تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين ١٧

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا رحمتك وبركتك إله الحق.

اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا. اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، واغفر ذنوبنا، وبارك فيما نتعلم، وفيما نقرأ، وفيما ندرس، وفيما نعمل يا رب العالمين.

أما بعد، فهذا هو المجلس السابع عشر من مجالس مقاصد مدارج السالكين. واليوم عندنا منزلة الذكر، بعد أن كنا قد فرغنا يوم أمس من منزلة الأنس بالله سبحانه وتعالى.

قال الإام ابن القيم رحمه الله: فصل من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الذكر، وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائما يترددون. والذكر منشور الولاية، الذي من أعطie اتصل، ومن منع عزل. وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا.

هذه الجملة لعلها مأخوذة من الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. وهذا حديث عظيم جدا جدا، يعني يستطيع الإنسان أن يقف معه وقفة طويلة ليعلم قيمة الذكر، وليعلم الغاية من الوجود، وليعلم قيمة أن يكون الإنسان ذاكرا لربه. فالذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت، يعني إنسان ميت يعني هو لماذا؟ يعني هو يعيش فقط من الناحية البيولوجية فقط، أما من الناحية الحقيقية فليس حيا.

قال: وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطرق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب: إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننتكس. به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلهم البلاء فاليه ملجأهم، وإذا نزلت بهم النوازل فاليه مفزعهم.

فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون، يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا، ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدع الذاكر مذكورا. وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال قياما وقعودا وعلى جنوبهم.

فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور خراب وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها. وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقا، ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقه. وإذا واطأ في ذكره قلبه لسانه، نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضا من كل شيء.

به يزول الوكر عن الأسماع، والبكم عن الألسنة، وتنقشع الظلمة عن الأبصار. زين الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين، فاللسان الغافل كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته.

قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق. تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.

وبالذكر يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان. قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعك كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين يقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي. وهو روح الأعمال الصالحة، فاذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. والله أعلم.

طيب، قال: فصل وهو في القرآن على عشرة أوجه. الآن هذه نفس الطريقة المعتادة من ابن القيم استقراء الموضوعات عن طريق القرآن، وهي قضية كما قلنا مهمة جدا جدا، يعني يقول الذكر ورد في القرآن على عشرة أوجه. كما قلنا هذه الطريقة بها تعرف منزلة المقام الذي تبحث عنه.

الأول: الأمر به مطلقا ومقيدا. الثاني: النهي عن ضده؛ الغفلة والنسيان. الثالث: تعليق الفلاح باستدامته وكثرته. الرابع: الثناء على أهله، والاخبار بما أعد الله لهم من الجنة والمغفرة. الخامس: الإخبار عن الخسران لمن لها عنه بغيره. السادس: أنه سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له. السابع: الإخبار أنه أكبر من كل شيء. الثامن: أنه جعل خاتمة الأعمال الصالحة كما كان مفتاحها. التاسع: الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته وأنهم أولو الألباب دون غيرهم. العاشر: أنه جعله قرينا لجميع الأعمال الصالحة وروحها، فمتى عدمته كانت كالجسد بلا روح.

والآن سيذكر الأمثلة من الآيات القرآنية على كل واحد من هذه الوجوه العشرة.

أما الأول الذي هو الأمر به مطلقا ومقيدا كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وقوله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً، وفيه قولان: أحدهما في سرك وقلبك، والثاني بلسانك بحيث تسمع نفسك.

وأما النهي عن ضده وهو الثاني فكقوله: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ، وقوله: وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ.

وأما تعليق الفلاح بالاكثار منه وهو الثالث فكقوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

وأما الثناء على أهله وحسن الجزاءين فكقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ إلى قوله: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.

وأما خسران من لهى عنه فكقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.

وأما جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له فبقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ.

وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من كل شيء وهذا الوجه السابع فكقوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وفيها أربعة أقوال. أربعة أقوال في ايش؟ أربعة أقوال في معنى: ولذكر الله أكبر.

الآن الله سبحانه وتعالى قال: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، يعني هم الآن الكلمات كمفردات مفهومة؛ ذكر الله أكبر، لكن أكبر من ايش؟ هنا في خلاف بين العلماء.

يقول أحدهما: إنه أن ذكر الله أكبر من كل شيء، فهو أفضل الطاعات لأن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها. مين يجيب دليل من القرآن على أن الغاية من الطاعات الذكر، أو حتى بعض الطاعات أن الغاية منها الذكر؟ في سورة طه: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.

جميل. طيب، المعنى الثاني أو القول الثاني في تفسير المعنى، أن المعنى: أنكم إذا ذكرتموه ذكركم، فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له. فعلى هذا المصدر مضاف أنه الفاعل، وعلى الأول مضاف للمذكور.

الثالث: أن المعنى: ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر، بل إذا تم الذكر محق كل خطيئة ومعصية. هذا ما ذكره المفسرون، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول معنى الآية هذا.

المعنى الرابع يقول: إن في الصلاة فائدتين عظيمتين، أحداهما نهيها عن الفحشاء والمنكر، والثانية اشتمالها على ذكر الله وتضمنها له، ولما تضمنته من ذكر الله اعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر.

الآن قول ابن تيمية ايش هو في معنى: وذكر الله أكبر؟ يقول الله سبحانه وتعالى ذكر هنا ثمرة للصلاة وهي أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ثم ذكر ثمرة أخرى وهي أن فيها ذكر الله سبحانه وتعالى، ولا ثمرة ذكره في الصلاة أعظم من ثمرة نهيه عن الفحشاء والمنكر، يعني أكبر من نهي عن الفحشاء والمنكر. هذا مؤدى قول ابن تيمية رحمه الله تعالى.

والقول اللي قبله اللي هو معناه يصير أنه الصلاة تنهى الفحشاء والمنكر، ترى وذكر الله نهيه عن الفحشاء والمنكر أكبر من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر. والمعنى الثاني أنه: ولذكر الله أكبر من ذكركم له، ولذكر الله أكبر من ذكركم له. والمعنى الأول: ولذكر الله أكبر مطلقا، مطلقا يعني هو أكبر من كل شيء. هذه أربعة أقوال في تفسير الآية.

ثم ذكر الوجه الثامن، واما ختم الأعمال الصالحة به، فكما ختم به عمل الصيام بقوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، وختم به الحج في قوله: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ، وختم به الصلاة: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ، وختم به الجمعة كقوله: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا. ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا، وإذا كان آخر كلام العبد أدخله الله الجنة.

شوفوا كيف الاستقراء القرآني الجميل وإبراز هذا المعنى.

ثم الوجه التاسع: وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولو الألباب والعقول فكقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.

وأما مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه به، أو أنه روحها، فانه سبحانه قرنه بالصلاة كقوله: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، وقرنه بالصيام، وبالحج ومناسكه، بل هو روح الحج ولبه ومقصوده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ.

وقرنه بالجهاد وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الأعداء، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه، أي قرينه في القتال الذي هو عدوه.

سمعت شيخ الإسلام مقدسة الله روحه يستشهد به، وسمعته يقول: المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال، كما قال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح نواهل... أو الرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم وقال آخر: ذكرتك والخطي يخطر بيننا... وقد نهلت منا المثقفة السمر وقال آخر: لقد ذكرتك والرماح شواجر... نحوي وبيظ الهند تقطر من دمي

وهذا كثير في أشعارهم، وهو مما يدل على قوة المحبة، فإن ذكر المحب محبوبه في تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها، وهذا دليل على صدق المحبة والله أعلم.

فصل: والذاكرون هم أهل السبق. كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: سيروا هذا جمدان، سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. والمفردون إما الآحاد الفرادى.

وفي المسند مرفوعا من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: يا رسول الله؟ قال: ذكر الله عز وجل.

وعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده. وهو في صحيح مسلم.

ويكفي في شرف الذكر أن الله يباهي ملائكته بأهله، كما في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة.

وسأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله. وقال له رجل: إن شرائع الإسلام كثرت علي، فمرني بأمر أتشبث به. فقال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله. هذا حديث عبد الله بن بسر، حديث إسناده جيد.

طيب، قال ابن القيم: في المسند وغيره من حديث جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة. قلنا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر.

وروى النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه إبراهيم ليلة الإسراء أنه قال له: أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت. ولفظ مسلم: مثل البيت الذي يذكر الله فيه.

بيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت، فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت وهو القبر. وفي اللفظ الأول: جعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت. فتضمن اللفظان أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء، والغافل كالميت في بيوت الأموات.

ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم، ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور. كما قيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور، وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشورا.

وككما قيل آآ فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم فهي القبور والدوارس، وأرواحهم في وحشة من حبيبهم ولكنها عند الخبيث أو أنسه. وفي الصحيح في الأثر الذي يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.

وقد ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا الوابل الصيب ورافع الكلام الطيب. وذكرنا هناك أسرار الذكر وعظم نفعه وطيب ثمرته، وذكرنا فيه أن الذكر ثلاثة أنواع: ذكر الأسماء الصفات ومعانيها والثناء على الله بها وتوحيد الله بها، وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام، وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي.

هذي ثلاثة أنواع من الذكر وإنهم ثلاثة أنواع أيضا، هذا الآن لمن قال: وأنه ثلاثة أنواع الآن هذا تقسيم باعتبار آخر كما قلنا الشيء الواحد يقسم باعتبارات. وأنه ثلاثة أنواع أيضا: ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاها، وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية، وذكر باللسان المجرد وهو في الدرجة الثالثة.

آآ ثم أطال في قول الله سبحانه وتعالى: واذكر ربك إذا نسيت، والخلاف في قضية الاستثناء في اليمين وما إلى ذلك، اه ثم الفناء بالذكر اه طيب آآ نذهب إلى صفحة مئتين وسبعة وسبعين.

قال فصل: قال الهروي رحمه الله: والذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان. قال ابن القيم: والفرق بين الغفلة والنسيان أن الغفلة ترك باختيار الغافل والنسيان ترك بغير اختياره. ولهذا قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ -ولم يقل ولا تكن من الناسين- فإن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه.

قال الهروي: وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الذكر الظاهر ثناء أو دعاء أو رعاية، الذكر الظاهر ثناء أو دعاء أو رعاية. يريد بالظاهر الجاري على اللسان المطابق للقلب لا مجرد الذكر اللساني فإن القوم لا يعتدون به.

فأما ذكر الثناء هو قال ثناء ودعاء ورعاية، يقول: فأما ذكر الثناء فنحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. واما ذكر الدعاء فنحو: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ويا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، ونحو ذلك.

وأما ذكر الرعاية فمثل قول الذاكر: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي، ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله. وفيه رعاية لمصلحة القلب ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة والاعتصام عن الشيطان والنفس، والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة فإنها متضمنة للثناء على الله والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به.

آآ كما في الحديث: أفضل الدعاء الحمد لله. قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاء؟ قال: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله: أأذكر حاجتي أم قد كفاني / حياؤك إن شيمتك الحياء، إذا أثنى عليك المرء يوما / كفاه من تعرضه الثناء.

فهذا مخلوق واكتفى من مخلوق بالثناء عليه من سؤاله فكيف برب العالمين؟ والأذكار النبوية متضمنة أيضا لكمال الرعاية ومصلحة القلب والتحرز من الغفلات والاعتصام من الوساوس والشيطان، والله تعالى أعلم.

طيب، نكتفي بهذا القدر وجزاكم الله خيرا، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.