بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم أعنا على إتمام ما بقي من الشهر بالعمل الصالح والنية الصادقة، زدنا من فضلك ورحمتك وكرمك، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم. اللهم أعز الإسلام وأهله وأذل أعداءه يا رب العالمين.
هذا المجلس الحادي والعشرين، أو الواحد والعشرين من مجالس التعليق على مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله. وكنا قد سرنا يوم أمس سيراً يعني سعيداً جداً في منزلة المحبة، واليوم هناك عدة منازل مرتبطة بطريقة أو بأخرى بالمحبة.
ولكن أغلب ارتباطها هو ارتباط اصطلاحي من جهة اصطلاح القوم كما يسميهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، ولأجل ذلك يعني سنتجاوز عدداً كبيراً من المواضع في المقامات القادمة، وانتقيت منها يعني مواضع يسيرة، بعض المنازل يعني سنقرأ فيها عدة صفحات، وبعض المنازل سنقرأ فيها عدة أسطر، وبعض المنازل لن نقرأ فيها شيئاً.
فليكن هذا منكم على بال في سيرنا هذا اليوم، لذلك سنأخذ اليوم منازل ليست قليلة باعتبار هذا المعنى، وأؤكد دائماً أن قراءتنا قراءة مقاصد لهذا الكتاب. القراءة المقاصدية، أو لنقل التعليق المقاصدي، أو النظر المقاصدي للكتب يختلف.
رجعت هناك نظر مقاصدي لا يتطلب قراءة أصلاً، هذا لا يسمى قراءة، وإنما يسمى مثلاً مقاصد كتاب كذا، مثلاً أنا ما عملت في شرح الترمذي لابن رجب في سبع محاضرات، كانت عبارة عن كل محاضرة نأخذ مقاصد فصل من الفصول أو موضع من المواضع، وهذا لا نقرأ فيه شيئاً، ولكن أنا أذكر خلاصة هذا الفصل وأهم ما استعرضه ابن رجب في تلك الصفحات مع بعض التعليقات.
أحياناً المقاصد تكون أقصر من ذلك، ممكن كتاب من خمسمائة صفحة يستعرض في محاضرة واحدة ببيان أركان الكتاب وأبوابه وتقسيماته الأساسية والأدلة التي اعتمد عليها، يعني ارتباطات الكتاب إلى آخره. وهناك قراءة مقاصدية، وهي التي نمارسها اليوم، فتسميتها بالمقاصد باعتبار القراءة، رح نقرأ مقاصد مدارج السالكين، أي ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمنازل إياك نعبد وإياك نستعين، ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلوك والتزكية، وليس ما يرتبط اصطلاحات القوم والنقاشات الواردة فيها والتعقبات والاشكالات، على أننا ننتقي منها بعض الأشياء المفيدة.
على أي حال ننطلق مستعينين بالله سبحانه وتعالى. طبعا من السمات في المنازل الموجودة اليوم مثل منزلة الوجد، ومنزلة الغيرة، ومنزلة العطش والشوق والقلق، ومنزلة الهيمان والدهش، وما إلى ذلك، يعني من سماتها أن فيها ملاحظات كثيرة يتعقبها الإمام ابن القيم.
يعني أبدى كثيراً من الملاحظات السلوكية والتصورية على بعض القوم في مثل هذه المقامات، فالذي لديه اهتمام بموضوعات التعقب، أو التعقبات على بعض القضايا السلوكية الصوفية يقرأ هذه المنازل كاملة؛ لأنه فيها نقاش طويل لمثل هذه القضايا.
طيب، منزلة الغيرة، هناك موضع موضع صغير جداً أو قصير جداً في صفحة خمسمائة وثلاثة، آخر صفحة خمسمائة وثلاثة، هناك عدة أسطر سأقرأها. قال ابن القيم رحمه الله: قال تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ. وبين المنافسة والغبطة جمع وفرق، وبينهما وبين الحسد أيضاً جمع وفرق، فالمنافسة تتضمن مسابقة واجتهاداً وحرصاً، والحسد يدل على مهانة الحاسد وعجزه، وإلا فنافس من حسدته، فذلك أنفع لك من حسده، كما قيل: إذا أعجبتك خلال امرئ فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
والغبطة تتضمن نوع تعجب وفرح للمغبوط واستحسان لحاله. عندي ملاحظة على الأبيات، مثل هذه الأبيات الجميلة، بيتان جميلان جداً، مثل هذه الأبيات حبذا يكون عندكم قسم في التدوين، سواء في الكتاب نفسه أو في دفتر خارجي، أو في ملف وورد أو شي ملف خاص للأبيات الشعرية الجميلة. فجمع الأبيات والشواهد الشعرية أمر مفيد جداً.
طيب، ننطلق إلى خمسمائة وواحد عشر، فقال: فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة الشوق. قال الله تعالى: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَاتٍ. قيل هذا تعزية للمشتاقين وتسلية لهم، أي أنا أعلم أن من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إليّ، فقد قلت له أجلاً يكون عن قريب، فانه آت لا محالة، وكل آت قريب.
وفيه لطيفة أخرى، وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء، لولا التعلل بالرجاء لقطعت نفس المحب صبابة وتشوقاً، ولقد يكاد يذوب منه قلبه مما يقاسي حسرة، حتى إذا روح الرجاء أصابه سكن الحريق إذا تعلل باللقاء. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك.
ثم في خمسمائة وثلاث عشر يتكلم هو عن تعريف الشوق وكلام السالكين وأئمة التصوف في ذلك، ثم قال: وقيل هو لهب ينشأ بين أثنائه الحشاء يسنح عن الفرقة، فاذا وقع اللقاء طفئ.
قلت: هذه مسألة نزاع بين المحبين، وهي أن الشوق هل يزول باللقاء أم لا؟ ولا يختلفون أن المحبة لا تزول باللقاء. طبعا هو يتكلم كلاماً عاماً ليس خاصاً بموضوع الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما يتكلم بشكل عام، الشوق في المحبة، هل الشوق ينطفئ مع اللقاء أم لا؟ أم يزداد؟ يقول: فمنهم من قال يزول باللقاء؛ لأن الشوق هو سفر القلب إلى محبوبه، فإذا قدم عليه ووصل إليه صار مكان الشوق قرة عين، صار مكان الشوق قرة عينه أو قرة عينه به، وهذه القرة تجامع المحبة ولا تنافيها.
قال هؤلاء: وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب لم يتركه الشوق. وقيل لبعضهم: هل تشتاق إليه؟ قال: لا، إنما الشوق إلى غائب وهو حاضر. وقالت طائفة: بل يزيد الشوق بالقرب والوصول ولا يزول؛ لأنه كان قبل الوصول على الخبر والعلْم، وبعده قد صار على العيان والشهود. ولهذا قيل: وأبرح ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الخيام من الخيام
قال الجنيد: سمعت السري يقول: الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق فيه، وإذا تحقق في الشوق لهى عن كل شيء يشغله عن يشتاق إليه. وعلى هذا فأهل الجنة دائماً في شوق إلى الله مع قربهم منه ورؤيتهم له.
قالوا: ومن الدليل على أن الشوق يكون حال اللقاء أعظم، أننا نرى المحب يبكي عند لقاء محبوبه، وذلك البكاء إنما هو أن شوقه إليه ووجده به، ولذلك يجد عند لقائه نوعاً من الشوق لم يجده في حال غيبته عنه.
فصل النزاع في هذه المسألة: أن الشوق يراد به حركة القلب واحتياجه للقاء المحبوب، فهذا يزول باللقاء، ولكن يعقبه شوق آخر أعظم تثيره حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب، فهذا يزيد باللقاء والقرب ولا يزول. والعبارة عن هذا وجوده، والاشارة إليه حصوله. وبعضهم سمى النوع الأول شوقاً والنوع الثاني اشتياقاً، ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته حتى يعود إليه، حتى يعود إليه الطرف مشتاق.
طيب، خمسمائة وست عشر، يعلق الإمام ابن القيم على تصدير الهروي لمنزلة الشوق بقول الله سبحانه وتعالى: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَاتٍ. قال ابن القيم: قلت هو صدر الباب بقوله تعالى: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَاتٍ، فكأنه جعل الرجاء بلسان الاعتبار لا بلسان التفسير، أو أن دلالة الرجاء على الشوق باللزوم لا بالتضمن ولا بالمطابقة.
طبعاً أنواع الدلالات هذه مهمة جداً، مهم لطالب العلم أن يعرف أنواع الدلالات؛ دلالة التضمن، دلالة المطابقة، ضِد دلالة اللزوم، هذه تتكرر كثيراً حتى في كتاب ابن القيم هذا من مدارج السالكين، مرت علينا أكثر من مرة، ومن يقرأ في كتب المتقدمين يجد دائماً الكلام عن هذه الدلالات، أنه هذا الشيء يدل على الشيء إما باللزوم وإما بالمطابقة وإما بالتضمن، المهم هو مبحث يعني يتناول أيضاً في علم المنطق.
فهو يقول: دلالة الرجاء على الشوق باللزوم، يعني الرجاء يستلزم الشوق ولا يتضمن الشوق ولا هو مطابق الشوق، يعني ليس الرجاء هو الشوق هو هو ولا يتضمنه في داخله، وإنما يستلزمه، فمن رجا كان رجاؤه يستلزم وجود الشوق، فلأجل ذلك المؤلف صدر منزلة الشوق بمن كان يرجو لقاء الله؛ لأنه تعلم أنه لفظ الشوق لم يرد في القرآن، ورد في السنة لكن لم يرد في القرآن، فأراد المؤلف أن يأتي بآية من القرآن تكون مناسبة لمعنى الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، فأتى بالرجاء، ثم علق ابن القيم فقال: نعم ولكن الرجاء ليس هو الشوق ولا منه هو، إنما يستلزمه.
طيب، في خمسمائة وثمان عشر، علق على مسألة وكررها أكثر من مرة في المنازل التالية، وأراد أن يكررها حتى لا يتجاوز الملاحظات الموجودة في كلام القوم في قضية أنه بعضهم يقول كلاماً معناه أنه ممكن الإنسان أن يشاهد الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا.
فهو يقول: إنه لا سبيل في الدنيا إلى مشاهدة تزيل الشوق البتة، ومن ادعى هذا فقد كذب وافترى، فانه لم يحصل هذا لموسى بن عمران الرحمن عز وجل، فضلا عن من دونه، فما هذه المشاهدة التي مبنى مذهب هذه الطائفة عليها بحيث لا يكون معها شوق؟ أهي كمال عياناً وجهرةً؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! أم نوع من مشاهدة القلب لمعروفه مع اقترانها بالحجب الكثيرة التي لا يحصيها إلا الله؟ فهل تمنع هذه المشاهدة الشوق إلى كمالها وتمامها؟ إلى آخر الكلام.
ثم ذهب إلى منزلة القلق، وفي صفحة خمسمائة وأربعة وعشرين يقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن القلق: القلق الناتج عن الشوق. القلق الناتج عن الشوق يعني أن الشوق إذا قوي تجرد عن الصبر فيسمى قلقاً كما قال ابن القيم.
يقول في آخر خمسمائة وأربعة وعشرين، يقول يعني يعلق على الدرجة الأولى، يقول: يضيق خلق صاحبه عن احتمال الأغيار، فلا يبقى فيه اتساع لحملهم، فضلا عن تقييدهم له وتَعَوُّقِه بأنفاسهم.
ثم قال: وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: كان في بداية أمره يخرج أحياناً إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوماً، فلما أسحر -يعني صار في مكان فارغ في الصحراء- فلما أسحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر -وهو لمجنون ليلى من قصيدته الطويلة-: وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خالية
وصاحب هذه الحال إن لم يرده الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوة، وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم. وإننا هذا البيت أكثر بيت سبحان الله عالق في ذهني من سيرة ابن تيمية كاملة، وربما كتبته قبل فترة في تويتر.
طيب، ثم ننتقل إلى سننتقل انتقالة طويلة إلى صفحة خمسمائة وسبعة وأربعين، إلى صفحة خمسمائة وسبعة وأربعين في منزلة الوجد. بمنزلة الوجد كان الهروي رحمه الله يتكلم عن أنه يتكلم عن درجة ثالثة في الوجد، يقول فيه: إنه وجد يخطف العبد من يد الكونين، ويمحص معناه من درن الحظ، ويسلبه من رق الماء والطين.
أنا استوقفتني، استوقفني تعليق ابن القيم على قوله: ويسلبه من رق الماء والطين. يعني تعليق ابن القيم على معنى العبودية، وأن هناك عبودية الطين وعبودية جسمه، وهناك العبودية الأخرى العظيمة.
فيقول: قوله: ويسلبه من رق الماء والطين، أي يعتقه ويحرره من رق الطبيعة والجسم المركب من الماء والطين إلى رق رب العالمين، فخادم الشقي بخدمته عبد الماء والطين، كما قيل: يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
والناس في هذا المقام عبد محض، وحر محض، ومكاتب قد أدى بعض كتابته وهو يسعى في بقية الأداء -طبعاً المكاتب لمن لا يعرفهم، موجود المكاتب حتى في القرآن: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا-. هذا العبد المكاتب اللي هو يبدأ يعتق نفسه بماله، العبد يعني بمال، يدفع مالاً إلى سيده حتى يعتق نفسه فيسمى مكاتباً إلى أن ينتهي من مبلغ معين، ثم يعتق.
طبعاً اختلف العلماء كما في حكم المكاتب إذا أراد العبد أن يعتق نفسه، هل هو واجب أو ليس واجباً؟ بعض العلماء يقول: هو واجب، فأي عبد، أي عبد يريد التحرر بالمال يستطيع وجوباً، هذا قول مشهور لأهل العلم.
على أي حال يقول: والناس في هذا المقام ثلاثة: عبد محض، وحر محض، ومكاتب قد أدى بعض كتابته وهو يسعى في بقية الأداء. فالعبد المحض عبد الماء والطين، الذي قد استعبدته نفسه وشهوته وملكته وقهرته، فانقاد لها انقياد العبد إلى سيده الحاكم عليه. والحر المحض هو الذي قهر شهوته ونفسه وملكها، فانقادت معه وذلت له، ودخلت تحت حكمه. والمكاتب من قد عقد له سبب الحرية وهو يسعى في كمالها، فهو عبد من وجه، حر من وجه، وبالبقية التي بقيت عليه من الأداء يكون عبداً ما بقي عليه درهم، فهو عبد ما بقي عليه حظ من حظوظ نفسه.
فالحر من رق الماء والطين، وفاز بعبودية رب العالمين، فاجتمعت له العبودية والحرية، فعبوديته من كمال حريته، وحريته من كمال عبوديته. مثل هذا الموضع موضع لطيف جداً وجميل، ويصلح أنه استشهد به حتى في بعض القضايا الفكرية المتعلقة بالحرية اليوم.
ننتقل بعد ذلك إلى صفحة خمسمائة وسبعين، في منزلة البرق. في منزلة البرق يتكلم عن الهروي يتكلم عن برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار، فينشئ سحاب السرور ويمطر مطر الطرب، ويجري من نهر الافتخار.
يقول ابن القيم: هذا البرق يلمع من أفق ملاطفة الرب تعالى لعبده بأنواع الملاطفات. ومطلع هذا البرق في عين الافتقار، الذي هو باب السلوك إلى الله تعالى، والطريق الأعظم الذي لا يدخل عليه إلا منه، وكل طريق سواه فمسدود.
ومع هذا، فلا يصل العبد منه إلا بالمتابعة، فلا طريق إلى الله البتة أبداً ولو تعنى المتعنون، وما المتمنون إلا الافتقار ومتابعة الرسول فقط، فلا يتعب السالك نفسه في غير هذه الطريق، فإنه على غير شيء، وهو صيد الوحوش اتباع قوله. فينشئ سحاب السرور، أي ينشئ للعبد سروراً خاصاً وفرحاً بربه لا عهد له بمثله ولا نظير له بالدنيا، ونفحة من نعيم الجنة، ونسمة من ريح شمالهم.
فإذا نشأ له ذلك السحاب أمطر عليه صيب الطرب، فطرب باطنه وسره لما ورد عليه من عند سيده ووليه. وإذا اشتد ذلك الطرب جرى به نهر الافتخار، يتميز به عن أبناء جنسه بما خص الله به. وأما أن يريد به افتخاره على الشيطان وهذه مخيلة محمودة طرباً وافتخاراً عليه، فإن الله لا يكره ذلك، ولهذا يحب المختال بين الصفين عند الحرب لما في ذلك من مراغمة أعدائه، ويحب الخيلاء عند الصدقة، كما جاء بذلك مصرحاً به في الحديث لسر عجيب يعرفه أولو الصدقات والبذل من نفوسهم عند العطاء وابتهاجهم به واغتيالهم على النفس الشحيحة الأمارة بالبخل وعلى الشيطان المزين لها ذلك.
وهم ينفدون المال في أول الغنى، ويستأنفون الصبر في آخر الصبر، مغاوير للعلياء، مغابير للحمى، مفاريج للغمة، مداريك للوتر، وتأخذهم في ساعة الجود هزة كما تأخذ المطرب عن نزوة الخمر. فهذا الافتخار من تمام العبودية، أو يريد به أنه حري بالافتخار بما تميز به ولم يفتخر به إبقاءً على عبوديته وافتقاره، المعنيان صحيح والله أعلم.
وسر ذلك أن العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الألطاف، وشهده من عين المنة ومحض الجود، شهد مع ذلك افتقاره إليه في كل لحظة وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فكان ذلك من أعظم أبواب الشكر وأسباب المزيد وتوالي النعم عليه. وكلما توالت عليه النعم أنشأت في قلبه سحائب السرور، وإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه وامتلأ بها أفقه، أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل فطل، وحينئذ فيجري على لسانه وظاهره نهر الافتخار من غير عجب ولا فخر، بالفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا.
فالافتخار على ظاهره، والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر. وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. فكيف أخبر بفضل الله ومنته عليه، وأخبر أن ذلك لم يصدر منه افتخاراً به على من دونه، ولكن إظهاراً لنعمة الله عليه، وإعلاماً لأمتي بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله، وعلو منزلته لديه لتعرف الأمة نعمة الله عليه وعليهم؟ ويشبه هذا قول يوسف الصديق للعزيز: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
فإخبار عن نفسه بذلك لما كان متضمناً لمصلحة تعود على العزيز وعلى الأمة وعلى نفسه كان حسناً، إذ لم يقصد به الفخر عليهم، فمصدر الكلمة والحامل عليها يحسنها ويهجنها وصورتها واحدة. ثم قال: فصل ومنها منزلة الذوق. والذوق مباشرة الحاسة الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر، ولا يختص ذلك بحاسة الفم في لغة القرآن بل ولا في لغة العرب.
قال الله تعالى: ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ. وقال: فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ. وقال: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ. وقال: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. أما الكيف جمع بين الذوق واللباس ليدل على مباشرة المذوق وإحاطته وشموله، فأفاد الأخبار عن إذاقته أنه واقع مباشر منتظر، فإن الخوف قد يتوقع ولا يباشر، وأفاد الأخبار عن لباسه أنه محيط شامل كاللباس للبدن.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً. فأخبر أن للإيمان طعماً، وأن القلب يذوقه كما يذوق مطعم الطعام والشراب. وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن إدراك حقيقة الإيمان والاحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذوق تارة، وبالطعام والشراب تارة، وبوجود الحلاوة تارة أخرى، كما قال: ذاق طعم الإيمان. وقال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر كما بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار.
ولما نهاهم عن الوصال، قال: طبعا الوصال معروف، اللي هو أن يصل يوماً بيوم في الصيام بدون سحور بدون إفطار بدون شيء. ولما نهاوهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل. قال: إني ليست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى. وفي لفظ: إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني. وفي لفظ: إن لي مطعماً يطعمني وساقياً يسقيني.
وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم. هم اختلفوا: إيش المقصود أني يطعمني ربي ويسقيني؟ بعضهم قال: يعني له النبي صلى الله عليه وسلم أكل خاص من باب المعجزة لا يراه أحد. وهو يقول لهم، ابن القيم يقول: لو كان كذا ما صار اسمه مواصل، ولو كان كما ظنه هذا الظن لما كان صائماً فضلاً عن أن يكون مواصلاً، ولما صح جوابه بقوله: إني لست كهيئتكم، فأجاب بالفرق بينهم وبينه هواء. لو كان يأكل ويشرب فيه الكريم حسان لكان الجواب أن يقول: وأنا لست أواصل أيضاً، فلما أقرهم على قولهم: إنك تواصل، علم أنه صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن الطعام والشراب ويكتفي بذلك الطعام والشراب العالي الروحاني الذي يغني عن الطعام والشراب الحسي.
وهذا الذوق هو الذي استدل به هرقل على صحة النبوة، حيث قال لأبي سفيان: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ فقال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب. فاستدل بما يحصل لاتباعه من ذوق الإيمان الذي إذا خالطت بشاشته القلوب لم يسخطه ذلك القلب أبداً على أنه دعوة نبوة ورسالة لا دعوة ملك. والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر يجده القلب، تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى ألفة النفس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق، ولا تزول الشبه والشكوك عن القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه ويجد حلاوته، والله الموفق.
ثم ننتقل إلى صفحة خمس مئة واثنين وثمانين، تكلم عن حديث سيد الاستغفار وفيه: وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. قال: أي مقيم على التصديق بوعدك، وعلى القيام بعهدك بحسب استطاعتي. والحامل على هذه الإقامة، طبعا لا زلنا في نفس المنزل ومنزلة الذوق، قال: والحامل على هذه الإقامة والثبات ذوق طعم الإيمان. يعني هو إيش الآثار اللي تترتب على من يذوق طعم الإيمان؟ واحدة من أهم الآثار هي المداومة والثبات والاستمرار. فيقول لك: الحامل على هذه الإقامة والثبات ذوق طعم الإيمان، وهذه القضية مركزية ومهمة جداً، أنه يفهم الإنسان أنه من أعظم أسباب ثباته على دين الله سبحانه وتعالى هو أن يصل إلى حلاوة الإيمان، فاذا وصل إلى حلاوة الإيمان من الصعب جداً أن يبحث عن شيء آخر.
قال: ولو كان الإيمان مجازاً لا حقيقة لم يثبت القلب على حكم الوعد والوفاء بالعهد، ولا يفيد في هذا المقام إلا ذوق طعم الإيمان، وثوب العارية لا يجمل لابسه، ولا سيما إذا عرف الناس أنه ليس له. يعني الثوب المستعار وانه عارية عليه، كما قيل: ثوب الرياء يشف عما تحته، فاذا اشتملت به فإنك عار. وكان بعض الصحابة يكثر التلبية في إحرامه ثم يقول: لبيك لو كان رياء لطمحل. وقد نفى الله تعالى الإيمان عن من ادعاه وليس فيه ذوق، فقال تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. فهؤلاء مسلمون وليسوا بمؤمنين، لأنهم ليسوا ممن باشر الإيمان قلبه فذاق حلاوته وطعمه.
وهذا حال أكثر المنتسبين إلىسلام، وليس هؤلاء كفاراً، فإنه سبحانه أثبت لهم الإسلام بقوله: وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا. ولم يرد قولوا بألسنتكم من غير مواطئة القلب، فإنه فرق بين قولهم آمنا وقولهم أسلمنا، ولكن لما لم يذوقوا طعم الإيمان قال: لَمْ تُؤْمِنُوا، ووعدهم تعالى مع ذلك على طاعتهم ألا ينقصهم من أعمالهم شيئاً. ثم ذكر أهل الإيمان الذين ذاقوا طعمه، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا في إيمانهم، وإنما انتفى عنهم الريب لأن إيمانهم قد باشر قلوبهم وخالطتها بشاشته فلم يبق للريب فيه موضع.
وصدق ذلك الذوق بذلهم أحب شيء إليهم في رضا ربهم تعالى، وهو أموالهم وأنفسهم، ومن الممتنع حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته، فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. فالذوق والوجد أمر باطن، والعمل دليل عليه ومصدق له، كما أن الريب والشك والنفاق أمر باطن، والعمل دليل عليه ومصدق له. فالأعمال ثمرات العلوم والعقائد، فاليقين يثمر الجهاد ومقامات الإحسان، فعلى حسب قوته تكون ثمرته ونتيجته، والريب والشك يثمر الأعمال المناسبة له، وبالله التوفيق.
ثم ننتقل إلى في منزلة اللحم ست مئة وثلاثة، هو ذكر كلاماً للهروي معناه أو يمكن أن يفهم منه مثل ما المسألة سأل عنها زياد، وهي قضية أن الدعاء أنه يعني قد لا المقصود ليس هو السبب لتحقيق معين، لأنه كله مقدر، وإنما هو فقط من باب العبودية. فالإمام ابن القيم بعد أن ذكر طائفة كبيرة من الأحاديث والآيات التي تحث على الدعاء، ثم ختمها بالبيت الذي سبق أن ذكره أيضاً، وهو: لو لم ترد بذل ما أرجو وأطلبه من جود كفك ما عودتني الطلبة. وذكر أن الله سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده إلى آخره.
ثم قال في آخر الصفحة: وفي هذا المقام غلط طائفتان من الناس. طائفة ظنت أن القدر السابق يجعل الدعاء عديم الفائدة، قالوا: فإن المطلوب إن كان مقدراً فلا بد من وصوله، دعا العبد أو لم يدع, وإن لم يكن قد قدر فلا سبيل إلى حصوله دعا أو لم يدع. ولما رأوا الكتاب والسنة والآثار قد تظاهرت بالدعاء وفضله والحث عليه وطلبه قالوا: هو عبودية محضة لا تأثير له في المطلوب البتة، وإنما تعبدنا به الله، وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء.
الطائفة الثانية أيضاً هي غالطة، قال: والطائفة الثانية ظنت أن بنفس الدعاء والطلب ينال المطلوب، وأنه موجب لحصوله حتى كأنه سبب مستقل، وربما انضاف إلى ذلك شهودهم أن هذا السبب منهم وبهم، وأنهم هم الذين فعلوه، وأن نفوسهم هي التي فعلته وأحدثته، وأن الله خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم فربما غاب عنهم شهود كون ذلك بالله ومن الله لا بهم ولا منهم، وأنه هو الذي حركهم للدعاء وقذفه في قلب العبد وأجراه على لسانه. فهاتان الطائفتان غالطتان أقبح غلط، وهما محجوبتان عن الله.
فالأولى محجوبة عن رؤية حكمته في الأسباب ونصبها لإقامة العبودية وتعلق الشرع والقدر بها، فحجابها كثيف عن معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في شرعه وأمره وقدره. والثانية محجوبة عن رؤية مننه وفضله وتفرده بالربوبية والتدبير وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول لعبدي ولا قوة هو، بل ولا للعالم أجمع إلا به سبحانه، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ومشيئته.
وقول الطائفة الأولى إن المطلوب إن قدر لابد من حصوله وإن لم يقدر فلا مطمع في حصوله، جوابه أن يقال هي قسم ثالث لم تذكروه وهو أنه قدر بسببه، فإن وجد سببه وجد ما رتب عليه، وإن لم يوجد سببه لم يوجد. ومن أسباب المطلوب الدعاء والطلب اللذان إن وجدا وجد ما رتب عليهما، كما أن من أسباب الولد الجماع، ومن أسباب الزرع البذر ونحو ذلك. وهذا القسم الثالث هو الحق.
ويقال للطائفة الثانية: لا موجب إلا مشيئة الله تعالى، وليس ها هنا سبب مستقل غيرها، فهو الذي جعل السبب سبباً، وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب، ولو شاء لأوجده بغير ذلك السبب، وإذا شاء منع السببية السبب وقطع عنه اقتضاء أثره، وإذا شاء أقام له مانعاً يمنعه من اقتضاء أثره مع بقاء قوته فيه، وإذا شاء رتب عليه ضد مقتضاه وموجبه. فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وتعالى وتحت تصرفه وتدبيره يقلبها كيف يشاء. فهذا أحد المعنيين.
في كلامي هذا تعليق منهجي جميل ومهم جداً، وهو يدخل في أمور عقدية وفي أمور منهجية وحتى في رد على إشكالات وشبهات وغير ذلك في حكمة الدعاء ومناسبته لإجابة الطلب وما يتعلق بالقدر من هذه العلاقة.
طيب، ننتقل إلى منزلة السرور، انتقل إلى منزلة السرور في صفحة مئة وتسعة وثمانين، قال رحمه الله تعالى: فصل.
ومنها السرور. قال صاحب المنازل باب السرور: قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن؛ فإن الله تعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته، وذلك تبع للفرح والسرور بصاحب الفضل والرحمة؛ فإن من فرح بما يصل وفرح بما يليه من جواد كريم محسن برّ، يكون فرحه بمن أوصل ذلك اليه أولى وأحرى. ونذكر ما في هذه الآية من معنى ثم نشرح كلام المصنف.
قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم: فضل الله الإسلام؛ يعني: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُونَ، فضل الله الإسلام ورحمته القرآن، فجعلوا رحمته أخص من فضله؛ فإن فضله الخاص عام على أهل الإسلام، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض، فجعلهم مسلمين بفضله، وأنزل إليهم كتابه برحمته. قال تعالى: وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ عَلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله.
قلت: أريد بذلك أن هاهنا أمرين: أحدهما الفضل في نفسي، والثاني استعداد المحل لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له، والله أعلم. والفرح لذة تَقَعُ في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، يتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور، كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب، فإذا فقده تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم. وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله ورحمته عقب قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ. ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدواءها بالهدى والرحمة.
وأخبر سبحانه أن ما أتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل والظلمة والغي والسفه؛ وهو أشد ألما لها من أدواء البدن، ولكنها لما ألفت هذه أدواء لم تحس بإلمها، وإنما يقوى احساسها بها عند مفارقة الدنيا، فهناك يحضرها كل مؤلم ومحزن، وما أتاها من ربها من الهدى الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، وحياة الروح به، والرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة وتدفع عنها كل شر ومؤلم.
فذلك الفرح هو خير مما يجمع الناس أو من كل ما يجمع الناس من أغراض الدنيا وزينتها؛ أي: هذا هو الذي ينبغي أن يفرح به، ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به، لا ما يجمع أهل الدنيا منها؛ فانه ليس بموضع للفرح؛ لأنه عرضة للآفات، ووشيك الزوال، ووخيم العاقبة، وهو خيال زار الصب في المنام ثم انقضى المنام وولى الطيف وأعقب مزاره الهجران. وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلق ومقيد. فالمطلق جاء في الذَّمِّ، كقوله تعالى: لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وقوله: إِنَّهُ لَفَرِحٌ.
والمقيد بالدنيا ينسي صاحبه فضل الله ومنته فهو مذموم، كقوله: حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. والثاني مقيد بفضل الله ورحمته وهو نوعان أيضا: فضل ورحمة بالسبب، وفضل بالمسبب. فالأول كقوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. والثاني كقوله: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
فالفرح بالله ورسوله وبالإيمان وبالسنة وبالعلم وبالقرآن من أعلى مقامات العارفين. قال الله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وقال: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ. فالفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبته له وايثاره له على غيره؛ فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له على قدر محبته له ورغبته فيه، فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له ولا يحزنه فواته، بل الفرح تابع للمحبة والرغبة. والفرق بينه وبين الاستبشار أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار يكون قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله، ولهذا قال تعالى: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ.
والفرح صفة كمال، ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد إلى راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها واليأس من حصولها. والمقصود أن الفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذته وبهجته هو الفرح والسرور ونعيمه، والفرح والسرور نعيمهما والحزن عذابهما. والفرح بالشيء فوق الرضا به؛ فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور؛ فكل فرح راضٍ وليس كل راضٍ فرحاً، ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضا ضد السخط، والحزن يؤلم صاحبه والسخط لا يؤلمه إلا أن كان مع العجز عن الانتقام.
ثم يقول في الصفحة التالية أربعمائة وتسعة وتسعين: والبشرى يراد بها أمران، أحدهما: بشارة المخبر، والثاني: سرور المخبر. ولله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فسرت البشرى بهذا وهذا في حديث عبادة بن الصامت وأبي الدرداء رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بشرى الحياة الدنيا هي عند الموت، تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله. وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله. وقال الحسن: هي الجنة، واختاره الزجاج والفراء، وفسرت بشرى الدنيا بالثناء الحسن يجري له على ألسنة الناس، وكل ذلك صحيح؛ فالثناء من البشرى، والرؤيا الصالحة من البشرى، وتبشير الملائكة له عند الموت من البشرى، والجنة من أعظم البشرى.
قال الله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ، وقال الله تعالى: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. قيل: وسميت بذلك لأنها تؤثر في بشرة الوجه، ولذلك كانت نوعين: بشرى سارة تؤثر فيه نضارة وبهجة، وبشرى محزنة تؤثر فيه بسوراً وعبوساً، ولكن إذا أطلقت كانت للسرور، وإذا قيدت كانت بحسب ما تقيد به.
وفي الصفحة التالية يتكلم عن اسم السرور قال صاحب المنازل: وقوله: وورد اسم السرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة، يريد بهما قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا. والموضع الثاني قوله: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا. وورد السرور في أحوال الدنيا في موضع على وجه الذم لقوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا.
فقد رأيت ورود كل واحد من الفرح والسرور في القرآن بالنسبة لأحوال الدنيا وأحوال الآخرة، فلا يظهر ما ذكره من الترجيح، وقد يقال: الترجيح للفرح؛ لأن الرب تبارك وتعالى يوصف به ويطلق عليه اسمه دون السرور، فدل على أن معناه أكمل، وامر الله به في قوله: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، وأثنى على السعداء به في قوله: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وأما قوله: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا، وقوله: وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا، فعدل إلى لفظ السرور لاتفاق رؤوس الآي، ولو أنه ترجم باب الفرح لكان أشد مطابقة للآي التي استشهد بها، والامر في ذلك قريب، فالمقصود أمر وراء ذلك.
نختم بكلامه عن الحزن وهو ضد السرور، يقول في آخر الصفحة سبعمائة وسبعة وتسعين: ولما كان السرور ضد الحزن والحزن لا يجامعه كان مذهباً له، ولما كان ما سببه ذوق الشيء السار فإنه كلما كان الذوق أتم كان السرور به أكمل، وهذا السرور يذهب ثلاثة أحزان.
الحزن الأول: حزن أورثه خوف الانقطاع، وهذا حزن المتخلفين عن ركب المحبين ووفد المحبة؛ فهؤلاء المنقطعون هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب وهذا الوفد، وهم الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، فثبط عزائمهم وهممهم أن تسير إليه وإلى جنته، وأمر قلوبهم أمراً كونياً قدرياً أن تقعد مع المتخلفين عن السعي إلى محابه. فلو عاينت قلوبهم حين أمرت بالقعود عن مرافقة الوفد وقد غمرتها الهموم، وعقدت عليها سحائب البلاء، فأحضرت كل حزن وغم، وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها، وقد غابت عنها المسرات ونابت عنها الأحزان؛ لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم، وأن المتخلفين عن رفقتهم في جحيم.
وهذا الحزن يذهب به ذوق طعم الإيمان فيذيق الصديق طعم الوعد الذي وعد به على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يعلقه ظن ولا يقطعه أمل ولا تعوقه أمنية كما تقدم، فيباشر قلبه حقيقة قوله تعالى: أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
وحزن هاجته ظلمة الجهل، وهذا الحزن الثاني الذي يذهب سرور الذوق وهو حزن ظلمة الجهل، والجهل نوعان: جهل علم ومعرفة وهو مراد الشيخ هاهنا، وجهل عمل وغي، وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب، وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا فضده يوجب ظلمة ووحشة، وقد سمى الله سبحانه وتعالى العلم الذي بعث به رسوله نورا وهدى وحياة، وسمى ضده ظلمة وموتا وضلالا. قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ إلى آخر الآيات.
الحزن الثالث: حزن بعثته وحشة التفرق، وهو تفرق الهم والقلب عن الله عز وجل، ولهذا التفرق حزن ممض على فوات جمعية القلب على الله ولذاتها ونعيمها؛ فلو فرضت لذات اهل الدنيا باجمعها حاصلة لرجل لم تكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على الله وفرحه به وأنسه بقربه وشوقه إلى لقائه، وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه، فإنما يصدقك من أشرق فيك. ولله در القائل: أيا صاحبي أاما ترى نارهم؟ فقال: تريني ما لا أرى سقاك الغرام ولم يسقني فأبصرت ما لم أكن مبصرا
فلو لم يكن في التفرق المذكور إلا ألم الوحشة ونكد التشتت وغبار الشعث لكفى به عقوبة، فكيف وأقل عقوبته أن يبتلى المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم فتصير أوقاته التي هي مادة حياته ولا قيمة لها مستغرقة في قضاء حوائجهم ونيل أغراضهم، وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الاقبال على الله والجمعية عليه والانس به ثم آثر على ذلك سواه ورضي بطريقة بني جنسه وما هم عليه.
ومن له أدنى حياة في قلبه ونور فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق كما تستغيث الحامل عند ولادتها؛ ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا هو والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا.
فالتفريق يوقع وحشة الحجاب وألمه أشد من ألم العذاب؛ قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ، فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم. والذوق الذي يذهب وحشة هذا التفرق هو الذي ذكره الشيخ في قوله: ذوق الإرادة طعم الأنس، فلا يعلقه شاغل ولا يفسده عارض ولا تكدره فرقة. وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، جزاكم الله خيرا.
الشيخ أحمد السيد