بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم إنا نسألك التوفيق والعون والتسهيل والتسديد والبركة.
ونسألك اللهم أن تجعل مجالسنا هذه مجالس نافعة، وأن تجعلها سبباً لصلاح أحوالنا يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام وأهله وأذل أعداءه يا رب العالمين. نستعين بالله، هذا المجلس العاشر.
وهناك مقترح من أمس أنه نحن نرجع فنعيد منزلة الرجاء للجمال العظيم الذي عشناه أمس مع منزلة الرجاء، وهي تستحق الإعادة حقاً، ولكن حتى ننتهي من الكتاب وننجزه، لابد أن ننطلق. ولكن من فاته حضور منزلة الرجاء أمس، لازم يستمع إليه في المادة في اليوتيوب، وكان معها أيضاً بعض التعليقات. وعموماً المادة تعطي أو التسجيل يعطي شيئاً من الجو، وإلا فالعيش الذي عشناه أمس مع المنزلة كان شيئاً آخر حقيقة.
طيب، نستعين بالله، بعد الرجاء في منزلة الرغبة مباشرة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرغبة. قال الله عز وجل: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا. والفرق بين الرغبة والرجاء: أن الرجاء طمع، والرغبة طلب، فهي ثمرة الرجاء؛ فإنه إذا رجا الشيء طلبه، والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف؛ فمن رجا شيئاً طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئاً هرب منه. والمقصود أن الراجي طالب، والخائف هارِب.
ثم قال في الصفحة التالية، قال صاحب المنازل الهروي: والرغبة على ثلاث درجات. الدرجة الأولى رغبة أهل الخبر، تتولد من العلم، فتبعث على الاجتهاد المنوط بالشهود، وتصون السالك عن وهن الفترة، وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص. هنا الهروي رحمه الله يتكلم عن أن الرغبة من أين تأتي؟ يقول لك في درجة تأتي عن طريق الخبر، وهذا يعني هذه ليست المنزلة الأعلى كما نحن متعودون في قراءة المدارج، لكن ابن القيم رحمه الله يناقش هذه الفكرة.
فأولا يوضحها، يقول: أراد بالخبر هاهنا الإمام الصادر عن الأخبار، ولهذا جعل تولدها من العلم، ولكن هذا الإيمان متصل بمنزلة الإحسان، منه يشرف عليه ويصل إليه. ثم قالوا عند كثير من الصوفية إن فوقه مشهداً أعلى منه، وهو شهود الحق مع غيبته عن كل ما سواه، وهو مقام الفناء، وقد عرفت ما فيه.
ثم قال ابن القيم: ولو كان فوق مقام الإحسان مقام آخر لذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ولسأله جبريل عنه، فإنه جمع مقامات الدين كلها في الإسلام والإيمان والإحسان. نعم، الفناء المحمود هو تحقيق مقام الإحسان، وهو أن يفنى بحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه وعبادته والتبتل إليه عن غيره، وليس فوق ذلك مقام يطلب إلا ما هو من عوارض الطريق.
وأيضاً علق على كلام الهروي في قوله إنه تمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص، فكأنه هنا يعني يستقل من شأن الرخص. فابن القيم يعلق يقول: هذا موضع يحتاج إلى تفصيل، ليس على إطلاقه، فإن الله عز وجل يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. وفي المسند مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. فجعل الأخذ بالرخص قبالة إتيان المعاصي، وجعل حظ هذا المحبة وحظ هذا الكراهية. وما عُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم أمر إلا أيسرهما ما لم يكن إثماً، والرخصة أيسر من العزيمة، وهكذا كان حاله في فطره وسفره وجمعه بين الصلاتين والاغتسال من الرباعية على ركعتين وغير ذلك.
فنقول: الرخصة نوعان. وهنا ذكر نوعين من الرخصة: الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصاً، ورخصة التأويلات واختلاف المذاهب، فهذه تتبعها حرام ينقص الرغبة ويوهن الطلب، ويرجع بالمرخص إلى غثاثة الرخص. يعني يقول: هذا الكلام ليس على إطلاقه، وإنما هذا الكلام بحسب نوع الرخصة؛ إن كانت شرعية فهي من باب محاب الله، وإن كانت من التأويلات المكروهة أو من باب الخلافات المذهبية، فتتبعك لهذه الرخص يوهن الطلب ويرجع بك إلى غثاثة الرخص.
طيب، هذا مجمل ما ذكر في منزلة الرغبة، ليس هناك شيء كثير آخر. ننتقل إلى المنزلة التالية وهي منزلة الرعاية، قال في صفحة مائتين وتسعة وخمسين، قال: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرعاية، وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل. ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات، ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفريق. فالرعاية صيانة وحفظ.
وهنا نقطة مهمة، يقول: ومراتب العلم والعمل ثلاثة: رواية وهي مجرد النقل وحمل المروي، ودراية وهي فهمه وتعقل معناه، ورعاية وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه. رواية نقل، دراية فهم، رعاية عمل. النقلة همهم الرواية، والعلماء همهم الدراية، والعارفون همهم الرعاية. وقد ذم الله من لم يرعى ما اختاره وابتدعوه من الرهبانية حق رعايتها، فقال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
طبعا في الكلام على العلماء همهم الدراية والعارفون همهم الرعاية، طبعا هذا كلام من جهة، وإلا من جهة أخرى سبق معنا أن ابن القيم رحمه الله يتكلم على العلماء والخشية، وأن الخشية هي عمل ناتج عن العلم الصحيح. ثم اخذ يعلق على هذه الآية أنه ورهبانية ابتدعوها وأنه رهبانية ليست متعلقة بوجعنا يعني واجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها هذي ابتداء هذا الآن يعني كأن الإنسان يقف بعد رحمة ويبتدأ التلاوة من عند ورهبانية ابتدعوها لأنها متعلقة ابتدعوها وليست متعلقة جعلنا. طيب والتفصيل في الآية لمن أراد أن طبعا هو يرجح أن الاستثناء منقطع إلا ابتغاء رضوان الله، فمن أراد التوسع يرجع إلى ما كتب.
طيب، ثم قال في الرعاية قال صاحب المنازل: الرعاية صون بالعناية، وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى رعاية الأعمال، والثانية رعاية الأحوال، ورعاية الأوقات. فأما رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها، والقيام بها من غير نظر إليها، وإجراؤها على مجرى العلم لا على التزُّين بها. كيف تراعى الأعمال؟ يقام بها من غير نظر إليها، لا تكن عظيمة في النفس، وإجراؤها على مجرى العلم لا على التزُّين بها.
يقول ابن القيم رحمه الله شرحاً على لقوله: أما رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها. قال: في التوفير سلامة من طرفي التفريط بالنقص والإفراط بالزيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها. وأما تحقيرها فاستصغارها في عينه واستقلالها، وأن ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديته أمر آخر، وانه لم يوفه حقه، وأنه لا يرضى لربه بعمله ولا بشيء منه. يعني هذا مجمل أيضاً ما قيل في الرعاية، ليس هناك كثير بالتفصيل في هذه المسألة أو في هذه المنزلة.
ننتقل إلى المنزلة التالية وهي منزلة المراقبة. قال رحمه الله: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة. طبعا احنا اليوم المنزلة ربما التي سنقف معها كثيراً هي منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل، هي التي فيها تفاصيل كثيرة، فسنقف عندها وقفة طويلة نوعاً ما. المنازل هذه هي خاصة التي قرأتها ما قبل قليل، ليس فيها كبير تفصيل.
المراقبة فيها شيء يسير، يعني قال: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة. قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ. وقال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا. وقال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ. وقال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى. وقال تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا. وقال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. إلى غير ذلك من الآيات.
وفي حديث جبريل عليه السلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك. المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة. وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله في كل وقت، وفي كل لحظة، وكل نفس، وكل طرفة عين. والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات، فكيف بحال المريدين؟ فكيف بحال العارفين؟
قال الجنيد: من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير. وقال ذو النون: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظم الله، وتصغير ما صغر الله. وقيل: الرجاء يحرك إلى الطاعة، والخوف يبعد عن المعاصي، والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق. وقال الجريري: أمرنا هذا مبني على فصلين: أن تلزم نفسك المراقبة لله، وأن يكون العلم على ظاهرك قائماً.
ثم هنا عبارة جميلة لأبي حفص النيسابوري، قال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري -العبارة لأبي حفص-: إذا جلست للناس فكن واعظاً لقلبك ونفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك. ولا يغرنك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك. وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر؛ فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته. المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير؛ فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة، والله أعلم.
يا كرام، لو تتذكرون وتستحضرون في قراءتنا لمدارج السالكين، الإمام ابن القيم يهتم بالأسماء والصفات كثيراً، واهتمامه بالأسماء والصفات متجاوز لقضية المعاني المجردة تفسير الأسماء والصفات فقط. الآن الربط بين المنازل وبين الأسماء الإلهية المتعلقة بها، هذا أيضاً من الفقه العظيم في دين الله سبحانه وتعالى. لو تتذكرون لما تكلم عن الرجاء، كيف رد أو ناقش كلام الهروي لما زهد في مسألة الرجاء وقال إنه الرجاء يعني غاية ما فيه أن هو فقط يبرد الخوف؟ كيف ناقش الهروي؟ واحدة من أسباب النقاشات ناقشه بالأسماء والصفات. كيف؟ قال له: من أسماء الله البر، والله سبحانه وتعالى جواد ويحب أن يعطي، فأنت الجواد... ما عند الله سبحانه وتعالى فمعناه أنت تتعامل مع مقتضى أسماء الله الحسنى، وبالتالي أنت تعمل مع مجموع أسماء الله الحسنى لا مع اسم واحد. فمن الفقه الكبير حقيقة أنه الإنسان يستحضر في مقاماته التعبدية مجموع أسماء الله الحسنى، فبحسب الحال وبحسب المنزلة التي هو فيها أو بحسب المقام أو بحسب العمل، يستحضر الأسماء الحسنى المناسبة لهذا المقام، كما أنه يفعل ذلك في الدعاء.
يقول: قرن الهروي المراقبة دوام ملاحظة المقصود، وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام، بين تعظيم مذهل، ومداناة حاملة، وسرور باعث. الآن ابن القيم يعلق على هذه الدرجة فيقول: دوام ملاحظة المقصود، أي دوام حضور القلب معه. وتعظيم مذهل، يقول: امتلاء القلب، هو امتلاء القلب من عظمة الله عز وجل بحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره وعن الالتفات إليه؛ فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع الله، بل يستصحبه دائماً، فإن الحضور مع الله يوجب أنساً ومحبة إن لم يقارنهما تعظيم اورثاه خروجا عن حدود العبودية ورعونة. فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب فهو سبب للبعد عنه والسقوط من عينه. فقد تضمن كلامه خمسة أمور: سير إلى الله، واستدامة هذا السير، وحضور القلب معه، وتعظيمه، والذهول بعظمته عن غيره.
وأما السرور الباعث، فهو الفرحة والتعظيم واللذة التي يجدها في تلك المداناة، فإن سرور القلب بالله وفرحه به وقرة العين به لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا البتة، وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة؛ حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي اوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته.
ومن لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه فليتهم إيمانه وأعماله، فإن للإيمان حلاوة من لم يذقها فليرجع وليقتبس يجد به حلاوة الإيمان. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد وعلقه بالايمان، فقال: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد رسولاً. وقال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أو وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور؛ يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول. والقصد أن السرور بالله وقربه وقرة العين به تبعث على الازدياد من طاعته وتحث على الجد.
بالسير إليهما. طيب، آه هنا استطراد سريع آه من ابن القيم رحمه الله على الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات في صفحة مئتين وخمسة وسبعين آخر سطر.
يقول: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس الجاهلة. والعجب أن أربابها ينكرون على أهل، وكل وكل ما هم فيه فحظ، ولكن ولكن حظهم متضمن مخالفة مراد الله، والإعراض عن دينه، واعتقاد أنه قربة إلى الله؛ فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات المعترفين بذمها، المستغفرين منها، المقرين بنقصهم وعيبهم وأنها منافية للدين؟ وهؤلاء في حظوظ اتخذوها ديناً وقدموها على شرع الله ودينه، واغتالوا بها القلوب واقتطعوها عن طريق الله؛ فتولد من معقول أولئك وآراء الآخرين والباطلة وأذواق هؤلاء خراب العالم، وفساد الوجود، وهدم قواعد الدين، وتفاقم الأمر وكاد، لولا أن الله ضَمِنَ أنه لا يزال يقوم به من يحفظه، من يحفظه ويبين معالمه، ويحميه من كيد من يكيد.
آه هذا يذكرنا بما قرأناه أمس آه في نقاش الفكرة التي تقول: آه بأنه يعبد الله ليس ليس للجنة ولا للمحبة ولا لغيره، وإنما للعذاب؛ لأنه لا حظ له فيه. آه هنا يرد على من يزعم أنه لا حظ له في مثل هذه الدعاوى، سواء العذاب أو أو حتى رفض الثواب فقط، وفي منزلة تعظيم حرمات الله سيأتي نقاش طويل لهذه القضية، لكن ليست قضية العذاب، وإنما النقاش في: هل الأفضل هو عبادة الله مع طلب ثوابه المحسوس، أو عبادة الله بدون الالتفات إلى الثواب؟ هذا سيأتي النقاش الطويل فيها إن شاء الله.
وقد تكرر هذا المعنى، ثم يقول: النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات، التي قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده وعطلوا بها وبها شرعه وعدله. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا يتعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف. وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة. فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتاً يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل ولنا العقل. والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار. وأولئك يقولون: أنتم أصحاب الظاهر ونحن ونحن أهل الحقائق. والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السياسة. ويا لها من بلية عمت فأعمت، ورزية رمت فأصمت، أو فأصمت، وفتنة دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون، وأهوية عصفت فصمت منها الآزان وعميت منها العيون. عطلت لها والله معالم الأحكام، كما نفيت لها صفات ذي الجلال والكرام، واستند كل إلى ظلم وظلمات آرائهم، إلى ظلم وظلمات آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل، والدين وقفا على كل إفساد وتبديد.
ننتقل إلى منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل في صفحة مئتين وأربعة وثمانين، قال: فصل: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل. قال الله عز وجل: وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ. وقال قال جماعة من المفسرين: حرمات الله هنا مغاضبه وما نهى عنه، وتعظيمها ترك ملابستها. قال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكه. وقال قوم: الحرمات هي الأمر والنهي. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه. وقال قوم: الحرمات ها هنا المناسك ومشاهدر الحج زمان ومكان. والصواب أن الحرمات تعم هذا كله، وهي جمع حرمة وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والازمنة والأماكن، فتعظيمها توفيتها حقها وحفظها من الإضاعة، قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: تعظيم الأمر والنهي لا خوفا من العقوبة فتكون خصومة للنفس، ولا طلبا للمثوبة فيكون مستشرفا للأجرة، ولا مشاهدرا لأحد فيكون متزينا بالمراءاة؛ فإن هذه الأوصاف من شعب عبادة النفس.
الان هذا كلام الهروي رحمه الله كيف يقول لك: كيف تعظم حرمات الله؟ يقول لك: تعظم الأمر والنهي لا خوفا من العقوبة، ولا رجاء للثواب، ولا مشاهدة لأحد وتزينا أمامه، وإنما تعظمه لما يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى فقط. فهنا ابن القيم رحمه الله سيتوسع في الموضوع، وسيأتي بأدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، وفيها لطائف إيمانية واستدلالية وسلوكية جيدة وممتازة. يقول: هذا الموضع يكثر في كلام القوم، والناس بين معظم له ولاصحابه معتقد أن هذا ارفع درجات العبودية: ألا يعبد ألا يعبد الله ويقوم بامره ونهيه خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه؛ فان هذا واقف مع غرضه وحظ نفسه بالمناسبة حتى هذي من اشكالات الالحادية اللي تطرح اليوم، وان المحبة تأبى ذلك، فان المحب لا حظ له مع محبوبه، فوفوقه مع حظه علة في محبته، وان طمعه في الثواب تطلع الى انه يستحق بعمله على الله تعالى اجرة، ففي هذا افتان تطلعه الى الاجرة واحسان ظنه بعمله اذ تطلعه الى استحقاقه الاجر وخوفه من العقاب خصومة للنفس، فانه لا يزال يخاصمها اذا خالفت ويقول: اما تخافين النار؟ وعذابها وما اعد الله لاهلها؟ فلا تزال بذلك بينه وبين نفسه. ومن وجه اخر ايضا وهو انه كالمخاصم عن نفسه، الدافع عنها خصمه الذي يريد هلاكه، وهو عين اهتمامي بالنفس والالتفات الى حظوظها مخاصمة عنها واستدعاء لما تلتذ به، ولا يخلصه من هذه المخاصمة وذلك الاستشراف الا تجريد القيام بالامر والنهي من كل علة، بل يقوم به تعظيما للامر الناهي وانه اهل ان يعبد وتعظم حرماته، فهو يستحق العبادة والتعظيم والاجلال لذاته كما في الاثر الاسرائيلي: لو لم اخلق جنة ولا نارا اما كنت اهلا ان ان اعبد؟
يقول: فالنفوس العلية الزكية تعبده لأنه أهل أن يعبد ويجل ويحب ويعظم؛ فهو لذاته مستحق للعبادة. قالوا -ولا يزال كل هذا يحكي استدلالاتهم-: قالوا ولا يكون العبد كأجير السوء: إن أعيطي أجره عمل، وإن لم يعط لم يعمل؛ فهذا عبد الأجرة لا عبد المحبة والإرادة. قالوا والعمال شاخصون إلى منزلتين: منزلة الآخرة، ومنزلة القرب من المطاع. قال تعالى في حق نبيه داود: وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ، الزلفى منزلة القرب، وحسن المآب حسن الثواب والجزاء. وقال تعالى للذين أحسنوا: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ، فالحسنى الجزاء والزيادة منزلة القرب، ولهذا فسرت بالنظر إلى وجه الله عز وجل، وهذان هما للذان وهذان هما آآ ممكن للذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى فقالوا له: إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قال: نعم، وإنكم فمن المقربين. وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا اه وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر. قالوا: والعارفون عملهم على المنزلة والدرجة، والعمال وعملهم على الثواب والأجرة، وشتان ما بينهما.
الان هذا انتهى عرض الادلة للقول الاول. قال: فصل: وطائفة ثانية تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم، وتحتج بأحوال الأنبياء والرسل والصديقين ودعائهم وسؤالهم والثناء عليهم بخوفهم من النار ورجائهم للجنة؛ كما قال تعالى في حق خواص عباده الذين عبدهم المشركون: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، كما تقدم. وقال عن أنبيائه ورسله: وزكريا إذ نادى ربه إلى أن قال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ، أي رغبا فيما عندنا ورهبا من عذابنا. والضمير في قوله: إنهم، عائد على الأنبياء المذكورين في هذه السورة عند عامة المفسرين. والرغب والرهب رجاء الرحمة والخوف من النار عندهم أجمعين.
وذكر سبحانه عباده الذين هم خواص خلقه وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم، وجعل منها استعاذتهم من النار، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، عنهم أنهم توسلوا إليه بايمانهم أن ينجيهم من النار. فقال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، فجعلوا أعظم وسائلهم إليه وسيلة الإيمان، وأن ينجيهم من النار. وأخبر تعالى عن سادات العارفين أولي الألباب أنهم كانوا يسألونه جنته ويتعوذون به من ناره، فقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ، الآيات إلى آخرها. ولا خلاف أن الوعود به على سنة رسله هي الجنة التي سألوها: لِيُؤْتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ.
وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي، وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ؛ فسأل الله الجنة واستعاذ به من النار وهو الخزي يوم البعث. وأخبرنا سبحانه عن الجنة أنها كانت وعدا عليه مسؤولة، أي يسأله إياها عباده وأولياؤه. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يسألوا له أو أن يسألوا له في وقت الإجابة عقيب الأذان أعلى منزلة في الجنة، وأخبر أن من سألها له حلت عليه شفاعته، اللي هي الوسيلة.
وقال له سليم الأنصاري: أما إني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال: حولها ندندن. وفي الصحيح من حديث الملائكة السيارة الفضل أو الفضل عن كتاب عن عن كتاب الناس أن الله تعالى يسألهم عن عباده وهو أعلم تبارك وتعالى فيقولون: أتيناك من عند عباد لك إلى أخره وفيها يسألونك جنتك وفيها يستعيذون بك من النار. والقرآن والسنة مملوءان من الثناء على عباده وأوليائه بسؤال الجنة ورجائها والاستعاذة من النار والخوف منها. قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: استعيذوا من النار. وقال لمن سأله مرافقته في الجنة: أعني على نفسك بكثرة السجود.
قالوا: والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من من أمته ليكون آآ دائما على ذكر منهم فلا ينسونهم، ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة، والعمل على الحصول الجنة والنجاة من النار هو محض الإيمان. قالوا: وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم عليها أصحابه وأمته، ووصفها وجلاها لهم ليخطبوها: ألا مشمر للجنة فإنها ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وزوجة حسناء، وفاكهة نضيجة، وقصر مشيد، ونهر مضطرد، الحديث. وقال الصحابة: يا رسول الله نحن المشمرون لها، فقالوا: قولوا إن شاء الله.
ولو ذهبنا نذكر ما في السنة من قوله: من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنة، تحريضا على عمله لها وأن تكون هي الباعثة على العمل؛ لطال ذلك جداً، وذلك في جميع الأعمال. قالوا: فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض عليه، ويقول: من فعل كذا فتحت له أبواب الجنة، ومن قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة نخلة في الجنة، ومن كسا مسلما على عري كساه الله من حلل الجنة، وعائد المريض في خرفة الجنة أو غرفة الجنة أو خرفة الجنة؟ والحديث مملوء من ذلك؛ افتراه يحرض على اه يحرض المؤمنين على مطلب معلول ناقص، ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا يحرضهم عليه؟
قالوا: وأيضا فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته ويستعيذوا به من ناره، فإنه يحب أن يسأل، ومن لم يسأله يغضب عليه، وأعظم ما سئل الجنة، وأعظم ما استعيذ به من النار، فالعمل لطلب الجنة محبوب له مرضي له، وطلبها عبودية للرب والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضه. قالوا: وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار ورجاء هذه والهرب من هذه، فترت عزائمه، وضعفت همته، ووهى باعثه، وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها كان الباعث له أقوى، والهمة أشد، والسعي أتم، وهذا أمر معلوم بالذوق. قالوا: ولو لم يكن هذا مطلوبا للشارع لما وصف الجنة للعباد وزينها لهم وعرضها عليهم، وأخبرها وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم من، وما عداه أخبرهم به مجملا، كل هذا تشويقا لهم إليها. قالوا: وقد قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ، وهذا حث على إجابة هذه الدعوة والمبادرة إليها والمسارعة في الإجابة.
طيب الآن إيش يقول؟ يقول: والتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسما لمجرد الأشجار والفواكه والطعام والشراب والحور العين والأنهار والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فلا نسبة لذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدا، فأيسر يسير من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، وأتى به منكرا في سياق الإثبات، أي أي شيء كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنة: قليل منك يقنعني ولكن قليلك لا يقال له قليل. وفي الحديث الصحيح حديث الرؤيا: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه، وفي حديث آخر أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفتوا إليه.
ولا ريب أن الأمر هكذا، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة، فإن المرء مع من أحب ولا تخصيص في هذا الحكم، بل هو ثابت شاهدا وغائبا، فأي نعيم وأي وأي قرة عين وأي فوز يداني نعيم تلك المعية؟
ولذاتها وقرة العين بها. وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ولا أكمل ولا أجمل، قرة عين البتة؟ وهذا والله هو العلم الذي شمر إليه المحبون، واللواء الذي أمه العارفون، وهو روح مسمى الجنة وحياتها. وبه طابت الجنة عليه قامت، فكيف يقال: لا يعبد الله طلبا لجنته ولا خوفا من ناره؟! وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله وإهانته وغضبه وسخطه والبعد عنه أعظم من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم.
بل التهاب هذه النار في قلوبهم هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم ومنها سرت إليها، فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين هو الجنة ومهربهم من النار. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم قال: ومقصد القوم أن العبد يعبد ربه بحق العبودية، والعبد إذا طلب من سيده أجرة على خدمته كان أحمق إلى آخره، رجع الآن إلى كلامهم. ثم قال: يقول الناس، آه في نفس الصفحة سبعة وتسعين، يقول الناس في هذا المقام أربعة أقسام: الناس في هذا المقام أربعة أقسام، أحدهم من لا يريد ربه ولا يريد ثوابه، فهؤلاء أعداؤه حقا وهم أهل العذاب الدائم. وعدم إرادتهم لثوابه إما لعدم تصديقهم به، وإما لإيثار العاجل عليه ولو كان فيه سخطه، والقسم الثاني من يريده ويريد ثوابه وهؤلاء خواص خلقه، قال الله تعالى: وَإِن كُنتُنْ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا. فهذا خطابه لخير نساء العالمين أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال الله تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا، فأخبر أن السعي المشكور سعي من أراد الآخرة، وأصلح منها قوله لخواص أوليائه وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي عنهم رضي الله عنهم ورضوا عنه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، فقسمهم إلى هذين القسمين اللذين لا ثالث لهما. وقد غلط من قال: فأين من يريد الله؟ فإن إرادة الآخرة عبارة عن إرادة الله وثوابه، فإرادة الثواب لا تنافي إرادة الله.
والقسم الثالث من يريد الله من يريد من الله ولا يريد الله، فهذا ناقص غاية النقص، وهو حال الجاهل بربه الذي سمع أن ثمة جنة ونارا، فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنة المخلوق لا يخطر بباله سواه البتة. بل هذا حال أهل أكثر المتكلمين المنكرين لرؤية الله تعالى والتلذذ بالنظر إلى وجهه في الآخرة وسماع كلامه وحبه، والمنكرين على من يزعم أنه يحب الله، آه وهم عبيد الأجرة المحضة. فهؤلاء لا يريدون الله تعالى وتقدس، ومنهم من يصرح بأن إرادة الله محال إلى آخره.
قال: والقسم الرابع، وهو محال أن يريد الله ولا يريد منه، فهذا هو الذي يزعم هؤلاء أنه مطلوبهم، وأن من لم يصل إليه ففي سيره علة، وأن ينتهي إلى هذا المقام وهو أن يكون الله أن يكون الله مراده، ولا يريد منه شيئا، كما يحكى عن أبي يزيد أنه قيل له قيل لي متى تريد ما تريد؟ فقلت: اريد ألا أريد. وهذا في التحقيق عين الحال الممتنع عقلا وفطرة وحسا وشرعا إلى آخر الكلام.
هذا الآن النقاش بهذه المسألة ولفت الانتباه إلى آه قضية أن الجنة اسم جامع للنعيم الأخروي وأعلاه وأجله وأعظمه رؤية الله سبحانه وتعالى والقرب منه ورضوانه وما إلى ذلك. هذا المعنى عظيم وشريف طبعا ذكره قبله أيضا شيخه ابن تيمية في آه أظن في كتاب العبودية أو في آه في وحدة من الرسائل التي ربما قرأناها سويا قبل ذلك أصلا.
طيب، ثم بعد ذلك ناقش قضية الرياء مناقشة سريعة جدا، آه مناقشة سريعة جدا، فقال آه ولا مشاهدا لأحد فيكون متزينا بالمراءاة. يقول هذا تفصيل، فيه تفصيل أيضا، وهو أن المشاهدة في العمل لغير الله نوعان: مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه، فهذه مراءاة خالصة أو مشوبة، كما أن المشاهد القاطع عنه أيضا من الآفات والحجب الحدود. ومشاهدة لا تبعث عليه ولا تعين الباعث بل لا فرق عنده بين وجودها وعدمها، فهذه فهذه لا تدخله لا تدخله في التزين بالمراءاة، ولا سيما عند المصلحة الراجحة في هذه المشاهدة، أما حفظا ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها، أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كسرات الخوف عند المواجهة. أين هو يتكلم الآن عن مشاهدة الإنسان الناس لعملك؟ يقول: هناك مشاهدتان، هناك مشاهدة آه رياء ما محض خالص، آه وهناك آه مشاهدة ليست كذلك.
فيقول الرياء المذموم: أن يكون الباعث أن يكون الباعث قصد التعظيم والمدح والرغبة فيما عند من ترائيه أو الرهبة منه. وأما ما ذكرنا من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك، فليس في هذه المشاهدة رياء، بل قد يتصدق العبد رياء مثلا وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر، يقصد رياء هنا جهرا يعني.
مثال ذلك: رجل مبرور سأل قوما ما هو محتاج إليه، فعلم رجل منهم أنهم إن أعطوه سرا حيث لا يراه أحد لم يقتد به أحد ولم يحصل له سوى تلك العطية، وأنه إن أعطاه جهرا اقتدي به واتبع وانف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية، فجهر له بالعطاء وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء من الحاضرين، فهذه مراءاة محمودة حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء، وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطين.
آه ثم هنا موضع مهم، لكنه من أراد منكم يقرأه من أراده منكم فليقرأه، اللي هو عن آه التعامل في باب الأسماء والصفات. يعني هذا استطراد، إذا هو يقول لصاحب المنازل الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره، وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها، ولا يتحمل البحث عنها تعسفا، ولا يتكلف لها تأويلا، ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلا، ولا يدعي عليها إدراكا أو توهما. هذا موضع مهم حقيقة، آه كان في البال أني أقرأه كاملا، لكن يبدو أني سانتقي منه قليلا جدا.
يقول مثلا: فمن سأل عن قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، كيف يسمع ويرى؟ أجيب بهذا الجواب بعينه، اللي هو جواب الإمام مالك، اللي هو: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول. وكذلك من سأل عن العلم والحياة والقدرة والإرادة والنزول والغضب والرضا والرحمة والضحك وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقل الكيفية فرع فرع العلم بكيفية الذات وكونها، فاذا كان ذلك غير معقول للبشر فكيف يعطى لهم كيفية الصفات؟
والعصمة النافعة في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تثبت له الأسماء والصفات وتنفى عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزها عن التشبيه ونفيك منزها عن التعطيل. من نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثل، ومن قال استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه إلى آخر الكلام.
طيب، آه ننتقل إلى المنزلة التالية، قال رحمه الله تعالى: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإاخلاص. طبعا سنختم بهذه المنزلة إن شاء الله.
فقال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وقال: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ، وآه قال: قُل إِنَّ صَلَاتِي، وقال له: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. وقال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. ثم قرأ قوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
طبعا هذي هذي الجملة من آه الفضيل بن عياض رحمه الله، آه نستطيع أن نقول إن هي يعني هي من الجمل المركزية، من الجمل المباركة، من الجمل يعني التي كأنها يعني كأنها مشتقة من نور النبوة، هذه الجمل المركزة التي تجمع آه قضية آه أصول السلوك إلى الله سبحانه وتعالى.
طيب، وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهَ وَهُوَ مُحْسِنٌ، فإسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله، والاحسان فيه متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته. وقال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا، وهي الأعمال التي كانت على غير أو اريد بها غير وجه الله تعالى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: انك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به خيرا ودرجة ورفعة. وآه بعد ذلك في آخر الصفحة قال: وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل رياء ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
وأخبر عن أول ثلاثة تسعر بهم النار: قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله، الذين فعلوا ذلك ليقال: فلان، قال فلان شجاع، فلان متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصة لله. وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: أن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. وقال تعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ.
وقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص والصدق والقصد واحد، فقيل: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة. وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. وقيل: التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك، والصدق والتلقي من مطالعة النفس، فالخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له. وآه وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله.
وآه وقيل لسهل: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص؛ لأنه ليس له فيها نصيب. وقال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.
طيب، آه يقول الإخلاص صاحب المنازل: إخلاص وتصفية العمل من كل شوب. قال ابن القيم: أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس، أما طلب التزين في قلوب الخلق، وأما طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم، أو أو محبتهم وقضائهم حوائجهم، وغير ذلك من العلل والشوائب التي عقد ذو متفرقاتها هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنا ما كان.
طيب، آه ما الذي يخلص الإنسان من رؤية عمله؟ يقول آه في هذه الدرجة يتخلص من هذه البلية، فالذي يخلصه من رؤية عمله مشاهدته لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه له، وأنه بالله لا بنفسه، وأنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. آه فهنا ينفعه شهود الجبر وأنه آلة محض، وأن فعله كحركات الأشجار وهبوب الرياح إلى آخره.
آه فالخير الذي يصدر منه إنما هو من الله وبه لا من العبد ولا به، كما قال تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا. طبعا كلامه قبل قليل في الجبر كلام مجمل جدا، آه يعني لمن لا يقرأ كلامه كلام ابن القيم في المواضع كلها قد يلتبس عليه هذا المعنى، ولكن الذي يقرأ كلامه جميعا يفهم إيش المقصود. وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، فكل خير فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته واحسانه ونعمته وهو المحمود عليه.
ثم يقول: فالذي يخلص العبد من هذه الآفة معرفة ربه ومعرفة نفسه، والذي يخلصه من طلب العوض على العمل علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى العبودية، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه إليه وإنعام عليه لا معاوضة، إذ الأجرة إنما يستحقها الحر أو عبد الغير، فاما عبد نفسه فلا.
آه طيب، ثم يقول: والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران، أحدهما: مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه، وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان، فقل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل، وللنفس فيه حظ. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. فإذا كان هذا التفات طرف أو لحظة، فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله؟! هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية. آه ثم قال: وأما حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون.
الثاني، الثاني أي مما يعينه على آه آه التخلص من رضاه بعمله وسكونه إليه، قال: الثاني علمه بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها، وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقا وأن يرضى بها لربه، فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه، ولا يرضى نفسه لله طرفة عين، ويستحي من مقابلة الله بعمله، فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته وكراهيته لأنفاسه وصعودها إلى الله.
يحول بينه وبين الرضا بعمله والرضا عن نفسه. طيب، ثم يقول آخر شيء آخر الإخلاص يقول: فصل الإخلاص عدم انقسام المطلوب، والصدق عدم انقسام الطلب، فحقيقة الإخلاص توحيد المطلوب وحقيقة الصدق توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة.
فهذه الأركان الثلاثة، هذه الأركان الثلاثة اللي هي الإخلاص والصدق والمتابعة هي أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع، وإن ظن أنه سائر فسيره أما إلى عكس جهة مقصوده، واما سير المقعد والمقيد، واما سير صاحب الدابة الجموح كلما خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى خلف. فإن عدم الإخلاص أو فإن عدم الإخلاص أو المتابعة انعكس سيره إلى خلف، لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد، وإن اجتمعت له الثلاثة فذلك الذي لا يجارى في مضمار سيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
بقي أن يقال في منزلة الإخلاص آآ يعني أمر مهم جداً هو الآن يقول مما يعين على ذلك أنه الإنسان ينظر إلى إلى عظمة ربه سبحانه وتعالى وإلى حقيقة ما يستحقه وأن ما يعمله الإنسان ترى هو أقل من أن يوفي ما لله سبحانه وتعالى من حق، هذا واحد. اثنين، انظر إلى الإشكال الذي يعتور ويعتري ويحيط بعملك فالتفاتا بالوجه في الصلاة تعتبر اختلاسا من الشيطان. طيب، القلب كم يلتفت في الصلاة؟ الذهن والفكر كم يلتفت في الصلاة؟ كان يقول: النظر إلى العمل وما يحدث فيه من نقص هذا باعث على أنه الإنسان لا لا ينظر هو إلى عمله لا ينظر هو إلى عمله نظرة الإكبار والاطمئنان والسكون إليه.
أما بالنسبة لمراعاة الخلق، مراعاة الخلق من أعظم ما يعين على عدم مراعاة الخلق هو إدراك حقيقة الخلق، آه يعني كل من يرفع الناس فوق مكانتهم فهو في طريق قد يؤدي به إلى إلى ترك شيء مما يحبه الله سبحانه وتعالى أو عمل شيء من الأعمال التي إنما يبتغى بها وجه الله فيبتغي بها غير وجه الله لأنه عظم الناس فوق منزلتهم، بالضبط معرفة الرب ومعرفة الخلق ومعرفة النفس. فمعرفة الخلق الخلق ما الذي ما الذي سيقدمونه لك وما الإمكانات التي يمتلكونها؟ ألا تعلم الأشياء التي يجهلونها عنك وقد سترها الله عليك؟ طيب، لو أظهرها الله لهم كيف سيكون موقفهم منك؟ يعني لو الإنسان رأى الناس فترة طويلة وهو لديه ما لديه من النقص الذي لا يعلمونه، فحسناً أليس الله بقادر على أن يريهم منك ما تكره اطلاعهم عليه؟ حسناً، إذا اطلعوا عليه كيف سيتعاملون معك؟ ألا ترى حال الناس وكيف يتنكرون للإنسان بخطأ واحد أو بغلطة أو بزلة أو بإشكال واحد ولو كان آآ يعني قد بذل ما بذل وأعطى ما أعطى، فأكثر أحوال الناس أو أكثر الناس لا لا يستحقون آه أنه الإنسان ينظر إليهم هذه النظرة.
آه التعظيم، هو الناس بشكل عام لا يستحقون، لكن أقصد أغلب الخلق فيهم من الإشكال المتعلق حتى بالمصلحة الشخصية ما يجعل الإنسان يزهد بأن أن يلتفت إلى الناس. طبعا هذا الكلام في هذا سهل، والعمل فيه أقط قطعاً أنه صعب، ولكن الإنسان يحتاج إلى أنه يمرن نفسه، آه طبعا هذا أيضا فيه طرفان ووسط حتى الإنسان ما يجمح ويبدأ يسير آآ يعني آآ آآ يعني يشطح في مثل هذا المجال إلى إلى مساحة فيلغي فيها كل ما جاء في الشريعة من مراعاة الناس وما إلى ذلك، يعني لازم يكون في توازن.
ولو تتذكرون في واحد من دروس مدارج السالكين آه ذكرت أنه هناك شيء هو الذي يجعل المقياس مستقيماً عند الإنسان في مثل هذي المقامات والأشياء التي يختلف فيها الناس، من يتذكر ما هو؟ أمر إذا راعى إذا يعني أكثر من من القرب منه فانه يعطيه المقياس المعيار. بالضبط السيرة النبوية سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فالموقف من الناس فالموقف من الناس المعيار الحقيقي فيه هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا في سائر الأمور والأحوال التي يختلف الناس فيها في أطراف ينظر الإنسان ما التطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم. آه، جزاكم الله.
الشيخ أحمد السيد