تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين ١٦

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، ولا تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.

هذا المجلس السادس عشر من مجالس التعليق على كتاب مدارج السالكين. احنا توقفنا عند منزلة المروءة، وبعد المروءة هناك ثلاثة منازل أو ثلاث منازل لن لن نقف عندها نظراً لأن الموضوعات التي فيها نوعاً ما تخصصية، ليست من من جنس ما يعني من جنس ما نتحدث عنه في هذه الدروس.

فسنتجاوز هذه الثلاثة أو الثلاث منازل، وفقط في منزلة الإرادة اللي هي المنزلة الثالثة فقط سنقف عند موضع واحد منهجي هكذا علق الإمام ابن القيم عليه تعليقاً جميلاَ نحتاجه، هو في صفحة مئة وثمانية وسبعين ثم ستكون بدايتنا مع منزلة الأدب في صفحة مئة وسبعة وثمانين. تمام، طيب، توكلنا على الله.

نبدأ الآن في فقط نبدأ في الجزء الذي علق عليه ابن القيم أو الذي انتقيته بمنزلة الإرادة صفحة مئة وثمانية وسبعين. كان قد ذكر رحمه الله خلافاً بين بعض الطوائف، أنه مثلاً أشار أبو القاسم الجنيدي إلى أن المريد لله بصدق إذا أراد الله به خيراً أوقعه على طائفة الصوفية يهذبون أخلاقه والى آخره، وأما القراء فيدقونه بالعبادة.

ذكر الخلاف بين قوله ثم علق تعليقاً منهجياً في منزلة الإرادة صفحة مئة وثمانية وسبعين. علق التعليق المنهجياً فقال: والبصير الصادق يضرب في كل غنيمة بسهم، ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها، ولا يتحيز إلى طائفة وينأى عن الأخرى بالكلية إلا ألا يكون معها شيء من الحق، فهذه طريقة الصادقين.

ودعوى الجاهلية كامنة في النفوس، سمع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته قائلاً يقول: يا للمهاجرين! وآخراً يقول: يا للانصار! فقال: ما بال دعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ هذا وهما اسمان شريفان، هذا تنبيه مهم جداً وأظن ذكره قبل ذلك ابن تيمية، آآ أنه لاحظوا الرسول صلى الله عليه وسلم قال: دعوى الجاهلية وهم ايش؟ اعتزوا باية اسماء؟ اعتزوا بأسماء شرعية وليست بأسماء اخترعوها هم.

قال هذا هما اسمان شريفان سماهم الله بهما في كتابه فنهاهم عن ذلك، وأرشدهم إلى أن يتداعوا بالمسلمين والمؤمنين وعباد الله، وهي الدعوة الجامعة بخلاف المفرقة كالفلانية والفلانية، فالله المستعان. آآ طبعا تسمية المهاجرين مهاجرين والأنصار أنصاراً هذا ليس ليس فيه شيء بالعكس هذه تسمية شرعية، ولكن لما استعملت تلك الأسماء في أمر فيه تفرقة، سماها النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الجاهلية.

طيب، قال ابن القيم وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية. فقال: على كبر السن مني يا رسول الله؟ قال: نعم. فمن يأمن القراء بعدك يا شهر؟ ولا يذوق العبد حلاوة الإيمان وهذي الجملة ممكن تحفظ، ولا يذوق العبد حلاوة الإيمان وطعم الصدق واليقين حتى تخرج الجاهلية كلها من قلبه، ووالله لو تحقق الناس في هذا الزمان ذلك من قلب رجل لرموه عن قوس واحدة وقالوا هذا مبتدع من دعاة البدع، فالإلى الله المشتكى، وهو المسؤول الصبر والثبات، فلابد من لقائه، وقد خاب من افترى، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.

طيب، هذا الموضع الذي اردت اخترته من منزلة الإرادة وهو مهم حقيقة منهجياً بالنسبة لنا في قضية في قضية الخلافات بين الطوائف والأسماء وما إلى ذلك.

طيب، مئة وسبعة وثمانين منزلة الأدب. قال فصل: ومن منازل إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ منزلة الأدب، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ. قال ابن عباس وغيره وغيره: أدبوهم وعلموهم. يعني تفسيراً لقوله سبحانه وتعالى: قوا أنفسكم وأهليكم ناراً أدبوهم وعلموهم، وهذه اللفظة مؤذنة بالاجتماع، فالأدب اجتماع خصال الخير في العبد، ومنه المأدبة وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس، وعلم الأدب هو علم اصلاح اللسان والخطاب واصابة مواقعه وتحسين ألفاظه وصيانته عن الخطأ والخلل وهو شعبة من الأدب العام والله أعلم.

ثم قال وكعادته في المنازل الأخلاقية ينبه إلى أن الأدب ليس فقط مع الناس وفي التعامل مع الآخرين وإنما أول الأدب هو مع الله سبحانه وتعالى، قال: والأدب ثلاثة أنواع؛ أدب مع الله سبحانه، وأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم وشرعه، وأدب مع خلقه. فالأدب مع الله ثلاثة أنواع؛ أحدها صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة، والثاني صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره، والثالث صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليهم.

الآن سيعلق ابن القيم على مجموعة من الآداب التي آآ عملها الأنبياء في هذا القسم الذي هو في الأدب مع الله سبحانه وتعالى. آآ ننتقل إلى صفحة مية واحد وتسعين قال: وتأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله وخطابهم آآ وسؤالهم كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة عليه، ثم هنا سيقف وقفة جميلة مع آآ مم آآ معك آآ عيسى عليه السلام في أدبه مع الله سبحانه وتعالى في الخطاب المشهور.

اللي هي آآ مم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين؟ قال سبحانك ما يكون لي أن اقول ما ليس لي بحق إلى آخر الآيات، وفيها إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، ويتكلم عن حتى الأدب في اختيار أنك أنت العزيز الحكيم وليس أنك أنت الغفور الرحيم في هذا المقام.

يقول قال المسيح عليه السلام: إن كنت قلته فقد علمته. ولم يقل لم أقله، وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب، ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال: تعلم ما في نفسي، ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال: ولا أعلم ما في نفسك.

ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها فقال: إنك أنت علام الغيوب. ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه وهو محض التوحيد فقال: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم. ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم، وأن الله عز وجل وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم فقال: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم.

ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم فقال: وأنت على كل شيء شهيد. ثم قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك، وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى في مثل هذا المقام، أي شأن السيد رحمة عبيده والاحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيداً لغيرك، فإذا عذبتهم مع كونهم عبيدك آآ فمع كونهم عبيدك فلولا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد وأعتاهم على سيدهم وعصاهم له لم تعذبهم، لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته، فلماذا يعذب أرحم الراحمين وأجود الأجودين وأعظم محسنين إحساناً عبيده لولا فرط عتوهم وأباؤهم عن طاعته وكمال استحقاقهم للعذاب؟

ثم قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، ولم يقل الغفور الرحيم، وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، فانه قاله في وقت غضب الرب عليهم والأمر بهم إلى النار، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم، فلو قال فانك أنت الغفور الرحيم لأشعر باستعطافه ربه على أعدائه الذي قد اشتد غضبه عليهم في المقام مقام موافقة للرب في غضبه على من غضب الرب عليهم، فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة المتضمنتين لكمال وكمال العلم.

والمعنى إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم، ليس عن عجز الانتقام منهم ولا عن خفاءنا عليك بمقدار جرائمهم، وهذا لأن العبد قد يغفر آآ لغيره لعجزه من الانتقام لجهله بمقدار ساءته إليه، والكمال هو مغفرة القادر العالم وهو العزيز الحكيم.

وكان ذكر هاتين الصفتين في في هذا المقام عين الأدب في الخطاب. طيب، ثم قال وكذلك قول إبراهيم الخليل آآ صلى الله عليه وسلم: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. ولم يقل وإذا أمرضني حفظاً مع الله مع أنه المرض حصل بقدر الله وهو كله قال خلقني يطعمني يسقين يشفين، إلا المرض لم يستعمل وهو الذي يمرضني، قال وإذا مرضت فهو يشفين فقط أدباً أدباً في في نسبة الأشياء أو الأمور إلى الله سبحانه وتعالى.

وكذلك قول الخضر عليه السلام في السفينة: فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا، ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها، وقال في الغلام فقال في الغلامين: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا، مع أنه كلها كل ما فعله الخضر لم يكن من من جهته يعني قالوا ما فعلت عن أمري.

وكذلك قول مؤمني الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشُرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا. ولم يقولوا أراده ربهم، ثم قالوا أم أراد بهم ربهم رشداً؟ يعني لم يقولوا وأنا لا ندري أشر أراد ربهم بهم لا قالوا أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ولما جاؤوا للخير قالوا أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا.

وألطف من هذا قول موسى عليه السلام: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. ولم يقل أطعمني. وقول آدم عليه السلام: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. ولم يقل ربي قدرت علي وقضيت علي.

وقول أيوب عليه السلام: مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. ولم يقل فعافني واشفني. وقول يوسف لأبيه وأخوته وهنا حقيقة آآ الأمر العجيب يعني وإن كان هو انتقل هنا إلى إلى فتوة يوسف في أخلاقه مع إخوانه قال ولم يقل آآ أخرجني من الجب يعني يقول وقد أحسن به إذا أخرجني من السجن ولم يقل أخرجني من الجب حفظاً للأدب مع إخوته وتفتياً عليهم ألا يخجلهم بما جرى في الجب.

وقال: وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ، ولم يقل رفع عنكم الجهد جهد الجوع والحاجة أدبًا معهم وأضاف ما جرى إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه فقال: مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي، فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه، ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

ومن هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يستر عورته هذا الآن في الأدب مع الله آآ وإن كان خاليا لا يراه أحد أدباً مع الله على حسب القرب منه وتعظيمه وإجلاله وشدة الحياء منه ومعرفة وقاره مم.

وقال بعضهم: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحد الباطن الأدب باطناً إلا عوقب باطناً. وقال عبد الله بن مبارك رحمه الله: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة. وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل، وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل. ولهذا كان الأدب استخراج ما في الطبيعة من الكمال من القوة إلى الفعل.

قلنا القوة يعني أشبه بمعنى القابلية، فإن الله سبحانه وتعالى هيأ الإنسان لقبوله الكمال بما أعطاهم الأهلية والاستعداد التي جعلها فيه كامنة كالنار في الزناد، فألهمهما ومكنها ومكنه وعرفه وأرشده وأرسل إليه رسله وأنزل إليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل آآ لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل.

قال الله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا. فعبر عن خلق النفس بالتسوية والدلالة على الاعتدال والتمام، ثم أخبر عن قبولها الفجور والتقوى للفجور والتقوى وأن ذلك نالها منه امتحاناً واختباراً، ثم خص بالفلاح من زكاها فنماها وعلاها ورفعها بآدابه التي أدب بها رسله وأنبياؤه وهي التقوى، ثم حكى بالشقاء على من دساها فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور والله سبحانه وتعالى أعلم.

ثم اخذ يعلق على أيضاً أدب النبي صلى الله عليه وسلم آآ مع ربي سبحانه وتعالى في التعليق على قوله سبحانه وتعالى: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، وأن هناك تفسيراً للآية أن هذا يعني أن هذا من باب الأدب أنه قال: وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير أن هذا وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانباً ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والاخلال به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة، فكمال إقبال الناظر على المنظور أن لا ينصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه، هذا معنى ما حصلته عن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله.

طيب آآ ثم اخذ يعلق على ما كذب الفؤاد وما رأى وما يتعلق بذلك. طيب، ثم قال فصل: والأدب هو الدين كله، فإن ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب حتى يقف بين يدي الله طاهراً، ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته للوقوف بين يدي ربه.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة، فقال تعالى: خُذُوا زِينَتَ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ. فعلق الأمر بأخذ الزينة لا بستر العورة، إيذاناً بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة، وكان لبعض السلف حل بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي.

ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لا سيما إذا وقف بين يديه؛ فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهراً وباطناً.

ومن الأدب -ولا يزال يعني في الأدب مع الله سبحانه وتعالى- نهي النبي صلى الله عليه وسلم المصلي أن يرفع بصره إلى السماء. سمعتم شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا من كمال أدب الصلاة، أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقاً، خافضاً طرفه إلى الأرض، ولا يرفع بصره إلى فوق. قال: والجهمية لما لم يفهموا هذا الأدب ولا عرفوه، ظنوا أن هذا دليل أن الله ليس فوق سماواته على عرشه، كما أخبر به عن نفسه واتفقت عليه رسله وجميع أهل السنة. قال: وهذا من جهلهم، بل هذا دليل لمن عقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم على نقيض قولهم؛ إذ من الأدب مع الملوك أن الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض ولا يرفع بصره إليهم، فما الظن بملك الملوك سبحانه!

وسمعته يقول في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: إن القرآن هو أشرف الكلام وهو كلام الله، وحالة الركوع والسجود حالة ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به. ومن الأدب مع الله أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.

ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصلاة؛ وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة، ففي الموطأ لمالك عن سهل بن سعد أنه من السنة، هذا في البخاري أيضاً، وكان الناس يؤمرون به، ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء، فعظيم العظماء أحق به.

ومنها السكون في الصلاة، وهو الدوام الذي قال الله تعالى فيه: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ. قال عبد الله بن مبارك عن ابن الهيئة: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير أخبره قال: سألنا عقبة بن عامر عن قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، أهم الذين يصلون دائماً؟ قال: لا، ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه. قلت: هما أمران، الدوام عليها والمداومة عليها، فهذا الدوام اللي هو اللي قاله عقبة بن عامر. وأما المداومة أو المداومة في قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أو صلواتهم يحافظون. وفسر الدوام بسكون الأطراف أو فسر الدوام يمسكون الأطراف والطمأنينة.

ثم قال وادله في استماع القراءة: أن يلقي السمع وهو شهيد. وأدبه في الركوع: أن يستوي ويعظم الله تعالى حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه، ويتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء. والمقصود أن الأدب مع الله تبارك وتعالى، وهو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهراً وباطناً، ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء: معرفته بأسمائه وصفاته، ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره، ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علماً وعملاً وحالاً، والله المستعان.

هذا العام كله النوع الأول من الأدب اللي هو الأدب مع الله سبحانه وتعالى. ثم يقول فصلاً: واما الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم فالقرآن مملوء به، فرأس الأدب معه كمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولاً، أو يحمله شبهة أو شك، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والاذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.

ثم قال: فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؛ توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يوقف تنفيذ أماره أو يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وأمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة أعرض عن أمره وخبره وفوضه إليهم، وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً، فقال: ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال.

ثم قال: ومن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ، والتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، وهذا أيضاً من النصوص التي يمكن أن تحفظ في تفسير طيب، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم.

لا تقدم بين يدي الله ورسوله، قال مجاهد رحمه الله: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدموا بين يدي الإام وبين يدي الأب؛ أي لا تعجلوا بالامر والنهي دونه. وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى.

ومن الأدب معه: ألا ترفع الأصوات فوق صوته، فانه سبب لحبوط الأعمال، فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به؟ أترى ذلك موجباً لقبول الأعمال، ورفع الصوت فوق صوته موجب لحبوطها؟

ومن الأدب معه: ألا يجعل دعاؤه كدعاء غيره، قال تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا. وفيه قولان للمفسرين: أي أحدهما أنكم لا تدعونه باسمه، طبعاً الدعاء المقصود به النداء هنا، الذين كانوا في وقت النبي صلى الله عليه وسلم حين يقولون يا محمد، فالله سبحانه وتعالى قال لهم: لا تنادوا الرسول صلى الله عليه وسلم كما تنادون بعضكم بعضاً. يعني من الأدب معهم، أحدها أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله؛ فعلى هذا المصدر مضاف إلى المفعول؛ أي دعاؤكم الرسول.

والثاني: أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً، التفسير الثاني أنه بالعكس؛ أنه الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ناداكم لا تجعلوا نداءه لكم كنداء غيره لكم، فيعني تترددوا أو تتأخروا أو شيء، بل اجعلوا نداءه لكم شيئاً خاصاً. قال الثاني: أن المعنى لا تجعل دعاؤه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً إن شاء أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته ولن يسعكم التخلف عنها البتة؛ فعلى هذا المصدر مضاف أنه للفاعل؛ أي دعاؤه إياكم.

ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم: أنه إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط، لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته حتى يستأذنه، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. فإذا كان هذا مذهباً مقيداً بحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا باذنه، يعني ذهابهم ذاك المحدد من ذاك المكان الذي كانوا ينزلون فيه لم يأذن لهم أن ينصرفوا منه إلا باذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

ومن الأدب معه: ألا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به صلى الله عليه وسلم على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو عين الجرأة.

ثم ينتقل الآن إلى المعنى الثالث وهو الأدب فيما بين الناس أو فيما في المخلوقات بين بعضهم. يقول: وأما الأدب مع الخلق فهم معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب، والمراتب فيها أدب خاص؛ فمع الوالدين أدب خاص، وللاب منهما أدب هو أخص به، ومع العالم أدب آخر، ومع السلطان أدب يليق به، ولهم على أقرانهم أدب يليق بهم، ومع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه ذوي أنسه، ومع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته، ولكل حال أدب؛ الأكل آداب، وللشرب آداب، وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آداب، وللبول آداب، وللكلام آداب، بالسكوت والاستماع أدب، وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره.

فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب. وهذا أيضاً نص يحفظ: فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب. هادي أحسن من عبارات بعض المدرسين اللي يقولوها الطلاب في قلة الأدب، مين بيجي يقول له يحذر، يا اخي هذي جملة ممتازة وجميلة.

يقول: فانظر إلى الأدب مع الوالدين كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة، والإخلال به مع الأم تأويلاً وإقبالاً على الصلاة كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحش. وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر، كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته للحرمان. وانظر قلة أدب عوف مع خالد كيف حرمه السلب بعد أن برد بيديه.

وانظر أدب الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أن يتقدم بين يديه فقال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف اورثه -يعني هذا الأدب كيف اورثه- مقامه والامامة بالأمة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه وقد أومى إليه أن اثبت، أن اثبت مكانك جمزاً وسعياً إلى قدام، بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي، والله أعلم. يعني التقاطة، التقاط عظيمة.

طبعاً هي القصة مشهورة وحديث صحيح أنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أو أبو بكر الصديق كان يصلي بالصحابة لموقف اظن تأخر النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء، أثناء الصلاة حضر النبي صلى الله عليه وسلم فانتبه أبو بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بصف في الصف خلف أبي بكر الصديق، فأراد أن يرجع أبو بكر الصديق فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بيده أن اثبت مكانك جيد، فابو بكر الصديق رجع -هذا حديث صحيح- رجع حتى بعد إشارة النبي صلى الله عليه وسلم رجع فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى من الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر الصديق: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعدين لاحظوا ما استعمل، ما قال: ما كان لأبي بكر؛ أتى بلفظ بوصف له حتى غير المشهور اللي فيه نوع من التقليل من شأنه، قال: أنا ابن أبي قحافة أنا أتقدم بين يديك رسول الله أصلي بك! ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فابن القيم يلتقط المشهد، يقول: هذه الخطوات التي رجع فيها أبو بكر الصديق إلى الخلف حتى يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، كل خطوة منها كان يرجع فيها إلى الخلف قدمته مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي، يعني يقول: كل خطوة منها كانت هي عبارة عن تقدم كبير كبير كبير لا يمكن إدراكه، أو يصعب اللحاق به. التقاطة جميلة حقيقة.

طيب، ننتقل بعد ذلك إلى المنزلة الثانية؛ قال فصل: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة اليقين، وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وعمل القوم إنما عليه وإشاراته كلها إليه، وإذا تزوج الصبر باليقين ولد بينهما حصول الإمامة في الدين، قال الله تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.

وخص سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين فقال وهو أصدق القائلين: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ. وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين أو العالمين فقال: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وأخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين فقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ.

الآن ابن القيم إيش عمل وهو يستعرض هذه الآيات النظائر؟ لكن ليس فقط النظائر هكذا، وإنما الفكرة، وهي من كما قلت من أعظم الطرق في تفسير القرآن والتعامل مع القرآن أن يأتي الإنسان

باللفظة اللفظة القرآنية أن يأتي بها في مواردها من القرآن الكريم أو في مواضعها من القرآن الكريم ثم يقسم هذه المواضع، يعني مثلاً هكذا: اليقين أين ورد في القرآن؟ ثم يبدأ يقسم، يقول مثلاً: ثلاثة مواضع ورد فيها اليقين، والله تدل على أن الموقنين يستفيدون من الآيات والعبر. هذا إذن وجه من وجوه اليقين في القرآن. وهكذا طبعا هنا لم يستقصِ، ولكن هذا يعني هذه إشارة، وهو يفعل ذلك، وهي من أفضل الطرق لفهم القرآن.

فخالف اليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره. ثم قال: واليقين قرين التوكل، ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين. والصواب أن التوكل ثمرته ونتيجته، ولهذا حسن اقتران الهدى به، قال الله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. فالحق هو اليقين. وقالت رسل الله: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا.

ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نوراً وإشراقاً وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهم وغم، فامتلأ محبة لله وخوفاً منه ورضاً به وشكراً له وتوكلاً عليه وإنابة إليه، فهو مادة جميع المقامات والحامل لها. ثم تكلم في بعض القضايا المتعلقة: هل اليقين كسبي أو لا؟ ثم قضية المكاشفة.

مم، هنالك نص ربما نقرأه في صفحة مئتين وخمس وعشرين، قال: وقال بعضهم رأيت الجنة والنار حقيقة، قيل له وكيف؟ قال رأيتهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني، فإن بصري قد يطغى ويزيغ، بخلاف بصره صلى الله عليه وسلم.

طيب، في مئتين وتسع وعشرين تتكلم عن الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وهذا سبق مر معنا في مدارج السالكين فلن نكرره، مع أنه تكرار العلم مفيد يعني ولكن اختصاراً.

ثم المنزلة التالية: منزلة الانس بالله، قال ومن منازلي إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة الانس بالله. قال صاحب المنازل رحمه الله: وهو روح القرب، ولهذا صدر منزلته بقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. فاستحضار القلب هذا البر والاحسان واللطف يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى، وقربه منه يوجب له الانس، والانس ثمرة الطاعة والمحبة، فكل مطيع مستأنس وكل عاص مستوحش، كما قيل: فإن كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنسِ. والقرب يوجب الانس والهيبة والمحبة.

قال صاحب المنازل: وهو على ثلاث درجات، الدرجة الأولى: الانس بالشواهد، وهو استحلاء الذكر والتغذي بالسماع والوقوف على الإشارات. طبعا نتكلم هنا عن قضية الشواهد أنا المصطلحات يعني خلنا نقول المتعلقة أو الخاصة بالتصوف غالباً يتجاوزها معنا، مهم حقيقة الإنسان يعرف بعضها لكن بعضها مرت معنا وبعضها قد تقطع سياق التركيز على الجانب الذي نريد التركيز عليه وهو الجانب التزكوي، مع أنه بعض الأمور المنهجية والملاحظات نقف عندها.

طيب، هو ركز في هذا المقام على كلمة كلمة الهروي والتغذي بالسماع، تغذي بالسماع ابن القيم رحمه الله يرى أنه قضية السماع قضية مهمة جداً جداً في تغذية القلب، أن قضية السماع مهمة جداً في تغذية القلب، وهو وهو اتباعاً أيضاً لمن قبله ابن تيمية رحمه الله اشار إلى هذا المعنى في تفضيل حاسة السمع والبصر على بقية الحواس، في تفضيلها من جهة تأثيرها على القلب، يعني يقول الإنسان له خمس حواس ليست كل هذه الحواس على درجة واحدة في ارتباطها بالقلب، وحتى من جهة الإفادة المعرفية التي تحدث عن طريق هذه.

طبعا نحن نعرف مصادر المعرفة: العقل والخبر والحس، والحس متفاوت في إفادة المعرفة، وهو متفاوت أيضاً في إفادة القلب. فهنا يقول: ومراد صاحب المنازل في صفحة مئتين وخمس وثلاثين، الشاهد الأول الذي يأنس به المريض وهو الحامل له على استحلاء الذكر طلبا لظفره بحصول المذكور، فهو يستأنس بالذكر طلباً لاستئناس المذكور، ويتغذى بالسماع كما يتغذى الجسم بالطعام والشراب.

فإن كان محباً صادقاً طالباً لله عاملاً على مرضاته كان غذاؤه بالسماع القرآني، الذي كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة وبرها قلوباً وأصحها أحوالاً، وهم الصحابة رضي الله عنهم. وإذا كان منحرفاً فاسد الحال ملبوساً عليه مغروراً مخدوعاً كان غذاؤه بالسماع الشيطاني، الذي هو قرآن الشيطان المشتمل على محاب النفوس ولذاتها وحظوظها، وأصحابه أبعد الخلق من الله وأغلبهم عنه حجاباً وإن كثرت إشارتهم.

إليه وهذا السماع القرآني سماع أهل المعرفة بالله والاستقامة على الصراط المستقيم، ويحصل للأذهان الصافية منه معان وإشارات ومعارف وعلوم تتغذى بها القلوب المشرقة بنور الانس. يعني هو يشير إلى معنى أنه ترى الإنسان قد يفتح عليه من المعاني والالتقاطات التقاطات الأفكار والخواطر والواردات التي تحدث له عند سماع القرآن ما يعني يعتبره من جنة الدنيا والفتح الذي فتح عليه، والذي يصعب التعبير عنه، وهذا يعني يعبر تجد أن كثير من الصالحين يعبرون عن هذا المعنى.

لذلك هو يقول هنا: وربما فاض هذا، هذا يقول فيجد بها ولها لذة روحانية يصل نعيمها إلى القلوب إلى الأرواح، وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام، فيجد من اللذة ما لم يعهدوا مثله من اللذات الحسية، ما لم يعهد مثله من اللذات الحسية. وللتغذي بالسماع سر لطيف نذكره للطف موضعه، وهو الذي أوقع كثيراً من السالكين في آثار سماع الأبيات لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته ونعيمه، فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطراً من أصغائه، وكان ذلك عندهم أعظم من الظواهر التي يعارض بها الفلاسفة وأرباب الكلام.

اعلم أن الله عز وجل جعل للقلوب نوعية من الغذاء، نوعاً من الطعام والشراب الحسي والثاني غذاء روحاني معنوي خارجاً عن الطعام والشراب من السرور والفرح والابتهاج واللذة والعلوم والمعارف، وبهذا الغذاء كان سماوياً علوياً وبالغذاء ترك كان أرضياً سفلياً وقوامه بهذين الغذائين، وله ارتباط بكل واحد من الحواس الخمس وغذاء يصل إليه منها، فله ارتباط بحاسة اللمس ويصل إليه منها غذاء، وكذلك حاسة الشم وكذلك إلى آخره.

ثم قال: ووصول الغذاء منهما يعني وصول الغذاء الروحي إلى القلب من السمع والبصر أقوى من سائر الحواس، وانفعاله عنهما أشد من انفعاله عن غيرهما، ولهذا تجد في القرآن اقترانه بهما أكثر من اقترانه بغيرهما بل لا يكاد يقرن إلا بهما أو بأحدهما، يعني يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن يقرن بين القلب والسمع والبصر، يذكر الفؤاد أو القلب ويذكر معه السمع والبصر في كأنه ابن القيم يقول في إشارة إلى تأثير السمع والبصر على القلب.

قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وقال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً. وقال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا.

وقال تعالى في صفة الكفار: صُمُّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. وقال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. وهذا كثير جداً في القرآن، لأن تأثره بما يراه ويسمعه أعظم من تأثره بما يلمسه ويذوقه ويشمه، ولأن هذه الثلاثة هي طرق العلم وهي السمع والبصر والعقل.

وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به، ولهذا يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات، وكذلك في المكروهات سماعاً ورؤيةً. ولهذا كان الصحيح من القولين أن حاسة السمع أفضل من حاسة البصر لشدة تعلقها بالقلب وعظم حاجته إليها وتوقف كماله عليها وصول العلوم إليه بها وتوقف الهدى على سلامتها، ورجح طائفة حاسة البصر لكمال مدركها وامتناع الكذب فيه وزوال الريب والشك به ولانه عين اليقين، وغاية مدرك حاسة السمع واليقين وعين اليقين أفضل لأن في معاينة.

قال: عين اليقين أفضل وأكمل من علم اليقين، ولأنها متعلقة رؤية وجه الرب عز وجل في دار النعيم، ولا شيء أعلى وأجل من هذا التعلق. وحكم شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين، طبعا أنا يستوقفني في مثل هذه الأشياء ليس إيش رجح ولا إيش حكم، أنا يستوقفني أنه أصلاً دخل في مثل هذه القضايا، يعني مقدار التنوع اللي كان عندهم، مقدار الاهتمامات التي كانت لديهم، أنه تخيل يجيك الطالب يتكلم عن نقاش طويل حصل: أيهما أكثر تأثيراً السمع ولا البصر؟ والنقاش ويدخل ابن تيمية ويحكم بين الخلاف بين الطائفتين في أمور كثيرة قد لا تكون من محل الاهتمام اليوم في كثير من المقامات أو في كثير من الدروس.

وهذه هذا التنوع حقيقة تنوع جداً مهم والحاجة إليه كبيرة، وتذكرون يعني احنا وقفنا من نفس هذه الوقفة أمس، كان في واحد من الأشياء اللي اللي كان يسألني ابن تيمية نسيت إيش كان، وبرضو قبل أيام كان في مثل هذا.

قال: وحكم شيخ الاسلام ابن تيمية بين الطائفتين حكماً حسناً فقال: المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل، والمدرك بحاسة البصر أتم وأكمل، فللسمع العموم والشمول والإحاطة بالموجود والمعدوم والحاضر والغائب والحسي والمعنوي، وللبصر التمام والكمال، يعني خلاصة حكم ابن تيمية أنه ترى الأشياء التي تدرك عن طريق السمع أكثر بكثير من الأشياء التي تدرك عن طريق البصر، فمثلاً أخبار الأمم السابقة الأصل أنها تكون عن طريق السماع، يعني النقل، وحتى اخبار الغيب التي تأتي عن طريق الخبر، الشيء المتعلق بالخبر بالأساس هو السمع، وأما البصر فهو أكمل من حيث التمام، التمام اللي هو يعني أنه ما يدرك عن طريق البصر فهو أكثر تماماً بحكم أن حاسة البصر تعطي الصورة وما إلى ذلك.

قال: وإذا عرف هذا فهذه الحواس الخمس لها أشباح وأرواح، وأرواحها حظ القلوب، حظ القلب ونصيبه منها. فمن الناس من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها، فهو بمنزلتها وبينه وبينها أول درجة إنسانية، ولهذا شبه الله سبحانه أولئك بالأنعام بل جعلهم أضل، فقال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً. هذا التقاط من الآية رهيب جداً، هم ترى يسمعون القرآن ولكن ترى أنت الآن إذا قرأت القرآن على بهيمة ترى هي تسمع صوت بس، لكن ما تفهم الآيات، ترى سماعهم مقدار استفادتهم من القرآن نفس هذا: إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل. أَمْ تَحْسَبُونَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ تر اهم هذا السماع ما هو يعني لم يقابلوه بأي شيء يستحق أن يسموا وسمعوا هذا الكلام لأجله.

قال: ولهذا نفى الله عن الكفار السمع والبصر والعقُول، إما لعدم انتفاعهم بها فنزلت منزلة المعدوم، وإما لأن النفي توجه إلى أسماء قلوبهم وأبصارها وإدراكها، ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور كقول أصحاب السعير: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ.

ومنه في أحد التأويلين قوله تعالى: وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ. فإنهم كانوا ينظرون إلى صورة النبي صلى الله عليه وسلم بالحواس الظاهرة ولا يبصرون صورة نبوته ومعناها بالحاسة الباطنة التي هي بصر القلب. والقول الثاني: أن الضمير عائد إلى الأصنام، ثم فيه قولان، أحدهما نوع التشبه، أي كأنهم ينظرون إليك ولا أبصارهم يرونك بها، والثاني المراد به المقابلة، تقول العرب: داري تنظر دارك، أي تقابله.

وكذلك السمع ثابت لهم وبه قامت الحجة عليهم، ومنتَفٍ عنهم وهو سمع القلب، فإنهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السمع الحسي المشترك كالغنم التي لا تسمع إلا نعيق الراعي بها دعاء ونداء، ولم يسمعوه بالروح الحقيقي الذي هو روح حاسة التي هي حظ القلب، فلو سمعوه من هذه الجهة لحصلت لهم الحياة الطيبة التي منشأها من السماع المتصل أثره المتصل أثره بالقلب، ولا زال عنهم الصمم والبكم ولا أنقذوا أنفسهم من السعير بمفارقة من عدم السمع والعقل.

قال: فلما كان تعلق السمع الظاهر الحسي بالقلب أشد والمسافة بين والمسافة والمسافة بينهما أقرب من المسافة بين البصر بينه، ولذلك يؤدي آثار ما يتعلق بالسمع الظاهر إلى القلب أسرع مما يؤدي إليه آثار البصر الظاهر، ولهذا ربما غشي على الإنسان إذا سمع كلاماً يسره أو يسوءه أو صوتاً لذيداً طيباً مطرباً مناسباً، ولا يكاد يحصل له ذلك من رؤية الأشياء المستحسنة ببصر الظاهر، وقد يكون هذا المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به صاحبه لاشتغاله به ولمباينة ظاهره لباطنه ذلك الوقت، فإذا حصل له نوع تجرد ورياضة ظهرت قوة التأثير والتعثر، فكلما تجردت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفى وتأثرهما به أقوى.

فإن كان المسموع معنى شريفاً بصوت لذيذ حصل للقلب حظه ونصيبه من إدراك المعنى وابتهج به أتم على حسب إدراكه له. شوف لاحظوا، هو يتكلم بمنزلة الانس وللروح حظها ونصيبها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به فتتضاعف اللذة ويتم الابتهاج ويحصل الارتياح حتى ربما فاض على البدن والجوارح والجليس، وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم ولا يحصل إلا عند سماع كلام الله.

فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة وباشر القلب روح المعنى وأقبل بكليته على المسموع، فألقى السمع وهو شهيد وساعد له طيب صوت القارئ، كاد القلب يفارق هذا العالم ويعالج عالماً آخر، ويجد له لذة وحلاوة لا يعهدها في شيء غيره البتة، وذلك رقيقة من حال أهل الجنة في الجنة، فيا له من غلاء ما أصلحه وما أنفعه.

وحرام على قلب قد تربى على غذاء السماع الشيطاني أن يجد شيئاً من ذلك في سماع القرآن، بل إن حصل له نوع لذة فهو من قبل الصوت المشترك لا من قبل المعنى الخاص. وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله ومحبوبهم سبحانه وتعالى عياناً وسماع كلامه منهم. ثم قال: وهذا السماع الروحاني تبع لحقيقة القلب ومادته منه، فالاتحاد به يظن به السامع أنه أدرك ذلك المعنى لاما محالة من الصوت الخارجي، وسبب ذلك اتحاد السمع بالقلب.

وأكمل السماع سماع من يسمع بالله ما هو مسموع من الله وهو كلامه، وهو سماع المحبين المحبوبين، كما في الحديث الصحيح في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى، وفيه: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به. والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة، فإذا امتلأ من محبة الله سمع كلام محبوبه أي بمصاحبته وحضوره في قلبه، فله من سماعي هذا شأن ولغيره شأن آخر. والله أعلم.

مم، طيب، أحد يعلق على قضية الإشارات؟ مم، تعليقاً على قول الهروي بعد ما -طبعاً لا زال الكلام في السماع- ثم يقول: فهذا ما يتعلق بقوله: إن من الأنس بالشواهد التغذي بالسماع. ثم أخذ يعلق على قوله: والوقوف على الإشارات. طبعاً أيضاً الإشارات هي مصطلح من مصطلحات التصوف، لكن أعجبني ذكر المواقف آه اللي هي الإشارات الصحيحة، يعني في إشارات غير صحيحة وفي إشارات صحيحة.

يقول: الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بعد ومن وراء حجاب، يعني الإشارات ليست هي الدليل المباشر وإنما فيه إيماء، وهي تارة تكون من مسموع وتارة تكون من مرئي وتارة تكون من معقول وتارة تكون من الحواس كلها. فالإشارات من جنس الأدلة والأعلام، وسببها صفاء يحصل بجمعية فينتفي به الحس والذهن فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة لا يكتشف حس غيره وفهمه عن إدراكها. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الصحيح منها ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى.

ثم سيذكر الآن مجموعة من الإشارات الصحيحة اللي هي اللي هي خل نقول استدلال بالنص القرآني أو النبوي على شيء على معنى آخر لم يأت النص بذكره، ولكن يستدل به من باب الإشارة، وتحديداً من باب قياس الأولى أنه من باب أنه أولى، يعني إذا كان النص يذكر هذا المعنى بصراحة فبالإشارة يفيد هذا المعنى الذي هو من باب أولى. وأخذ يذكر الآن ابن القيم أمثلة، يقول: المثال الأول آآ لا يمسه إلا المطهرون. ابن القيم يقول: الصحيح أن هذه الآية المراد بها الصحف التي بأيدي الملائكة، يعني لا يمسه إلا المطهرون ليس المصحف، وإنما الصحف التي بأيدي الملائكة أو يعني اللوح المحفوظ.

آه لماذا؟ طبعاً هو يذكر وجوه كثيرة، أولاً قال آه أنه أنه وصفه بأنه مكنون، والمكنون المستور عن العيون، وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة. ومنها أنه قال: لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة، ولو أراد المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. ومنها أن هذا إخبار ولو كان نهي لقال: لا يمسسه بالجزم. ومنها أن هذا رد على من قال إن الشياطين أن الشيطان جاء بهذا القرآن، فأخبر تعالى أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين ولا وصول ولا وصول لها إليه.

ومنها أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس: فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ. قال مالك في موطئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: لا يمسه إلا المطهرون أنها مثل هذه الآية، أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس إلى آخره. عموماً هذا القول الراجح أنه لا يمسه إلا المطهرون هذا ليس في المصحف، ولكن ولكن يقول: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله، فهذه الصحف أولى ألا يمسها إلا طاهر.

وسمعته يقول -هذا الآن نص آخر برضه فيه استدلال في الإشارة- وسمعته يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة أطربتني هذه الاستدلالات الباقية: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة. إذا كانت الملائكة المخلوقون لا يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت، فكيف تلج معرفة الله ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها؟ فهذا من إشارة اللفظ الصحيح.

ومن هذا أن طهارة الثوب الطاهر والبدن إذا كانت شرطاً في صحة الصلاة والاعتداد بها فإذا أخل بها كانت فاسدة، فكيف إذا كان القلب نجساً ولم يطأ ولم يطهره صاحبه، فكيف يعتد له بصلاته وإن أسقطت القضاء؟ وهل طهارة الظاهر إلا تكميل لطهارة الباطن؟ ومن هذا أيضاً ومن الإشارات الصحيحة أن استقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها وهي بيت الرب، فتوجه فتوجه المصلي إليها ببدنه وقال به شرط، فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن، بل وجه بدنه إلى البيت ووجه قلبه إلى غير رب البيت؟ وأمثال ذلك من الإشارات الصحيحة التي لا تنال إلا بصفاء الباطن وصحة البصيرة وحسن التأمل، والله أعلم.

طيب، نكتفي بهذا القدر والله تعالى أعلم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.