تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين 14

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، ولا تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم أنزل علينا بركتك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

نستعين بالله، هذا المجلس الرابع عشر من مجالس قراءة مدارج السالكين، مع انتقاء المقاصد والتعليق على بعض المواضع. اليوم نبدأ بالمجلد الثالث من طبعة دار طيبة، بدأه المصنف رحمه الله بمنزلة الصدق.

سنأخذ اليوم إن شاء الله منزلة الصدق، ثم منزلة الإيثار، ثم منزلة الخلق. وكما تعلمون يعني أغلب الأيام التي نقرأ فيها تكون واحدة من المنازل هي التي عليها التركيز، بحسب طبعا أيام آآ أحيانا يكون في أكثر من منزلة. اليوم آآ منزلة الخلق ربما تستغرق منا أكثر الوقت، وهي منزلة مهمة جدا، من أهم المنازل في الكتاب حقيقة. وكذلك الصدق والإيثار، الصدق والإيثار منزلتان جميلتان جدا.

استعينوا بالله، قال رحمه الله تعالى: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة الصدق. وهي منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرع. من صان به لم ترد صورته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. وهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين.

ومن مساكنهم في الجنات تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين. وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. وقال تعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا. فهم الرفيق الأعلى وحسن أولئك رفيقا.

ولا يزال الله يمدهم بأعلمه وألطافه ومزيد إيمانا آآ ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقه. ولهم مرتبة المعية مع الله فإن الله مع الصادقين، ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين. وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له فقال: فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرِ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ. وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق فقال: لَّسِنَ الْبِرَّ مَن وُلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَضَرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

طبعا هذه الملاحظة آآ أو التعليق، هذه ملاحظة جميلة جدا يعني ايش يقول ابن القيم؟ يقول إنه الله سبحانه وتعالى ذكر أهل البر وذكر أعمالهم: الإيمان، إيتاء الأموال، وإقام الصلاة، والوفاء بالعهد، والصبر، إلى آخره، بعد ما ذكر كل الأعمال قال: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا. فقال آآ رحمه الله: وهذا صريح في أن الصدق بالاعمال الظاهرة والباطنة، وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان.

وقد قسم الله سبحانه وتعالى الناس إلى صادق ومنافق فقال: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. طبعا من الملاحظات التي يخرج بها الإنسان من قراءته آآ منزلة الصدق عند الإمام ابن القيم، أنه آآ الصدق في في الشريعة أوسع بكثير من مجرد صدق الحديث. تعرفون الصدق عادة يأتي في الإنسان في بال الإنسان أنه يعني حين أتحدث أكون صادقا، لكن الصدق كمعنى شرعي أوسع بكثير من هذا آآ من هذه الصورة التي هي واحدة من آآ مقتضيات الصدق الداخلي.

قال: والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا أحدهما محارب للآخر. وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال تعالى: هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وقال تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله، فالصدق في هذه الثلاثة: الصدق في الأقوال استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، والصدق في الأعمال استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في الأحوال استواء أعمال القلوب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة.

فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صديقيته. ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي الصديق على الإطلاق، والصديق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق. إذا صار عندنا: صادق ثم صدوق ثم صديق. فعلها الصديق ثم الصدوق ثم الصادق.

قال: فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص للمرسل. آآ يمكن أن يضاف إلى هذا إلى هذا المعنى يعني إلى هذا التعريف، أقصد في مرتبة الصديقية، هي مرتبة الصديقية آآ يظهر فيها معنى زيادة التصديق، زيادة التصديق وزيادة الإيمان آآ الإيمان بخبر المخبر، أخبار الغيب، الاطمئنان لخبر الوحي. يعني أنتم تعلمون أنه القصة المشهورة في تسمية الصديق صديقا هي كانت في حادثة الإسراء ومدارها كان على التصديق، وأيضا من الألفاظ الشرعية التي وردت في الصديق: الصدق في الحديث، وأنتم تعلمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا.

آآ في الصدق، عفوا، منزلة الصديقية، كما قال ابن القيم، كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كمال الانقياد هذا يتضمن في داخله شدة التصديق، يتضمن في داخله شدة التصديق مع كمال الإخلاص للمرسل، ونستطيع أن نقول ومع ومع بروز صفة الصدق في هذا الشخص آآ فعلا والتزاما وتحريا. قال: وقد أمر الله تعالى رسوله أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِلدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا. وأخبر عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين فقال: وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. وبشر عباده بأن له لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق.

يا سلام، الآن يعني اللي متابع معانا في مدارج السالكين، يلاحظ أن ابن القيم، وهذا من الأشياء الجميلة جدا في الكتاب، أن ابن القيم يتتبع مواضع ورود المنزلة في القرآن، ويحلل آيات. هو الآن في الصدق قال لك: الصدق في القرآن أتى مضافا إلى أشياء أو مضافة إليه أشياء، فجاء في القرآن مدخل صدق ومخرج صدق ولسان صدق وقدم صدق ومقعد صدق. ايش هذي الأشياء؟ الآن بيفسرها واحدة واحدة.

يقول لك: فهذه خمسة أشياء، مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق. وحقيقة الصدق في هذه الأشياء هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله، وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة. لأن هذا تفسير مجمل للخمسة، أما التفصيل قال: فمدخل الصدق ومخرج الصدق أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي مرضاته، متصلا متصلا بالظفر بالبغية وحصول المطلوب. ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها ولا له ثابتة يقوم عليها، كمخرج أعدائه يوم بدر.

ومخرج الصدق كمخرجه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في تلك الغزوة، وكذلك مدخله صلى الله عليه وسلم المدينة كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله. اتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعدائه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ولا لله بل كان محادة لله ورسوله، فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار.

وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصن بني قريظة، فإنه لما كان مدخل كذب أصابه معهم ما أصابهم. فكل مدخل ومخرج كان بالله ولله فصاحبه ضامن على الله فهو مدخل صدق ومخرج صدق. ثم آآ ننتقل إلى لسان الصدق. قال: وأما لسان الصدق فهو الثناء الحسن عليه صلى الله عليه وسلم من سائر الأمم بالصدق، ليس ثناء بالكذب. كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه: وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا. والمراد باللسان هاهنا الثناء الحسن، فلما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء الصادق بالثناء على الصادق جزاء وفاقا وعبر به عنه.

فإن اللسان يراد به ثلاثة معان هذا واللغة كقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ. ويراد به الجارحة نفسها نفسها، وهو كقوله تعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.

إذا الآن فسر مدخل الصدق ومخرج الصدق وكذلك لسان الصدق، الآن يفسر قدم الصدق: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ. يقول: وأما قدم الصدق ففسر بالجنة وفسر بمحمد صلى الله عليه وسلم وفسر بالأعمال الصالحة. وحقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه يوم القيامة، وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك. فمن فسره بها أراد ما يقدمون عليه، ومن فسره يعني من فسرها بالجنة فباعتبار ما يقدمون عليه، ومن فسره بالأعمال وبالنبي صلى الله عليه وسلم فلأنهم قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم في الثلاثة قدم صدق، الثلاثة قدم صدق.

وأما مقعد الصدق فهو الجنة عند رب عند الرب تبارك وتعالى. ووصف ذلك كله بالصدق ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق ودوامه ونفعه وكمال عائدته، فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله فهو صدق غير كذب، وحق غير باطل، ودائم غير زائل، ونافع غير ضال أو غير ضار، فهو صدق غير كذب، وحق غير باطل، ودائم غير زائل، ونافع غير ضال. وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل.

ومن علامات الصدق طمأنينة القلب إليه، ومن علامات الكذب حصول الريبة. كما في الترمذي مرفوعا من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصدق طمأنينة والكذب ريبة. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي للفجور أو يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا.

وجعل الصدق مفتاح أو مفتاح الصديقية ومبدأها وهي غايتها، فلا ينال درجتها كاذب البتة، لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله، ولا سيما كاذبا على الله في أسمائه وصفاته ونفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه عن نفسه، فليس في هؤلاء صديق أبدا. وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما حرمه وتحريم ما لم ما لم يحرمه، وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما لم يوجبه، وكراهة ما أحبه واستحباب ما لم يحبه، كل ذلك مناف للصديقية. وكذلك الكذب معه في الأعمال بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين والزاهدين المتوكلين وليس في الحقيقة منهم، فلذلك كانت الصديقية كمال الإخلاص كمال الإخلاص والانقياد، ولذلك كانت الصديقية كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والامر ظاهرا وباطنا.

حتى إن المتبايعين يحل البركة في بيعهما وكذبهما يمحق بركة بيعهما، كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتمت محقت بركة بيعهما.

ثم أخذ ليأتي بمجموعة من العبارات والتعريفات في آآ الصنف، وعلق بكلام طويل على آآ كلام الجنيد في أنه الصادق يتقلب في اليوم أي أربعين مرة والمرائي يثبت على حالة واحدة وأربعين سنة. وقال إنه يعني اللي يتبادر للذهن عكس ذلك، أنه الصادق هو اللي على حالة واحدة أربعين سنة وانه المرائي هو اللي يتقلب. بعدين لا قال بل هي صحيحة وجالس يفسرها، يعني قضية الصراعات التي تحدث للصادق والواردات معارضات وصراعه لها وعدم إلى آخره، كلام طويل من أحببته آآ اللي هي الجهة.

مم أعجبني استطراد يعني في تعليق في فائدة علمية في قوله علق على قول الله سبحانه وتعالى في صفحة ثمنطعش على قول الله سبحانه وتعالى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. وأنتم تعلمون أن هذه الآية في آآ اليهود.

وإنه من المصنفين في دلائل النبوة من جعل هذه الآيات من دلائل النبوة، ووجه كونها من دلائل النبوة أن الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، ثم أخبر الله أنهم لن يتمنوه.

فقال في سورة الجمعة: وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا، وقال في سورة البقرة: وَلَن يَتَمَنَّوهُ أَبَدًا. فقالوا: إن من علامات النبوة أن اليهود كان بامكانهم أن يكذبوا خبر القرآن بأن يتمنوا الموت، ولكن لم يتمنوه، فهذا دليل على صدق النبوة. طبعا هذا أحد التفسيرين في الآية، ابن القيم هنا يرد لا يرجح هذا المعنى، يرجح معنى آخر، ها هو بعد طبعا أشار ابن القيم في صفحة ثمنطعش إلى أنها إلى أن هناك من قال إنها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم عجز بها اليهود ودعاهم إلى تمني الموت وأخبر أنهم لا يتمنونه أبدا، وهذا علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يمكن الاطلاع على بواطنه إلا باخبار الغيب، ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا.

طبعا هو على كل التفسيرين فيها أنه أنهم لن يتمنوا، لكن هل التمني هو تمنيه لأنفسهم بهذا المعنى أنه يأتي فقط يتمنى هكذا الموت لنفسه؟ أما المعنى الآخر يقول: آه وقالت طائفة منهم، محمد بن إسحاق وغيره، هذه من جنس آية المباهلة، وأنهم لما عاندوا ودفعوا الهدى عيانا وكتموا الحق دعاهم إلى أمر يحكم به أو يحكم به بينهم وبينهم، وهو أن يدعو بالموت على الكاذب المفتري والتمني سؤال ودعاء، فتمنوا الموت وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري.

وعلى هذا فليس المراد تمنوه لأنفسكم خاصة، كما قاله أصحاب القولين الأولين، بل معناه ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل، وهذا أبلغ في إقامة الحجة وبرهان الصدق، وأسلم من أن يعارضوا رسول الله بقولهم فتمنوه أنتم أيضا كنتم محقين أنكم أهله أهل الجنة. وأيضا فإنا نشاهد كثيرا منهم هذا الآن اعتراض على التفسير الأول، نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لضره وبلائه وشدة حاله ويدعو به، وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة، فإن هذا لا يكون أبدا ولا وقع من أحد منهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم البتة، وذلك لعلمهم بصحة نبوته وصدقه وكفرهم به حسدا وبغيا، فلا يتمنوه أبدا لعلمهم أنهم هم الكاذبون، وهذا القول هو الذي نختاره، والله أعلم بما أراد من كتابه.

طيب، نذهب إلى صفحة ثلاثين يقول ابن القيم ثم عرف يقصد الهروي حقيقة الصدق فقال: لا يستقيم الصدق في علم أهل الخصوص إلا على حرف واحد، وهو أن يتفق رضا الحق بعمل العبد أو حاله أو وقته وأيقانه وقصده، وهذا موجب الصدق وفائدته وثمرته. فالشيخ ذكر الغاية الدالة على الحقيقة التي يعرف انتفاع الحقيقة بانتفائها، أو يعرف انتفاء الحقيقة بانتفائها وثبوتها بثبوتها.

فإن العبد إذا صدق الله رضي الله بعمله وحاله ويقينه وقصده، لا أن رضا الله نفس الصدق، وإنما يعلم الصدق بموافقة رضاه سبحانه، ولكن من أين يعلم العبد رضاه؟ فمن ها هنا كان الصادق مضطرا أشد ضرورة إلى متابعة الأمر والتسليم للرسول صلى الله عليه وسلم في ظاهره وباطنه، والاقتداء به والتعبد بطاعته في كل حركة وسكون، مع إخلاص القصد لله عز وجل، فإن الله تعالى لا يرضيه من عبده إلا ذلك، وما عدا هذا ففوت النفس ومجرد حظها واتباع أهوائها، وإن كان فيه من المجاهدات والرياضات والخلوات ما كان.

فإن الله سبحانه وتعالى أبى أن يقبل من عبده عملا أو يرضى به حتى يكون على متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم خالصا لوجهه سبحانه، ومن ها هنا يفارق الصادق أكثر السالكين بل يستوحش في طريقه؛ وذلك لقلة سالكها، فإن أكثرهم سائرون على طرق أذواقهم وتجريد أنفاسهم لنفوسهم ومتابعة رسوم شيوخهم، والصادق في واد وهؤلاء في واد.

طبعا أيضا تكلم عن شيء تحدثنا عنه سابقا ذكره ابن القيم، اللي هي قضية الحقيقة الكونية والحقيقة الشرعية أو الإرادة الكونية والإرادة الشرعية أو ما قال ذلك، فنتجاوز هذا كله إلى منزلة الإيثار.

قال رحمه الله تعالى: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة إيثار. هنا تعليق مهم جدا، حقيقة ابن القيم من الأشياء الجميلة في هذا الكتاب أنه إذا أتى للمنازل الأخلاقية يفرع منها أشياء متعلقة بالتعامل مع الله سبحانه وتعالى.

يعني مثلا إيثار، إيش يجي ببالك الإيثار؟ إيثار ما يجي ببالك إلا الشيء المتعلق بالخلق، أليس كذلك؟ أنه يعني عندي أوثر على نفسي بشيء أنا في حاجة إليه ولكن أقدمه على نفسي. هذا الإيثار وهذا صحيح، لكن ابن القيم في المنازل الأخلاقية -ولاحظ أنا أتكلم عن الأخلاقية لأنه أغلب منازل الكتاب ليست من باب المنازل الأخلاقية اللي هي متعلقة بالخلق، وإنما أغلبها منازل قلبية متعلقة بين العبد وربه، لكن في الكتاب منازل أخلاقية، ومنها منزلة الإيثار، ومنها منزلة التواضع، ومنها منزلة الأدب، ومنها منزلة الفتوة، ومنها منزلة المروءة، ومنها الخلق منزلة الخلق- فتجد أنه يلفت الانتباه في هذه المنازل أو بعضها إلى شعب من هذه المنازل متعلقة في بين العبد وربه، حتى في الإيثار، حتى في الإيثار هناك شعبة من شعب الإيثار متعلقة في التعامل بين العبد وربه من غير واسطة الخلق، من غير أن تؤثر أخاك على نفسك.

كيف؟ هذا سيأتينا إن شاء الله في هذه المنزلة، لكن هي لفتة مهمة جدا لفتة مهمة جدا، لا غير الأخلاء سيأتي عموما.

قال فصل: من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإيثار. قال الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فالايثار ضد الشح، فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإن حصل بيده شيء شح عليه لا باخراجه، فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل، الصحيح حريص على ما ليس بيده، فاذا حصل بيده شيء شح عليه وبخل باخراجه، فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم قطيعتي فقطعوا.

فالبخيل من أجاب داعي الشح، والمؤثر من أجاب داعي الجود. كذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء، وهو أفضل من سخاء البذل. قال عبد الله المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.

وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان، وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى مراتبه، فإن المراتب ثلاثة: أحداها ألا ينقصه البذل ولا يصعب عليه، فهذه منزلة السخاء؛ يعني شخص مقتدر يستطيع أن ينفق ولا ينقص الإنفاق مما يمتلك شيئا، هذي منزلة سخاء. الثاني أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئا أو يبقي مثل ما أعطى، فهذه منزلة الجود. الثالثة أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه، وهي مرتبة الإيثار.

وعكسها الأثرة، وهي استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه. الإيثار والأثرة متقاربتان في الألفاظ ولكن ولكنهما بعكس بعضهما تماما، قال: وهو استئثار عن أخيه ما هو محتاج إليه، وهي المرتبة التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض.

والأنصار هم الذين وصفهم الله بالإيثار: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ. فوصفهم بأعلى مراتب السخاء، وكان ذلك فيهم معروفا. وكان قيس بن سعد بن عبادة من الأجواد المعروفين، الآن هذا كواحد من الأنصار -يعني حتى أنه مرض مرة في استبطاء إخوانه في العيادة فسأل عنهم فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين- فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة! ثم أمر مناديا أن ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده.

وقالوا له يوما: هل رأيت أسخى منك؟ قال: نعم، لا زلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها، فقالت: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم. فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها، قال فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير، فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر وهو يفعل ذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا مئة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب، أعطيتموني ثمنا! ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعنكم برمحي! فأخذناه وانصرف.

تأمل سر التقدير سر التقدير هذا الآن راجع لقضية الأنصار، أنه شف الله وصفهم بالإيثار، ثم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ستكون عليهم أثرة عكس الإيثار الذي عملوه، هم عملوا الإيثار ولكن ستحصل عليهم أثرة، يعني ما السر في ذلك؟ ابن القيم يتكلم عن هذا المعنى يقول: فتأمل سر التقدير، حيث قدر والحكيم الخبير سبحانه استئثار الناس على الأنصار بالدنيا وهم أهل الإيثار، ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على أنفسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس، يعني كأن كأن جزاء إيثارهم سيجدونه في الجنة زائدا على الناس، كأنها أيضا بشيء من الأيثارة في هذا الفرع في أنفسهم في المنازل العالية في جنات عدن على الناس، فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته، ويغبطهم من استأثر عليهم في الدنيا أعظم غبطة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، الله ذو الفضل العظيم.

فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار فاعلم أنه لخير يراد بك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ثم ذكر أنواع الجود، ذكر درجات الجود أو مراتب الجود، ذكر عشرة مراتب فقال: أحدها الجود بالنفس وهو أعلى مراتبه، كما قال الشاعر: يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. الثاني الجود بالرياسة، وهو ثاني مراتب الجود، فيحمل الجواد جوده على امتهان رئاسته والجود بها. والإيثار في قضاء حاجات الملتمس. ثالث الجود براحته ورفاهيته وأجمام نفسه، فيجود بها تعبا وكدا في مصلحة غيره، هذا معنى آخر أيضا نريد أن ننتبه له في مدارج السالكين.

يعني المعنى الأول الذي ذكرته أنه شوفوا المنازل الأخلاقية يأتي فيها بمعان ليست هي المتبادلة للدين فيما بين الناس وبيننا وبعضهم، وإنما يذكر معاني وشعب فيما يتعلق بين العبد وبين ربه، طبعا لم يذكر إلى الآن المتعلق الإيثار في شيء آخر، ميزة في المدارج في الألفاظ بشكل عام أنه هو يأتي لك فيها بتقسيمات بحيث يلفت انتباهك إلى بعض المعاني العملية المتعلقة باللفظ التي قل أن يلتفت إليها الإنسان.

يعني مثلا الجود وما يترتب عليه من صدقة وإنفاق والأجر العظيم، يعني أغلب ما يأتي في الذهن في قضية الجود بالمال، الآن هو يقول لك ترى في عشرة أنواع من أو عشرة مراتب، وفي بعضها بمقدورنا جميعا أن نفعلها حتى من لا يمتلك المال.

الثالثة الجود بالراحة والرفاهية وأجمام نفسه، فيجود بها تعبا وكدا في مصلحة غيره، ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذته لمسامره، كما قيل: متيم بالندم لو قال سائله: هب لي جميع قرى عينيك، لم ينم.

الرابعة الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال، والناس في الجود به على مراتب متفاوتة، وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ ألا ينفع به بخيلا أبدا -يعني أن البخيل بعلمه لا ينتفع به- وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ ألا ينفع به بخيلا أبدا. ومن الجود به أن تبذله لمن يسألك عنه بل تطرحه عليه طرحا، ومن الجود بالعلم أن السائل إذا سألك عن مسألة استقصيت له جوابا شافيا، لا يكون جوابك له تدري ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتية: نعم أو لا مقتصرا عليها.

ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقدس الله روحه في ذلك أمرا عجيبا، كان إذا سئل عن مسألة حكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قتل وما أخذ الخلاف وترجيح القول الراجح وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته، وهذه فتاويه رحمه الله بين الناس فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك. والحقيقة هذا الكلام صحيح مئة بالمئة؛ يعني نقلب في فتاوى ورسائل ابن تيمية، كثير كثير كثير من رسائله وفتاويه هي عبارة عن أسئلة، كثير منها عبارة عن أسئلة، فيجيب عنها بكتاب أو برسالة أو بفتوى مطولة.

فمن جود الإنسان بالعلم ألا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظائرها ومتعلقاتها ومآخذها بحيث يشفيه ويكفيه، وقد سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابهم عن سؤالهم وجاهد عليهم بما... سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المتوضأ بماء البحر فقال: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ، فأجابهم عن سؤالهم وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه. وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم على علته بحكمه، كما سألوه عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذاً. إنه يشترط التساوي، ولم يكن يخفى عليه صلى الله عليه وسلم نقصان الرطب بجفافه ولكن.

على علة الحكم، وهذا كثير جداً في أجوبته صلى الله عليه وسلم، مثل قوله: إن بعت من أخيك ثمرة فاصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئاً، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ وفي لفظ: أرأيت إن منع الله الثمرة، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ فصرح بالعلة التي حرم ولاجلها إلزامه بالثمن، وهي منع الله الثمرة التي ليس للمشتري فيها صنع.

وكان خصومه يعني شيخ الإسلام ابن تيمية يعيبونه بذلك، يعني يعيبونه بالإجابات الطويلة هذه، ويقولون سأله السائل عن طريق مصر مثلاً، فيذكر له معها طريق مكة والمدينة وخراسان والعراق والهند، وأي حاجة بالسائل إلى ذلك ولأمر الله؟ ليس ذلك بعيب، وإنما العيب الجهل والكبر، وهذا موضع المثل المشهور: لقبوه بحامض، وهو خلو مثل من لم يصل إلى عنقودي الخامسة.

الجود بالنفع بالجاه: كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه، وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد، شوف في زكاة مال، وقبل شوية ذكر زكاة العلم، الآن زكاة الجاه، وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد، كما أن التعليم وبذل العلم زكاته.

السادسة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، أنا عجبني استدلاله بالحديث حقيقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الرَّجُلِ وَإِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةً. متفق عليه.

السابعة: الجود بالعرض، كجود أبي ضمضم من الصحابة، اه في الحديث أنه كان إذا أصبح يقول: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم؟ وفي هذا الجهد من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه.

الثامنة: الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء، وهذه مرتبة شريفة من مراتبهم، ثم قال: فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود، فانه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة، وهذا جود الفتوة، قال تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، اقول لك وفي هذا الجهد قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.

التاسعة: الجود بالخلق والبشر والبسطة، وهو فوق الجود بالصبر والاحتمال والعفو، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ، وفي هذا الجود من المنافع والمسار وأنواع المصالح ما فيه، والعبد لا يمكنه أن يسع الناس بماله، ويمكنه أن يسعهم بخلقه واحتماله.

العاشرة: الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم، فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له بقلبه، ولا يتعرض له بحاله ولا لسانه، وهذا الذي قال عبد الله بن مبارك إنه افضل من سخاء النفس ببذله، فلسان حال القدر يقول: أيها الفقير الجواد، وإن لم أعطك ما تجود به على الناس فجد عليهم بزهدك فيما في أيديهم، تفضل عليهم ولا تزاحمهم في الجود وتنفرد عنهم بالراحة، ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيد وتأثير خاص في القلب والحال، والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والاتلاف للممسك والله المستعان.

شو الجمال في الموضوع أنه هو كمان أو أيضاً ربطه بقضية القلب، يعني تأثير الخلق على القلب. طيب الآن الذهب أو نذهب إلى خمسة وخمسين نتكلم عن مسألة الإيثار بالقرب، ما يسمى بالإيثار بالقرب، يعني هل يدخل في الإيثار أن تؤثر إنساناً على نفسك في طاعة؟ يعني مثلاً الصف الأول في مكان واحد تقدموا في الصف الأول من باب الإيثار ولا ما يصير إيثار هنا؟

هنا باختصار شديد رجح أنه لا، ما في إيثار في الطاعات، ما في إيثار في القرب والطاعات، لكن المحقق أشار إلى أنه في زاد المعاد كأنه رجح عكس هذه المسألة، فما وجدت فرصة حقيقة مناسبة أرجع لزاد المعاد في هذا الموضع أنظر في ترجيحي هناك، لكن عموماً نأخذ آخر سطر في صفحة ستة وخمسين قال: وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثر به أحداً، فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم.

طبعا هذا لا ما يدخل فقط في الأعمال العملية، إنما هنا يتكلم بصورة أخص في قضية صلاح القلب والوقت والحال، قال: ومن هنا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب وقالوا إنه مكروه أو حرام، كأن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو، أو يؤثر بقربه من الإمام يوم الجمعة، ويؤثر غيره بالأذان والإقامة، ويؤثره بعلم يحرمه نفسه ويرفعه فيفوز به، وتكلموا في إيثار عائشة لعمر بن الخطاب بالدفن عندها وأجابوا عنه إلى آخره، طبعا هو أجاب أيضاً عن هذا وأنه ليس من باب الأعمال.

طيب ننتقل الآن إلى ما أشرت إليه في البداية وهو الفرع المتعلق بالعلاقة بين العبد وبين ربه في منزلة الإيثار، وليس بتوسط الخلق. في صفحة تسعة وخمسين يقول بعد أن ذكر الهروي إيثار رضا الله على رضا غيره، وإن عظمت فيه المحン وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول والبدن.

يقول ابن القيم رحمه الله: إيثار رضا الله عز وجل على غيره هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق، وهي درجة الانبياء وأعلاها للرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه قاوم العالم كله وتجرد للدعوة إلى الله، واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه، ولم يأخذه في إيثار رضاهما لومة لائم، بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصوداً على إيثار مرضاة الله وتبليغ رسالاته وإعلاء كلماته وجهاد أعدائه، حتى ظهر دين الله على كل دين، وقامت حجته على العالمين، وتمت نعمته على المؤمنين، فبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نَالَ، صلوات الله وسلامه عليه.

طيب ثم يعلق أيضاً يقول، يتكلم عن إيثار الخلق بعكس هذا، يعني هو إيثار رضا الله على رضا الخلق، طيب الذي يؤثر رضا الخلق على رضا الله؟ يقول هذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة، صفحة ستين: هذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة، فانه ما آثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق، وقبل أن يذهب إلى إيثار الخلق على الحق، وإنما إيثار الحق على الخلق، يقول هذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة، فانه ما آثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق، وتحمل ثقل ذلك ومؤنته وصبر على محنته، إلا أنشأ الله له من تلك المحنة والمؤنة نعمة ومسرة ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته، فانقلبت مخاوفه أمناً، ومظان عطبه نجاة، وتعبه راحة، ومونته معونة، وبنيته نعمة، ومحنته منحة، وسخطه رضا، فيا خيبة المتخلفين ويا ذلة المتهيبين.

ثم قال: هذا وقد جرت سنة الله التي لا تبديل لها أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته أن يسخط عليه من آثر رضاهم، لا من آثرته على رضا الله هو نفسه، ويسخط عليك سيؤول الأمر إلى أن يسخط عليك، قال: وهذا وقد جرت سنة الله التي لا تبديل لها أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته أن يسخط عليه من آثر رضاه، ويخذله من جهته، ويجعل محنته على يديه، فيعود حامده ذاماً، ومن آثر مرضاته ساخطاً، فلا على مقصوده منه ما حصل، ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل، وهذا أعجز الخلق وأحمقهم، والواقع فيه شواهد، طبعا من يتأمل في الواقع يجد شواهد على هذا المعنى بشكل واضح، هذا مع أن رضا الخلق لا مقدور ولا مأمور ولا مأثور فهو مستحيل، بل لا بد من سخطهم عليك، فلا أن يسخطوا عليك وتفوز برضا الله، قبل أن يسخطوا عليك وتفوز برضا الله تعالى أحب إليك وأنفع لك من أن يسخطوا عليك والله عنك غير راض.

فإذا كان سخطهم لا بد منهم على التقديرين، فآثر سخطهم الذي ينال به رضا الله، فإنهم رضوا عنك بعد هذا وإلا فأهون شيء رضا من لا ينفعك رضاه ولا يضرك سخطه في دينك ولا في إيمانك ولا في آخرتك، فإن ضرك في أمر يسير في الدنيا فمضرة سخط الله أعظم وأعظم.

خاصة العقل، هاي ثاني مرة يقول، وخاصة العقل -أتمنى إنه في نهاية الدرس اللي يقدر منكم يجيب لنا المرة الأولى بس بدون ما ينشغل عن القراءة الآن- قال: وخاصة العقل احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفوت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، فوازن بعقلك ثم انظر أي الامرين خير فآثره، وأيهما شر فأبعده عنه، فهذا برهان قطعي ضروري في إيثار رضا الله على رضا الخلق.

هذا مع أنه إذا آثر رضا الله كفاه الله مؤنة غضب الخلق، وإذا آثر رضاهم لم يكفوه غضب الله عليه، ثم ذكر الأبيات: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

طيب، مم كيف كيف يحصل هذا الإيثار؟ كيف يحصل هذا الإيثار؟ يقول: من المعلوم أن المؤثر لرضا الله متصدر لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيهم في إتلافه، ولا بد، هذه سنة الله في خلقه، وإلا فما ذنب الأنبياء والرسل والذين يأمرون بالقسط من الناس، والقائمين بدين الله الذابين عن كتابه وسنة رسوله؟ فمن آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه، فلابد أن يعاديه أو يعاديه لذاذالة العالم وسقطهم وغرثاهم وجهلهم وأهل البدع والفجور منهم وأهل الرياسات الباطلة، وكل من يخالف هديه، فما يقدم على معاداة هؤلاء إلا مطالب الرجوع إلى الله عامل على سماع خطاب: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال ولا تقلقله الجبال، ومن عقد عزيمة صبره محكم لا تحله المحن والشدائد والمخاوف.

قلت: وملاك ذلك أمران: الزهد في الحياة والثناء، فما ضعف من ضعف وتأخر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء وثناء الناس عليه ونفرته من ذمهم له، فاذا زهد في هذين الشيئين تأخرت عنه العوارض كلها وانغمس حينئذ في العساكر. وملاك هذين الشيئين بشيئين: صحة اليقين وقوة المحبة. وملاك هذين الشيئين بشيئين أيضاً: بصدق اللجأ والطلب والتصدي، بصدق اللجأ والطلب والتصدي للأسباب الموصلة إليهما.

هذا كلام أيضاً متن يشرح، يقول لك الآن أنت لما تبغى تؤثر رضا الله على رضا الخلق راح تتعرض لمعاداة الناس ولا بد، الفجور والبدع والرياسات الباطلة إلى آخره، طيب كيف راح تقدر يكون إسلامك صلباً كاملاً حتى تواجه ولا تتزعزع؟ لذلك أمران: الزهد في الحياة والزهد في الثناء، طيب هذان الأمران ملاكهما أمران: صحة اليقين وقوة المحبة، يعني حتى تصل إلى الزهد في الحياة ويعني عدم التشبث بها وحتى تصل إلى الزهد في الثناء تحتاج إلى أمريني: صحة اليقين وقوة المحبة. وحتى تصل إلى صحة اليقين وقوة المحبة تحتاج إلى أمرَين وهما واحد: صدق اللجأ والطلب، والثاني: التصدي للأسباب الموصلة إليهما.

طيب ننتقل إلى منزلة الخلق وهي آخر منزلة في هذا اليوم إن شاء الله ما نطيل فيها كثيراً، يعني نحاول ناخد فيها مثل ما أخذنا في الصدق أو أكثر قليلاً.

طيب يقول فصلنا ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخلق، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ. قال ابن عباس ومجاهد: لعلى دين عظيم، لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام، وقال الحسن: هو آداب القرآن. وفي الصحيحين -الحديث في صحيح مسلم وليس في الصحيحين- أن هشام بن حكيم سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن. وقد جمع له مكارم الأخلاق بقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ.

قال جعفر بن محمد: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.

طيب ثم ننتقل إلى، طيب ممكن نقف سريعاً مع تفسير الآية في الصفحة التالية ثمانية وستين، لما قال قد قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. قال عبد الله بن الزبير: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. قال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسيس أو تخسيس، مثل قبول الأعذار والعفو والمساهلة إلى آخره. وامر بالعرف، قال ابن القيم ثم قال تعالى: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وهو كل معروف.

واعرفه، يعني اعرف معروف التوحيد، ثم حقوق العبودية وحقوق العبيد. ثم قال تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. يعني إذا صفو عليك أحد، إذا صفو عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه؛ كقوله تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. وعلى هذا فليست بمنسوخة، بل يعرض عنه مع إقامة حق الله عليه ولا ينتقم لنفسه.

وهكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم. قال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا. وقال: ما مسست ديباجا ولا حرير األصم من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط أف، ولا قال لي شيء لي، ولا قال لي لشيء فعلته لما فعلته، ولا لشيء لم أفعله أنا فعلت كذا.

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن البر هو حسن الخلق. وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. طيب.

وفي الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق. يا جماعة الأحاديث الواردة في حسن الخلق لا تمر علينا كذا، الأحاديث الواردة في حسن الخلق لا تمر علينا هكذا؛ يجب أن تنتبه إلى نوع هذه الأحاديث. ونرجع مرة ثانية للموضوع المركزي، اللي هو مراتب الأعمال. اللي يتأمل في نصوص الشريعة سيجد أن مرتبة حسن الخلق سيجد أن مرتبتها في الشريعة عالية جدا، وأن محلها في الميزان محل شريف ثقيل جدا.

والإنسان يبرمج معاييره وموازينه بالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بناء على ثقل هذا العمل في النصوص الشرعية. فاللي يتأمل في النصوص الشرعية ومنزلة حسن الخلق منها، عجيب، ما من شيء أثقل في الميزان يوم القيامة في ميزان يوم القيامة من حسن الخلق. وأن الله تعالى لن يبغض الفاحش البذيء. وأن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء، قال الترمذي حديث حسن صحيح. وفيها أيضا وصححه أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: تقوى الله حسن الخلق. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الفم والفرج.

وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه: أن من أكبر المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.

قال ابن القيم وإسناده صحيح: فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة، وهي حسن الخلق، والأوسط لأوسطها وهو ترك الكذب، والادنى لادناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق. ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله. طيب فصل، هذه جملة تحفظ، سجلوا عندكم الجمل التي تحفظ، قال ابن القيم: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين. الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين. وكذلك التصوف، ننزل تحت قال: وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها.

ميزة كبيرة في منزلة الخلق في مدارج السالكين أنه سيجيبك عن سؤال أو سيدخل إلى إلى السؤال التالي وهو مهم جدا: كيف نتخلق بالأخلاق؟ كيف نتخلق بالأخلاق؟ فالجواب عن هذا بمقامين. المقام الأول هو أن تفهم ما تقوم عليه الأخلاق الحسنة، ايش العمد، ايش ايش الاركان، ايش القواعد، ايش الكتل التي تؤسس لمجموع الأخلاق الحسنة في الشريعة، وايش الكتل والأركان والمؤسسات للأخلاق السيئة في الشريعة؟ هذا أول مقام، إذا استوعبه الإنسان يبدأ يركز على هذه الكتل الأساسية، هذا المقام الأول.

المقام الثاني المقام الثاني هو سيذكره مباشرة، سيذكره مباشرة، يعني سيقول لك في ذلك في حين نصل إليه سأذكره لكم إن شاء الله. الحين ليس أذكر لكم، أقول لكم: هذا المقام الثاني الذي يستطيع الإنسان إذا راعاه أن نفسه أو أن يتخلق بالخلق الحسن بإذن الله تعالى. على أنه أصلا هو ذكر مسألة أنه هل الخلق يمكن أن يكون كسبيا أو لا؟

طيب يقول لك: حسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا به: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل. هذه تحفظ كمان، تحفظ. كل واحد منها انظروا ايش متعلق، احنا قلنا هذه كتل أو أركانها، كل واحد من هذه الأربعة شوفوا ايش يتولد عنه من الأخلاق. يقول في الصبر: يحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وعدم الطيش والعجلة، طبعا كلها من حسن الخلق.

والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة. والشجاعة: تحمله على عزة النفس وإيثار معاني الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوته على إخراج المحبوب ومفارقته. شف ربط، ربط ربط الإنفاق والسماحة والندى ربطها بالشجاعة، ربط رهيب صراحة.

يقول: وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم وتحمله على كظم الكيظ، آآ كظم الغيظ والحلم، فانه بقوة نفسه وشجاعته يمسك عناءه ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. وهو حقيقة الشجاعة، وهي يقتدر بها العبد على قهر خصمه.

والعدل: وهذا الرابع، يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الإمساك والإسراف والتبذير، وعلى خلق الحياء الذي هو توسط بين الذل والقحة، وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسطه بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس. فمنشأ أو منشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة، هذه مهمة جدا جدا.

الان ننتقل إلى القسم الثاني: منشأ جميع السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل والظلم والشهوة والغضب. الجهل والظلم والشهوة والغضب. في الحميدة قال: الصبر والعفة والشجاعة والعدل. وفي السافلة: الجهل والظلم والشهوة والغضب. فالجهل يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والكمال نقصا، ونقص كمالا. والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضا، ويرضى في موضع الغضب، يجهل في موضع العناء، ويبخل في موضع البذل، ويبذل في موضع البخل، ويحجم في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الأحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع...

ما في ما في مصطلح، ما في معايير. والشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها. طبعا نلاحظ أنه يقصد بالشهوة المعنى العام، اللي هي يدخل فيها حب التملك، شهوة المال، شهوة بشكل عام، الشهوة.

والغضب: يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه. ويتركب من كل خلقين من هذه الأخلاق أخلاق مذمومة، ويتركب من كل خلقين من هذه الأخلاق أخلاق مذمومة. يقول: وملاك هذه الأربعة أصلا إفراط النفس في الضعف، وإفراطها في القوة. فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة، والبخل، والخسة، واللؤم، والذل، الحرص والشح، وسفساف الأمور والأخلاق. ويتولد من إفراطها في القوة: الظلم، والغضب، والحجة، والفحش، والطيش.

ثم قال تحت: وكل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين، هو وسط بينهما، وطرفاه خلقان ذميمان؛ كالجود يكتنفه خلقا البخل والتبذير، والتواضع يكتنفه خلق الذل والمهانة والكبر والعلو. فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الدميمين ولا بد. فانحرفت عن خلق التواضع، وانحرفت أما إلى كبر وعلو، وإما إلى ذل ومهانة وحقارة. وإذا انحرفت عن خلق الحياء، انحرفت أما إلى قحة وجرأة، وإما إلى عجز وخوار ومهانة، بحيث يقنع في نفسه عدوه ويفوته كثير من مصالحه.

وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود، انحرفت أما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط، وإما إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجر طبعه؛ كما قال بعضهم: تبكي علينا ولا نبكي على أحد، فنحن أغلظ أكبادا من الإابل. وإذا انحرفت عن الخلق الحلمي، انحرفت أما إلى الطيش والترف والحدة والخفة، وإما إلى الذل والمهانة والحقارة. ففرق بين من حلمه حلم ذل مهانة وحقارة وعجز، وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف؛ كما قيل: كل حلم أتى بغير اقتدار، حجة لاجئ إليها اللئام. وهكذا أكمل في بقية الأخلاق لمن أراد المتابعة.

الآن ننتقل إلى المقام الثاني. هذا المقام الثاني، هذا وصفه ابن القيم أنه من أنفس ما في الكتاب، أنه من أنفس، قال بالنص: وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب لمن هو معتن بهذا الشأن وعامل على صلاح قلبه وتزكية نفسه. بصراحة عدة صفحات رائعة جميلة جدا. ايش يقول نافع؟ فصل نافع جدا عظيم النافع للسالك يوصله عن قريب ويسيره بأخلاقه التي لا يمكنه إزالتها. فإن أصعب معنى الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها. وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ولم يظفروا بأكثرها، ولم يظفر أكثرهم عفو ا تبديلها، لكن النفس اشتغلت بتلك الرياضات عن ظهور سلطانها، فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز كسر جيوش الرياضة وشتتها واستولى على مملكة الطبع.

هو الآن ايش يبغى يناقش في هذا الفصل؟ هو في هذا الفصل يبغى يناقش قضية يبي يناقش قضية أنه أنت فيك فيك طبائع في النفس مجبول عليها. طيب، أنت تبغى تواجه، تبغى تغير نفسك، تبغى تحسن من أخلاقك، هل الصحيح أنك تصطدم مع هذه الأخلاق أو أنك تقطعها من أصلها أو أنك توجهها؟ هاي ثلاثة احتمالات، ثلاثة احتمالات.

يقول: هذا فصل يصل به السالك مع تلك الأخلاق ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها، ويكون سيره أقوى وأجل وأسرع من سير العامل على إزالتها. ونقدم قبل هذا مثلا نضربه مطابقا لما نريده. المثل هذا جميل جدا جدا. هذا مثل للأخلاق الموجودة داخل النفس وقوتها، وكيف أنك هل تقطعها ولا ولا ايش تعمل معها؟

يقول: وهو نهر جار نهر جاري في صببه ومنحدره، ومنته إلى تغريق أرض وعمران ودور، وأصحابها يعلمون أنه لا ينتهي حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم وأموالهم. فانقسموا ثلاث فرق: فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سكره وحبسه وإيقافه، فلا تصنع هذه الفرقة كبير عمره، فانه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكن أو على فيكون افساده وتخريبه أعظم. وفرقة رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغني عنها شيئا، فقالت: لا خلاص من محظوره إلا بقطعه من أصل الينبوع، غرامة قطعه من أصله، فتعذر عليها ذلك غاية التعذر، وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الأباء، فهم دائما في قطع الينبوع، وكلما سدوه من موضع نبع من موضع، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزراعات والأعمال، عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار.

فجاءت فرقة ثالثة خالفت رأي الفرقتين وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم، فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضررون به، فصرفوه إلى أرض قابلة للنبات وسقوها به، فانبتت أنواع العشب والكلأ والثمار المختلفة الأصناف، فكانت هذه الفرقة هم أصوب الفرق في شأن هذا النهر.

فإذا تبين هذا المثل، فالله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ركب الإنسان وسائر الحيوان على طبيعة المحمولة على قوتين: غضبية وشهوانية وهي الإرادية. وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها، وهما مركوزان في جبلة كل حيوان. فبقوة الشهوة والإرادة، ولاحظوا الشهوة بالمعنى العام ها، فبقوة الشهوة والإرادة يجذب المنافع إلى نفسه، وبقوة الغضب يدفع المضار عنها.

فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه تولد منها الحرص، وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منها القوة والغيرة، فإذا عجز عن ذلك دار أورثه قوة الحقد، وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه ورأى غيره مستمدا به أورثه الحسد، فإن ظفر به أورثته شدة شهوته وإرادته خلق البخل والشح، وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية فاستعملها فيه أورثه ذلك والبغي والظلم، ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء، فإنها أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب وتزوج أحدهما بصاحبه.

طيب، الحل يقول لك: إذا تبين هذا، فالنهر مثال هاتين القوتين، وهو منصب في جدول الطبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه، وأصله يخربها ويتلفها ولا بد. فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه فخرب ديار الإيمان وقلع آثاره وهدم عمرانه، وأنبت موضعها كل جزرة خبيثة من حنظل وضريع وشوك زقوم، وهو الذي يأكله أهل النار يوم القيامة يوم الميعاد.

وأما النفوس الزكية الفاضلة فإنها رأت ما يؤول إليه أمر هذا النهر فافترقوا ثلاث فرق: فأصحاب الرياضات والمجاهدات والخلوات والتمرينات راموا قطعه من ينبوعه فأبت عليهم ذلك حكمة الله تعالى وما طبع عليه الجبلة البشرية.

ولم تنقض له الطبيعة فاشتد القتال ودام الحرب وحمي الوطيس، وصارت الحرب دولا وسجانا، وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة نفسي على إزالة تلك الصفات، وفرقة أعرضوا عنها وشغلوا نفسهم بالعمال، ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها.

لكن لم يمكنوا نهر من إفساد عمرانهم، بل اشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه، ورأوا أن ذلك النهر لابد أن يصل إليه، فإذا وصل وصل إلى بناء محكم فلم يهدمه، بل أخذ عنه يمينا وشمالا. فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة وإحكام البناء، وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفا من هدم البناء.

وسألت يوما شيخ الإسلام تبي طبعا هذا بس الفرقتين لسا ما جابت الثالثة، وسألت يوم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة وقطع الآفات والاشتغال بتنقية الطرق وتنظيفها، فقال جملة كلامه: النفس مثل الباطوس وهو جب القدر كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوز فافعل ولا تشتغل بنبشه فإنك لن تصل إلى قراره كل ما نبشت شيئا ظهر غيره.

فقلت سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ. يا أخي شوف كيف كانت مسائلهم وهل تذكرك مسائل الصحابة؟ مع الأسف كثير في مجتمعات طلاب العلم الآن ما ما عندهم أسئلة إلا أسئلة معرفية مجردة يعني آه مين إيش حكم كذا؟ مين مؤلف كذا؟ مين بس معلومات معلومات.

الصحابة أسئلتهم للرسول صلى الله عليه وسلم إيش كانت؟ أي العمل أحب إلى الله؟ أي العمل أفضل؟ أي الإسلام خير؟ دلني على آآ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك إن شرع الإسلام كثرت عليه فمرني بشيء لا تشبث به. هذه أسئلتهم من من أسئلتهم.

وهنا شوفوا لاحظ يعني أكثر من مرة ذكر حوارات بينه وبينه حتى لمن أمس يوم قرينا قالوا ابن تيمية طرح علينا مسألة آه لما قال فاجبت فابتسم كانت مسألة سلوكية، وهنا يعني يقول سألته هذي المسألة عن بعض الشيوخ مسألة سلوكية تزكوية محضة. فقال لي مثال آفات النفس مثال الحيات أو مثال آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السفر قط، ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض الكفيه ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك.

فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدا وأثناء عقاربه. إذا تبين هذا فهذه الفرقة الثالثة رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدا ولا عبثا، وأنها بمنزلة ماء يسقى به الورد والشوك والثمار، وانهما صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها، وأن ما خاف منه أولئك هو نفسه سبب الفلاح والظفر.

فرأوا أن الكبر الكبر نهر يسقى به العلو والفخر والبطل والظلم والعدوان، ويسقى به علو الهمة والأنفة أو الحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم، وهذه درة في صدفته فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس واستخرجوا هذه الدرة من صدفة لصدفته وابقوه على حاله في نفوسهم ولكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع.

وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة يتبختر بين الصفين فقال: يَبْغَضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ. طبعا مما يروى في السير وفي حيث الإناد فيه ما فيه. فانظر كيف خلى مجرى هذه الصفة وهذا الخلق يجري في أحسن مواضعه.

وفي الحديث الآخر وأظن في المسند أن من الخيلاء ما يحبه الله ويحبها الله منها ما يبغضها الله، فالخيلاء التي يحبها الله اختيار الرجل في الحرب وعند الصدقة، فانظر كيف صارت الصفة المذمومة عبودية وكيف استحال القاطع موصلا. وصاحب الرياضات والعامل على قطع أصول هذه الصفات مجتهد على قدر مادة الخيلاء والكبر، وهذا قد أقرها في موضعها وأعدها لأقرانها وهو مصرف لها في طرفين بعينه على مطلبه توصله إليه.

وكذلك خلق الحسد، وهذا تعليق لطيف يعني يريد أن يقول إنه ترى الحسد ليس كل الحسد شيء سيء، يعني يمكن أن توظفه في شيء معنى حسن. يقول هو كالصدقة لذرة لذرة أو لذرة الغبطة والمنافسة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.

فالحسد يوصل إلى المنافسة التي يحبها الله ويأمر بها في قوله: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ. فلا تعمل على انهدام هذا الخلق من نفسك بل اصرفه إلى الحسد المحمود الحامل على المنافسة في الرتب العالية وتزاحم أهلها بالركب، لا تتمن زوال نعمة الله عن عبد فتزول عنك ويبقيها عليه.

وكذلك خلق الحرص فإنه من أنفع الأخلاق وأوصلها إلى كل خير وشدة الطلب بحسب قوة الحرص، فلا تعمل على قطعها ولكن علقها بما ينفع النفس في معادها ويكملها ويزكيها، كما قال صلى الله عليه وسلم: احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ. فقوة الحس لا تذم وإنما يذم صرفها إلى ما يضر الحرص عليه أو لا ينفع وغير ما ينفع للعبد.

وكذلك قوة الشهوة من أنفع القوى للعبد وأوصلها له إلى كماله وسعادته، فإنها تثمر في المحبة وبحسب شهوة العبد للكمال يكون طلبه له، وبحسب قوة شهوته للذة العيش ووصاية الأحبة وقوة وقوة العين يكون طلبه ذلك في المحبة، لذلك في المحبة إن كان مؤمنا بها موقنا مصدقا فصدق الشهوة وقوتها يحمله على بيع مشته دنيء خسيس بمشته أعلى منه وأجل وأرفع.

وكذلك قوة الشح والبخل محمودة جدا نافعة للعبد، فإنها تحمله على بخله وشحه بزمانه ووقته وأنفاسه أن يضيع ويسمح بها لمن لا يساوي، ويشح أيضا غاية الشح على حظه ونصيبه من الله أن يبيعه أو يهبه لأحد من الخلق، ويشح أيضا بماله ويبخل به كل البخل ألا يكون في ميزانه، وأن يتركه لغيره يتنعم به ويفوته ويفوته هو أجره وثوابه.

الصحيح بماله المحب له هو الذي لا يسمح له لا يسمح به لغيره بل يأخذه بين يديه زادا لمعاده، ومن لا يحبه ولا له قدر عنده يرى أن أن يضيع فهو يدعوه ويدعه للوارث أو الجائحة والتلف ولا يستصحبه أمامه، فهذا هو الزاهد في المال والأول هو الراغب فيه المحب له.

وكان عبد الله بن عمر إذا أعجبه شيء من ماله قدمه بين يديه. وهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات والأخلاق، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بصرفها عن مجاريها المذمومة إلى مجار محمودة، وجاؤوا بصرف قوة شهوة النكاح قوة الشهوة إلى النكاح والتسري حتى كان سليمان عليه السلام مئة امرأة وإذا وضع الاسلام تسعون وجمع صلى الله عليه وسلم بين تسع وأباح للأمة اربعا ما طاب لهم من النساء ومن السراري بلا خصوص.

فالقوة يقول فصرفوا القوة فصرف القوة بهذه الشهوة عن مجرى الحرام إلى مجرى الحلال الذي يحبه الله وهو أحب إليه من نفل العبادة عند أكثر الفقهاء. وكذلك جاءوا بصرف قوة الغضب الغضبية إلى الجهاد إلى جهاد أعداء الله والغلظة عليهم والانتقام منهم.

وكذلك جاعوا بصرف قوة اللهو والركوب ونحوه إلى اللهو والرمي والمسابقة على الخيل وركوبها في سبيل الله وركوبها في سبيل الله واللهو في العرس. وكذلك شهوة استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يذم بل يحمد.

وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه واستمع قراءته وقال: لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمره إذا فحضر عنده مع الصحابة أن يسمعهم قراءته فيقرأ وهم يسمعون، هذا كان سماع القوم.

فمن فمن حرم هذا السماع أو من وهل هذا إلا سماع خواص الأولياء؟ فأين هذا من سماع البكاء والتصدية وقرآن الشيطان وآلات المعازف بنغمات الشاهد؟ فلابد للروح من سماع طيب تتغذى به، ولكن لا يستوي من الغذاء والعسل والحلوى والطيبات ومن غذاء غذاؤه الرجيع والميتة والدم ولحم الخنزير وما ألا به لغير الله.

ويا عجبا إن كان أهل هذا الغذاء لا يرون أثاره على شفاههم ووجوبهم، أفلا يستحيون من معاينة أرباب البصائر ذلك عليهم مرة أخرى؟ ويا عجبا إن كان أهل هذا الغذاء لا يرون أثاره على شفاههم ووجوههم أفلا يستحيون من معاينة أرباب غير ذلك عليهم؟

والمقصود أن رسوم الطبيعة وقواها لا يمكن تعطيلها في دار الابتلاء والامتحان، فالصير العارف يستعملها في مواضعها النافعة له التي لا تحرم عليه أو تحرم عليه دينا ولا تقطع ولا تقطع عليه طريقا ولا تفسدوا عليه حاله مع الله ولا تسقطه من عينه.

وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب لمن هو معتني بهذا الشأن وعامل على صلاح قلبه وتزكية نفسه، وإنما دخل الداخل حيث ظن أن تزكية النفس وتهذيب الأخلاق بتيسير طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات هيهات هيهات. طبعا هو لا أقصد نفي مبدأ الرياضة والمجاهدة، رياضة النفس ومجاهدتها، وإنما يقصد أنه رياضة النفس ومجاهدتها تكون في هذا التوجيه وليس في قطع أصول هذه المواد، إنما يطيع ذلك في الآفات والشبهات والضلالات، فإن تزكية النفوس مسلم إلى الرسل وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا لا خلقا أو لا خلقا لا خلقا وإلهاما، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم.

قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وقال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ.

وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجيء بها الرسل فهو كالمريض الذي نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزکيتها وصلاحها إلا من طريقهم وعلى أيديهم محظ الانقياد والتسليم لهم، والله المستعان.

فإن قلت: هل يمكن أن يقع الخلق كسبيا أو هو أمر خارج عن الكسب؟ قلت: يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلف حتى يصير له سجية وملكة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: إِنَّ فِيكَ لَخَلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ. فقال: أخلقتين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا. فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. فدل على أن من الخلق ما هو طبيعة وجبلة وما هو مكتسب.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، فذكر الكسب والقدر والله أعلم.

آه من الفصول النافعة التي أدعوكم للرجوع إليها أنا أقرأها. يقول آه المشاهد التي يقف آه عندها أو المشاهد التي يمر بها الإنسان مقابل أذى الخلق، أذى الخلق وجنايتهم في الصفحة أربعة وتسعين يقول هناك أحد عشر مشهد مشهدا فيما يصيبه من أذى للخلق وجنايتهم.

يعني مثلا منها مشهد الصبر، منها مشهد العفو والصبر نحل، منها مشهد الرضا، منها مشهد الإسان، منها مشهد السلامة وبرد القلب، منها مشهد الأمن، منها مشهد الجهاد آه مشهد الجهاد حقيقة أعجبني كثيرا دعوني أقرأه صفحة ثمانية وتسعين.

يقول المشهد الثامن مشهد الجهاد، وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامة دين الله وإعلاء كلمته، يعني هو يقول نوع من الأذى الذي يأتي الإنسان المسلم بسبب ما يدخل في جنس الجهاد في سبيل الله.

يقول صاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم الثمن، فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها، فلا حق له على من إذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على الله، وهذا ثابت بالنص بإجماع الصحابة رضي الله عنهم.

ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من سكنى مكة أعزها الله ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار، ولم يضمنهم آه ديته من قتلوه في سبيل الله. ولما عزم الصديق رضي الله عنه على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم، قاله عمر ابن الخطاب مشهد من الصحابة: تلك دماء وأموال ذهبت في الله وأجورها على الله ولا دية لشهيد.

فأصفق الصحابة على قول عمر يعني أطبقوا عليه ووافقه عليه الصديق. فمن قام لله حتى أُوذِيَ في الله حرم الله عليه الانتقام مرة أخرى، فمن قام لله حتى أوذي في الله حرم الله عليه الانتقام كما قال لقمان لابنه: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

ثم ذكر مشهد النعمة ومشهد الأسوة وهو التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الخلق، آه سأقرأ هذا الأخير. المشهد العاشر صفحة مئة وواحد مشهد الأسوة، وهو مشهد شريف لطيف جدا، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة رسل الله وأبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه، فإنهم أشد الخلق امتحانا بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور.

ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم وشأن نبينا أو شأن نبينا صلى الله عليه وسلم، ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم وشأن نبينا صلى الله عليه وسلم وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله، وقد قاله ورقة ابن نوفل: لَتُكَذَّبُنَّ وَلَتُخْرَجُنَّ وَلَتُؤْذَيُنَّ. وقال: هو ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا

أعود وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثه صلى الله عليه وسلم. أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده، أمثل في الأمثل؟ ومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء وأذى الجهال لهم، وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابا سماه محن العلماء.

ثم ذكر المشهد الحادي عشر، وهو مشهد التوحيد، اه، في صفحة مئة وأربعة، خلاص احنا وشكنا منتهي، اه، اصلا هو باقي على نهاية المنزلة ثلاث صفحات ونص، في صفحة مية وأربعة الملاحظة التي ذكرتها لكم مرارا، وهي كيف أن ابن القيم في الأمور الأخلاقية المتعلقة بالعباد يجعل لها تعبة وفرعا متألقا متعلقة بالله سبحانه وتعالى، فهو في صفحة مئة وأربعة هو إمكانية تعليق نصنع كلام الهروي نفسه، اه، يتكلم عن حسن الخلق مع الله سبحانه وتعالى، عن حسن الخلق مع الله.

فيقول: هذه الدرجة مبنية على قاعدتين، على قاعدتين، يعني ممكن نقول نعنون لها بأنه كيف يكون الإنسان حسن الخلق مع الله سبحانه وتعالى؟ إحداهما: أن تعلم انك ناقص، وكل ما يأتي من الناقص ناقص، فهو يوجب اعتذاره منه لا محالة، فعلى العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي منه من خير أو شر، أما الشر فظاهر، وأما الخير فيعتذر من نقصانه ولا يراه صالحا لربه.

فهو مع إحسانه معتذر في إحسانه، ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل منه مع إحسانهم بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم هو الرجل يصوم ويتصدق يخاف ألا يقبل منه، فاذا خاف فهو بالاعتذار أولى، والحال له على هذا الاعتذار أمران: الأول: شهود تقصيره، والثاني: صدق محبته.

طيب، الثانية، القاعدة الثانية التي تدفع إلى حسن الخلق مع الله سبحانه وتعالى: استعظامه كل ما يصدر، استعظamo كل ما يصدر منه سبحانه إليك، والاعتراف بأنه يوجب الشكر عليك، وأنك عاجز عن شكره، ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة، فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله، فإذا ذكره بشيء وأعطاه إياه، كان سروره بذكره له وتأهيله لإعطائه أعظم عنده من سروره بذلك العطاء، بل يغيب بسروره بذكره له عن سروره بالعطية، أو إذا كان المحب يسره ذكر محبوبه له وأناله من إساءة، كما قال القائل: لئن ساءني أن نلتني بمساءة فقد سرني أني خطرت بالك فكيف إذا ناله محبوب؟ وبمسرة وإن دقت، فانه لا يراها إلا جليلة خطيرة، فكيف هذا مع الرب تعالى الذي لا يأتي أبدا إلا بالخير، ويستحيل خلاف ذلك في حقه، كما يستحيل عليه خلاف كماله؟

وقد أصح اعرف الخلق بربه عن هذا بقوله: والشر ليس إليك، أي لا يضاف إليك ولا ينسب إليك ولا يصدر منك، فإن أسماءه كلها حسنى، وصفاته كلها كمال، وأفعاله كلها، اه، فإن أسماءه كلها حسنى، وصفاته كلها كمال، وأفعاله كلها فضل وعدل وحكمة ورحمة ومصلحة، فبأي وجه ينسب الشر إليه سبحانه وتعالى؟ فكل ما يأتي منه وعليه الحمد والشكر، وله فيه النعمة والفضل.

آخر فصل، آخر نص صفحة، قال: فصل، ومدار حسن، ومدار حسن الخلق مع الحق ومع الخلق على حرفين، طبعا فائدة لغوية: الحرف الحرف لا يراد به في اللغة فقط الحرف المفرد أ با ت هذا، وإنما الحرف في اللغة العربية وحتى في الاصطلاح الشرعي في صنيع أهل العلم يعبرون عن الجمل بالأحرف، وحتى الكلمة الكلمة يراد بها الكلمة المفردة ويراد بها الجملة.

مثلا الله سبحانه وتعالى قال عن إبراهيم: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ. جعلها كلمة، إيش المقصود بالكلمة هنا؟ لا إله إلا الله، وهي كلمة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصدق كلمة قالها شاعر، على كل شيء ما خلا الله باطل، وهذه جملة على كل، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم كلمة. نفس الشيء الحرف، حرف هذا بس أنا ما أعرَف له اه يعني اه مثال في الشريعة، وإن كان مثال في النص الشرعي أقصد، الناس ديال القرآن سبعة أحرف، قد ما يكون نفس هذا المعنى بالضبط، لكن اه في الاستعمالات العلماء نعم.

يعني مثلا الإامام مسلم، مم، لا، لا، ابن الصلاح لما تكلم عن الأحاديث المجمع عليها في الصحيحين، قال عن الأحاديث التي تفيد القطع: مثال ما اتفقوا عليه إلا حروف يسيرة انتقدها بعض الحفاظ، إلا أحرف يسيرة، يقصد بأحرف يسيرة يعني جمل أو أحاديث عموما.

يقول ابن القيم: فصل، ومدار حسن الخلق مع الحق ومع الخلق على حرفين، هنا يقصد جملتين ذكرهما عبد القادر الكيلاني فقال: كن مع الحق بلا خلق، وكن مع الخلق بلا نفس. فتأمل ما أجل هاتين الكلمتين مع اختصارهما، وما أجمعهما لقواعد السلوك ولكل خلق جميل، وفساد الخلق إنما هو من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى، وتوسط النفس بينك وبين خلقه، فمتى عزلت الخلق حال كونك مع الله تعالى، وعزلت النفس حال كونك مع الخلق، فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم وشمروا إليه وحاموا حوله.

أهو، والله المستعان، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.