بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نحمدك ونشكرك ونثني عليك، ونسألك اللهم أن تحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم إنا نسألك أن تبارك لنا في هذه المجالس، وأن ترزقنا حسن العمل بما نتعلم، وأن تجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه. ونسألك سبحانك ونسألك اللهم أن تنزل علينا رحمتك وسكينتك، وأن تحفنا بملائكتك، وأن تتقبل منا هذه اللحظات وهذه الساعات بفضلك وجودك ومنك وكرمك يا رب العالمين.
هذا اليوم هو يعني المجلس اليوم هو المجلس الثالث عشر من مجالس قراءة مدارج السالكين، واليوم عندنا تتمة منزلة الرضا، وكان يوم أمس الحديث لذيذا وجميلا ملأ النفس بأشعة الإيمان إن شاء الله. واليوم تتمة عما يتعلق بالرضا، وإن كان حقيقة اليوم قد نأتي إلى بعض المسائل العقدية المتعلقة بالرضا؛ لأن الإمام ابن القيم رحمه الله أخذ يتحدث عن الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، وما أوجب لبعض الطوائف انحرافا في فهم مفهوم الرضا بحيث إنهم لم يميزوا بين أقدار الله التي يحبها، وبين أقدار الله التي قضاها بحكمته ولو لم تكن محبوبة لديه من كل الجهات.
فذكر انحراف الناس في هذه القضية، وأخذ يناقش، وتعرض في ثنايا ذلك إلى مسألة خلق الشر، وضرب مثالا مع ذلك بخلق إبليس؛ فما الحكمة من خلق إبليس؟ فذكر تقريبا أربعة عشر وجها من وجوه الحكم والمصالح في خلق إبليس، ثم بعد ذلك انتقل إلى نقاش يعني تفصيلي في هذه القضية، فنحن لن نقرأ كل شيء متعلق بهذه المسألة، والمهتم بها يمكن أن يرجع إليها.
ولكن هنا يعني سنمر على بعض القضايا، فقال في صفحة أربع مئة وثلاثة وثمانين، قال رحمه الله، أو خلينا في آخر صفحة أربع مئة واثنين وثمانين، قال: واما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه مثل قدر المعائب والذنوب، فالعبد مأمور بسخطها ومنهي عن الرضا بها، وهذا هو التفصيل الواجب في الرضا بالقضاء.
وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا عظيمًا، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل؛ فإن لفظ الرضا بالقضاء لفظ محمود مأمور به، وهو من مقامات الصديقين، فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل، وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضي مرضي له ينبغي له الرضا به.
ثم انقسموا على فرقتين؛ فقالت فرقة: إذا كان القضاء والرضا متلازمين فمعلوم أننا مأمورون ببغض المعاصي والكفر والظلم فلا تكون مقضية مقدرة، يعني هنا فرقة القدرية التي أنكرت القدر. وفرقة قالت: قد دل العقل والشرع على أنها واقعة بقضاء الله وقدره فنحن نرضى بها.
والطائفتان منحرفتان جائرتان عن قصد السبيل؛ فأولئك أخرجوها عن قضاء الرب وقدره، وهؤلاء رضوا بها ولم يسخطوها. هؤلاء خالفوا الرب تعالى في رضاه وسخطه وخرجوا عن شرعه ودينه، وأولئك أنكروا تعلق قضائه وقدره بها. واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين.
لاحظوا القدر والشرع، القدر إثبات القدر وإثبات الشرع، يقول: الطائفة الأولى أنكرت القدر، وطائفة أخرى رضيت بكل شيء ولو كان ذنوبا أو معاصي. حسنا، أهل السنة، أهل إثبات الأمرين القدر وإثبات الشرع، ما موقفهم من قضاء الله الذي فيه المصائب، أو خلينا نقول فيه حتى مثل يعني ما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى مثل خلق إبليس وما يترتب عليه من معاصي وذنوب؟
قال: فقالت طائفة: لم يقم دليل من الكتاب والسنة ولا الإجماع على جواز الرضا بكل قضاء، فضلا عن وجوبه واستحبابه، فأين أمر الله عباده أو رسوله أن يرضوا بكل ما قضاه الله وقدره؟ وهذه طريقة كثير من أصحابنا وغيرهم، وبه أجاب القاضي أبو يعلى وابن الباقلاني، قال: فان قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره؟ قيل له: نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه، والذي أمرنا أن نرضى به ولا نرضى من ذلك ما نهانا عنه أن نرضى به، ولا نتقدم بين يدي الله تعالى ولا نعترض على حكمه.
وقالت طائفة أخرى: يطلق الرضا بالقضاء في الجملة دون تفاصيل المقضي المقدر، فنقول: نرضى بقضاء الله جملة ولا نطلق الرضا على كل واحد من تفاصيل المقضي. كما يقول المسلمون: كل شيء يبيد ويهلك، ولا يقولون حجج الله تبيد وتهلك، ويقولون: الله رب كل شيء، ولا يضيفون ربوبيته إلى الأعيان المستخبثة المستقذرة بخصوصها.
على أي حال، سنتجاوز هذه النقاشات وإن كانت مفيدة، إلى سنذهب إلى صفحة أربع مئة وتسعين عند الكلام على خلق إبليس وما ترتب عليه من المصالح والحكم، قال رحمه الله تعالى: مثال ذلك أنه سبحانه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإيرادات، وهو سبب شقاوة العبيد وعملهم بما يغضب الرب تبارك وتعالى، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه بكل طريق وكل حيلة.
فهو مبغوض للرب سبحانه وتعالى مسخوط له، لعنه الله ومقته وغضب عليه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتب على خلقه وجودها أحب إليه من عدمها. الآن بدأ في ذكر الحكمة من خلق إبليس، قال: منها أن تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرها وهي ثوب كل شر في مقابلة ذات جبريل التي هي أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها وهي مادة كل خير.
فتبارك الله خالق هذا وهذا، كما ظهرت لهم قدرته التامة في خلق الليل والنهار، والضياء والظلام، والداء والدواء، والحياة والموت، والحر والبرد، والحزن والحسن والقبيح، والأرض والسماء، والذكر والأنثى، والماء والنار، والخير والشر. وذلك من أدل الدلائل على كمال قدرته وعزته وسلطانه وملكه، فانه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض وسلط بعضها على بعض وجعلها محال تصرفه وتدبيره وحكمته.
ومنها ظهور آثار اسمائه القهرية مثل القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، وشديد العقاب، وسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذل. فان هذه الأسماء والافعال كمال، فلابد من وجود متعلقها، ولو كان الخلق كلهم على طبيعة الملك لم يظهر اثر هذه الأسماء والأفعال.
ومنها ظهور آثار اسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.
ومنها ظهور آثار اسماء الحكمة والخبرة، فانه سبحانه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل، ولا الفضل والعطاء موضع الحرمان والمنع إلى آخره.
قال: فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه ووصولها، وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله، وأحكم من أن يمنعها أهلها وأن يضعها عند غير أهلها. فلو قدر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له لتعطلت هذه الآثار ولم تظهر لخلقه، ولفاتت الحكم والمصالح المترتبة عليها، وفواتها شر من حصول تلك الأسباب.
ثم قال: ومنها، وهذه الحكمة الخامسة، حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، ولكان الحاصل بعضها لا كلها؛ فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة فيه سبحانه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه وبذل النفس له في محاربة عدوه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى آخره.
ومنها عبودية التوبة والرجوع إليه والاستغفار، فانه سبحانه يحب التوابين ويحب توبتهم، فلو عطلت الأسباب التي يتاب منها لتعطلت عبودية التوبة والاستغفار. ومنها عبودية مخالفة عدوه ومراغمته في الله وإغاظته فيه، وهي من أحب أنواع العبودية إليه، فانه سبحانه يحب من وليه أن يغيظ عدوه ويراغمه ويسوءه، وهذه عبودية لا يتفطن لها إلا الأكياس.
ومنها أن يتعبد له بالاستعاذة من عدوه وسؤاله أن يجيره منه ويعصمه من كيده وأذاه. ومنها أن عبيده يشتد خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حل بعدوه بمخالفته وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المرتبة الشيطانية. ومنها أنهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته الذي حصوله مشروط بالمعاداة والمخالفة، فأكثر عبادات القلوب والجوارح مرتبة على مخالفتهم.
ومنها أن نفس اتخاذه عدوا من أكبر أنواع العبودية وأجلها، قال الله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذوهُ عَدُوًّا. ومنها أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر والطيب والخبيث، وذلك كائن فيها كمون النار في الزناد، فخلق الشيطان مستخرجا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل، يعني القوة أقرب لمعنى القابلية، والفعل التحقق، وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل.
فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوى هؤلاء من الخير الكامل فيها ليترتب عليه آثاره، وما في قوى أولئك من الشر ليترتب عليه آثاره، وتظهر حكمته في الفريقين، وينفذ حكمه فيهما، ويظهر ما كان معلوما لهم مطابقا لعلمه السابق. وهذا هو السؤال الذي سألته الملائكة حين قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
فظنت الملائكة أن وجود من يسبح بحمده ويطيعه ويعبده أولى من وجود من يعصيه ويخالفه، فأجابهم سبحانه بأنه يعلم من الحكم والمصالح والغايات المحمودة في خلق هذا النوع ما لا تعلمه الملائكة. ومنها أن ظهور كثير من آياته وعجائب صنعه حصل بسبب وقوع الكفر والشر من النفوس الكافرة الظالمة، كآية الطوفان، وآية الريح، وآية إهلاك ثمود وقوم لوط، وآية انقلاب النار على يد إبراهيم بردا وسلاما، والآيات التي أجرى الله على يد موسى وغير ذلك من آياته التي يقول سبحانه عقب ذكر كل آية منها في سورة الشعراء: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
فلولا كفر الكافرين الجاحدين لما ظهرت هذه الآيات الباهرة التي يتحدث الناس بها جيلا بعد جيل. ومنها أنه خلق الأسباب المتقابلة التي يقهرببعضها بعضا ويكسرببعضها بعضا، وهذا من شأن كمال الربوبية والقدرة النافذة والحكمة التامة والملك الكامل، وان كان شأن الربوبية كاملا في نفسه ولو لم تخلق هذه الأسباب، لكن خلقها من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته. فظهور تأثيرها وأحكامها في الشهادة تحقيق لذلك الكمال وموجب من موجباته، فتعمير مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصفات من آثار الكمال المطلق بجميع وجوهه وأقسامه وغاياته.
الان ذكر أربعة عشر حكمة من الحكم التي خلق الله لأجلها إبليس، وأظن أنه في الشفاء العليل أتصور أنه ذكر أكثر من ذلك. قال: وبالجملة فالعبودية والآايات والعجائب التي ترتبت على خلق ما لا يحبه ولا يرضاه وتقديره ومشيئته، أحب إليه سبحانه وتعالى من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها.
ثم أخذ يناقش اعتراضات مثارة على هذا التقدير نتجاوزها أيضا لتوفير الوقت، وممكن الإنسان يرجع إليها كما ذكرت. الآن سنتوجه إلى موضع مهم جدا في صفحة خمس مئة وسبعة، هذا موضع من أهم المواضع حقيقة في منزلة الرضا، وموضع أبحر فيه ابن القيم طويلا.
هنا يتكلم عن ماذا؟ ابن القيم رحمه الله يتكلم أن استواء حالات استواء الحالات عند الراضي؛ يعني هو يقول إنه الذي يرضى عن الله سبحانه وتعالى، الذي يرضى عن الله تستوي عنده الحالات، يعني إن كنت غنيا، كنت فقيرا، كنت في عافية، كنت في مرض، كنت بين أهلك وبلدك، كنت مهجرا مغربا، كنت حرا، كنت سجينا، أيا كانت حالتك يقول: أنت راضي والحالات عندك مستوية.
هذه طبعا منزلة عالية جدا، فهو هنا يقول: ايش الوجوه المسببة، أو الأشياء المسببة لحالة الاستواء، استواء الحالات عند الانسان المؤمن؟ يعني ايش البواعث؟ ايش الأسباب؟ ايش المكونات؟ ايش المحركات التي تجعل المؤمن الراضي الرضا التام عن الله سبحانه وتعالى الحالات عنده مستوية بلا عافية نعمة ايش ما هي؟
فهنا سيذكر اثنين وستين سببا، أو محركا تجعل المؤمن تستوي عنده الحالات. أنا سأمر عليها أكثرها على أكثرها إن شاء الله، لكن عندي تنبيه في تنبيه منهجي مهم قبل ما ندخل في هذه حالات، أحيانا نقرأ بعض الجمل والعبارات، وبعضها موجود في الكتاب هنا، هي قد تكون حالة استرسالية في التعبير، أو تعرفوا ابن القيم أحيانا لمن يذكر بعض الأشياء يقول يفسرها، يقول: هذا حال وليس مقام.
أنت تذكر لما نتكلم عن أنه اللي يقطعون الصحراء زاد ومدري ايش وكذا، أنه قال: قد يعرض لهم أحيانا من كذا. فأحيانا تأتي مواقف لناس من السلف أو حتى يعني في استرسالات ابن القيم، نحتاج ننتبه أن هذه الحالة ليست أصلا، أو ليست هي الحالة التامة، اللي هي حالة أن مثلا الفقر أحب إلي من الغنى؛ مثلا مو الفقر أحب إليه من الغنى، لا. هذا الأمر أمر آخر، ليست هذه المسألة لأن فيها نقاش، لا، وإنما استلذاذه بالفقر أحب إليه أو أكثر من استلذاذه بالغنى، استلذاذه بالبلاء والمرض أكثر من استلذاذه بالعافية.
يعني مثل هذه التعبيرات قد يكون فيها نوع من إكراه الفطرة الإنسانية. وإذا رجعنا للمحك الذي تأسسه ابن القيم أصلاً بشكل واضح أنه وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فسنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله العافية، وكان يوصي أصحابه بأن يسألوا الله العافية، وكان دائماً في كل صباح ومساء يسأل الله العافية، فيعني الإنسان يوازن بين مثل هذا.
لكن في الجملة هذا الموضع من المواضع الجميلة جداً جداً التي حقيقة تبعث الإنسان على السكون والسكينة والطمأنينة، وأنه لا يكون من فزعاً في هذه الحياة إذا أصيب بشيء يفزع ويطير لا. وإنما أنظر ايش الثمرة؟ ايش الأشياء التي ممكن تقنع الإنسان حتى يكون راضياً؟ حتى يكون راضياً عن الله وراضياً بقضاء الله.
بسم الله، رحلة الاثنين وستين سبباً، ولكنها مختصرة وسريعة إن شاء الله. يقول: أولاً؛ أحدها أنه مفوض، يعني المؤمن مفوض، والمفوض راض بكل ما اختاره له من فوض إليه، ولا سيما إذا علم كمال حكمته ورحمته ولطفه وححسن اختياره له.
الثاني؛ أنه جازم بأن لا تبديل لكلمات الله ولا راد لحكمه، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فهو يعلم أن كلا من البلية والنعمة بقضاء سابق وقدر.
الثالث؛ أنه عبد محض، والعبد المحض لا يسخط جريان أحكام سيده المشفق البار الناصح المحسن، بل يتلقاها كلها بالرضا.
الرابع؛ أنه محب، والمحب الصادق من رضي بما يعامله به حبيبه.
الخامس؛ أنه جاهل بعواقب الأمور، وسيده أعلم بمصلحته وبما ينفعه.
السادس؛ أنه لا يريد مصلحة نفسه من كل وجه ولو عرف أسبابها، فهو جاهل ظالم، وربه تبارك وتعالى يريد مصلحته ويسوق إليه أسبابها، ومن أعظم أسبابها ما يكرهه العبد، فإن مصلحته فيما يكره أضعاف أضعاف مصلحته فيما يحب، قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. وقال تعالى: فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
السابع؛ أنه مسلم، والمسلم من قد سلم نفسه لله ولم يعترض عليه في جريان أحكامه عليه ولم يسخط ذلك.
الثامن؛ أنه عارف بربه، حسن الظن به، لا يتهمه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره، فحسن ظنه به يوجب له استواء الحالات عنده ورضاه بما يختاره له سيده.
التاسع؛ أن يعلم أن حظه من المقدور ما يتلقاه به من رضا وسخط، فلا بد له منه، فإن رضي فله الرضا، وإن سخط فله السخط.
العاشر؛ علمه بأنه إذا رضي انقلب في حقه نعمة ومنحة، وخف عليه حمله وأعين عليه، وإذا سخط تضاعف عليه ثقله وكله ولم يزدد إلا شدة، فلو أن السخط يجدي عليه شيئاً لكان له فيه راحة أنفع له من الرضا به. ونكتة المسألة إيمانه بأن قضاء الرب تبارك وتعالى خير له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ.
الحادي عشر؛ أن يعلم أن تمام عبوديته في جريان ما يكرهه من الأحكام عليه، ولو لم يجري عليه منها إلا ما يحب لكان أبعد شيء عن عبودية ربه، فلا تتم له عبودية من الصبر والتوكل والرضا والتضرع والافتقار والذل والخضوع وغيرها إلا بجريان القدر له بما يكرهه، وليس الشأن في الرضا بالقضاء الملائم للطبيعة، إنما الشأن في القضاء المؤلم المنافر للطبع.
هذه الجملة من الجمل المهمة جداً، لو تتذكرون أمس لمن ذكرنا التسليم لمن ذكرت قضية أنه التسليم الحقيقي يكون فيما يخالف طبع الإنسان، ويعني برأيي هنا الآن نفس الكلام لكن في قضية الرضا يقول: ليس الشأن بالرضا بالقضاء الملائم للطبيعة، إنما الشأن في القضاء المؤلم المنافر للطبع.
يعني مثلاً خلينا ناخذ مثال من الواقع الحالي اللي احنا فيه؛ في ناس ما عندهم مشكلة في خلنا نقول في العزلة أو في الحبس في البيوت، فلما يجي مثل هذا المرض فهو أصلاً يعني هذا شيء موافق لطبعه، ما رأى شيئا صعباً في الموضوع. وهناك أناس هذه القضية صعبة عليهم إلى أبعد درجة وإلى أبعد مدى، هذا مثال على شيء موافق لطبعك وشيء منافر له.
ابن القيم يقول طبعاً هذا فقط مثال للموافق والمنافر، لكن بشكل عام متى يكون اختبارك الحقيقي في الرضا؟ لما يأتيك القضاء الذي ينافر طبعك وليس الذي يوائمه.
الثاني عشر؛ أن يعلم أن رضاه عن ربه سبحانه وتعالى في جميع الحالات يثمر رضا ربه عنه، فإذا رضي عنه بالقليل من الرزق رضي ربه عنه بالقليل من العمل، وإذا رضي عنه في جميع الحالات واستوت عنده وجده أسرع شيء إلى رضاه إذا ترضاه وتملقه.
الثالث عشر؛ أن يعلم أن اعظم راحته وسروره ونعيمه في الرضا عن ربه تعالى وتقدس في جميع الحال، فإن الرضا باب الله الأعظم ومستراح وجنة الدنيا، فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه وألا يستبدل بغيره منه.
السبب أو المحرك أو الباعث الرابع عشر الذي يبعث المؤمن على الرضا يقول: إن السخط -وهو عكس الرضا- إن السخط باب الهم والغم والحزن وشتات القلب وكسر البال وسوء الحال والظن بالله خلاف ما هو أهله، والرضا يخلصه من ذلك كله ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.
خامس عشر؛ أن الرضا يوجب له الطمأنينة وبرد القلب وسكونه وقراره، والسخط يوجب اضطراب قلبه وريبته وانزعاجه وعدم قراره.
السادس عشر؛ أن الرضا ينزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها، ومتى نزلت عليه السكينة استقام صلحت أحواله وصلح باله، والسخط يبعده منها بحسب قلته وكثرته، وإذا ترحلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والدعم الراحة وطيب العيش، فمن أعظم نعم الله على عبده تنزل السكينة عليه، ومن أعظم أسبابها الرضا عنه في جميع الحالات.
السابع عشر؛ أن الرضا يفتح له باب السلامة فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم، كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضا كان قلبه أسلم، فالخبث والدغل والغش قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا، وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا.
الثامن عشر؛ أن السخط يوجب تلون العبد وعدم ثباته مع الله، فإنه لا يرضى إلا بما يلائم طبعه ونفسه والمقادير تجري دائماً بما يلائمه وبما لا يلائمه، وكلما جرى عليه منها ما لا يلائمه أسخطه فلا تثبت له قدم على العبودية، فإذا رضي عن ربه في جميع الحالات استقرت قدمه في مقام العبودية فلا يزيل التلون عن العبد شيء مثل الرضا.
التاسع عشر؛ أن السخط يفتح عليه باب الشك في الله وقضائه وقدره وحكمته وعلمه، فقل أن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ويتغلل فيه وإن كان لا يشعر به، فلو فتش نفسه غاية التفتيش لوجد يقينه معلولا مدخولا، فإن الرضا واليقين أخوان مصطحبان، والشك والسخط قرينان، وهذا معنى الحديث الذي في الترمذي أو غيره: إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل، وإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيراً كثيراً، هذا نقطة مرة مهمة حقيقة.
العشرون؛ أن الرضا بالمقدور من سعادة ابن آدم وسخطه من شقاوته، كما في المسند والترمذي عن حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ. فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة، والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة، طبعاً الحديث فيه كلام من جهة الثبوت.
الحادي والعشرون؛ أن الرضا يوجب له ألا يأس على ما فاته ولا يفرح بما آتاه، وذلك من أفضل الإيمان، أما عدم أساه على الفائت فظاهر، وأاما عدم فرحه بما آتاه فلأنه يعلم أن المصيبة فيه مكتوبة من قبل حصوله، فكيف يفرح بشيء يعلم أن له فيه مصيبة ولا بد؟
الثاني والعشرون؛ أن من ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمناً وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا امتلأ قلبه بضد ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه، الرضا يفرغ القلب لله، والسخط يفرغ القلب من الله.
الثالث والعشرون؛ أن الرضا يثمر الشكر الذي هو أعلى أو من أعلى مقامات الإيمان بل هو حقيقة الإيمان، والسخط يثمر ضده وهو كفر النعم وربما أثمر له كفر المنعم، فإذا رضي العبد عن ربه في جميع الحالات أوجب له ذلك شكره فيكون من الراضين الشاكرين، وإذا فاته الرضا كان ممن سلك سبيل الكافرين.
الرابع والعشرون؛ أن الرضا ينفي عنه آفات الحرص والكلب على الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة وأصل كل بلية أساس كل رزية، فرضاه عن ربه في جميع الحالات ينفي عنه مادة هذه العفاف.
الخامس والعشرون؛ أن الشيطان إنما يظفر بالإنسان غالباً عند السخط والشهوة، فهناك يصطادهم ولا سيما إذا استحكم سخطه، فإنه يقول ما لا يرضى الرب ويفعل ما لا يرضيه وينوي ما لا يرضيه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبَّنَا، فَإِنَّ فِرَاقَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. فإن موت البنين من العوارض التي توجب للعبد السخط على القدر، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقول في مثل هذا المقام الذي يسخطه أكثر الناس فيتكلمون بما لا يرضي الله ويفعلون ما لا يرضيه إلا ما يرضي ربه تبارك وتعالى.
ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رؤي في الجنازة ضاحكاً، فقيل: أتضحك وقد مات ابنك؟ فقال: إن الله قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه. فأنكرت طائفة هذه المقالة على الفضيل وقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى يوم مات ابنه وأخبر أن القلب يحزن وأن العين تدمع وهو في أعلى مقامات الرضا، فكيف يعد هذا من مناقب الفضيل؟
والتحقيق أن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتسع لتكمل جميع المراتب من الرضا عن الله والبكاء رحمة للصبي، فكان له مقام الرضا ومقام الرحمة ورقة القلب. والفضيل لم يتسع قلبه لمقام الرضا ومقام الرحمة فلم يجتمع له الأمران، والناس في ذلك على أربع مراتب.
أحدها من اجتمع له الرضا بالقضاء ورحمة الطفل فدمعت عيناه رحمة والقلب راض.
الثاني من غيبه الرضا عن الرحمة فلم يتسع للأمرين بل غيبه أحدهما عن الآخر.
الثالث من غيبته الرحمة والرقة عن الرضا فلم يشهدها فألغي عن الرضا.
الرابع من لا رضا عنده ولا رحمة، وإنما يكون حزنه لفوات حظه من الميت، وهذا أكثر الخلق فلا أحسان ولا رضا عن الرحمن والله المستعان.
فالأول في أعلى مراتب الرضا، والثاني دونه، والثالث دون الثاني، والرابع... وعندي حقيقة تعليق هنا أنه هو جعل القسمة رباعية، وجعل القضية يعني رحمة بالميت فقط رحمة بالطفل هنا قام... هو جعل أنه من يكون حزنه لفوات حظه من الميت، يعني أقصد أن هناك حالة وسيطة بين هذه وهي أنه ليس بالضرورة أن يكون فقط رحمة للميت وألا ينافي الرضا، وإنما قد يكون كذلك حزناً على فراقه، حزناً على فراقه وليس فقط رحمة له، وهذا الذي يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن القلب ليحزن، لأنه لو كانت مجرد رحمة لو كانت مجرد رحمة لكان جاء في ذلك أنه يعني هو صحيح أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة لكن لكان أتى هذا اللفظ فقط ولم يأتي لفظ الحزن أيضاً، فلأجل ذلك أنه اتساع القلب لمقام الرضا واتساع القلب لمقام الرضا ولمقام الرحمة ولمقام الحزن الطبيعي الفطري، فهذا كله لا يتنافى مع الرضا وهو أكمل من عدم اتساع القلب لهذه المقامات والله أعلم.
طبعاً قال السادس والعشرون: لأن الرضا هو اختيار ما اختاره الله لعبده، والسخط وكراهة ما اختاره الله له.
السابع والعشرون: أن الرضا يخرج الهوى من القلب، فالراضي هواه تبع لمراد ربه منه، أعني المراد الذي يحبه ربه ويرضاه، فلا يجتمع الرضا واتباع الهوى في القلب أبداً وإن كان معه شعبة من هذا وشعبة من هذا فهو للغالب عليه منهما.
الثامن والعشرون: أن الرضا عن الله في جميع الحالات يثمر للعبد رضا الله عنه كما تقدم في بيانه في الرضا به، فإن الجزاء من جنس العمل.
التاسع والعشرون: أن الرضا بالقضاء أشق شيء على النفس، بل هو ذبحها في الحقيقة، فإنه مخالفة هواها وطبعها وإرادتها، ولا تصير مطمئنة قط حتى ترضى بالقضاء، فحينئذ تستحق أن يقال لها: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.
الثلاثون: أن الراضي متلقي أوامر ربه الدينية والقدرية بالانشراح والتسليم وطيب النفس، وقد بينا وصاحة الأفراح بضد ذلك، وقد بينا أن الرضا بذلك لا ينفعه ولا يثاب عليه، فإنه لم يرض به لكون الله
قدره وقضاه، وإنما رضي به لموافقته هواه وطبعاً. فطبيعي الحادي والثلاثون أن المخالفات أن المخالفات كلها أصلها من عدم الرضا، والطاعات كلها أصلها من الرضا. الثاني والثلاثون أن عدم الرضا يفتح باب البدعة، والرضا يغلق عنه ذلك الباب، ولو تأملت بدع الروافض والنواصب والخوارج لرأيتها ناشئة من عدم الرضا.
حكم الكوني أو الديني أو كليهما. الثالث والثلاثون أن الرضا معقد نظام الدين معقد نظام الدين ظاهره وباطنه، فإن القضايا لا تنقسم لا تخلو من خمسة أنواع فتنقسم قسمين، دينية وكونية، وهي مأمورات ومنهيات ومباحات.
ونعم ملذة وبلايا مؤلمة، فإذا استعمل العبد الرضا في ذلك كله فقد أخذ بالحظ الوافر من الإسلام. الرابع والثلاثون أن الرضا يخلص العبد من مخاصمة الرب تعالى في أحكامه وأقضيته.
خمس ثلاثون أن جميع ما في الكون أوجبته أوجبته مشيئة الله وحكمته وملكه، فهو موجب اسمائه فهو موجب أسماء وصفاته، فمن لم يرض بما رضي به ربه لم يرض باسمائه وصفاته فلم يرض به ربا.
السادس والثلاثون أن كل قدر يكرهه العبد ولا ولا يلائمه لا يخلو إما أن يكون عقوبة على الذنب، فهو دواء لمرض لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى به المرض إلى الهلاك.
أو يكون سببا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه المكروه ينقطع ويتلاشى، وما يترتب عليه من نعمة دائم لا ينقطع، فإذا شهد العبد هذين الأمران انفتح له باب الرضا عن ربه في كل ما يقضيه له ويقدره.
السابع والثلاثون أن حكم الرب تبارك وتعالى ماض في عبده وقضاؤه عدل فيه، كما في الحديث ماض في حكمك عدل في قضاؤك، ومن لم يرض بالعدل فهو من أهل الظلم والجور. وقوله عدل في قضاؤك يعم قضاء الذنب وقضاء أثره وعقوبته، فإن.
أه أه وقضاء أثره وعقوبته، فإن الأمرين من قضائه عز وجل، وهو أعدل العادلين في قضائه بالذنب وفي قضائه بعقوبته. وأما عدله في العقوبة فظاهر، وأما عدله في قضاء الذنب إلى آخره.
ثم أخذ يذكر حواراً متعلقاً بهذه القضية القضاء بالذنب. ننتقل إلى الثامن والثلاثون أن عدم الرضا إما أن يكون لفوات ما أخطأه مما يحبه ويريده، وإما لإصابة ما يكرهه ويسخطه، فإذا تيقن أنما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
فلا فائدة في سخطه بعد ذلك إلا فوات ما ينفعه وحصول ما يضره. التاسع والثلاثون التاسع والثلاثون أن الرضا من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح، فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان.
قال أبو الدرداء: ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر. الأربعون أن أول معصية عصي الله بها في هذا العالم إنما نشأت من عدم الرضا، فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به.
كونا من تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الديني من أمره بالسجود لآدم، وآدم لم يرض بما أبح له من الجنة حتى ضمه إليه الأكل من شجرة الحمى، ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضا.
الحادي والأربعون أن الراضي واقف مع اختيار الله له معرض عن اختياره لنفسه، وهذا من قوة معرفته بربه ومعرفته بنفسه. وقد اجتمع وهيب ابن الورد وهيب ابن الورد وسفيان الثوري ويوسف ابن الأسباط، فقال الثوري: قد كنت أكره موت الفجأة أو الفجأة قبل اليوم وما.
وأما اليوم فوجدت أني ميت، فقال له يوسف بن أسباط: ولم؟ فقال آآ لما أتخوف من الفتنة، فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء. فقال الثوري: ولم تكره ولما تكره الموت.
قال: لعلي أصادف يوم أتوب فيه آآ وأعمل صالحاً، فقيل لهيب: أي شيء تقوله أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئاً، أحب ذلك إلي أحبه إلى الله، فقبل الثوري بين عينيه وقال: روحانية ورب الكعبة.
فهذا حال عبد قد استوت عنده حاجة الحياة والموت آآ وقف مع اختيار الله له منهما، وقد كان مهيب رحمه الله له المقام العالي من الرضا وغيره. الثاني وأربعون أن أن يعلم أن منع الله سبحانه وتعالى لعبده المؤمن المحب عطاء.
وأن أن منع الله سبحانه وتعالى لعبده المحب عطاء وابتلاءه إياه عافية. قال سفيان الثوري: منعه عطاء، وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم أو عدم، وإنما نظر في خير عبده المؤمن فمنعه اختياراً وحسن نظر.
وهذا آآ كما قال: ما أعرف سفيان الثوري، فانه سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيراً له، ساءه ذلك القضاء أو سره. طيب، هنا جاءت جملة التلذذ بالبلاء أكثر من عافية المحشية.
المحقق ذكر أيضاً التعليق وأنا أشرت في البداية إلى القضية، نذهب إلى الثالث والأربعون، قال الثالث والأربعون أن يعلم أنه سبحانه هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء.
والمظهر لكل شيء والمالك لكل شيء، وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار، وليس للعبد أن يختار عليه، وليس لأحد معه اختيار، ولا يشرك في حكمه أحداً، والعبد لم يكن شيئاً مذكوراً، فهو سبحانه الذي اختار وجوده واختار أن يكون كما قدره له وقضاه من عافية وبلاء غنى وفقر.
وعز وذل ونباهة وخمول، فكما تفرد سبحانه بالخلق تفرد بالاختيار والتدبير، وليس للعبد شيء من ذلك، فإن الأمر كله لله، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. فإذا تيقن العبد أن الأمر كله لله وليس له من الأمر قليل ولا كثير لم يكن له معول.
ثم بعد ذلك غير الرضا مواقع الأقدار وما يجري به من ربه الاختيار. الرابع والأربعون أن رضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها، لأن رضا الله صفة الله والجنة خلقه.
كما قال الله تعالى أو قال الله تعالى: وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ بعد قوله: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ.
وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وهذا الرضا جزاء على رضاهم عنه في الدنيا، ولما كان هذا الجزاء أفضل الجزاء كان سببه أفضل الأعمال. الخامس والأربعون أن العبد إذا رضي به وعنه.
في جميع الحالات لم يتخير عليه المسائل، وأغناه رضاه بما يقسمه له ويقدره ويفعله به عن ذلك، وجعل ذكره في محل سؤاله، بل يكون من سؤاله له الإعانة على ذكره وبغول وبلوغ رضاه.
هذا يعطى أفضل مما يعطاه السائل سائل، كما جاء في الحديث: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. طبعا الحديث ضعيف، فإن السائلين سألوه فأعطاهم الفضل الذي سألوه، الراضون رضوا عنه فأعطاهم رضاه عنه، ولا يمنعوا الرضا سؤاله أسباب الرضا، بل أصحابه ملحون في.
وإلى ذلك طبعا هذا الموضع من المواضع المجملة التي تحتاج إلى بيان وهو الذكر يعني في موضع في نفس هذي الوجوه بعد قليل إن شاء الله سيأتي أنه هل من عدم الرضا آآ الإلحاح.
يعني هل أنه الإنسان إذا ألح في الدعاء يكون ليس راضياً؟ طبعا هذي مسألة تختلف قليلاً، هو هنا يتكلم عن كأنه الإنسان آآ من شدة رضاه صار اشتغاله بالذكر أكثر من من اشتغاله بالسؤال وهذا حقيقة.
يعني أيضاً الكلام يحتاج إلى تفصيل ليس ليس على إطلاقه آآ لأنه تأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة دعائه وسؤاله ربه. السادس والأربعون لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يندب إلى أعلى المقامات، فإن عجز فإن عجز العبد عنه حطه إلى المقام الوسط، كما قال.
اعبد اعبد الله كأنك تراه، فهذا مقام المراقبة الجامعة لمقامات الإسلام والإيمان والاحسان، ثم قال: فإن لم تكن تراه فانه يراك، فحطه عند العجز عن المقام الأول إلى المقام الثاني، وهو العلم باطلاع الله عليه ورؤيته له. ومشاهدته لعبده في الملأ والخلاء.
وكذلك الحديث الآخر: أن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً. فرفعه إلى إلى أعلى، قال ثم رده إلى أوسطها إن لم يستطع الأعلى فالاول مقام مقام الإحسان والذي حطه إليه مقام الإيمان، وليس دون ذلك إلا مقام.
الخسران. السبع والأربعون أنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الراضين بمر القضاء بالحكم والعلم والفقه والقرب من درجة النبوة. كما في آآ حديث الوفد الذي نقدمه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: من أنتم؟ فقالوا: مؤمنون. قالوا: ما علامة إيمانكم؟ قال: الصبر عند البلاء والشكر عند.
والرضا بمر القضاء أه والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة الأعداء، فقال حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا آآ أنبياء. وذكر المخرج أو المحقق أن الحديث إسناده ضعيف. الثامن والأربعون أن الرضا اخذ بزمام مقامات الدين.
كلها مكتوب في الكتاب بزمان هي بزمام آآ أن الرضا أخذ بزمام مقامات الدين كلها. وهو روحها وحياتها، فانه رح التوكل وحقيقته وروح اليقين وروح المحبة وصحة المحب ودليل صدق المحبة أو أو صحة المحبة.
ودليل صدق المحبة وروح الشكر ودليله. قال الربيع ابن أنس: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لا تحب شيئاً إلا أكثرت من ذكره، وعلامة الدين الإخلاص لله في السر والعلانية. وعلامة الشكر الرضا بقدر الله والتسليم لقضائه.
فصار الرضا كالروح لهذه المقامات والأساس التي تنبني عليه ولا يصح شيء منها بدونه البتة والله أعلم. التاسع والأربعون أن الرضا يقوم مقام كثير من التعبدات التي تشق على البدن، فيكون رضاه أسهل عليه والذ له.
أرفع في درجته، ثم ذكر مجموعة من الآثار في آآ هذا المعنى. ثم قال الخمسون أن الرضا يفتح باب حسن الخلق حسن يفتح باب حسن الخلق مع الله تعالى ومع الناس، فإن حسن الخلق من الرضا.
وسوء الخلق من السخط، وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل الحطب. الحادي والخمسون أن الرضا يثمر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور. والسكينة وطيب النفس وسكونها في كل حال.
وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا، وبرد القناعة واغتباط العبد بقسمه من ربه وفرحه بقيام مولاه عليه. واستسلامه لمولاه في كل شيء، ورضاه منه بما يجريه عليه وتسليمه له الأحكام.
والقضايا واعتقاد وحسن تدبيره وكمال حكمته، ويذهب عنه شكوى ربه إلى غيره وتبرمه بأقضيته، ولهذا سمى بعض العارفين الرضا حسن الخلق مع الله، فانه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه.
وحذف فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه، فلا يقول ما أحوج الناس إلى مطر ولا يقول هذا يوم شد الحرارة وشد شديد أو شديد البرد، ولا يقول الفقر بلاء والعيال هم وغم.
ولا يسمي شيئاً قضاه الله وقدره باسم مذموم إذا لم يذمه الله سبحانه وتعالى، فإن هذا كله ينافي رضاه. طبعا هذا ليس من لا يقصد من باب الوصف لا يقصد من باب الوصف. لكن.
آآ إذا جاء الحر نجاح الصيف واحد تجلس معه في اليوم يتأفف ويتشكى من الحر خمسة وعشرين مرة يا اخي حر اليوم حر كيف نعيش في الجو هذا كتمة ما احنا قادرين نتنفس.
متى يروح الصيف؟ متى يخلص الصيف؟ متى ينتهي هذا هذا يعني بلا شك أنه نقص هذا نقص. طيب آآ ثم آآ ذكر مجموعة من الآثار في هذا الموضع، أعجبني سطر في صفحة خمس مئة وستة وثلاثين.
آآ أو ثلاثة أطر خمس مئة وستة وثلاثين يقول: وقيل أكثر الناس هماً بالدنيا أكثرهم هماً في الآخرة، وأقلهم هماً بالدنيا أقلهم هماً في الآخرة. فالايمان بالقدر والرضا به يذهب عن العبد الهم والغم.
والحزن ثم قال الثاني والخمسون. طبعا الثاني والخمسون من بواعث ومحركات وأسباب رضا العبد عن ربه، قال الثاني والخمسون أن أفضل الأحوال الرغبة في الله ولوازمها، وذلك لا يتم إلا باليقين والرضا عن الله. ولهذا قال سهل.
حفظ الخلق آآ حفظه. مكتوب حفظ نعم. حظ الخلق من اليقين على قدر حظهم من الرضا، حظ الخلق من اليقين على قدر حظهم من الرضا وحظهم من الرضا على قدر رغبتهم في الله. الثالث والخمسون.
أن الرضا يخلصه من عيب ما لم يعبه الله، ومن ذم ما لم يذمه الله، فإن العبد إذا لم يرض بالشيء عابه بأنواع المعايب وذمه بأنواع المدام. وذلك منه قلة حياء من الله وذم لما ليس له ذنب.
لخلقه، وذلك يسقط العبد من عين ربه، ولو أن رجلاً صنع لك طعاما وقدمه اليك فعبدته وذممته لكنت معترضا الرضا لمقته واهانته ومستدعيا منه ان يقطع ذلك عنك. وقد قال بعض العارفين: إن ذم المصنوع وعيبه إذا لم يذمه صانعه غيبة له وقدح فيه.
الرابع والخمسون أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله الرضا بالقضاء، هذا بحد ذاته كاف ليبعث الإنسان للرضا بالقضاء يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله الرضا بالقضاء كما في المسند والسنن اللهم بعلمك الغيب.
وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا.
بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضرة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين. فسمعت شيخ الإسلام.
ابن تيمية رحمه الله قدس الله رحمه الله يقول: سأله الرضا بعد القضاء، لأنه حينئذ تتبين حقيقة الرضا، وأما الرضا قبله فإنما هو عزم على أن يرضى إذا أصابه، وإنما يتحقق الرضا بعده. تعرفون نقيم ذكر هذا المعنى في أكثر من موضع في الكتاب.
قد يكون استفادة من ابن تيمية في هذا كما يتبين في هذا النقل. قال البيهقي: وروينا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمان وحسن الخلق والرضا بالقدر.
الخامس والخمسون: أن الرضا بالقدر يخلص العبد من أن يرضي الناس بسخط الله، وأن يذمهم على ما لم يؤته الله، وأن يحمده على ما هو عين فضل الله، فيكون ظالماً لهم في الأول وهو رضاهم وذمهم، مشركاً بهم في الثاني وهو حمدهم، فإذا رضي بالقضاء تخلص من ذمه. خلصوا الرضا من ذلك كله.
السادس هو الخمسون: أن الرضا يفرغ قلب العبد ويقلل همه وغمه، فيتفرغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها.
السابع والخمسون: أنه إذا لم يرضَ بالقدر وقع في لوم المقادير إما بقالبه وإما بقلبه وحاله، ولوم لمقدرها، وكذلك يقع في لوم الخلق، والله والناس يلومونه، فلا يزال نائماً ملوماً، وهذا مناف للعبودية.
قال أنس رضي الله عنه: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: إلا فعلته؟ ولا قال لي لشيء كان: ليته لم يكن؟ ولا لشيء لم يكن: ليته كان؟ وكان بعض أهله إذا لام, يقول: دعوه، فلو قضي شيء لكان. وقوله: لو قضي شيء لكان يتناول أمرين: أحدهما ما لم يوجد من مراد العبد، والثاني ما وجد مما يكرهه إلى آخره.
الثامن والخمسون: أنه إذا استوى الامران بالنسبة إلى رضا الرب تعالى فهذا لعبده فقدره وهذا لم يرضه له فلم يقدره، فكمال الموافقة أن يستوي بالنسبة للرب فيرضى ما رضيه له ربه في الحالين.
التاسع والخمسون: أن الله تعالى نهى عن التقدم بين يديه ويدي رسوله في حكمه الديني الشرعي، وذلك عبودية هذا الأمر؛ فعبودية أمره الكوني القدر ألا يتقدم بين يديه إلا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك، فيكون التقدم أيضاً بأمره الكوني والديني، فاذا كان فرضه الصبر أو ندبه أو فرضه الرضا حتى ترك ذلك فقد تقدم بين يدي شرعه وقدره.
الستون: أن المحبة والإخلاص والإنابة لا تقوم إلا على ساق الرضا؛ فالمحب راض عن حبيبه في كل حالة.
وقد كان عمران بن حصين رضي الله عنه استسقى بطنه فبقي ملقى على ظهره مدة طويلة لا يقوم ولا يقعد، وقد نقب له في سريره موضع لحاجته، فدخل عليه مطرف بن عبد الله بن الشخير فجعل يبكي لما رأى من حاله، فقال له عمران: لما تبكي؟ فقال: لأني أراك على هذه الحالة الفظيعة. فقال: لا تبكي، فإن أحبه إلي أخبرك بشيء لعل الله أن ينفعك به واكتم علي حتى أموت: إن الملائكة تزورني فأنِسُ بها وتسلم علي فأسمع تسليمها.
فلما قدم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى مكة وقد كف بصره جعل الناس يهرعون إليه ليدعو لهم فجعل يدعو لهم. قال عبد الله بن السائب: فأتيته أنا غلام فتعرفت إليه فعرفني، فقلت: يا عم، أنت تدعو الناس فيشفعون، فلو دعوت لنفسك لرد الله عليك بصرك. فتبسم ثم قال: يا بني، قضاء الله أحب إلي من بصري.
ثم قال الحادي والستون: أن اعمال الجوارح تضاعف الى حد معلوم محسوب. واما اعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها، وذلك لان اعمال الجوارح لها حد تنتهي اليه عنده فيكون جزاؤها بحسب حدها، واما اعمال القلوب فهي دائما متصلة وان توارى شهود العبد لها. مثاله ان المحبة والرضا حال المحب الراضي لا تفارقه أصلا، وأنت وراه حكمها فصاحبها في مزيد، فنزيد المحب الراضي متصل بدوام هذه الحالة الحالي له فهو في مزيد ولو فترت جوارحه.
بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثير من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما، ويبلغ ذلك لصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام، وأكله أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع. فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد يقصد بالمزيد الآن إيش المقصود من المزيد هم بالضبط؟ يقصد المزيد اللي هو الحسنات؛ لا الحسنات، الحسنات والاجر، فهو يقول يعني أن قد يكون إنسان نائم وقاعد ويكون مزيده أكثر من المتحرك أو القائم.
يقول: فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد نائم بالله وقيام غافل عن الله. الله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم لا إلى صور الأعمال، وقيمة العبد همته وإرادته، فمن لا يرضيه غير الله ولو أعطي الدنيا بحذافيرها له شأن، ومن يرضيه أدنى حظ من حظوظها له شأن، وإن كانت أعمالهما في الصورة واحدة، وقد تكون أعمال الملتفت إلى الحظوظ أكثر وأشق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ثم ذكر قضية: هل للرضا حد ينتهي إليه في مسألة لم يفسر فيها كثيراً وهي قضية: أيهما أفضل؟ الذي يحب الموت شوقاً لله ورغبة في لقائه، أو الذي يحب البقاء لأجل يعني الاستزادة من العمل الصالح؟ وانه الثالث، القول الثالث: أنه لا يحب الموت للغرض الأول ولا البقاء للغرض الثاني، وإنما أنا أحب إلي أحبه إليه. يقول: ذكر هذه الثلاثة أقوال ثم قال: فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال: صاحب الرضا أفضلهم لأنه أقلهم فضولاً وأقربهم إلى السلام.
ولا ريب أن مقام الرضا فوق مقام الشوق والزهد في الدنيا، بقي النظر في مقامي الآخرين أيهما أعلى؟ فرجحت طائفة مقام من أحب الموت لأنه في مقام الشوق إلى الله إلى لقاء الله ومحبة لقائه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ورجحت طائفة مقام مريد البقاء لتنفيذ أوامر الرب تعالى واحتجوا بأن الأول محب لحظه من الله، وهذا محب لمراد الله منه لم يشبع منه ولم يقض منه وتراً.
قالوا: وهذا حال موسى صلوات الله وسلامه عليه حين لطم وجه ملك الموت ففقأ عينه؛ لا محبة للدنيا ولكن لينفذ أوامر ربه ومراضيه في الناس، فكان قال: أنت عبده وأنا عبده، وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره. وحينئذ فنقول في الوجه الثاني والستين: إن حال الراضي المسلم عليهما جميعاً مع زيادة التسليم وترك الاختيار، فانه قد غاب من مراد ربه منه من إحيائه وإماتته عن مراده هو من هذين الأمرين. وكل محب فهو مشتاق إلى لقاء حبيبه مؤثر لمراضيه، فقد أخذ بزمام كل من المقامين واتصف بالحالين، وقال: أحب ذلك إليه أحب إليه، لا أتمنى غير رضاه ولا أتخير عليه إلا ما يحبه ويرضاه، وهذا القدر كاف في هذا الموضع.
هذا يعني هذه خلينا نقول رحلة من اثنتين وستين مرحلة ذكر أسباب وبواعث ومحركات الرضا عن الله سبحانه وتعالى في مسألة أطال فيها، وهي قضية حكم مسألة الناس، وطبعا لكن احنا لأنه ذكرناها سابقاً فراح نتجاوزها مع أنه هنا فصل فيها أكثر في صفحات طويلة، وذكر الأحاديث كثيرة ومنها أحاديث قبيصة إلى آخره.
لكن ساذكر مسألة أنه الالحاح في الدعاء، هذه صفحة خمسمئة وأربعة وستين يقول: فهذا أحد المعنيين في قوله -ويقصد بقوله اللي هو الهروي- أن من شرط الرضا ترك الإلحاح في المسألة، وهو أن يقل معنيين. المعنيين وأولاهما لأنه قرنه بترك الخصومة مع الخلق، فلا يخاصمهم في حقه ولا يطلب منهم حقوقه. والمعنى الثاني: أنه لا يلح في الدعاء ولا يبالغ فيه، فإن ذلك يقدح في رضاه. وهذا يصح في وجه دون وجه.
فإن الآن هو جالس يقول كلام الهروي، يفسر كلام الهروي، بعدين هو يعلق ابن القيم فيقول: هذا اللي هو عدم الإلحاح في الدعاء يصح في وجه دون وجه؛ فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة، وأما إذا ألح على الله في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه، فإن ذلك لا يقدح في مقام الرضا أصلاً. وفي الأثر أن الله يحب الملحين في الدعاء. طبعا في الأثر قال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يثبت. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم بدر للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قد ألححت على ربك بعض مناشدتك لربك! فهذا الإلحاح، أين العبودية؟ وفي سنن ابن ماجه: من لا يسأل الله يغضب عليه.
فإذا كان سؤاله يرضيه لم يكن الإلحاح فيه منافياً لرضاه، وحقيقة الرضا موافقته سبحانه في رضاه. بل الذي ينافي الرضا هنا التفصيل، بل الذي ينافي الرضا أن يلح عليه متحكماً عليه متخيراً عليه ما لم يعلم هل يرضيه أم لا؟ كمن يلح على ربه في ولاية شخص أو إغنائه أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك.
فإن قيل: فقد يكون للعبد حاجة يباح له سؤاله إياها فيلح على ربه في طلبها حتى يفتح له من لذيذ مناجاته وسؤاله ذل بين يديه وتملكه والتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وتفريق القلب له وعدم تعلقه في حاجته بغير ما لم يحصل له بدون الإلحاح، فهل يكره هذا الإلحاح وإن كان المطلوب حظاً من حظوظه؟
قيل: ها هنا ثلاثة أمور: أحدها أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراده ورضاه، ويجعل الرب تعالى وسيلة إلى مطلوبه بحيث يكون أهم إليه منه، فهذا ينافي كمال الرضا به وعنه.
الثاني أن يفتح على قلبه حال السؤال من معرفة الله ومحبته والذل له والخضوع والتملق ما ينسيه حاجته، ويكون ما فتح له من ذلك أحب إليه من حاجته، بحيث يحب أن تدوم له تلك الحال، ويكون آثر عنده من حاجته، وفرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاته، فهذا لا ينافي رضاه. وقال بعض العارفين: إنه لتكون لي حاجة إلى الله فأسأله إياها فيفتح علي من مناجاته ومعرفته والتذلل له والتملق بين يديه، ما أحب معه أن يؤخر عني قضائها وتدوم لي تلك الحال.
وفي أثر: أن العبد ليدعو ربه عز وجل فيقول الله عز وجل لملائكته: اقضوا حاجة عبدي وأخروها فإني أحب أن أسمع دعاءه، ويدعوه آخر فيقول الله لملائكته: اقضوا حاجته وعجلوها فإني أكره صوته.
ثم ذكر مجموعة من الآثار ثم قال: وإذا كان هذا محبة الرب تعالى للدعاء فلا ينافي الإلحاح فيه الرضا.
الثالث: أن ينقطع طمعه من الخلق ويتعلق بربه في طلب حاجته وقد أفرده بالطلب ولا يلوي على ما وراء ذلك، فهذا قد تنشأ له المصلحة من نفس الطلب وأفراد الرب بالقصْد. والفرق بينه وبين الذي قبله أن ذلك قد فتح عليه ما هو أحب إليه من حاجته، فهو لا يبالي بفواتها بعد ظفره بما فتح عليه. وبالله التوفيق.
إن شاء الله تكون مقاماتها أو الثلاث هذه حالات واضحة في الطلب الدنيوي طلب الإنسان لحاجته والإلحاح في ذلك والتفريق بين المقامات الثلاثة فيها. طيب بهذا نكون قد انتهينا من مقام الرضا، بقي قليل على إنهاء المجلد، فأن شاء الله راح نكمل الان سريعا. احنا اخذنا بالضبط ساعة أو خمس دقائق في كما يظهر في ساعة التسجيل، فنكمل قليلا ربما عشر دقائق تصور هكذا إن شاء الله.
فصل منزلة الشكر: قال ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الشكر، وهي من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة الرضا وزيادة؛ يعني أنت الآن للتو خارج من منزلة الرضا المنزلة الضخمة، كل ما قال فيها يأتيك الآن فيقول لك منزلة الشكر فوق منزلة الرضا، والرضا مندرج في الشكر الذي يستحيل وجود الشكر بدونه، وهو نصف الإيمان كما تقدم، والإيمان نصفان: نصفه شكر ونصف صبر، وقد أمر الله به ونهى عن ضده، وأثنى على أهله، ووصف به خواص خلقه، وجعله غاية خلقه وأمره، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سبباً للمزيد من فضله، وحارساً وحافظاً لنعمته، وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته، واشتق لهم اسماً من أسمائه، فانه سبحانه هو الشكور وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشكر مشكوراً، وهو غاية الرب من عبده، وأهله هم القليل من عباده.
قال الله تعالى: وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وقال: وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ، وقال عن خليله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ. وقال عن نوح عليه السلام: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا. وقال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. وَسَمَّى نَفْسَهُ شَاكِرًا وَشَكُورًا، وَسَمَّى الشَّاكِرِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ فَأَعْطَاهُمْ مِنْ وَصْفِهِ وَسَمَّاهُمْ بِاسْمِهِ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا مَحَبَّةً لِلشَّاكِرِينَ وَفَضْلًا، وَإِعَادَتَهُ لِلشَّاكِرِ مَشْكُورًا كَقَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُم مَّشْكُورًا.
وَرِضَا الرَّبِّ عَنْ عَبْدِهِ بِهِ؛ كَقَوْلِهِ: وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ. وَقِلَّةُ أَهْلِهِ فِي الْعَالَمِينَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ هُمْ خَوَاصُّهُ؛ كَقَوْلِهِ: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ وَقَالَ لِمُعَاذٍ: وَاللَّهِ يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَهَذِي مِنَ الْأَدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الْجَامِعَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَدْعُو النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَؤُلَاءِ كَلِمَاتٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّى وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ وَيَسِّرِ الْهُدَى إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ. رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا. رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي -أَوْ حَوْبَتِي- وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَسِدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي. مِنْ حَدِيثٍ رُوِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ لَفْظٍ وَأَكْثَرَ مِنْ رِوَايَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحْمَهُ اللَّهُ: وَأَصْلُ الشُّكْرِ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ: ظُهُورُ أَثَرِ الْغِذَاءِ فِي أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ ظُهُورًا بَيِّنًا. لَا يُقَالُ شَكَرَتِ الدَّابَّةُ تَشْكُرُ شُكْرًا عَلَى وَزْنِ سَمِنَتْ تَسْمَنُ سَمْنًا؛ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا أَثَرُ الْعَلَفِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ حَقِيقَتُهُ فِي الْعُبُودِيَّةِ؛ وَهُوَ ظُهُورُ أَثَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَعَلَى قَلْبِهِ شُهُودًا وَمَحَبَّةً، وَعَلَى جَوَارِحِهِ انْقِيَادًا وَطَاعَةً.
هَذَا هَذَى السَّطْرَيْنِ خُلَاصَةُ تَعْرِيفِ مَنْزِلَةِ الشُّكْرِ أَوْ شَرْحِ مَنْزِلَةِ الشُّكْرِ. هَذَانِ السَّطْرَانِ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى: حَقِيقَتُهُ فِي الْعُبُودِيَّةِ -يَعْنِي حَقِيقَةَ الشُّكْرِ- هُوَ ظُهُورُ أَثَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَعَلَى قَلْبِهِ شُهُودًا وَمَحَبَّةً، وَعَلَى جَوَارِحِهِ انْقِيَادًا وَطَاعَةً. قَالَ: وَالشُّكْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ: خُضُوعُ الشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ، وَحُبُّهُ لَهُ، وَاعْتِرَافُهُ بِنِعْمَتِهِ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِهَا، وَأَلَّا يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا يَكْرَهُ؛ فَهَذِهِ الْخَمْسُ هِيَ أَسَاسُ الشُّكْرِ وَبِنَاؤُهُ عَلَيْهَا.
مَرَّةً أُخْرَى: خُضُوعُ الشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ لَهُ، وَاعْتِرَافُهُ بِنِعْمَتِهِ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِهَا، وَأَلَّا يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا يَكْرَهُ؛ فَهَذِهِ الْخَمْسُ هِيَ أَسَاسُ الشُّكْرِ وَبِنَاؤُهُ عَلَيْهَا. فَمَتَى عُدِمَتْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ اخْتَلَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشُّكْرِ قَاعِدَةٌ، وَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الشُّكْرِ وَحْدَهُ فَكَلَامُهُ إِلَيْهَا يَرْجِعُ وَعَلَيْهَا يَدُورُ.
طيب، ثُمَّ انْتَقَلَ أَوْ نَنْتَقِلُ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ فَصْلًا. وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ أَيُّهُمَا أَعْلَى وَأَفْضَلُ؟ وَفِي الْحَدِيثِ: الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، فَمَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ، أَيْضًا فِي إِسْنَادِهِ يُعْتَبَرُ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشُّكْرَ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَنْوَاعِهِ وَأَسْبَابِهِ، هَذَا تَحْلِيلٌ جَمِيلٌ.
إِيشِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ؟ يَقُولُ لَكَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشُّكْرَ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَنْوَاعِهِ وَأَسْبَابِهِ وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلِّقَاتِهِ، وَالْحَمْدَ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ الْأَسْبَابِ. كَيْفَ؟
يَقُولُ مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَاسْتِكَانَةً، وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا، وَمُتَعَلِّقُهُ النِّعَمُ دُونَ الْأَوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ؛ فَلَا يُقَالُ: شَكَرْنَا اللَّهَ عَلَى حَيَاتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهَا، كَمَا هُوَ مَحْمُودٌ عَلَى إِحْسَانِهِ وَعَدْلِهِ، وَالشُّكْرُ يَكُونُ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالنِّعَمِ.
فَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الشُّكْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَمْدُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَكُلُّ مَا يَقَعُ بِهِ الْحَمْدُ يَقَعُ بِهِ الشُّكْرُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَإِنَّ الشُّكْرَ يَقَعُ بِالْجَوَارِحِ وَالْحَمْدَ يَقَعُ بِالْقَلْبِ. يعني الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ مِنْ جِهَةٍ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ مِنَ الْجِهَةِ. فَمِنْ جِهَةِ الْأَدَوَاتِ الَّتِي يَتَعَبَّدُ الْإِنْسَانُ بِهَا فَالشُّكْرُ أَعَمُّ، وَمِنْ جِهَةِ مَا يُشْكَرُ وَمَا يُحْمَدُ فَالْحَمْدُ أَعَمُّ، لِأَنَّ الْحَمْدَ يَتَعَلَّقُ حَتَّى بِغَيْرِ النِّعَمِ الْمُتَعَدِّيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا حَتَّى الْحَمْدُ يَتَعَلَّقُ حَتَّى بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ وَكَمَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى خَمْسِ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُنْعِمِ. يَقُولُ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُنْعِمِ الْمُتَعَلِّقُ بِالنِّعْمَةِ نَوْعَانِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ. فَالْعَامُّ وَصْفُهُ بِالْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَسَعَةِ الْعَطَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْخَاصُّ التَّحَدُّثُ بِنِعْمَتِهِ وَالْإِخْبَارُ بِوُصُولِهَا إِلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
وَفِي هَذَا التَّحْدِيثِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ذِكْرُ النِّعْمَةِ وَالْإِخْبَارُ بِهَا وَقَوْلُهُ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي اشْكُرْ مَا ذُكِرَ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ؛ مِنْ جَبْرِ الْيَتِيمِ، وَالْهُدَى بَعْدَ الضَّلَالِ، وَالْإِغْنَاءِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ، وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ. كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيَجْزِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَجْزِي بِهِ فَلْيُثْنِ، فَإِذَا أثْنَى عَلَيْهِ فَقَدْ شَكَرَهُ.
فَذَكَرَ أَقْسَامَ الْخَلْقِ الثَّلَاثَةَ: شَاكِرًا نِعْمَ الْمُثْنِي بِهَا، وَالْجَاحِدَ لَهَا، وَالْكَاتِمَ لَهَا. طيب، وَالْقَوْلُ الثَّانِي -يَعْنِي الْقَوْلَ الثَّانِيَ فِي الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ- الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ اُذْكُرْ هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي السُّورَةِ، وَقَدْ تَعُمُّ غَيْرَهَا لِأَنَّ نِعْمَةَ رَبِّكَ مُضَافَةٌ مَكِّيَّةٌ الْمُضَافَةُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ وَتَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ وَتَعْلِيمُ الْأُمَّةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: النُّبُوَّةَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ بَلِّغْ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ وَحَدِّثْ بِالنُّبُوَّةِ الَّتِي آتَاكَ اللَّهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْقُرْآنُ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ؛ إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا نِعْمَةٌ مَأْمُورٌ بِشُكْرِهَا وَالتَّحَدُّثِ بِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَإِظْهَارُهَا مِنْ شُكْرِهَا.
ثُمَّ سَنَتَجَاوَزُ هَذَا الْمَوْضِعَ الَّذِي عَلَّقَ فِيهِ ابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى الْهَرَوِيِّ لَمَّا قَالَ إِنَّ الشُّكْرَ مِنْ سُبُلِ الْعَامَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: يَا لَيْتَ الشَّيْخَ صَانَ كِتَابَهُ عَنْ هَذَا التَّعْلِيلِ؛ إِذْ جَعَلَ نِصْفَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ مِنْ أَضْعَفِ السُّبُلِ! بَلِ الشُّكْرُ سَبِيلُ رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَأَخَذَ يُنَاقِشُهُ بِنِقَاشٍ طَوِيلٍ فِي الصَّفَحَاتِ التَّالِيَةِ.
دَعُونَا نَنْتَقِلْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْفَصْلِ الْأَخِيرِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي هَذَا الْمُجَلَّدِ. قَالَ رَحْمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ مِنْ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، مَنْزِلَةُ الْحَيَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. وَقَالَ تَعَالَى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ. وَفِيهِمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ.
وَفِي مَعْنَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ.
فِي هَذَا قَوْلَانِ -يَعْنِي فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ اصْنَعْ مَا شِئْتَ- أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَمْرُ تَهْدِيدٍ، وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ أَيْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَحِ صَنَعَ مَا شَاءَ. وَالثَّانِي أَنَّهُ أَمْرُ إِبَاحَةٍ أَيْ انْظُرْ إِلَى الْفِعْلِ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَحَى مِنْهُ... وَالْأَصَحُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِيَّةِ.
فَصْلٌ: وَالْحَيَاءُ مِنَ الْحَيَاةِ، وَمِنْهُ الْحَيَاءُ لِلْمَطَرِ، لَكِنْ هُوَ مَقْصُورٌ. وَعَلَى حَسَبِ حَيَاةِ الْقَلْبِ يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ خُلُقِ الْحَيَاءِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ مِنْ مَوْتِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ؛ فَكُلَّمَا كَانَ الْقَلْبُ أَحْيَا كَانَ الْحَيَاءُ أَتَمَّ.
قَالَ الْجُنَيْدُ رَحْمَهُ اللَّهُ: الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الْآلَاءِ وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءَ. يَا اللَّهُ، إِيشِ الْجَمَالُ هَذَا؟ قَالَ الْجُنَيْدُ: الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الْآلَاءِ وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءِ. وَحَقِيقَتُهُ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبَائِحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْحَقِّ.
وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمَجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. يَا سَلَام! أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمَجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. تَرَى هَذَا الْكَلَامَ عَمِيقٌ جِدًّا جِدًّا، يَعْنِي تَرَى أَحْيَانًا الْإِنْسَانُ مَا يَعِيشُ الْحَيَاءَ تَمَامًا فَيَمُوتُ، لَكِنْ أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمَجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. أَنْتَ تُلَاحِظُ بَعْضَ الْإِنْسَانِ، بَعْضَ النَّاسِ دَائِمًا هُوَ فِي حَالَةِ لَعِبٍ وَلَا هُوَ مَرِضٌ، فَإِذَا جَاءَ أَمَامَ -يَعْنِي- شَخْصِيَّةٍ كَبِيرَةٍ يُمْكِنُ يَسْتَحِي مِنْهَا يَتَغَيَّرُ الشَّخْصُ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا شَا اللَّهُ، إِيشِ الْأَدَبُ الَّذِي نَازِلٌ عَلَيْكَ هَذَا؟ هَذَا، وَلَوْ كَانَ بَسَّ هَذَا تَرَى بِصِيغَةٍ أَوْ بِأُخْرَى فِيهِ صُورَةٌ مِنَ الْحَيَاءِ، مَا لَمْ يَكُنْ طَبْعًا خَوْفًا مِنَ الْعُقُوبَةِ، لَكِنْ فِي نَاسٍ لَا، يَسْتَحُونَ مِنْ مَثَلًا شَيْخٍ مُعَيَّنٍ وَلَا عَالِمٍ مُرَبٍّ وَلَا أَبٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمَجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ.
قَالَ: وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَ مِنَ الْقَلْبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَيْرٌ. قَالَ ذُو النُّونِ: الْحَيَاءُ وُجُودُ الْهَيْبَةِ فِي الْقَلْبِ مَعَ وَحْشَةٍ مَعَ وَحْشَةِ مَا سَبَقَ مِنْكَ إِلَى رَبِّكَ. وَالْحُبُّ يَنْطِقُ وَالْحَيَاءُ يَسْكُتُ وَالْخَوْفُ يَقْلَقُ، حُبُّ يَنْطِقُ وَالْحَيَاءُ يَسْكُتُ وَالْخَوْفُ يَقْلَقُ. قَالَ السَّرِيُّ: إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْأُنْسَ يَطْرُقَانِ الْقَلْبَ، فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ وَإِلَّا رَحَلَا.
طيب، قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: مَنْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ مُطِيعًا اسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ وَهُوَ مُذْنِبٌ. وَهَذَا الْكَلَامُ يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ؛ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ خُلُقُ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى فِي حَالِ... فَقَلْبُهُ مُطْرِقٌ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلْقٌ مُسْتَحٍ خَجِلٌ، فَإِنَّهُ إِذَا وَاقَعَ ذَنْبًا اسْتَحْيَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ نَظَرِهِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، فَيَسْتَحِي أَنْ يَرَى مِنْ وَلِيِّهِ وَمَنْ يُكْرَمُ عَلَيْهِ مَا يَشِينُهُ عِنْدَهُ فِي الشَّاهِدِ شَاهِدٌ بِذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ.
ثُمَّ قَالَ فِي الصَّفْحَةِ التَّالِيَةِ: وَأَمَّا حَيَاءُ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ فَذَاكَ نَوْعٌ آخَرُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَفْهَامُ وَلَا تُكَيِّفُهُ الْعُقُولُ، فَإِنَّهُ حَيَاءُ كَرَمٍ وَبِرٍّ وَجُودٍ وَجَلَالٍ؛ فَإِنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا، وَيَسْتَحِي أَنْ يُعَذِّبَ... شُعْبَةً شَعَبَتْ فِي الْإِسْلَامِ. وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ يُذْنِبُ عَبْدُهُ وَيَسْتَحِي هُوَ! وَفِي أَثَرٍ: اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ اسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ.
وَقَدْ قُسِمَ الْحَيَاءُ عَلَى عَشَرَةٍ: حَيَاءُ جِنَايَةٍ، وَحَيَاءُ تَقْصِيرٍ، وَحَيَاءُ إِجْلَالٍ، وَحَيَاءُ كَرَمٍ، وَحَيَاءُ حِشْمَةٍ، وَحَيَاءُ اسْتِصْغَارٍ لِلنَّفْسِ وَاحْتِقَارٍ لَهَا، وَحَيَاءُ مَحَبَّةٍ، وَحَيَاءُ عُبُودِيَّةٍ، وَحَيَاءُ شَرَفٍ وَعِزَّةٍ، وَحَيَاءُ الْمُسْتَحْيِي مِنْ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا حَيَاءُ الْجِنَايَةِ فَمِنْهُ حَيَاءُ آدَمَ لَمَّا فَرَّ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفِرَارًا مِنِّي يَا آدَمُ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّي، بَلْ فِرَارٌ... بَلْ حَيَاءٌ، حَيَاءً مِنْكَ. وَحَيَاءُ التَّقْصِيرِ كَحَيَاءِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْطُرُونَ، فَإِذَا كَانُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ.
وَحَيَاءُ الْإِجْلَالِ هُوَ حَيَاءُ الْمَعْرِفَةِ، وَعَلَى حَسَبِ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ يَكُونُ حَيَاؤُهُ مِنْهُ. حَيَاءُ الْكَرَمِ كَحَيَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ دَعَاهُمْ إِلَى وَلِيمَةِ زَيْنَبَ وَطَوَّلُوا الْجُلُوسَ عِنْدَهُ فَقَامَ، وَاسْتَحْيَا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ...
وَحَيَاءُ الْحِشْمَةِ كَحَيَاءِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْأَلُ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَذْيِ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنْهُ. وَحَيَاءُ الِاسْتِحْقَارِ وَاسْتِصْغَارِ النَّفْسِ كَحَيَاءِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ يَسْأَلُهُ حَوَائِجَهُ احْتِقَارًا لِشَأْنِ نَفْسِهِ وَاسْتِصْغَارًا لَهَا.
وَثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا حَيَاءُ الْمَحَبَّةِ فَهُوَ حَيَاءُ الْمُحِبِّ مِنْ مَحْبُوبِهِ حَتَّى إِنَّهُ إِذَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ فِي غَيْبَتِهِ هَاجَ الْحَيَاءُ مِنْ قَلْبِهِ وَأَحَسَّ بِهِ فِي وَجْهِهِ وَلَا يَدْرِي مَا سَبَبُهُ. وَكَذَلِكَ يَعْرِضُ لِلْمُحِبِّ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ مَحْبُوبَهُ وَمُفَاجَأَتِهِ لَهُ رَوْعَةٌ شَدِيدَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جَمَالٌ رَائِعٌ. وَسَبَبُ هَذَا الْحَيَاءِ وَالرَّوْعَةِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْمَحَبَّةِ سُلْطَانًا قَاهِرًا لِلْقَلْبِ أَعْظَمَ مِنْ سُلْطَانِ مَنْ يَقْهَرُ الْبَدَنَ، فَأَيْنَ مَنْ يَقْهَرُ قَلْبَكَ وَرُوحَكَ إِلَى مَنْ يَقْهَرُ بَدَنَكَ؟ وَلِهَذَا تَعَجَّبَ الْمُلُوكُ، وَتَعَجَّبَتِ الْمُلُوكُ وَالْجَبَابِرَةُ مِنْ قَهْرِهِمْ لِلْخَلْقِ، وَمِنْ قَهْرِ الْمَحْبُوبِ لَهُمْ وَذُلِّهِمْ لَهُمْ. فَإِذَا فَاجَأَ الْمَحْبُوبُ مُحِبَّهُ وَرَآهُ بَغْتَةً أَحَسَّ الْقَلْبُ بِهُجُومِ سُلْطَانِهِ عَلَيْهِ فَاعْتَرَاهُ رَوْعَةٌ وَخَوْفٌ.
وَسَأَلْنَا وَسَأَلْنَا يَوْمًا شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَكَرْتُ أَنَا هَذَا الْجَوَابَ فَتَبَسَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَأَمَّا حَيَاءُ الْعُبُودِيَّةِ فَهُوَ حَيَاءٌ مُمْتَزِجٌ مِنْ مَحَبَّةٍ وَخَوْفٍ وَمُشَاهَدَةِ عَدَمِ صَلَاحِ عُبُودِيَّتِهِ لِمَعْبُودِهِ، وَأَنَّ قَدْرَهُ قَدْرٌ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْهَا؛ فَعُبُودِيَّتُهُ لَهُ يُوجِبُ اسْتِحْيَاءَهُ مِنْهُ لَا محَالَةَ. وَأَمَّا حَيَاءُ الشَّرَفِ وَالْعِزَّةِ فَحَيَاءُ النَّفْسِ الْعَظِيمَةِ الْكَبِيرَةِ إِذَا صَدَرَ مِنْهَا مَا هُوَ دُونَ قَدْرِهَا مِنْ بَذْلٍ أَوْ عَطَاءٍ وَإِحْسَانٍ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحْيِي مَعَ بَذْلِهِ حَيَاءَ حَيَاءِ شَرَفِ نَفْسٍ وَعِزَّةٍ.
وَهَذَا لَهُ سَبَبَانِ: أَحُدُهُمَا هَذَا، وَالثَّانِي اسْتِحْيَاؤُهُ مِنَ الْأَخْذِ حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ الْآخِذُ السَّائِلُ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْكَرَمِ لَا تُطَاوِعُهُ وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْكَرَمِ لَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ بِمُوَاجَهَتِهِ لِمَنْ يُعْطِيهِ حَيَاءً مِنْهُ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِي حَيَاءِ التَّنَوُّمِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِي مِنْ خَجَلَةِ الْآخِذِ.
وَأَمَّا حَيَاءُ الْمَرْءِ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ حَيَاءُ النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ الْعَزِيزَةِ الرَّفِيعَةِ مِنْ رِضَاهَا لِنَفْسِهَا بِالنَّقْصِ وَقَنَاعَتِهَا بِالدُّونِ، فَيَجِدُ نَفْسَهُ مُسْتَحِيِيَةً مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى كَأَنَّ لَهُ نَفْسَيْنِ يَسْتَحْيِي الْأُخْرَى! وَهَذَا أَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَاءِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اسْتَحْيَا مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ بِأَنْ يَسْتَحِيَ مِنْ غَيْرِهِ أَجْدَرُ.
طيب، نَكْتَفِي بِهَذَا الْقَدْرِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى... نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الرِّضَا وَالشُّكْرَ وَالْحَيَاءَ. صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
الشيخ أحمد السيد