه. والسائل راجٍ وطالب، فمن لم يرج الله يغضب عليه، فهذه فائدة أخرى من فوائد الرجاء وهي التخلص به من غضب الله.
ومنها: يشوب الفهم الإنسان لما يكون فاهم الشريعة والتعبد على الميزان النبوي. ومنها: أن الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما صار أحد، فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء. مرة أخرى يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء. مرة ثالثة يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء.
ومنها: أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة ويلقيه في دهليزها، فانه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبا لله تعالى وشكراً له ورضى به وعنه. ومنها: أنه يبعثه على أعلى المقامات وهو مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية، فإنه إذا حصل له مرجوه كان أدعى لشكره -هذي ثاني مرة يتكلم عن منزلة الشكر وهو إن كانت ستأتي بالتفصيل، لكن هنا يعني يتكلم عن أو أشار ثاني مرة في الكتاب إلى أن الشكر له منزلة خاصة عند الله سبحانه وتعالى يقول: وهو مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية، مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية.
طيب، قال: ومنها أنه يوجب له المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها والتعلق بها، فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى متعبد بها داع بها. قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا.
فلا ينبغي أن يعطل دعاؤه بأسمائه الحسنى التي هي أعظم ما يدعوه ما يدعو بها الداعي، فالقدح في مقام الرجاء تعطيل لعبودية هذه الأسماء، وتعبيد للدعاء بها. ومنها أن المحبة لا تنفك عن الرجاء كما تقدم، فكل واحد منها يمد الآخر ويقويه. أنا أقول الحمد لله أنه في أحد ادعى أنه ما في فائدة للرجاء، إلا أنه وبس يبرد حرارة الخوف حتى يستخرج ابن القيم هذه الفوائد للرجاء.
كل فائدة من هذه الفوائد للرجاء حقيقة عظيمة جدا جدا جدا، يعني التخلص من غضب الله حاد يحدو إلى السير، يطرحه على عتبة المحبة، يبعثه على أهل المقامات وهو الشكر، يوجب له المزيد من معرفة الله وأسمائه وحسناته، هو أسمائه وصفاته.
ثم قال آآ أنافقت حين العناوين، قال: ومنها أن المحبة لا تنفك عن الرجاء كما تقدم، فكل واحد منهما يمد الآخر ويقويه. ومنها أن الخوف مستلزم للرجاء والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج. ولأجل هذا حسن وقوع حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن وفيه وقوع الخوف.
قال الله تعالى: مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهَ وَقَارًا. قال كثير من المفسرين من معنى ما لكم لا تخافون لله عظمة، قالوا والرجاء بمعنى الخوف، والتحقيق أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوت. قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ. قالوا في تفسيرها لا يخافون وقائع الله بهم كوقائعه قبلهم من الأمم.
ومنها أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطف موقعا وأحلى عند العبد وأبلغ من حصول ما لم يرج. وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار.
فعلى قدر رجائهم مرة أخرى قال: ومنها أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطف موقعا وأحلى عند العبد وأبلغ من ما لم يرج، وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار، فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم بالقيامة بحصول مرجوهم واندفاع مخوفهم.
ومنها أن الله سبحانه وتعالى يريد من عبده تكميل مراتب عبوديته من الذل والانكسار والتوكل والاستعانة والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا والإنابة وغيرها. ولهذا قدر عليه الذنب وابتلاه به لتكمل مراتب عبوديته بالتوبة التي هي من أحب عبوديات عبده إليه، فكذلك تكميلها بالرجاء والخوف.
ومنها أن في الرجاء من الانتظار والترقب والتوقع لفضل الله ما يوجب تعلق القلب بذكره، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه صفاته، وتنقل القلب في رياضه العنيقة، وأخذه بنصيبه من كل اسم وصفة كما تقدم بيانه.
فإذا فني عن ذلك وغاب عنه فاته لحظة، فاته حظه ونصيبه من معاني هذه الأسماء والصفات، إلى فوائد أخرى كثيرة يطالعها من أحسن تأمله وتفكره في استخراجها. وبالله التوفيق.
الآن الآن بعد أن اعتذر الهروي ثم حمل كلامه على أحسن المحامل، ثم رد عليه وذكر الأدلة وناقش علميا فوائد الرجاء، ختم الانتقاد كله هذا باعتذار وبالاتفاقات. والله يشكر لشيخ الإسلام سعيه، ويعلي درجته، ويجزيه أفضل جزائه، ويجمع بيننا وبينه في محل كرامته.
فلو وجد مريده من مريده، يقصد نفسه سمى نفسه مريدا له من باب الأدب والتواضع والاحترام، قال: فلو وجد مريده سعة وفسحة في ترك الاعتراض عليه واعتراض كلامه لما فعل، كيف وقد نفعه الله بكلامه وجلس بين يديه مجلس التلميذ من أستاذه وهو أحد من كان على يديه فتحه يقظة ومناما؟
وهذا غاية المكل في هذا الموضع، فمن كان عنده فضل علم فليجد به أو فليعذر ولا يبادر إلى الإنكار. فكم بين الهدهد ونبي الله سليمان وهو يقول له: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وليس شيخ الإسلام أعلم من نبي الله، وللمعترض عليه بأجهل من الهدهد. والله المستعان وهو أعلم.
إيش الجمال هذا؟ إيش الجمال يعني جمال إبراهيم، طيب، آه نختم بالبيات التي آه ذكرها في آخر منزلة الرجاء. يقول آه: مت بداء الهوى وإلا فخاطر واترك الحي والعيون نواظر لا تخف وحشة الطريق إذا جئت وكن في خفارة الحب سائر واصبر النفس ساعة عن سواهم فاذا لم تجب لصبر فصابر وصم اليوم واجعل الفطر يوما فيه تلقى الحبيب بالبشر شاكر وافطم النفس عن سواه فكل العيش بعد الفطام نحوك صائر وتأمل سريرة القلب واستحي من الله يوم تبلى السرائر واجعل الهم واحدا يكفيك الله هموما شتى فربك قادر وانتظر يوم دعوة الخلق إلى الله ربه من بطون المقابر واستمع ما الذي به أنت تدعى من صفات تلوح وسط المحاضر وسمات تبدو على أوجه الخلق عيانا تجلى على كل ناظر أو يا أخا اللب إنما السير عزم ثم صبر مؤيد بالبصائر يا لها من ثلاثة، آه، يا لها من ثلاثة من ينالها يرقى يوم المزيد فوق المنابر فاجتهد في الذي يقال لك، فاجتهد في الذي يقال لك البشرى يوم ضرب البشائر عمل خالص بميزان وحي مع سر هناك في القلب حاضر وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الشيخ أحمد السيد