تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين 11

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحمد ولك الحكم وإليك المصير. اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا. اللهم استر عوراتنا وامن روعاتنا واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.

اليوم عندنا البداية مع منزلة التهذيب والتصفية، ثم سننتقل إلى منزلة الاستقامة، ثم إلى منزلة التوكل. سنأخذ ثلاثة منازل اليوم إن شاء الله. المنزلة الأساسية اليوم هي التوكل؛ يعني هي التي سنقف عندها كثيراً إن شاء الله، أما التهذيب والتصفية والاستقامة، سنمر على مقاصدها سريعاً.

قال رحمه الله: فصل من منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة التهذيب والتصفية. وهو سبك العبودية في كير الامتحان طلبا لإخراج ما فيها من الخبث والغش. قال صاحب المنازل: التهذيب محنة ارباب البدايات، وهو شريعة من شرائع الرياضة. يريد أنه صعب على المبتدي فهو له كالمحنة، وطريق للمرتاد الذي قد مرن نفسه حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه. هذه نقطة في غاية الأهمية، وهي أنه تهذيب النفس وتصفية النفس صعب في البداية. الإنسان الذي ليس معتوداً على مخالفة هواه، من الصعب عليه أن يقوم قطر نفسه قطراً على الحق، ولكن مع التعود فتصبح هذه القضية كما سماها شريعة؛ يعني أو طريقة، خلاص؛ يعني الإنسان يتعود عليها إلى أبعد مدى.

ولذلك الإنسان إذا حاول وجاهد نفسه على سواء على تزكية إيجابية؛ يعني على بناء شيء أو على تصفية؛ يعني تهذيب من خلق سيء ولم يستطع في البدايات، فلا ييأس؛ لأن هذا صعب في البداية، وإنما يجتهد. يقول صاحب المنازل: هو على ثلاث درجات. الأولى: تهذيب الخدمة، أن لا يخالجها جهالة، ولا يشوبها عادة، ولا يقف عندها همة. حنا نبي نقف عند الجملة الثانية، وهي ولا يشوبها عادة.

إن الإنسان، يقول ابن القيم: النوع الثاني شوب العادة، وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس، تكون منفذة لها معينة عليها، وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة؛ كمن اعتاد الصوم مثلاً وتمرن عليه، فالفته النفس وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء، فيظن أن هذا التقاضي محظ عبودية، وإنما هو تقاضي العادة. وعلامة هذا: أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك وأيسر منه وأتم مصلحة، لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وأنفته.

يقول من الأمور المهمة في التصفية: أن الإنسان يصفي عبادته من شوب العادة، لأنه أحياناً العبادة نفسها تنتقل إلى أن تكون عادة لأن النفس الفتها. متى ما علامة ذلك؟ يقول: علامة ذلك أنه إذا عرضت عليك عبادة أدنى من هذه من جهة الجهد والطاقة والمشقة، وهي أتم منها أجراً، لا تجد نفسك تقبل عليها؛ فإن النفس الفتك.

طبعا هذا أيضاً يحتاج إلى نوع من الفرقان، وهو أنه يعني التفريق بين ما اعتادت له النفس الفته، فهو عبادة وليس عادة من باب الارتياح القلبي لهذه العبادة، وأن يجد الإنسان قلبه فيها، والفرق بينها وبين أن تنتقل إلى عادة. هذا الانتقاله إلى العادة كثيراً ما يحصل في المجالات الدعوية ومجالات العمل، أنه الإنسان أحياناً ينتقل من نية الاحتساب وخدمة الإسلام وما إلى ذلك، إلى أنه سواء هو صار موظفاً مثلاً في مجال دعوي أو حتى لم يكن موظفاً، وإنما اعتاد على هذا، فهذه مشكلة كبيرة لازم الإنسان يراجع نيته في هذه القضية بحيث أنه يصححها دائماً.

ثم ننتقل إلى صفحة ثلاثمئة وثلاث وثلاثين في منتصف الصفحة: أن تحفظه من مرض الفتور. هو يعلق على كلام الهروي أنه قال: الدرجة الثالثة من التهذيب والتصفية تهذيب القصد، وهو تصفيته من ذل الإكراه وتحفظه من مرض الفتور ونصرته على منازعات العلم. نحن نريد أن نقف عند تحفظه من مرض الفتور.

يقول ابن القيم: والثاني تحفظه من مرض الفتور. أي توقيه من مرض فتور قصده وخموده لطلبه، فإن العزم روح القصد ونشاطه كالصحة له، وفتوره مرض من أمراضه، فتهذيب قصده وتصفيته بحميته من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره. وإنما يتحفظ منه بالحمية من أسبابه، وهو أن يلهو عن الفضول من كل شيء.

إذاً هذا واحد من أهم أسباب التحفظ من الفتور، ما هو؟ أن يبتعد عن الفضول من كل شيء، ويحرص على ترك ما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله، ولا يصحب إلا من يعين على ذلك، فإن بلي بمن لا يعينه فليدر عنه ما استطاع وأن يدفعه دفع السائل.

هذه أسطر قليلة ولكنها مهمة لنا أن ننونها بالتالي: كيف أحفظ نفسي من الفتور؟ جيد، فهو ذكر عدة أمور: الابتعاد عن فضول ما ذكره سابقاً الكلام والخلطة وما إلى ذلك، ويحرص على ترك ما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله، ولا يصحب إلا من يعينه على ذلك. هذي من أهم الأسباب في عون النفس على عدم الفتور.

ثم انتقل للمنزلة التالية فقال: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة الاستقامة. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. وقال: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. فبين أن الاستقامة ضد الطغيان وهو مجاوزة الحدود في كل شيء. وقال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ.

وقال تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا. سئل صديق الأمة وأعظمها استقامة، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عن الاستقامة فقال: ألا تشرك بالله شيئاً؛ يريد الاستقامة على محض التوحيد. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب. وقال عثمان رضي الله عنه: استقاموا أخلصوا العمل لله. وقال علي بن أبي طالب وابن عباس: استقاموا أدوا الفرائض.

ثم قال: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، فقال: قل آمنت بالله ثم استقم. وفيه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.

قال وفيه، هو ابن القيم، فيه يعني هذا يعود إلى صحيح مسلم، ولكن الحديث ليس في صحيح مسلم، فلعله كان يكتب من حفظه. قال والمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، فإن نزل عنها فالتفريط والإضاعة، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله. قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته منه وفضل.

فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها، فأمر بالاستقامة وهي السداد والاصابة في النيات والاقوال والأعمال، وأخبر في حديث ثوبان أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة، وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض؛ يعني اللي يرمي على هدف معين في السهم فإن لم يصبه يقاربه، ومع هذا فأخبرهما أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة، فلا يركن أحد إلى عمله ولا يعجب به ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله. فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد.

ثم ننتقل إلى صفحة ثلاثمئة واثنين وأربعين، يتكلم عن أشياء مهمة في الاستقامة. يقول: السلف يذكرون هذين الأصلين كثيراً، وهما الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسنة. لاحظوا هنا في كلام مهم جداً، يقول: فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراضاً عن كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام به، وإن رأى فيه حرصاً على السنة وشدة طلب لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها، قائلاً له: إن هذا خير وطاعة والزيادة والاجتهاد فيها أكمل، فلا تفتر مع اهل الفتور ولا تنم مع اهل النوم، فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها فيخرج عن حدها، كما أن الأول خارج عن هذا الحد، فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر.

وهذا حال الخوارج الذين يحقر اهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم، وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة؛ لكن هذا إلى بدعة التفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف. وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وإما مجاوزة وهي الإفراط، ولا يبالي بأيهما ظفرا زيادة أو نقصان.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو العاص: يا عبد الله بن عمرو، إن لكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة أفلح، ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر. قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل، فكل الخير في اجتهاد باقتصاد وإخلص مقرون بالاتباع، كما قال بعض الصحابة: اقتصاد في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة. احرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء عليهم السلام وسنتهم، وكذلك الرياء في الأعمال يخرجها الاستقامة، والفتور والتواني يخرجها عنها أيضاً.

هذا الكلام حقيقة كلام منهجي وكلام في غاية الإفادة، وهو أنه الشيطان لا أشكال عنده في نوع الانحراف، ما عنده مشكلة هل الانحراف يكون تفريط أو إفراط، فالمهم أن يحرف الإنسان عن الاستقامة التي هي السداد التي هي موافقة السنة. هذا أمر خطير جداً، وتعرفون هناك أناس دخل عليهم الشيطان من هذا الباب، من باب الإفراط وليس من باب التفريط.

في وقت الصحابة حصل مثلاً الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله تعالى عنهم وعلى الصحابة وكفروهم وقاتلوهم، وكان أحدهم وهو على وشك القتل وهو يذكر الله إلى آخره، الرسول صلى الله عليه وسلم حذر منهم وتكلم كلاماً كثيراً في هذا الباب. فالانسان ينتبه أنه هو في طريقه عنده مزلقان أساسيان، وهو مطلوب منه السداد هذا الذي في الوسط. فنسأل الله سبحانه وتعالى الهداية، لذلك الإنسان دائماً بحاجة للدعاء والهداية: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. ولاحظوا المستقيم يعني متوافق مع هذه المنزلة التي نتحدث عنها في الاستقامة.

طيب، ثم نذهب إلى المنزلة التالية وهي التي سنقف معها كثيراً إن شاء الله، منزلة التوكل. هذي هذه المنزلة هي كنز من الكنوز حقيقة، فيها أنواع من العلم والتفصيل في غاية الأهمية. يقول رحمه الله: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة التوكل. قال الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وقال: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. وقال عن أوليائه: رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

وقال لرسوله: قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا. وقال له: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. وقال له: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا. وقال له: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ. وقال له: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.

وقال عن أنبيائه ورسله: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا. وقال عن أصحاب نبيه الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وفي الصحيحين قال والقرآن مملوء من ذلك وفي الصحيحين من حديث السبعين ألفاً، أو في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون.

طبعا هذا الحديث يمر بنا كثيراً، ولكن لا أدري من منا يتأمله تأملاً حقيقياً؟ يعني هل نعي، هل نعي فعلا ما معنى أن يدخل الجنة بلا حساب؟ بلا حساب يعني هذا شيء أعظم ما يمكن أن يطلبه الإنسان، أن هو يأتي في ذلك اليوم ليس عليه أي ديون يسددها، ولا عليه أي مناقشة ولا شيء، من المحشر إلى الجنة. طبعا يمر بأحداث يوم القيامة، ولكن هو في الأخير ليس عليه حساب، فهذا هذه منزلة عالية جداً.

ما صفة هؤلاء؟ كأنهم والله أعلم، كأنهم والله أعلم، أنه قوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، يبدو لي والله أعلم أن هي هي أمثلة، وأن الجامع لها هو وعلى ربهم يتوكلون، وعلى ربهم يتوكلون يعني الشأن أنهم متوكلون على الله ومن جملة توكلهم أنهم لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون ليس بالضرورة هذه.

فقط مع مع الوقوع فيما هو آه في غيرها يعني، وإنما يجمعهم أمر التوكل، آه والله تعالى أعلم.

طيب، قال: وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم آآ اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون. وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: لو أنكم توكلون أو تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً. قال ابن القيم في كلام مهم جداً: التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة. أليس إياك نعبد وإياك نستعين؟ فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. هذا طبعا هذا جبنة متن يحفظ يعني جملة من متنها، ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، وعموم التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، والطير والوحش والبهائم. فأهل السماوات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل، وإن تباين متعلق توكلهم، وإن تباين متعلق توكله. تمام، طيب، إيش متعلق التوكل؟ الآن وقفت الحديث حتى ننتقل إلى هذه النقطة المهمة جداً، آه وإن كان كأنه شرط، بعدين نشوف الجواب.

طيب، آه متعلقات التوكل هذا موضوع من أهم الموضوعات التي طرقها ابن القيم في هذه المنزلة، متعلق التوكل يعني نستطيع أن نسميه موضوع التوكل، أنه أنت تتوكل على الله في إيش؟ في ماذا؟ ويقول لك هناك أربع درجات في التوكل، أربعة موضوعات، أربعة مجالات كبرى للتوكل تختلف عن بعضها، ما هو توكل أولياءه وخاصته أعلى درجة في التوكل؟ يقول: فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما يرضيه منهم، وفي إقامته في الخلق، ويتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره. هذه أعلى أعلى موضوعات التوكل. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله فارغاً عن الناس. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة، أو ولد، ونحو ذلك. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول ما لا يحبه ويرضاه من الظلم والعدوان، وحصول الإثم والفواحش، فإن أصحاب هذه المطالب لا لا ينالونها غالباً إلا بإعانتهم بالله وتوكلهم عليه، بل قد يكون توكل توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات. ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم يظفرهم بمطالبهم. فافضل التوكل -طبعا الطب يكون هذا في في مرحلة يعني منتشرة، نحن اليوم في زمننا موجود، آه موجود، لكنه ليس هو الشائع يبدو لي في دائرة الذنوب والمعاصي، وإن كان موجوداً، تعرفوا مثلاً آآ مغنية تبي تطلع عندها حفلة، ادعوا لي وتدعي أنه ربنا يوفقها في في الحفلة الغنائية-.

طيب، يقول: فأفضل التوكل التوكل في الواجب، فافضل التوكل التوكل في الواجب، أعني واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس. وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم، ثم الناس بعده في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم. فمن متوكل على الله في حصول الملك، ومن متوكل في حصول رغيف مرة أخرى في طريق الدعوة، في طريق الإصلاح، أياً كان مجاله. من أعظم ما يعين على التأثير، من أعظم ما يؤتي البركة، من أعظم ما يحقق النتائج والثمرات: التوكل على الله، أن يتوكل الإنسان على الله في أعماله الإصلاحية التي يقوم بها ويرجو نفعها، فهذا ليس يعني لا يعادله شيء في تحقيق الأثر والنفع والبركة. قال: ومن صدق توكله على الله في حصوله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوباً له مرضياَ كانت له فيه العاقبة محموداً، وإن كان مسخوطاً مغوضاً كان ما حصل له بتوكله مطرة، وإن كان مباحاً حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكلوا فيه إن لم يستعن به على طاعته، والله أعلم.

طيب، الآن سيذكر معنى التوكل، وسينقل كلاماً كثيراً عن عن المتقدمين في قضية التوكل. آه فانا ساختار بعض العبارات، لأنه في تقريباً في أربعة أو خمس صفحات كلها فقط نقولات أو تعليقات على قضية تعريف التوكل. آه قال: فلنذكر معنى التوكل ودرجاته وما قيل فيه. قال الإام أحمد: التوكل عمل القلب. ومعنى ذلك أنه عمل قلبي، ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والادراكات. ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: علم القلب بكفاية الرب للعبد. ومنهم من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب، فيقول: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء. ومنهم من يفسره بالرضا فيقول: هو الرضا بالمقدور. آه قال بشر الحافي: يقول أحدهم توكلت على الله، يكذب على الله ونتوكل على الله لرضي بما يفعل الله، ولو توكل على الله لرضي بما يفعل بما يفعل الله. طيب، آه وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي الله وكيلاً. ومنهم من يفسره بالثقة بالله والطمأنينة إليه والسكون إليهم. آه قال ابن عطاء: التوكل ألا يظهر فيك انزعاج من الأسباب مع شدة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها. آه وقال بعضهم: التوكل التعلق بالله في كل حال.

وقيل: نفي الشكوك والتفويض إلى مالك الملوك. ومنهم من جعله مركباً من أمرين أو أمور. فقال أبو سعيد الخراز: التوكل اضطراب بلا سكون، وسكون سكون بلا اضطراب، يريد حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن وسكون إلى المسبب وركون إليه، ولا يضطرب قلبه معه ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه. يعني يقول: التوكل اضطراب بلا سكون، المقصود بالاضطراب الأول هنا اللي هو اضطراب البدن الذي هو أنه هو في السعي بالأسباب في الأخذ بالأسباب بلا سكون، فهو دائماً يسعى في الأسباب، وسكون هنا حين متعلق بالقلب وسكون بالاضطراب، فقلبه متوكل على الله وهو ساكن لا يضطرب في هذه الثقة. آه ثم قال: وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالاسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد. طبعا سيأتي في آخر المنزلة إن شاء الله كلام استدراكي على هذه القضية، وتعليق على قضية الأسباب، ومن كان يتقحم المفاوز بدون زاد من العباد وما إلى ذلك، وش وجه هذا؟ سيأتي إن شاء الله. وقال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة -يعني يقصد في الحركة إلى الأسباب- فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.

آه ثم ثم ننتقل للفصل التالي، وهو يعني خلينا نقول هو من أهم الخلاصة في باب التوكل آآ ما الذي يعني يريد أن يطرحه ابن القيم في هذا الفصل؟ هذا الفصل طويل قليلاً، هو هو وكل الكلمات التالية التي قال فيها فصل فصل فصل هي تابعة لهذه النقطة، ليست فصولاً جديدة، وذكر آه سبع درجات أو ثمان درجات، سبع درجات تقريباً، سبع درجات التي نستطيع أن أن نقول أنها جواب عن سؤال: على ماذا يقوم التوكل وينبني؟ ما هي خطوات التوكل على مما يقوم بناء التوكل؟ نستطيع أن نقول أن هذا السؤال يمكن أن نعنونه هنا، والجواب في الصفحات القادمة. يقول: آآ وحقيقة الأمر أن التوكل حال مركب من مجموع الأمور، لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وكل أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر، يقول: الكلام الذي نقلته لك قبل قليل كلام آه المتقدمين في التوكل، يقول: كل واحد منهم نظر إلى درجة من هذه الدرجات، لكن أنا ساذكر لك مقام التوكل بدرجاته، ببنائه، بتفاصيله، بأركانه، ماذا يقول؟ فأول ذلك فأول ذلك: معرفة بالرب وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته، وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن من مشيئته وقدرته.

وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل. قال شيخنا -يقصد ابن تيمية-: ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا من القدرية ابن فاة القائلين بأن أنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضاً من الجهمية أن نفات لصفات الرب جل جلاله، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات. شوفوا الربط بين الأبواب وتوليد الآثار العملية على الخلافات العقدية النظرية، يعني يقول: ماشي نحن نتناقش طرف في مسائل الأسماء والصفات، تنفون الصفات، بس ترى في آثار ولوازم، ترى في قضية التوكل إلى آخره. يقول ابن القيم: فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه؟ هذا طبعا الفلاسفة آآ يعتقد أن الله علم الله لا يتعلق بالجزئيات، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشية هذا بالنسبة للقدرية، ولا يقوم به صفة هذا بالنسبة للجهمية. فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف توكله أصح وأقوى، وهذه جملة يمكن أن تحفظ أيضاً: كل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى.

طيب، إذاً الدرجة الأولى المقام الأول الأمر الأول في قضية التوكل هو معرفة الله باسمائه وصفاته، هذا هذه أول خطوة في مقام التوكل. ثانية الدرجة الثانية يقول: إثبات في الأسباب والمسببات، فإن من نفاها فتوكله مدخول، وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي، أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل، وأن نفيها تمام التوكل. فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل البتة، لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سبباً في حصول المدعو في حصول المدعو به. فإذا اعتقد العبد أن توكله لم ينصبه الله سبباً ولا جعل دعاءه سبباً لنيل شيء، فإن المتوكل فيه المدعو بحصونه إن كان قد قدر حصل توكل أو لم يحصل توكل، دعا أو لم يدعو، آآ وإن لم يقدر لم يحصل توكل أيضاً أو ترك التوكل. هذه لفتة ذكية حقيقة. يقول: اللي ينفوا الأسباب ما فيهم يتوكلوا، لانه أصلاً بمجرد توكلك هو هذا اعتراف منك بالأسباب، لأن التوكل سبب، فإذا كنت تعتقد أن الله سيحقق لك ما تريد بدون توكل فلماذا تتوكل لماذا تتوكل؟ لا تعترف بالأسباب إذاً لا تتوكل. فما دام أنك توكلت وترجو من الله أن يحقق لك هذا اعتراف منك بالأسباب. يقول: وصرح هؤلاء أن التوكل والدعاء عبودية محضة لا فائدة لها إلا ذلك، ولو ترك العبد التوكل والدعاء ما فاته شيء مما قدر له. ومن غلاته من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان عديم الفائدة، إذ هو مضمون الحصول. ورأيت بعض متعمقي هؤلاء في كتاب في كتاب له: لا يجوز الدعاء بهذا، وإنما يجوز تلاوة لا دعاء. قال: لأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه إلى آخر الكلام، وجاء واجاب عن وهم واجاب عن هذا الوهم المر.

طيب، ثم قال آآ ثلاث مئة واثنين وستين قال: فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه. فمن فمن انكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيام فيكون حال قلبه قيامه بالله أو قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها. آه هذا يا جماعة ترى ليس أمرا نظريا ها، يعني هذا هذا عملي، هذا أمر يعمله الإنسان. يعني هذا المفترض أن الإنسان يبدأ به آآ إن لم يكن قد بدأ به أو إن لم يكن عليه سابقاً، آآ لنعود أنفسنا لنعود أنفسنا إذا بذلنا سبباً معيناً -طبعاً نستوفي كل ما يمكن- لكن لنعود أنفسنا ألا نعلق قلبنا أو قلوبنا بالأسباب. انت مثلاً مريض، تذهب إلى إلى طبيب، تذكر تذكر أن قلبك هذا لا لا يتعلق بالطبيب تعلق زائد، يعني لا يعني تذكر ترى أن الله سبحانه وتعالى قد يكتب على يديه الشفاء وقد لا يكتب، فأنت تتخذ السبب، نعم، تختار الطبيب الأفضل وتبحث عن أفضل العلاجات، وكله ممتاز وإن شاء الله مأجور عليه، لكن القلب هذا لا ترهنه لأحد، لا ترهنه لأحد.

قال فصل: الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل، فانه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، فالحقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل. هذه الآن ثالث جملة أرى أنها تستحق الحفظ من منزلة التوكل فقط: على قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل. فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب بقلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة. ومن ها هنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب، وهذا حق، ولكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح. فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب للقلب وتعلق وتعلق الجوارح بها، فيكون منقطعا منها وتعلق الجوارح بها، فيكون منقطعاً منها متصلاً بها، والله سبحانه وتعالى أعلم. طيب، الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ولا سكون إليها، بل يخلع السكون فليخلعوا السكون إليها من قلبه، ويلبسه السكون إلى مسببه. يا جماعة، هو الآن جالس يلون يلون لوحة اسمها التوكل، كل درجة تكتمل الصورة أكثر إلى أن ستظهر لك صورة التوكل ناصعة بينة كاملة متكاملة الأركان واضحة تماماً. يقول: علامة هذا اللي هي اعتماد القلب وعدم أنه لا يبالي بإقبالها وادبارها، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند أدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره. لأن

اعتماده على الله وسكونه إليه واستناده إليه، قد حصنه من خوفها ورجائها، فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به، فرأى حصناً مفتوحاً فدخله، وأرواه إليه، وأغلق عليه باب الحصن، فهو يشاهد عدوه خارج الحصن، فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له.

وكذلك من أعطاه ملك درهماً فسرق منه، فقال له الملك: الملك عندي أضعافه، فلا تهتم، متى جئت إليه أعطيتك من خزائني أضعافه، فإذا علم صحة قول الملك ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة مليئة بذلك لم يحزنه فوته، وقد مثل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره، وليس في قلبه إلتفات إلى غيره، كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا فدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه وتعالى.

طبعا في هذه النقطة وهي أنه علامة التوكل واعتماد القلب على الله، وعدم اتخاذ الأسباب أو عدم، عفواً، الركون إلى الأسباب، أنه ناهيك أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها، هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل.

هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل؛ بمعنى أنه ليس كل اضطراب أو قلق أو حزن يحصل فيما يتعلق بالأسباب يعتبر نقص ضعف التوكل، فهناك شيء فطري يعني طبع الله سبحانه وتعالى الإنسان عليه من الخوف من عدو، من الخوف من مرض، من ما إلى ذلك، فهذا القدر الفطري لا يناقض التوكل.

متى تعرف أن الإنسان توكله، أن يعرف الإنسان من نفسه أن توكله ضعيف؟ حين يتجاوز الحد الأدنى الحد الفطري، الحد المناسب لهذا الحدث، المناسبة لهذا الحدث مع اعتراف، أو مع اعتبار وجود معطي التوكل في الإنسان المضطرب اضطراباً زائداً، يعني إنسان شديد الخوف شديد الهلع من كل شيء، يعني لا يسكن قلبه إلى توكل، لا لا يطمئن، لا فرق بينه وبين غير المتوكل.

يعني إيش الفرق بينه وبين المتوكل في الحالة القلبية؟ لا تجد فرقا، هذا غير متوكل هذا غير متوكل، ميزة التوكل أنه يجعل القلب مطمئناً ساكناً، ثم قد يحصل عند الإنسان شيء من خوف، شيء من فزع، شيء من هلع، ولكن هذا يجب أن لا يكون متجاوزاً.

طبعا هناك مقامات عالية، ولكن هذه المقامات صعبة جداً، يعني مثلاً موقف النبي صلى الله عليه وسلم، موقف النبي صلى الله عليه وسلم في لما لحقه سراقة، وكذلك في الغار لما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يكثر الالتفات، الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما يمكن اتخاذه من أسباب اتخذه، يعني لو جاء واحد رجل قائد عسكري يريد أن يخرج من مكة إلى المدينة في تلك المرحلة وهو غير مؤمن، الأسباب التي سيتخذها لن يستطيع أن يزيد عن الأسباب التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب إيش الفرق؟ الفرق لما جاء المشركون عند الغار ولما لحق سراقة، الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ما التفت، أبو بكر الصديق يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت يا رسول الله أدركنا فارس! قال: لا تحزن إن الله معنا، يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ هذا توكل.

هذا الآن أعلى ما يمكن أن يكون من التوكل، لو حصل للانسان في تلك الحال لو حصل للانسان في تلك الحال شيء من علامات الخوف، هل نقول إنه ليس متوكلاً على الله سبحانه وتعالى؟ أنا أقول لا، لا يكون، لا نحكم عليه أنه غير متوكل لمجرد وجود شيء من الخوف الفطري الطبيعي في مثل تلك المقامات.

ولكن طبعا درجات، في درجات عالية عالية جداً، وفيه درجات أقل من ذلك، ثم قال الدرجة الخامسة: حسن الظن بالله عز وجل، فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بححسن الظن بالله، والتحقيق أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه، إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه، والله أعلم.

الدرجة السادسة: استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلها إليه، وقطع منازعاته، وبهذا فسره من قال: أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد، لا يكون له حركة ولا تدبير، وهذا معنى قول بعضهم: التوكل إسقاط التدبير، يعني الاستسلام لتدبير رب الملك أعد ربي لك في، وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك لا فيما أمرك بفعله.

ثم قال: الدرجة السابعة: التفويض، وهو روح التوكل ولبه وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى الله وإنزاله بها وإنزالها به طلباً واختياراً لا كرهاً واضطراراً، بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له، فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه بمصالحه، وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها، فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه لأموره كلها إلى أبيه أو كلها إلى أبيه، وراحته من حمل كلفها وثقله أو ثقل حملها مع عجزه وجهله بوجوه المصالح فيها وعلمه بكمال علم من فوض إليه وقدرته وشفقته.

الآن هذه سبع درجات، سبع درجات، هذه السبع درجات تحتاج أن الإنسان ممكن حتى يكتبها عنده، لأنه حقيقة يعني يمكن أفضل من تكلم عن التوكل من حيث الجمع هذا في كلام مختصر وفي نفس الوقت جامع عن التوكل، أو من أفضل من تكلم في المعنى يستحق بالتكرار والاهتمام.

ثم قال: فاذا وضع قدمه على هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضا، وهي ثمرة التوكل، ومن فسر التوكل بها فإنما فسره بأجل ثمراته وأعظم فوائده، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله، وكان شيخنا رضي الله عنه يقول: المقدور يكتنفه أمران، التوكل قبله والرضا بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا.

يا سلام، وهذا عيدهم تحفة، قلت: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة: اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، هذا توكل وتفويض، ثم قال: فإنك تعلم ولا أقدر وأنت علام الغيوب، فهذا تبرأ إلى الله من العلم والحول والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون.

ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلاً أو آجلاً، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلاً أو آجلاً، فهذا هو حاجته التي سألها، فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له، فقال: اقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية التي من جملتها التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور، والرضا بعده وهو ثمرة التوكل والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضى له أو قضي له فتفويضه معلول فاسد.

فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه، وهذا معنى قول بشر الحافي، يقول أحدهم: توكلت على الله، يكذب على الله! لو توكل على الله بما يفعله الله به، وقول يحيى بن معاذ وقد سئل: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلاً.

طيب، ثم اخذ يميز عن بعض، يميز بين بعض الأشياء التي تشتبه بالتوكل، يعني يقول: التوكل يشتبه التفويض بالاضاعة، ويشتبه التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكل، فيظن صاحبه أنه متوكل وإنما هو عامل على عدم الراحة، وعلامة ذلك أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد، مستريح من غيرها لتعبه بها، والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة وتسقط به عنه مطالبة الشرع، فهذا لون وهذا لون.

يقول: ومنه اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز، والفرق بينهما أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها كوارث الشجرة وبادر الأرض، والمغتر العاجز قد فرط فيما أمر به وزعم أنه واثق بالله، والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود.

ومنه اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده مما يحبه ويكرهه بالعزم على ذلك وحديث النفس به، وذلك شيء والحقيقة شيء آخر، كما يحكى عن أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون أعطيت طرفاً من الرضا، ولو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا عزم منه على الرضا وحديث نفس به، ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء، وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته.

وذكر كذلك الفرق بين اشتباه علم التوكل وبحال التوكل، فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله فيظن أنه متوكل وليس من أهل التوكل، فحال التوكل أمر آخر من وراء العلم به، وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها، وحال محب العاشق وراء ذلك، وكمعرفة علم الخوف وحال الخائف وراء ذلك، وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها، فهذا يكثر اشتباه الدعاوى فيه أو الدعاوى فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ثم قال: فصل، وتتذكرون في الدرس الماضي أشرت إلى أنه ابن القيم يهتم بباب الأسماء والصفات، والاهتمام بها من جهة علاقتها بمقامات العبودية اهتمام أو موضوع شريف جداً، وهو موضوع من الموضوعات التي يحسن التأسي بها، أنه الإنسان دائماً يهتم في المقامات القلبية بما يتعلق بهذه المقامات أو بالمقامات التعبدية ما يتعلق بها من الأسماء والصفات.

يقول: التوكل من أعم المقامات تعلقاً بالأسماء الحسنى، فإن له تعلقاً خاصاً بعامة أسماء الأفعال وأسماء الصفات، فله تعلق باسم الغفار والتواب والعفو والرؤوف الرحيم، وتعلق باسم الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحسن، هو تألق باسم المعز المذل الخافض الرافع المانع من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب النصر، وتألق بأسماء القدرة والإرادة، وله تعلق بجميع الأسماء الحسنى، ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه المعرفة بالله، وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد يصح له مقام التوكل، وكلما كان بالله أعرف كان توكله عليه أقوى.

ثم انتقل إلى فصل مختصر وهو: المغبونون في التوكل، فقال: وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون، كما انصرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله ويمكنه نيلها بأيسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم في العالم خيراً، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، هذا الأول، كما يصرف بعضهم همتهم وتوكله، يعني هو يقول: لو توكل لو فرغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان ونصرة الدين، هذا هذا الذي يستحق، يقول: فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين، والله أعلم.

هذا فصل مختصر وجميل جداً، ثم بقي أن يناقش بعض القضايا أيضاً المتعلقة بقضية الأسباب، لا، ليس هنا، سيأتي أيضاً، لكن نناقش الهوى في مسألة سنأتي إليها إن شاء الله الآن.

طيب، يقول: الوكالة صفحة ثلاثمئة وأربعة وسبعين يراد بها أمران: أحدهما التوكيل وهو الاستنابة والتفويض، والثاني التوكل وهو التعرف بطريق النيابة أو التصرف بطريق النيابة عن الموكل والموكل، وهذا من الجانبين، فإن الله تبارك وتعالى يوكل العبد أو يوكل العبد ويقيمه في حفظ ما وكله فيه، والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه.

فأما وكالة الرب عبده ففي قوله تعالى: فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. قال قتادة: وكلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم.

وإن قلت: هل يصح أن يقال إن أحداً وكيل الله؟ قلت: لا، فإن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة، والله عز وجل لا نائب له ولا يخلفه أحد، بل هو الذي يخلف عبده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، على أنه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه ورعايته والقيام به.

وأما توكيل العبد ربه فهو تفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف وإثباته لأهله ووليه، ولهذا قيل في التوكل إنه عزل النفس عن الربوبية قيامها بالعبودية، ثم في آخر الصفحة يناقش الهروي في قوله إنه أوهى السبل عند الخاصة، يقول: هذا ليس على إطلاقه، بل هو من أجل السبل عندهم وأفضلها وأعظمها قدراً.

وقد تقدم في صدر الباب أمر الله رسوله بذلك حظه عليه هو والمؤمنين، ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم المتوكل، وتوكله أعظم توكل، وقد قال الله له: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. وفي ذكر أمره بالتوكل مع إخباره بأنه على الحق دلالة على أن الدين بمجموعه في هذين الأمرين: أن يكون العبد على الحق في قوله وعمله واعتقاده ونيته، وأن يكون متوكلاً على الله واثقاً به، فالدين كله في هذين المقامين، وقال رسل الله وأنبياءه: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ. فالعبد آفته أما من عدم الهداية.

وأما من عدم التوكل فإذا جُمِع التوكل إلى الهداية فقد جُمِع الإيمان كله. نعم، التوكل على الله في معلوم الرزق المضمون والاشتغال به عن التوكل في نصرة الحق والدين من أوهى منازل الخاصة، أما التوكل عليه في حصول ما يحبه ويرضاه فيه وفي الخلق فهذا توكل الرسل والأنبياء عليهم السلام، فكيف يكون من أوهى منازل الخاصة؟ هذا تصحيح الآن تصور.

طيب، اه ثم ينتقل اه إلى قضية مهمة جدا، كلام والله هنا فيه الأسباب لكن خلينا نتجاوزه، نروح ثلاثمئة واثنين وثمانين. اه كلام مهم متعلق بقضية طلب المخلوقين، طلب من المخلوقين، يقول الهروي: الدرجة الثانية التوكل مع إسقاط الطلب، وغض العين عن السبب، واجتهاد لتصحيح التوكل، وقمعاً بشرف النفس، وتفرغاً لحفظ واجباته.

يقول ابن القيم: قوله مع إسقاط الطلب أي من الخلق لا من الحق، فلا يطلب من أحد شيئاً، وهذا من أحسن الكلام ومنفعة للمريد، فإن الطلب من الخلق في الأصل محظور، وغايته أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطر. ونَصَّ أحمد على أنه لا يجب، وكذلك كان شيخنا يشير إلى أنه لا يجب الطلب والسؤال، وسمعته يقول في السؤال: هو ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق الخلق، وظلم في حق النفس.

أما في حق الربوبية فلما فيه من الذل لغير الله، وإراقة ماء الوجه لغير خالقه، والتعوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين. وأما في حق الناس ففي منازعتهم ما في أيديهم بالسؤال واستخراجه منهم. وأما ظلم السائل نفسه فحيث امتهنها وأقامها في مقام ذل السؤال، ورضي لها بذل الطلب ممن هو مثله أو لعل المساعي خير منه وأعلى قدره، فسؤال المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير، والرب تبارك وتعالى كلما سألته رَمَيتَ عليه ورضي عنك وأحبك، والمخلوق كلما سألته هنت عليه وأبغضتك ومقتك وقلاك، كما قيل: الله يغضب إن تركت سؤاله، وبني آدم حين يُسأل يرضى، وقبيح بالعبد المريد أن يتعرض لسؤال العبيد وهو يجد عند مولاه كل ما يريد.

وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا أو قلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ وقال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً والصلوات الخمس، وأسروا كلمة خفية، ولا تسألوا الناس شيئاً. قال: ولقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط صوت أحدهم فما يسأل أحداً أن يناوله إياه. وفي الصحيحين ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم.

اه طبعا هذا الحديث في سياق المسألة اللي هي ما نسميه اليوم السِّعَايَة وفيهما أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة قال: اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر. وفي الترمذي عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في الأمر الذي لا بد له منه، وهنا يأتي استثناء حتى أيضا الإنسان يتوازن، ودائما نقول إن السُّنة النبوية سنجد فيها كثيرا من الضوابط الموازنة، وفيها ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: من اصابته فاقة فانزلها بالناس لم تسد فاقته، فانزلها بالله فيوشك له برزق عاجل أو آجل.

وفي المسند والسنن عن ثوبان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا أتكفل له بالجنة، فقلت: أنا، فكان لا يسألون أحدا شيئا. وفي صحيح مسلم عن قبيصة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. هذا اللي هو يتحمل يعني اه مثلا يتحمل الدية عن أحد أو شي زي كذا.

ورجل أصبته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش. ورجل أصبته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش آآ من عيش أو سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا. فالتوكل مع إسقاط هذا الطلب والسؤال هو محض العبودية.

طيب، بقي أن المسألة التي ذكرت لكم في البداية أنه سيذكرها آآ في الأخيرة وهي مسألة آآ آآ تنقل عن بعض العباد المتقدمين أنهم يعني يقطعون الصحراء بلا زاد وما أدري ايش التوكل وما إلى ذلك، هنا ابن القيم يناقش مثل هذا وينبه على قضية آآ أحيانا تعتري الصادق كما سيأتي إن شاء الله يقول آآ وهذا الذي أشار إليه مذهب قوم من العباد والسالكين، وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد ويرى حمل الزاد قَدْحاً في التوكل، ولهم في ذلك حكايات مشهور، وهؤلاء في خفارة صدقهم وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين، ومع هذا فلا يمكن بشراً البتة ترك الأسباب جملة.

فهذا إبراهيم الخواص كان مجرداً أو مجرداً في التوكل، مجرداً في التوكل يدقق فيه ويدخل البادية بغير زاد، وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض، فقيل له: لما تحمل هذا وأنت تمنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقص من التوكل، لأن لله علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربما تخرق ثوبه فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فيفسد صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.

أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا الأسباب؟ أوليست حركة أقدامه أوليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها إذا خفيت عليه من الأسباب؟ فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلا وشرعا. هنا يستدرك يقول: نعم، قد تعرض للصادق أحيانا قوة ثقة بالله وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة، ويكون ذلك الوقت بالله لا به، فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله.

ولكن لا تدوم له هذه الحال وليست في مقتضى الطبيعة، فإنها كانت هجمة هجمت عليه لا ستدعا فحمل عليها، فإن استدعى مثلها النفع لم يجب إلى ذلك، وفي تلك الحال إذا لم إذا ترك السبب يكون معذورا لقوة الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب فيكون في وارده عون له عون له ويكون حاملاً له، فإذا أراد يتعاطى ذلك لتلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال. وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تحكى عن القوم فهي جزئية حصلت لهم أحيانا ليست طريقا مأمورا بسلوكها ولا مقدورة، وصارت فتنة لطائفتين: طائفة ظنتها طريقا ومقاما فعملوا عليها منهم من انقطع ومنهم من رجع ولم يمكنهم الاستمرار بل انقلب على عقبه.

وطائفة قدحوا في أربابها مخالفين للشرع والعقل مدعين لأنفسهم حالا أكمل من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يكن فيهم أحد قد يفعل ذلك ولا أخل بشيء من الأسباب، وقد ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أحد ولم يحضر الصف قط عريانا كما يفعله من لا علم له ولا معرفة عريانا يعني يقصد بدون دروع. واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدلوه على طريق الهجرة، وقد هدى الله به العالمين وعصمهم الناس أجمعين، وكان يدخر لأهله قوت سُنّة وهو سيد المتوكلين.

وكان إذا سافر في جهادنا وحج وعمرة أخذ الزاد والمزاد وجميع أصحابه، وهم أولو التوكل حقا وأكرم المتوكلين بعده، هو من أشم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة، وأكمل المتوكلين بعدهم هذي هذي جملة جميلة جدا جدا ولطيفة ورائعة. يقول: أكمل المتوكلين بعد الصحابة هو من أشم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة أو لحق أثراً من غبارهم، فحال النبي صلى الله عليه وسلم يعني يقول: كل الدعاوى التي تأتي بعد تصير بالصحراء بدون تسوي أي شي ترى إذا قدرت تشم رائحة توكل الصحابة من بعيد فأنت يعني أكمل المتوكلين.

فحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها بها يعلم صحيحها من سقيمها، هذه الجملة اللي يمكن كررناها أكثر مرة في هذه في هذه الدروس أن هذا الميزان حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم بعدهم، فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يعبد الله في جميع البلاد، وأن يوحد جميع وأن يوحده جميع العباد، وأن تشرق الدين الحق في قلوب العباد، فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيماناً، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان، وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب اتباعهم فملأتها يقينًا وإيمانًا.

كانت همم الصحابة رضي الله عنهم أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعيه فيجعله نصب عينيه ويحمل عليه قوته كلهم. ثم اه بعد أن استدرك هذه الاستدراكات ختمها بأدب مع المصنف أو المؤلف رحمه الله فقال في ثلاثمئة وأربعة وتسعين آخر اه شيء اه وان كان ناتي بالاسطر التي قبله قال: وأما التوكل فليس المراد منه إلا مجرد التفويض وهو من أخص مقامات العارفين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك.

فقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ. فكان جزاء هذا التفويض قوله: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا. فإن كان التوكل معلولا بما ذكره فالتفويض أيضا كذلك. الآن يأتي الأدب بعد كل الاستدراكات اللي بتستدركها يقول: ولولا أن الحق لله ورسوله، وأن كل من عدا الله ورسوله فمأخوذ من قوله ومتروكهم عرضة وهو عرضة الوهم الخطأ، لما اعترضنا على من لا نلحق وغبارهم ولا نجري معهم في مضمارهم، ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائلين كالنجوم الدراري.

ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه، ومن رأى في كلامنا زيفاً أو نقصاً وخطأً فليهدنا إليه فليهدي إلينا الصواب نشكر له سعيه ونقابله بالقبول عام والانقياد والتسليم والله أعلم وهو الموفق وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.