تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين 15

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم جميعاً، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والتسهيل والتيسير.

آه هذا هو المجلس الخامس عشر من مجالس القراءة والتعليق على كتاب مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله تعالى، وكنا قد انتهينا أمس من منزلة الخلق، وننتقل الآن إلى منزلة التواضع.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التواضع. قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، أي سكينة ووقاراً متواضعين غير أشرين ولا مريحين ولا متكبرين، قال الحسن: علماء حلماء، وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم أو لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا، هذا الآن كله تفسير لقول الله سبحانه وتعالى: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.

والهون بالفتح في اللغة الرفق واللين، والهون بالضم الهوان، فالمفتوح منه صفة أهل الإيمان والمضموم صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّوهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمين لمعاني هذه الأفعال، هذه نقطة مهمة من ناحية اللغة وهي كثيرة في كلام ابن تيمية وكلام ابن القيم كثيرة جداً.

الآن تعرفون الفعل اللازم، الفعل اللازم الذي لا يتعدى إلى المفعول به بنفسه آه يؤدى بواسطة، فأحياناً يعني مثلاً فلاناً ذل، فلان ذل لفلان، يعني المؤمن يذل لأخيه، ففعل ذل يعدى إلى المفعول به باللام تماماً، فيعد آه ذل لأخيه.

لكن هنا يقول لك في الآية لم يعقب باللام وإنما عدي بـ(على) مع أنه المتبادر إلى الذهن أو إلى اللغة حتى أنه المفترض إذا قيل آه فلان ذليل ما يققال على فلان وإنما ذليل لفلان. حسناً، طيب، لماذا قال الله سبحانه وتعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وليس للمؤمنين؟ يقول هنا: لأنه أَذِلَّةٍ هنا ضمنت ضمن الفعل معنى آخر، ضمن الفعل معنى آخر، فعل الذلة مضمن معنى آخر وهذا كثير في القرآن، وذكرنا له مثالاً سابقاً لو تذكرون، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ، وهي والاصل يشرب منها عباد الله، لكن لما ضمن فعل الشرب لما ضمن فعل الشرب فعل الإرواء أداة (به) بالباء، فصارت عيناً يشرب بها أي يروى بها، وهنا أذلة على المؤمنين ضمن فعل التذلل هنا ضمنه الرحمة والعطف والشفقة، فلو قلت فلان يعطف لا تقل على لفلان وإنما على فلان، فلأجل ذلك لأن أذلة شبعت بمعنى العطف والشفقة والرحمة فاستعمل معها الأداة التعدية المناسبة للفعل المضمن وليس للفعل المنطوق به.

وعلى كل حال لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمين لمعاني هذه الأفعال، فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول كما في الحديث: المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل. طبعا نبه المحقق أنه اللفظ المعروف حديث بلفظ آخر آه مقارب لبعض جمله تجده بالحاشية موجود: أربعة يبغضهم الله أشد البغض: الكذاب والنمام والبخيل والجبار.

وقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، هو من عزة القوة والمنعة والغلبة، قال عطاء رضي الله عنه: للمؤمنين كالوالد على ولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته، كما قال في الآية الأخرى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.

وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.

وفي الصحيحين مرفوعاً: ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر. وفي حديث احتجاج الجنة والنار أن النار قالت: ما لي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون؟ وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وهو في الصحيح أخرجه البخاري. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: العزة إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته.

وفي جامع الترمذي مرفوعاً عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين إلى آخر الحديث وفيه ضعف.

قال ابن القيم: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم، وكانت الأمة تأخذ بيده صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل لعق أصابعه الثلاث، وكان صلى الله عليه وسلم يكون في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المسكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء.

وكان صلى الله عليه وسلم هين المؤنة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بساماً، متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب، رحيماً بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم، قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

وقال: لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلته. رواه البخاري.

وكان صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف.

فصل: سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله. وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح ولين الجانب.

وهنا ساذكر آه سأققرأ كلام أبي يزيد البسطامي رحمه الله يعني أذكر بعض الملاحظات المنهجية، قال أبو يزيد البسطامي: هو ألا يرى لنفسه مقاماً ولا حالاً، ولا يرى في الخلق شراً منه، ولا يرى في الخلق شراً منه. طبعا هناك مقولات كثيرة تأتي عن المتقدمين من العباد وأهل الصلاح والخير وحتى من أهل العلم والفضل آه تأتي أحياناً بعض العبارات آه فيها هضم للنفس بمثل هذه الطريقة.

وأحياناً يأخذها الإنسان كما هي ويطبقها أو يريد أن أن أن أو يعتقد أنها دائماً تكون صواباً وصحيحة، وأنه لا يوجد ملاحظات أو إشكالات في مثل هذه الإطلاقات، وفي الحقيقة كما ذكرت مراراً في هذا الدرس في هذه المجالس مجالس السالكين أن السيرة النبوية دائماً تعمل توازن للإنسان بين أحياناً النصوص المركزة المكثفة لبعض العباد السالكين وبين الممارسة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يتوازن الإنسان، لأنه هل نقول إنه إنه الإنسان لا يكون متواضعاً حتى لا يرى في الخلق شراً منه بهذا المعنى؟ لا، طبعا هذا كلام غير صحيح، إن كان اريد به هذا الظاهر فهذا كلام غير صحيح.

فالانسان لكن الجزء الأول صحيح: أن لا يرى لنفسه مقاماً ولا حالاً نعم هذا الجزء صحيح، يعني أن لا أرى نفسي شيئاً عظيماً، أن لا أرى نفسي شيئاً عظيماً نعم هذا الكلام له ما يؤيده في الشريعة، فالإنسان متى ما عظمت عليه نفسه أهلكته، ونحن اليوم كثير من الأمور المحيطة بنا تدعونا إلى تعظيم أنفسنا، حتى أحياناً داخل الإطار الإسلامي يعني آه خاصة مع الدورات آه كثير من دورات تطوير الذات وما إلى ذلك تضخيم قضية النفس بزيادة.

لكن في الجهة الأخرى أيضاً الإسلام جاء لترى يعني لتقدر نفسك، جاء من الأشياء التي دعا عليها تقدير النفس ليس تعظيم النفس وإنما تقديرها، فأن لا أرى أحداً آه أن لا أرى أحداً شراً مني أنا برأيي أن مثل هذه الإطلاقات فيها من الإشكال ما فيها.

طيب آه ننتقل لبعض الجمل، قال: وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره ويقول: طرقوا للأمير.

وركب زيد بن ثابت مرة فدنى ابن عباس ليأخذ بركابه فقال: ما تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا. فقال: أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها. فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ننتقل إلى الصفحة التالية، قال رجاء بن حيوة: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو يخطب باثني عشر درهماً وكانت قباء وعمامة آه قميصاً وسراويل ورداء الخفين وقلنسوة.

ثم قال فصل في الصفحة التي بعدها: أول ذنب عصي آه أو عصى الله به أبوا الثقلين: الكبر والحرص، فكان الكبر ذنب إبليس اللعين فآل أمره إلى ما آل إليه، وذنب آدم على نبينا وعليه السلام كان من الحرص والشهوة فكان عاقبته التوبة والهداية، وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار، وذنب آدم أوجب له إضافته إلى نفسه آه والاعتراف به والاستغفار، فأهل الكبر والإصرار والاحتجاج بالأقدار مع شيخهم وقائدهم إلى النار: إبليس، وأهل الشهوة المستغفرون التائبون المعترفون بالذنوب الذين لا يحتجون عليها بالقدر مع أبيهم آدم في الجنة.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: التكبر شر من الشرك، فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره.

آه هذا نص مهم جداً، وإن كان أيضاً مثل هذه النصوص تحتاج إلى فهم آه، مثل مر معنا نص قبل ذلك أنه القول على الله بلا علم أعظم من آه الشرك. هذه النصوص دائماً الإنسان أنا عذراً يعني أحياناً آه أقف آه أو أقطع التسلسل، لكن تهمني حقيقة قضايا المنهجية، لأنه الإنسان الذي يبني علمه من الكتب فقط بدون أن أن تأتي بعض التوضيحات فقد يقع يصطدم ببعض النصوص المشكلة، فلو أحد أخذ هذا النص على اطلاقه قال: التكبر شر من الشرك آه.