تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين ١٢

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله، نسأل الله سبحانه وتعالى التيسير والعون. ومجلس اليوم هو المجلس الثاني عشر من هذه المجالس السلوكية الإيمانية التزكوية في قراءة مدارج السالكين التقاء مقاصد الكتاب مع التعليق على بعض القضايا. عشنا يوم أمس عشنا وقتا جميلا جدا مع منزلة التوكل، وهي من أجل منازل كتاب مدارج السالكين، واليوم عندنا عدة منازل إن شاء الله؛ المنزلة الأولى للتفويض وليس فيها كبير شيء؛ لأن جل ما يمكن أن يقال في التفويض قيل في التوكل. ومنزلة الثقة، وأيضاً ليس فيها شيء كثير؛ لأنها كذلك مرتبطة بالتوكل، ثم منزلة التسليم، وهو يعني لم يفصل فيها تفسيراً كثيراً حول أو شرح بعض القضايا التي طرحها الهروي رحمه الله، ثم بعد ذلك عندنا منزلتان كبيرتان، عندنا منزلتان كبيرتان أطال فيهما المؤلف رحمه الله تعالى وهما منزلة الصبر وأطول منها منزلة الرضا، فإن شاء الله سننتهي من الصبر وسننبدأ بالرضا، ولا أتصور أننا سننتهي من منزلة الرضا اليوم، خاصة أنه واحدة من القضايا التي تكلم عنها في الرضا ناقشها من أكثر من ستين وجهاً، ناقش هذه القضية من أكثر من ستين وجهاً.

فنطتلق بسم الله؛ إذاً سنجمل جداً في مسألة التفويض والثقة والتسليم، وسيكون الحديث المطول إن شاء الله في منزلة الصبر ومنزلة الرضا. استعنا بالله؛ قال رحمه الله: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التفويض. قال الهروي: وهو ألطف إشارة وأوسع معنى من التوكل، فإن التوكل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهو عين الاستسلام، والتوكل شعبة منه. الهروي رحمه الله يرى أن التفويض أعلى وأجل من التوكل، وابن القيم يخالفه في ذلك، ولذلك يقول ابن القيم في أسفل الصفحة: بل لو قال قائل: التوكل فوق التفويض وأجل منه وأرفع، لكان مصيباً، ولهذا كان القرآن مملوءاً به أمراً وإخباراً عن خاصة الله وأوليائه وصفوة المؤمنين بأن حالهم التوكل، وأمر الله به رسوله في أربعة مواضع من كتابه وسماه المتوكل، كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم محمد رسول الله، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق. وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل وبه انتصروا على قومهم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم أهل مقام التوكل.

هذا لو تتذكرون أمس لما ذكرنا السبعين ألفاً، ذكرت أنه خلاصة حالهم التوكل، ولم يوجد التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ. وقد أمر الله رسوله بأن يتخذه وكيلا فقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وقال: رَبِّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا. ثم أخذ يناقش بعض الوجوه التي قيلت، لا يعيننا ذلك كثيراً، إنما قال: ولله در سيد القوم وشيخ الطائفة سهل بن عبد الله التستري إذ يقول: العلم كله باب من التعبد، والتعبد كله باب من الورع، والورع كله باب من الزهد، والزهد كله باب من التوكل. فالذي نذهب إليه أن التوكل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع. طيب، هناك تعليق في آخر صفحة ثلاثمائة وتسعة وتسعين قال الهروي رحمه الله عن التفويض: وهو على ثلاث درجات: الأول أن يعلم العبد أنه لا يملك قبل عمله استطاعة، فلا يأمن من مكر ولا ييأس من معونة.

قال ابن القيم: أن يتحقق أن استطاعته بيد الله لا بيده، فهو مالكها دونه، فإنه إن لم يعطه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه، فكيف يأمن المكر وهو محرك؟ لا محرك، يحركه من حركته بيده، فإن شاء ثبته وأقعده مع القاعدين، كما قال في منعهم هذا التوفيق ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. فهذا مكر الله بالعبد أن يقطع عنه مواد توفيقه، ويخلي بينه وبين نفسه، ولا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابه. وليس هذا حقاً على الله فيكون ظالماً بمنعه تعالى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل هو مجرد فضله الذي يحمد على بذله لمن بذله، وعلى منعه لمن منعه إياه، فله الحمد على هذا وهذا. ثم ينبه ابن القيم فيقول: ومن فهم هذا فهم باباً عظيماً من سر القدر وانجلت له إشكالات كثيرة، فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلا يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه فيمنعه فعل نفسه به، وهو توفيقه، لا أنه يكرهه ويقهره على فعل مساخطه. هذا تنبيه مهم، فهو يعني يقول: غاية يعني أن الله سبحانه وتعالى الذي يعمله بالعبد إن أراد يعني عقوبته أنه يكله إلى نفسه.

قال: بل يكله إلى نفسه وحوله وقوته ويتخلى عنه، فهذا هو المكر. طيب، ثم ننتقل للمنزلة التالية، قال: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الثقة بالله تعالى. قال صاحب المنازل: الثقة سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء قلب التسليم. وصدر الباب بقوله تعالى لأم موسى: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي. فإن فعلها هذا هو عين ثقتك بالله تعالى، إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجرياته إلى حيث ينتهي أو يقف. ومراده أن الثقة خلاصة التوكل ولبه، كما أن سواد العين أشرف ما في العين، وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض أي أن إلى أن مدار التوكل عليهم وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة، فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط، ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة، وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها؛ كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض.

وكذلك قوله: سويداء قلب التسليم، فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه، وهو المهجة التي تكون بها الحياة وهي في وسطه، فلو كان التفويض قلباً لكانت الثقة سويداءه، ولو كان عيناً لكانت سوادها، ولو كان دائرة لكانت نقطتها. وقد تقدم أن كثيراً من الناس يفسر التوكل بالثقة ويجعله حقيقتها، ومنهم من يفسره بالتفويض، ومنهم من يفسره بالتسليم؛ فعلمت أن مقام التوكل يجمع ذلك كله، يعني مقام التوكل يجمع التفويض ويجمع التسليم ويجمع الثقة، وكأن الثقة عند الشيخ هي الروح والتوكل كالبدن الحامل لها، ونسبتها إلى التوكل نسبة الإحسان إلى الإيمان. طيب، ثم منزلة التسليم، قال رحمه الله: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التسليم. وهي نوعان: تسليم لحكمه الأمري، وتسليم لحكمه الكوني القدري. فأما الأول فهو تسليم المؤمنين العارفين، قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.

وفي تنبيه في قضية التسليم وهو تنبيه أظن مهم جداً، أنه التسليم الذي يعني يستبين للإنسان من هذه الآية وأمثالها بل هي: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، أنه المحك، المحك الحقيقي والاختبار حين يأتي أمر من الشريعة يختلف أو يخالف طبيعتك أو هواك أو ما تميل إليه أو ما تظنه. التسليم اختباره؛ التسليم الحقيقي ليس فيما أنت أصلاً يتفق مع رؤيتك أو مع عقلك أو مع نظرك من أحكام الشريعة، هو لا يوجد شيء يتعارض العقل، لكن أقصى مبادئ الرأي والنظر، وإنما الذي فيه التسليم حقاً هو ما يكون فيه نزعات النفس ومعارضات الأوهام والظنون، هنا يختبر الإنسان، يختبر الإنسان في تسليمه. ولذلك تجدون أنه مثلاً في التسليم تأتي قصة الحديبية؛ لأنه كان فيها يعني كان فيها إشكال كبير بالنسبة النظر بالنسبة للصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

وتعلمون أنه يعني من اعظم ما نزل في القرآن في التسليم، بل ربما يكون أعظم ما نزل في القرآن في التسليم آخر آية من سورة البقرة، وقد يكون والله أعلم أن الشأن الذي لها في الشريعة إنما هو لأجل التسليم والله أعلم. فأنتم تعلمون أنه كان اختبار التسليم فيها أنه يخالف ما رأوه شاقاً عليهم، وهو أن ما في النفوس يحاسب عليه الإنسان، هذه نقطة مهمة في قضية التسليم. هذا النوع الأول من التسليم، اللي هو الحكم، تسليم الحكم الديني. أما التسليم للحكم الكوني فمذلة أقدام ومظلة أفهام، حير الأنام وأوقع الفصام، وهي مسألة الرضا بالقضاء. وقد تقدم الكلام عليها بما فيه كفاية، هو العجيب أنه يقول: تقدم الكلام عليه بما فيه الكفاية، ولما يجي لمنزلة الرضا راح يتكلم عنها بأكثر مما تكلم عنها سابقاً بكثير.

قال: وبينا أن التسليم للقضاء يحمد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه ولم يقدر على ذلك، كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها. وأما الأحكام التي أمر بدفعها فلا يجوز له التسليم إليها، بل العبودية مدافعتها بأحكام أخر أحب إلى الله منها، وهو أحب إلى الله منها. وهذ طبعا مر معنا فعلا، اللي هو قضية أنه ليس التسليم هو معناه يعني وصف كلما قضاه الله بأنه محبوب له، وإنما قد يكون جزء من التسليم هو مدافعة بعض الأقدار بالأقدار. طيب، هنا جملة في اربعمائة واثني عشر هي من الجمل التي تحفظ، وأنا ما أدري هل في أحد جالس يدون الجمل التي تحفظ؟ أمنى إذا كان في أحد يدونها جميعها، يعني إذا دونها جميعها أنه يرسلها، يعني يكتبها كلها في مشاركة واحدة، وتستر هذه جملة تحفظ، أنا حريص على الجمل التي تحفظ، أقول لكم تحفظ؛ لأنه فعلا أقصى أنها تحفظ.

يقول رحمه الله: اعلم أن التسليم هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يعارض القدر والشرع. مرة أخرى: اعلم أن التسليم هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يعارض القدر والشرع. يعني هذه الجملة مسبوكة ومعتصرة وفيها شيء كبير، وهو هما سطران لكنها متن يشرح. وصاحب هذا التخلص هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، فإن التسليم ضد المنازعة، والمنازعة أما بشبهة فاسدة تعارض الإيمان بالخبر عما وصف الله به نفسه من صفاته وأفعاله وما أخبر به عن اليوم الآخر وغير ذلك، فالتسليم له ترك منازعاته وشبهات المتكلمين الباطلة.

وأما بشهوة تعارض أمر الله عز وجل، فالتسليم للامر بالتخلص منها. أو إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب، فالتسليم بالتخلص منها. أو اعتراض حكمته في خلقه وأمره بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع وخلاف ما قدر وقضى، فالتسليم التخلص من هذه المنازعات كلها. وبهذا يتبين أنه من أجل مقامات الايمان وأعلى طرق الإيمان، وأن التسليم هو محض الصديقية التي هي بعد درجة النبوة، وأن اكمل الناس تسليما اكملهم صديقية. وهذه أيضاً من الجمل التي يمكن أن تحفظ: أكمل الناس تسليماً أكملهم صديقية.

طيب، ننتقل بعد ذلك إلى منزلة الصبر. طيب، الصبر يا كرام، أعجبني ابن القيم رحمه الله أنه تناول الصبر في القرآن بطريقة هي الطريقة التي أظن أنها من أهم الطرق في التفسير الموضوعي، أو من أهم الطرق للكشف عن منزلة أي أمر من الأمور، عن من الكشف عن منزلته في الشريعة. سنقرأ سوياً إن شاء الله، قال: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصبر. قال: وقد حمد الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعاً، وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر. طبعا هنا لو تلاحظوا أنه هو ذكر أكثر من مرة قضية الإنصاف هذه، أنه سبق، من يتذكر؟ ذكرت دين نصفان سابقاً، ايش قال سابقاً؟ نصف ايش ونصف ايش غير هذه الجملة؟ قال نصف ايش؟ سابقاً، أم... لا، ليس الشكر يا أحمد، وإنما أنابة صحيح، أنابة وتوكل، هي استعانة وعبادة، أنابة وتوكل صحيح.

اللي هي توافق، يا أبا الاستقراء، هنا الآن قال لك الدين نصفان: نصف صبر ونصف شكر. هذا، هذا اسمه تقسيم الأشياء باعتبارات، باعتبارات جيد، بالضبط يا أحمد، هذا التقسيم بالاعتبارات، فباعتبار معين ينقسم الدين إلى أنابة وتوكل، وباعتبار آخر ينقسم الدين إلى صبر وشكر. فمن الخطأ أن يأتي الإنسان هذه التقسيمات فيقول: هو الشيء يتقسم إلى كم نصف؟ ما هو أول قسمة إلى أنابة وتوكل فين؟ من فين يجيب نصفين جديدة كمان؟ هي كل شيء ينقسم لنصفين نصفين، لا، هذا التفكير خاطئ، التفكير الصحيح هو كالتالي: أن الشيء الواحد يقسم إلى أقسام باعتبارات. باعتبارات، وأنا أتذكر أني ضربت سابقاً مثلاً القلم، فأقول: القلم ينقسم باعتبار صنعته إلى، مثلاً باعتبار مواد صنعته إلى، مثلاً بلاستيك، أيا كان مكونات، ثم نقول: والقلم ينقسم باعتبار وظيفته، باعتبار وظيفته إلى، مثلاً كتابة ورسم، وإلى آخره. هذاك اعتبار وهذا اعتبار، المهم يقول وهو مذكور هنا قضية التفسير الموضوعي وتناول القضية القضية القرآنية.

بتقليب وجوهها أو بالنظر إليها من وجوهها المختلفة، يقول: هو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعاً. الصبر مذكور في القرآن على ستة عشر نوعاً. الأول هو -شوفوا، نوع مو معناه ما يقول إنه الصبر له ستة عشر معنى، لا- مذكور بستة عشر من ستة جهة، يقول: الأمر الأول من ستة عشر نوعاً؛ النوع الأول: الأمر به، نحو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وقوله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وقوله: اصْبِرُوا.

الثاني: النهي عن ضده، كقوله: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ، وقوله: وَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ.

الثالث: الثناء على أهله، كقوله: وَالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ.

الرابع: إيجابه سبحانه محبته لهم، كقوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.

الخامس: إيجاب معيته لهم، وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم، ليست معية عامة وهي معية العلم والإحاطة، كقوله: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.

السادس: إخباره بأن الصبر خير لأصحابه، كقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ، وقوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ.

السابع: إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، كقوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

الثامن: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب، كقوله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيْرَ حِسَابٍ.

التاسع: إطلاق البشرى لأهل الصبر، كقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.

العاشر: ضمان النصر والمدد لهم، كقوله تعالى: بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ومنهم قوله صلى الله عليه وسلم: واعلم أن النصر مع الصبر.

الحادي عشر: الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم بقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

الثاني عشر: الإخبار بأنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر، لقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ.

الثالث عشر: الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر في قوله تعالى: أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، وقوله في أهل سبأ: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.

الرابع عشر: الإخبار بأن الفوز المحبوب والنجاة من المكروه المرهوب ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر. وهذا الوجه -هذا الوجه آآ وجه حقيقة مهم جداً يستحق التأمل- أن الله سبحانه وتعالى ذكر آه ذكر آيات متعددة، كأنه جعل الجنة مقابل الصبر، فهنا ذكر ابن القيم آية واحدة، لكن هناك آيات أخرى، الآية التي تذكرها الإمام المقيم قال: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.

هناك في سورة الفرقان: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا، وفي سورة الإنسان: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، وأظن أن هناك آآ آيات أخرى، لا، إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، هذه غير.

الخامس عشر: أنه يورث صاحبه درجة الإمامة؛ سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ثم تلا قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.

سادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان؛ كما قرنه الله سبحانه باليقين والإيمان، وبالتقوى والتوكل، بالشكر والعمل الصالح والرحمة، ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له.

شوفوا يا جماعة، هذه يعني لما كنا نتكلم عن مراتب ومقام مراتب الأمور في الشريعة، يعني الإنسان ممكن لما تقول له الصبر، ما موقع الصبر من الشريعة من الاسلام؟ والله يقول لك الصبر أمر عمل صالح يعني من الأعمال الصالحة التي يعني فيها أجر عظيم. القضية ليست هكذا، هي القضية أين موقعه من خارطة الشريعة؟ هو يأتي فوق فوق الصبر، الصبر مركزي في الإسلام، الصبر مركزي، الصبر من من من أس المقامات الشرعية، فمتى يدرك الإنسان هذا؟

مثل الاستعراض السابق لابن القيم لما قال لك يرد في القرآن على ستة عشر نوعاً، وكل نوع في مجموعة آيات تنظر فيها، يعني واضح أنه الله سبحانه وتعالى يعظم من قضية الصبر، ويريد أن أن تكون هذه القضية بالنسبة للانسان المؤمن من من القضايا الأولية. ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له.

وقال عمر بن الخطاب: خير عيش أدركناه بالصبر، خير عيش أدركناه بالصبر. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه ضياء، وقال: من يتصبر يصبره الله. وفي الحديث الصحيح: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.

وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع، فسألته أن يدعو لها؛ قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك. فقالت: إني أتكشف، فادعوا الله ألا أتكشف. فدعا له. طبعا اختارت الصبر، وهذا يعني هذا الحديث من الأحاديث اللي ممكن تمر على الانسان سريعا، لكن ضع نفسك مكانها بس، يعني ضع نفسك مكانها وتشوف أنت ايش راح تختار.

آآ وامر الأنصار -طبعا أنت عارف أنه أنه الرسول صلى الله عليه وسلم دعا لك راح تتعافى الآن، وحدة مسكينة بس تصرع فتجيني الرسول صلى الله عليه وسلم لو الآن دعا لها تشفى الآن، خلاص ينتهي عندها هذا المرض اللي هو يمكن أسوأ شي يمر فيها وأثقل شي يمر عليها في حياته- فهو يقول لها: تصبري ولك الجنة، ولا أدعو الله أن يعافيكي؟ قالت: لا أصبر أصبر ولك الجنة، لكن فقط أني أنا إذا طحت بالصلاة أتكشف، ادعي لي أني ما أتكشف بس.

وأمر الأنصار رضي الله تعالى عنهم بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعدهم حتى يلقوهم على الحوض، وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر، وأمر بالصبر المصيبة، وأخبر أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى، وأمره صلى الله عليه وسلم المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفره أجره، والجزء عن التسخط والتشكي يزيد في المصيبة ويذهب الأجر.

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصبر خير كله، فقال: ما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع من الصبر. طبعا أنا ما ما اجيب عن الأسئلة أثناء الدرس، تمام.

قال فصل: والصبر في اللغة الحبس والكف، ومنه قتل فلان صبراً إذا أمسك وحبس، ومنه قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، أي احبس نفسك معهم. فالصبر حبس النفس عن الجزاء والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو ثلاثة أنواع، وهذا فيه جواب لمن سأل.

وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله. فالأول أن صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث صبر على ما لا كسب للعبد فيه. هذي معلومة مركزية ومهمة؛ الصبر ثلاثة أنواع، نوعان منها كسبيان ونوع ونوع كسبيان أقصد متعلقان متعلقان بما يكسبه الإنسان، ونوع ثالث ليس فيه متعلق بما يكسبه الإنسان.

الأول: صبر على طاعة الله. صبر على طاعة الله يعني أنت لن تستطيع أن تقوم بعبادة الله إلا بالصبر، فكثير مما أمر الله به سيتعارض مع أشياء في حياتك تتطلب صبراً حتى تؤديها.

النوع الثاني: الصبر عن معصية الله، لأن هناك من الأمور التي نهى الله عنها ما تحتاج إلى أطر نفسك ومنعها وحبسها حتى لا تقع فيه، فهذا صبر، وهذان في في اللقاء الايش؟ متعلقة بالكسب.

الثاني: صبراً على امتحان الله، شيء مصيبة جاءتك فهذه تصبر عليها. ومن هنا يعلم قيمة الصبر في الإسلام، لأنه الإسلام إما أمر إما فعل طاعة تعمله وإما تبتعد عنها وإما ابتلاء وامتحان يأتيك فتصبر عليه، هذا هو مقامات، يعني هذا ما يتعلق بك كإنسان مسلم، فبالصبر تستطيع أن أن تطيع، وبالصبر تستطيع أن تجتنب المعاصي، وبالصبر تستطيع أن تصبر.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كان صبر يوسف على مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء أخوته له في الجب، وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فان هذه امور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر.

وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة، فإنه كان شاباً وداعيا الشباب إليها قوية، وعزباً ليس له ما عوضه ويرد شهوته، وغريباً، والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوك ومملوك أيضاً ليس له وازع كوازع الحر، والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته وقد جواب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسه أو الحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار.

ومع هذه الدواعي كلها صبر دياراً وايثاراً لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟ وكان يقول أي بن تيمية: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل. الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية، وجود المعصية. وله رحمه الله في ذلك مصنف قرر فيه قرره فيه بنحو من عشرين وجهاً، ليس هذا موضع ذكرها، طيب الله يرحمه.

والمقصود الكلام على الصبر وحقيقته ودرجاته ومرتبته والله الموفق.

آه، ثم ذكر ثلاثة أنواع للصبر أيضاً باعتبار آخر؛ فباعتبار الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله. وباعتبار آخر يقسم الصبر أيضاً إلى ثلاثة أقسام: صبر بالله، صبر لله، وصبر مع الله.

يقول في الأول، اللي هو صبر بالله: استعانة به ورؤيته أنه هو المصبر، كما قال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، يعني إن لم يصبرك ولن تصبر أو لم تصبر.

والثاني: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه والتقرب إليه، لا لإظهار قوة النفس والاستحماد للخلق بذلك من الأغراض من الأعراض.

والثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه ومع أحكامه الدينية صابراً نفسه معها سائراً بسيرها مقيماً بإقامتها يتوجه معها أين توجهت ركائبها وينزل معها أين استقلت مضاربها، فهذا معنى كونه صابراً مع الله، أي قد جعل نفسه وققاً على أوامره ومحابه، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها وهو صبر الصديقين.

آه، أنا أفضل الخلاصات، الخلاصات أفضل أن تكتب في نهاية الدرس وليس أثناء القراءة، مجرد اقتراح.

الصبر مع الله يقول مرة أخرى: هو دوران العبد مع مراد الله الديني منه ومع أحكامه الدينية، صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها، مقيماً بإقامتها، يتوجه معها أين توجهت ركائبها، وينزل معها أين استقلت مضاربها، فهذا معنى كونه صابراً مع الله، أي قد جعل نفسه وققاً على أوامره ومحابه، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبر الصديقين.

قال الجنيد: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله.

ثم بدأ يذكر مجموعة تعريفات في قضية في موضوع الصبر: تعويم النفس، الهجوم على المكاره، المقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية، الثبات على أحكام الكتاب والسنة، إلى آخره.

آه وقيل: الصبر مثل اسمه مر مذاقته، لكن عواقبه أحلى من عسلي. وقيل: هو ترك الشكوى. وقيل: إلى آخر تمام.

آآ في الصفحة التالية أربع مئة واثنين وثلاثين يقول: وقيل في قوله تعالى: اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا، إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصادرة، مصادرة دون المرابطة.

والمرابطة مفاعلة من الربط وهو الشد، وسمي المرابط مرابطاً لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزعة، ثم قيل لكل منتظر قد ربط لطاعة ينتظرها مرابط، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط.

وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا باسراركم على الشوق إلى الله. وكيف اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله.

آآ طيب، وقيل: اصبروا على النعماء، وصابروا على البأساء والضراء، ورابطوا في دار الأعداء، واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء.

فالصبر مع نفسك بينك وبين عدوك، والمرابطة ثبات وإعداد العدة، كما أن وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو، فكذلك الرباط أيضاً لزوم ثغر القلب لئلا يهجم عليه الشيطان فيملكه أو يخربه أو يشعثه.

طيب، في كتاب الأدب الأدب المفرد للبخاري سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: الصبر والسماحة. فقال: الصبر والسماحة. ذكره عن موسى بن إسماعيل قال: حدثنا سويد قال: حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده فذكره. وهذا من أجمل الكلام وأعظمه برهاناً وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها، فإن النفس يراد منها شيئان؛ بذل ما أمرت به.

طاؤه، فالحامل عليه السماحة وترك ما نهيت عنه البعد منه. فالحامل عليه الصبر، وقد أمر الله سبحانه في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه.

وفي أثر إسرائيلي: أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فماطلته بالإجابة فشكاني، فقلت: عبدي، كيف أرحمك من شيء به أرحمك؟ فلما قال ابن عيينة اه في قوله تعالى وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا، قال: أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤوساً.

والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر؛ فإن يعقوب وعد بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف، ثم قال إِنَّمَا أَشْكُوَ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ. وكذلك أيوب أخبر الله عنه أنه وجده صابراً مع قوله أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله. وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله. وإذا عرضتك بلية فاصبر لها صبر كريم؛ فانه بك أعلم. وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمه.

ننتقل بعد ذلك إلى أربع مئة وخمسة وأربعين أربع مئة وخمسة وأربعين. يتكلم الهروي رحمه الله عن الصبر على البلاء فقال: الدرجة الثالثة الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج، وتهوين البلية بعد أيادي المنن وبذكر سوالف النعم. هذا مقطع مهم حقيقة؛ كيف الإنسان يصبر على الابتلاءات؟

قال ابن القيم رحمه الله: هذه ثلاثة أشياء تبعث المتلبس بها على الصبر في البلاء؛ أحداها: ملاحظة حسن الجزاء، على حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخف حمل البلاء لشهود العوض. وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفرها، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة، وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة.

النفس موكلة بحب العاجل، وإنما خاصة العقل تلمح العواقب ومطالعة الغايات، سبحان من رزقه الحكمة. فالنفس موكلة بحب العاجل، وإنما خاصة العقل تلمح العواقب ومطالعة الغايات. وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة فارق الراحة وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فانه على قدر التعب تكون الراحة.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكريم المكارم، وتكبر في عين الصغير صغارها، وتصغر في عين العظيم عظائم. والقصد أن ملاحظته حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك وغير اختيارك. هذا الأمر الأول المعين على تجاوز الابتلاءات، وهو أن الإنسان يتذكر العاقبة والجزاء وما ينتظره في الآخرة.

الثاني: انتظار روح الفرج؛ يعني راحته ونسيمه ولذته، فان انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة، ولا سيما عند قوة الرجاء أو القطع بالفرج؛ فانه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته ما هو، ومن خفي الألطاف وما هو فرج معجل؟ وبه وبغيره يفهم معنى اسمه اللطيف، وهذه علاقة المقامات بالأسماء الحسنى، ومن تعرف ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

والثالث: تهوين البلية بأمرين؛ أحداهما: أن يعد نعم الله عليه واياديه عنده، فإذا عجز عن عدها وأيس من حصرها هان عليه ما فيه من البلاء ورآه بالنسبة إلى آياد الله ونعمه كقطرة من بحر. الثاني: تذكروا سوالف النعم التي أنعم الله بها عليه، فهذا يتعلق بالماضي، وتعداد أيادي المنن يتعلق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء وانتظار الفرج وملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج يتعلق بالمستقبل؛ أحدهما في الدنيا، والثاني يوم الجزاء.

ويحكى عن امرأة من العابدات أنها عثرت فانقطعت إصبعها فضحكت، فقال لها بعض الأمعاء: أتضحكين وقد انقطعت إصبعك؟ فقالت: أخاطبك على قدر عقلك، حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها. إشارة إلى أن عقله لا يحتمل ما فوق هذا المقام من ملاحظة المبتلي، ومشاهدة حسن اختياره لها في ذلك البلاء، وتلذذها بالشكر له والرضا عنه ومقابلة ما جاء من قبله بالحمد والشكر، كما قلت: لأن ساءني أن نلتني بمساءة فقد سرني أني خطرت ببالك.

طيب، ثم ننتقل إلى منزلة الرضا، وقال فصل: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرضا. وقد اجمع العلماء على أنه مستحب مستحب مؤكد استحبابه، واختلفوا في وجوبه على قولين. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكيهما عن قولين لأصحاب أحمد وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال: ولم يجيء الأمر به كما جاء الامر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم.

قال: وأما ما يروى من الأثر: من لم يصبر على بلائي ولم يرضى بقضائي فليتخذ رباً سواي، فهذا أثر إسرائيلي ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

طبعا هنا مسألة؛ هل الرضا مقام أم حال؟ ايش الفرق بين المقام والحال؟ ما الفرق بين المقام والحال؟ وهنا الآن سيطرح المسألة ويجيب عنها قال: جيد. المقام يكون كسبي والحال وهبي. المقام كسبي والحال وهبي. قلت: ولا سيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة بل هي موهبة محضة، فكيف يؤمر به وليس مقدوراً عليه؟

وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك على ثلاثة طرق. فالخرسانيون قالوا: الرضا من جملة المقامات وهو نهاية التوكل، فعلى هذا يمكن أن يتوصل إليه العبد باكتساب. والعراقيون قالوا: من جملة الأحوال وليس كسبياً للعبد بل هي نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال. والفرق بين المقامات والاحوال أن المقامات عندهم من المكاسب والأحوال مجرد المواهب. وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين منهم القشيري صاحب الرسالة وغيره؛ طبعا الخلافات ليست بس في الفقه والمسائل العملية حتى المسائل السلوكية والخلافات فيها لطيفة يعني.

وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين منهم القشيري صاحب الرسالة وغيره فقالوا: يمكن الجمع بينهما بأن يقال: بداية الرضا مكتسبة للعبد وهو من جملة المقامات، ونهايته من جملة الأحوال وليست مكتسبة، فأوله مقام ونهايته حال.

واحتج من جعله من جملة المقامات بأن الله مدح أهله وأثنى عليهم ونادى بهم إليه، فدل ذلك على أنه مقدور لهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد رسولاً. وقال: من قال حين يسمع النداء رضيت بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد رسولاً غفرت له ذنوبه. وه هذان حديثان عليهما مدار ومقامات الدين واليهما ينتهي.

وقد تضمن الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته والرضا برسوله والانقياد له والرضا بدينه والتسليم له، ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقاً. وهي سهلة بالدعوة واللسان، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان، ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها؛ من ذلك تبين أن الرضا كان لسانه به ناطقاً وهو على لسانه، فهو على لسانه لا على حاله.

وأخذ يشرح الرضا بألوهيته والرضا بربوبيته. بالرضا بربوبيته يتضمن الرضا بتدبيره لعبده وأفراده بالتوكل عليه والاستعانة به. وأما الرضا إليه رسولاً فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره البتة لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه. طبعا هذا في وقت نقيم المسائل المهمة، وأنت الآن اكمل الصور والامثلة على ما يختلف فيه الإسلاميون في مثل هذه المراحل.

وأما الرضا بدينه فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى رضي كل الرضا ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليماً ولو كان مخالفاً لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلده وشيخه وطائفته. وها هنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم، فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد، فانه والله عين العزة والصحبة مع الله ورسوله، وروح الأنس به والرضا به رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً وبالاسلام ديناً.

بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب وذاق حلاوته وتنسم روحه قال: اللهم زدني اقتراباً ووحشة من العالم وأنس بك. وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التفرد رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذل عين العز بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزبالة أذهانهم، والانقطاع عن التقيد برسومهم وأوضاعهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحداً من الخلق، ولم يبيع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان.

ثم قال: والتحقيق في المسألة أن الرضا كسبي باعتبار سببه موهبي باعتبار حقيقته، فيمكن أن يقال بالكسب لأسباب، فاذا تمكن في أسبابه وغرس شجرته اجتنينا منها ثمرة الرضا؛ فان الرضا آخر التوكل، فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولا بد. ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له، وعزتي هنا طبعا يعني ندرته أو قلته وصعوبته عليها، لم يوجبه الله على خلقه رحمة بهم وتخفيفاً عنهم، لكن ندبهم إليه وأثنى على أهله وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها.

فمن رضي عن ربه رضي الله عنه، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده؛ رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه، رضا بعده وثمرة رضاه عنه. ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا ومستراح العارفين، وحياة ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين.

ومن أعظم أسباب حصول الرضا أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فانه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد. كاين ريحة المرض؛ متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقولون: أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.

يقول: وليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف؛ فان الرضا والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة، لا يفarقان المتلبس بهما في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة. أما الخوف والرجاء فبخلافه؛ فانهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه وأمنهم مما كانوا يخافونه.

فصل: هذا هذه نقطة مهمة قال: فصل وليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه. ولهذا أشكال على بعض الناس الرضا بالمكروه وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنما هو الصبر وإلا فكيف يجتمع الرضا والكراهة وهما ضدان؟

والصواب أنه لا تناقض بينهما، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا؛ كرضا المريض بشرب الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها.

وطريق الرضا الآن يعني هنا سيحلق ثم سيختم هذه التحليقة الرائعة بكلام نقله عن ابن تيمية يقول: وطريق الرضا طريق مختصرة قريبة جداً موصلة إلى أجل غاية، ولكن فيها مشقة، ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها. وإنما عقبتها همة عالية ونفس زكية وتوطين النفس على كل ما يرد من الله.

ويسهل ذلك على العبد علمه بضعفه وعجزه ورحمته به وشفقته عليه وبره به. فإذا شهد هذا وهذا ولم يطرح نفسه بين يديه ويرضى به وعنه وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه، فنفسه عن الله بعيدة عنه ليست مؤهلة لقربه وموالاته، أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن.

وطريق الرضا والمحبة تسير العبد وهو مستلق على فراشه فيصبح أمام الركب بمراحل. وثمرة الرضا الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى. ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في المنام وكأني ذكرت له شيئاً من أعمال القلب وأخذت في تعظيمه ومنفعته لا أذكره الآن، فقال: أما أنا فطريقتي الفرح بالله والسرور به، أو نحو هذا من العبارة، وهكذا كانت حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره وينادي به حاله.

في أربع مئة واثنين وستين قيل للحسن للحسين بن علي رضي الله عنه إن أبا ذر رضي الله عنه يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من السحر. فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنى غير ما اختاره الله له. وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: أسألك الرضا بعد القضاء. فقالوا: لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا، والرضا بعد القضاء هو الرضا.

هذا أيضاً فيه تأكيد لما ذكر أمس، ثم أخذ يناقش في فصل جديد في قول الله سبحانه وتعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً

فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي. والاستدلال الإشاري الذي استدل به الهروي رحمه الله من هذه الآية والنقاش فيها، وهل هي عند الموت أو في الآخرة؟

ثم قال: والصواب أن هذا القول يقال لها عند الخروج الدنيا ويوم القيامة، فإن أول بعثها عند مفارقتها الدنيا، وحينئذ فهي في الرفيق الأعلى إن كانت مطمئنة إلى الله وفي جنته، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك، وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى الله دخول الجنة، فأول ذلك عند الموت وتمامه نهايته يوم القيامة، فلا اختلاف في الحقيقة. ولكن الشيخ أخذ من إشارة الآية إلى آخر الكلام.

طيب، آآ ثم قال آآ فصل، وآآ ذكر كلام الهروي ثم قال: الرضا بالله رباً، ألا يتخذ رباً غير الله تعالى يسكن إليه، يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه. قال الله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ. قال ابن عباس: سيداً وإلهاً. يعني: فكيف أطلب رباً غيره وهو رب كل شيء؟

وقال في أول السورة: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. يعني معبوداً وناصراً ومعيناً وملجأً، وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي نَزَّلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا. هذه هذه ملاحظة جميلة جداً في سورة الأنعام، أنه فيها هذه الثلاث الآيات في أولها وأوسطها آخرها.

وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حق التأمل، رأيتها هي نفسها الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، ورأيت الحديث يترجم عنها ومشتق منها. فكثير من الناس يرضى بالله رباً ولا يبغي رباً سواه، لكن لا يرضى به وحده ولياً وناصراً، بل يوالي من دونه أولياء ظناً منهم أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملوك، وهذا عين الشرك. بل التوحيد ألا يتخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء.

ثم قال: وتفسير الرضا بالله رباً أن يسخط عبادة ما دونه. هذا هو الرضا بالله إلهاً، وهو من تمام الرضا بالله رباً. فمن أعطى الرضا به رباً حقه، سخط عبادة ما دونه قطعا، مو يجي يقول من يعبد ثلاثة آآ آلهة نفس من يعبد إلهاً واحداً. اهو يقول لك: معنى الرضا بالله رباً، ما يصير هذا المعنى أصلاً ما يتم إلا بالتبرؤ والسخط من عبادة ما دونه، لأن الرضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته، كما أن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية.

قال: وهو قطب رحى الإسلام، يعني أن مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده وأن يسخط عبادة غيره. وقد تقدم أن العبادة هي الحب مع الذل، فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله، أنت عابد لهم.

طيب، ثم يقول آآ أربعمائة وخمسة وسبعين يقول: وأما الرضا عنه، وأما الرضا عنه فهو رضا العبد بما يفعله به ويعطيه إياه، ولهذا لم يجئ إلا في الثواب والجزاء. لقوله تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فهذا برضاها عنه لما حصل لها من كرامته، كقوله تعالى فيها أبداً: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ. والرضا به أصل الرضا عنه، والرضا عنه ثمرة الرضا به.

وسر المسألة أن الرضا به متعلق بأسمائه وصفاته، والرضا عنه متعلق بثوابه وجزائه. هذه مهمة، سر المسألة أن الرضا به متعلق بأسمائه وصفاته، يعني رضيت بالله رباً، رضيت لله رباً، رضا به هذا متعلق بأسمائه وصفاته. والرضا عنه هذا متعلق بثوابه وجزائه، لذلك جاء: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. قال: رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ.

وأيضاً فان النبي صلى الله عليه وسلم علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله رباً، ولم يعلقه بمن رضي عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً. فجعل الرضا به قرين الرضا بدينه وبنبيه، وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها.

وأيضاً فالرضا به رباً يتضمن توحيده وعبادته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجاءه ومحبته والصبر له وبه والشكر على نعمه، آآ يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسان إلى آخره. قال: وأيضاً فالرضا به رباً يتضمن اتخاذه معبوداً دون ما سواه، اتخاذه ولياً ومعبوداً، ثم آآ ذكر أيضاً أن يسخط عبادة ما دونه.

آآ ثم قال: وإنما كان قطب رحى الدين، وإنما كان قطب رحى الدين لأن جميع العقائد والأعمال والاحوال إنما تنبني على توحيد الله عز وجل في العبادة وسخط عبادة ما سواه، فلمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليها، ومن حصل له هذا القطب ثبتت له الرحى ودارت على ذلك القطب، فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام، فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم.

وأيضاً فانه جعل حصول هذه الدرجة من الرضا موقوفاً على كون المرضي به رباً سبحانه أحب إلى العبد من كل كل شيء، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحق الأشياء بالطاعة. ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية وينتظم فروعها وشعبها. ولما كانت المحبة التامة ميل القلب كليته إلى المحبوب، كان ذلك الميل حاملاً على طاعته وتعظيمه، وكلما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتم والتعظيم، وكانت الطاعة أتم والتعظيم أوفر، وهذا الميل يلازم الإيمان بل هو روح الإيمان ولبه.

فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحق الأشياء بالطاعة؟ وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يكره أن يلقى في النار. فعلق ذوق الإيمان بالرضا بالله رباً، وعلق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله.

إذاً، الرضا بالله رباً... لحظة، أنا هذا كله يعني هو يحلل في كلمة الرضا، ويأتي بمواردها في الشريعة في نصوص الكتاب والسنة. فمن هذا التحليل قال لك: في رضا بالله وفي رضا عن الله. وبعدين أخذ يتكلم عن الرضا بالله، ويتكلم عن أنه هذا الرضا بالله لا يصح إلا بالسخط على ما يعبد من دونه. ثم يقول لك: هذا الرضا بالله معلق على شيء أصلاً، وهو أن يكون هو أحب إليكم من كل شيء، وذكر قبل ذلك أن الرضا بالله هو المتعلق بأسمائه وصفاته.

آآ طيب، آآ أقول أن احنا نكتفي بهذا اليوم فقط، نكمل الصفحة هذه الباقية، وبعدين إن شاء الله غداً نكمل بقية منزلة الرضا، لأنه بقي فيها كلام كثير، وما بقي قد يكون أكثر مما مضى في منزلة.

يقول: فعلق ذوق الإيمان بالرضا بالله رباً، وعلق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله. ولما كان هذا الحب التام والإخلاص الذي هو ثمرته أعلى من مجرد الرضا بربوبيته سبحانه، كانت ثمرته أعلى، وهي وجد حلاوة الإيمان وثمرة الرضا ذوق طعم الإيمان، ولهذا فهذا وجد حلاوة وذاك ذوق طعم، والله المستعان.

وإنما ترتب هذا وهذا عن الرضا به وحده رباً والبراءة من عبودية ما سواه، وميل القلب بكليته إليه، وانجذاب قوى المحب كلها إليه. ورضاه عن ربه تابع لهذا الرضا به، فمن رضي بالله رباً رضيه الله له عبداً. فمن رضي بالله رباً رضيه الله له عبداً، هذا هذا الشرف والمنزلة، سبحان الذي أسرى بعبده! ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته لم ينل بذلك درجة رضا الرب عنه إن لم يرض به رباً وبنبيه رسولاً وبالإسلام ديناً.

فإن العبد قد يرضى عن الله ربه فيما أعطاه وفيما منعه، ولكن لا يرضى به وحده معبوداً وإلهاً، ولهذا كما ضمن رضا العبد يوم القيامة لمن آآ رضي به رباً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال كل يوم رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، إلا كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن رضي بك رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً. اللهم اكتبنا ممن رضيت عنهم وعنك، واجعلنا ربنا ممن يققال لهم: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي. اللهم إنا نسألك أن تعز الإسلام وأهله، وأن تنجي المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، وأن تذل أعداء الإسلام. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.