بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد.
مرحباً بكم جميعاً في هذا اللقاء، الذي هو اللقاء الثاني والعشرون من جلسات أو مجالس التعليق على مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله. واليوم ننهي إن شاء الله المجلد الثالث، ونبدأ بالمجلد الرابع من طبعة دار طيبة. وآخر منزلة من المجلد الثالث هي منزلة السر، ولا يزال الحديث متتالياً متتابعاً حول المنازل التي يركز عليها القوم وأهل الطائفة، الذين يركزون كثيراً على معاني المشاهدة والمكاشفة والمعاينة وما إلى ذلك، حتى يصل إلى الفناء وما إلى ذلك. بالتالي سنسير بنفس ما سرنا أمس إن شاء الله من القراءة الانتقائية التي تتناول مقاصد المنازل، وهناك بعض المواضع مفيدة جداً في هذه المنازل.
نستعين بالله سبحانه وتعالى؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل، ومنها منزلة السر. قال صاحب المنازل: باب السر. قال الله تعالى: ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ. قال ابن القيم رحمه الله: أما استشهاده بالآية التي هي ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ، فوجهه أن أتباع الرسل الذين صدقوهم وآثروا الله والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم، قد أودع الله قلوبهم سرّاً من أسرار معرفته ومحبته والإيمان به، خفي على أعداء الرسل، فنظروا إلى ظواهرهم وعموا عن بواطنهم فازدروهم واحتقروهم، وقالوا للرسول: اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك، وقالوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟
فقال نوح عليه السلام لقومه: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ. قال الزجاج: المعنى إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في بادي الرأي وظاهره، فليس علي أن اطلع على ما في أنفسهم، فإذا من يوحد الله عملت على ظاهره، ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله، وهذا معنى الحسن.
والذي يظهر من الآية أن الله يعلم ما في أنفسهم، إذ أهلهم لقبول دينه وتوحيده وتصديق رسله، والله سبحانه وتعالى عليم حكيم يضع العطاء في مواضعه. وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمِ بِالشَّاكِرِينَ. فإنهم انكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق، وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة.
فأخبر الله سبحانه أنه أعلم بمن يؤهله لذلك لسر عنده؛ من معرفة قدر النعمة ورؤيتها من مجرد فضل المنعم، ومحبته وشكره عليها، وليس كل أحد عنده هذا السر، فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء. يعني الآن هو يقول: ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ، هذه الآية التي أو هذه الجملة التي قالها نوح عليه السلام لقومه المكذبين وعنى بها المؤمنين من اتباعه، يقول لهم معنى الكلام: أنتم تزدرون هؤلاء وتقولون تزدرون هؤلاء لأنكم حكمتم عليهم ظواهرهم، وتقولون إنهم آمنوا بادي الرأي.
ولكن الله أعلم بما في أنفسهم، هنا يقول لك: هناك قولان في تفسير ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ. القول الأول أنه الله أعلم بما في أنفسهم، يعني أنا أقبل منهم ظواهرهم وأوكل بواطنهم إلى الله. والمعنى الآخر الذي رجحه ابن القيم يقول: يعني ليس هذا هو المقصود هنا، وإنما المقصود هنا هو أن الله سبحانه وتعالى هداهم لأنه يعلم ما في أنفسهم من القابلية للشكر والاحسان والاعتراف بالنعمة والعبادة وما إلى ذلك.
فصارت هنا ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ من باب الثناء ومن باب وصف استحقاق الإيمان، وليست من باب أنه عليّ ظاهرهم وباطنهم لله أو على الله سبحانه وتعالى. ويقول ابن القيم إن هذه مثل قول الله سبحانه وتعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمِ بِالشَّاكِرِينَ، أي الذين يعلمون قدر نعتمه فيشكرونه عليها. ثم قال ابن القيم: قوله أصحاب السر هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر.
قد يريد به حديث سعد بن أبي وقاص حيث قال له ابنه: أنت ها هنا والناس يتنازعون في الإمارة؟ وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي. ما هذا الحديث في صحيح مسلم؟ وقد يريد به قوله صلى الله عليه وسلم: رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره.
وقوله في الحديث الآخر وقد مر به رجل فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريّ إن شفع أن يشفع، وإن خطب أن ينكح، وإن قال أن يسمع لقوله. ثم مر به آخر فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريّ إن شفع ألا يشفع، وإن خطب ألا ينكح، وإن قال ألا يسمع قوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا.
طيب، هذا موضع وحيد اخترته من منزلة السر، ثم ننتقل بعد ذلك إلى المجلد الرابع إلى منزلة الغربة. سنتجاوز منزلة النفس وننتقل إلى منزلة الغربة. قال ابن القيم رحمه الله: فصل قال شيخ الاسلام -ويقصد به الهروي طبعاً- باب الغربة. قال الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ.
استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدل على رسوخه في العلم والمعرفة وفهم القرآن، فإن الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية، وهم الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زهير عن عمرو بن أبي عمرو، مولى المطلب بن حنطب، عن المطلب بن حنطب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طوبى للغرباء. قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: الذين يزيدون إذا نقص الناس. فإن كان هذا الحديث بهذا اللفظ محفوظاً، لم ينقلب على الراوي لفظه وهم الذين ينقصون إذا زاد الناس، فمعناه الذين يزيدون خيراً وإيماناً وتقى إذا نقص الناس أسوء من ذلك والله أعلم.
وفي حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: النزاع من القبائل.
وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده: طوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم. وقال أحمد: حدثنا هيثم بن جميل قال حدثنا محمد مسلم قال حدثنا عثمان بن عبد الله عن سليمان بن هرمز عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أحب شيء إلى الله الغرباء. قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجتمعون إلى عيسى بن مريم عليه السلام يوم القيامة.
وفي حديث آخر: بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمون الناس. طبعا هذه روايات متعددة لحديث الغرباء، أصل حديث الغرباء في الصحيح يعني أصله في الصحيح اللي هو بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء، هذا القدر صحيح في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
والروايات الزائدة اللي هم النزاع من القبائل ويزيدون إذا نقص الناس وكذا ليست، يعني تحتاج إلى تحرير من جهات البحث، ومنها زيادات مضاعفة ضعفها المحدثون أو بعض المحدثين. وهناك بعض البحوث في هذه الروايات وتحقيقها إن شاء الله أصيراً لها لاحقاً، أو أنشر لكم الرابط لاحقاً بإذن الله.
قال وقال نافع عن مالك: دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالساً إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ هلك أخوك؟ قال: لا، ولكن حدثني حبيبي صلى الله عليه وسلم وأنا في هذا المسجد، فقال: ما هو؟ قال: إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة. وهذا أيضاً حديث مضاعف.
قال ابن القيم رحمه الله: فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جداً سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات. فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم اشد هؤلاء غربة.
ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً، ولا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم، فكما قيل: فليس غريباً من نأت دياره ولكن من تنأى عنه غريب.
ولما خرج موسى عليه السلام هارباً من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال التي ذكرها الله، وهو وحيد غريب خائف جائع، فقال: يا ربي، وحيد مريض غريب. فقيل له: يا موسى، الوحيد من ليس له مثلي أنيس، والمريض من ليس له مثلي طبيب، والغريب من ليس بيني وبينه معاملة.
فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلها، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريباً وانه سيعود غريباً كما بدأ، وأن أهله يصيرون غرباء. وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به.
وهو الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده. فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو أنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا تأنس، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه.
ومن هؤلاء الغرباء من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره. وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب، لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها؛ للناس حال وله حال، الناس منه في تعب، وهو من نفسه في تعب.
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم: التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله؛ لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده. وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقاً، واكثر الناس بل كلهم لائم لهم، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم.
هذه المعاني من المعاني التي تعين الإنسان على ضبط معاييره، لأن من المعايير الفاسدة الزائفة المنتشرة بين الناس معيار الأكثرية؛ معيار الأكثرية أن يكون الإنسان مع الكثرة فهو مع الصواب، وأن يكون مع القلة فهو مع الشذوذ والخطأ، هذا معيار من المعايير السائدة. وهذا المعيار كان يستعمله أقوام الأنبياء الذين كذبوا بهم: وإن ما أتيتم به هو غريب، لم نعرفه عن أحد قبلكم، ولم يتبعكم أحد عليه إلا الأراذل وأناس قلة والضعفاء، أين انتم عن سادة القوم؟ أين أنتم عن الكثرة؟ أين أنتم عن البقية؟ أين انتم عن آبائنا وأجدادنا؟ إلى آخره.
لكن المؤمن حين يتربى على هذا المعنى، فإن هذا مما يعينه على ضبط المعايير لديه، ومما يعينه على الثبات أيضاً على دين الله سبحانه وتعالى. طبعا، يحتاج يعني أيضاً الغربة ليست هي معياراً للصحة، يعني الغربة ليست معياراً للصحة كما أن الكثرة ليست معياراً للصحة، ولكن الغربة متحققة وواقعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ستقع وهي واقعة، وكما قال ابن القيم واقعة في وقت دون وقت ومكان دون مكان.
فالذي يعيش مثلاً في دولة أوروبية أو شرقية أو أياً كان في الشرق أو في الغرب، في بلد كله كفار، ثم يهديه الإسلام فيسلم من بين قومه وحيداً أو ليس معه إلا عدد قليل جداً، هؤلاء أهل الغربة وهؤلاء أجرهم قد يكون مضاعفاً على من يعيش في وسط مسلم وبين أناس مسلمين وبين صحبة طيبة والكل يعينه عليه. فالغربة نسبية، ولكن المهم هو أن الغربة بحد ذاتها ليست معياراً للصحة كما أنها ليست معياراً.
الخطأ الغربة وصف إضافي، ولكن المعيار الحقيقي هو المتابعة للكتاب ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قالوا: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم هو النزاع من القبائل؛ أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة، فبينهم عباد أوثان ونيران، وعباد صور وصلبان، ويهود وصابئة وفلاسفة، وكان الإسلام في أول ظهوره غريباً، وكان من أسلم منهم استجاب لله ولرسوله غريباً في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته. فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعاً من القبائل، بل آحاد منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقاً، حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجاً، فزالت تلك الغربة عنهم، ثم أخذ في الاغتراب والترحل حتى عاد غريباً كما بدأ. الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه رسومه الظاهرة مشهورة معروفة؛ فالإسلام الحقيقي غريب جداً، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس. هذا كلام الإمام ابن القيم في تلك المرحلة، وهو كلام مهم لفهم يعني بعض المعطيات التاريخية التي كانت موجودة في تلك المرحلة، وليس كلامه وحده؛ هناك أيضاً كلام لغيره. أيضاً ابن تيمية قد سبق أن شبه عصره أقرب لأعصار الفترات أو لأزمنة الفترات التي انقطعت فيها الرسالات.
ثم قال: وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جداً، قليلة جداً غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات اتباع ورئاسات ومناصب وولايات، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول؟! فان نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم، وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم. فكيف لا يكون المؤمن السائل إلى الله على طريق المتابعة غریباً بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم؛ فإن ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كالقابض على الجمر. ولذلك من هذا الحديث ومن غيره أخذ بعض أهل العلم أن إنكار المنكر قد يسقط في بعض الحالات إذا جاءت مثل هذه الحالة التي في الحديث، وإن كان لا يسقط أصله؛ يعني قد تسقط بعض تفاصيله، قد تسقط بعض صوره، قد يؤدي الإنسان الرسالة ثم يعذر بعد ذلك. لكن هناك حالات يتوسع فيها مجال العذر للمصلح.
عموماً الكلام في المسألة فيها تفصيل كثير، يمكن أيضاً نراجع التفاسير المطولة عند قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. طبعا بلا شك الآية ليست في ترك إنكار المنكر، ولذلك صح عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كما في مسند الإمام أحمد أنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، وأن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب. وهذا صحيح عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ولكن عموماً المسألة فيها طول. وأيضاً من موارد البحث فيها لمن أراد أن يبحث عند قول الله سبحانه وتعالى: فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ، حيث بعضهم جعل إن هنا شرطياً.
على أي حال، قال رحمه الله: ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة. ففي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام؛ فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، العامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله. قلت: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم.
وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم. فاذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه، وفقهاً في سنة رسوله، وفهماً في كتابه، وأراهم الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزرائهم به، وتنفير الناس عنهم وتحذيرهم منهم، كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم. فأما إن دعاهم وقدح فيما هم عليه، فههنالك تقوم قيامتهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله.
طبعا سبحان الله، الإنسان أحياناً تغيب عنه هذه المعاني؛ يعني الإنسان يقرأ قصص الأنبياء ومقدار ما أوذوا ومقدار ما أصابهم، وقصص المصلحين وما يصيبهم، ثم إذا أراد أن يكون مصلحاً وأن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فصار عليه شيء من الأذى أغلق جهازه ولا كتابه ولا قلمه وانكفأ وترك طريقه، لماذا؟ والله تعرض لبعض الأذى. طيب، يعني ما الذي كنت تنتظره أصلاً؟ يعني أنت ماذا كنت تنتظر من خلال معرفتك بالقرآن والسنة، إيش كنت تنتظر في ثنايا طريقك الإصلاحي، إيش كنت تتوقع من خلال معرفتك بقصص الأنبياء والمصلحين؟ فإذا كان يتوقع أنه يعني سيكون كل ما يجده في هذا الطريق هو عبارة عن ترحيب وثناء وتقديم ومكاسب دنيوية وما إلى ذلك، فهنا قد يكون هذا من العلامات التي تدل على خطأ طريقه؛ لأنه هذا ليس هو الطريق المعتاد للإصلاح ولا لسنة المصلحين. ولكن طبعا هو في نفس الوقت ليس معنى ذلك أن الإنسان لا يصله شيء من الخير، بل بالعكس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الثناء على الرجل: تلك عاجل بشرى المؤمن. لكن إذا نظرت إلى عموم الطريق، فلا بد أن تكون في محطات في الطريق، لابد أن تكون هناك مصاعب شديدة جداً على الإنسان، هذه سنة جارية لا تتبدل ولا تتحول. فالإنسان يعني يوطن نفسه على مثل هذا ويعرف أنه إذا واجهته أجهزه مثل هذه فهي علامات في الطريق لا بد أن يمر بها، وليست علامات ليرجع ويتنكر.
قال رحمه الله: فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه للضلال وفساد طرقهم، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم؛ لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم. فبالجملة هو غريب في أمور دنياه وآخره، لا يجد من العامة مساعداً ولا معيناً؛ فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة للأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر لديهم معروف.
هذي أيضاً يعني قضية، أنا لا أطيل في التعليقات حقيقة، لكن فقط أحياناً أشير بعض الإشارات. وهذه القضية أيضاً تحتاج إلى توازن؛ لأنه أحياناً الإنسان يبالغ في هذه القضية، يصل إلى مرحلة من الهجران ومن القطيعة ما لا ينبغي أن يصل إليها. فالإنسان دائماً يحتاج إلى توازن، يفهم المفاهيم يتشربها بشكل صحيح ويعلم أنها علامات في الطريق، ولكن في نفس الوقت هناك مقامات أخرى وهناك منازل أخرى وهناك آيات وأحاديث أخرى. فالإنسان المسدد والموفق هو الذي تكون لديه النظرة الشمولية. والكلام في التوازنات حقيقة كلام طويل، لعل وعسى إن شاء الله في لقاء من محاضرة من المحاضرات المنهجية القادمة إن شاء الله.
طيب، ثم يقول في الصفحة التالية: فصل النوع الثالث، غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم، وهي الغربة عن الوطن؛ فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء، فإنها ليست لهم بدار مقام ولا هي الدار التي خلقوا لها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمر رضي الله عنهما: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وهكذا هو في نفس الأمر؛ لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة. ولي من أبيات في هذا المعنى: وحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم، ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ وأي اقتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكموا؟ وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه ليس ينعم، فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة من العمر إلا بعدما يتألم.
قال: وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا وهو على جناح سفر لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور، فهو مسافر في صورة قاعد. وقد قيل: وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد. وأعجب شيء لو تأملت أنها منازل تطوى والمسافر قاعدون.
طيب، ثم ننتقل إلى منزلة المكاشفة. في بعدها منزلة التمكن، سنتجاوزها. منزلة المكاشفة، ويبدو معاكم الآن نسخة ثانية ما أعرف صفحة كم عندكم، لكن عندي صفحة سبعة وستين بعد بداية المنزلة بصفحتين تقريباً. قال رحمه الله: المكاشفة الصحيحة، أنا معاكم نفس النسخة جيد، قال: المكاشفة الصحيحة علوم يحدثها الرب سبحانه وتعالى في قلب العبد ويطلعه بها على أمور تخفى على غيره، وقد يواليها وقد يمسكها عنه بالغفلة عنها ويواريها عنه بالغين الذي يأسى قلبه، فهو أرق الحجب، أو بالغيم وهو أغلظ منه، أو بالران وهو أشدها. فالأول يقع للأنبياء عليهم السلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله أكثر من سبعين مرة. والثاني يكون للمؤمنين، والثالث لمن غلبت عليه الشقوة. قال الله تعالى: كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ. قال ابن عباس وغيره: هو الذنب بعد الذنب يغطي القلب حتى يصير كالران عليه.
والحجب عشرة: حجاب التعطيل ونفي حقائق الأسماء والصفات، وهو أغلظها، فلا يتهيأ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف الله ولا أن يصل إليه البتة إلا كما يتهيأ للحجر أن يصعد إلى فوق. الثاني حجاب الشرك، وهو أن يتعبد قلبه لغير الله. الثالث حجاب البدعة القولية كحجاب أهل الأهواء والمقالات الفاسدة على اختلافها. الرابع حجاب البدعة العملية كحجاب أهل السلوك المبتدعين في طريقهم وسلوكهم. الخامس حجاب أهل الكبائر الباطنة؛ بحجاب أهل الكبر والعجب والرياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها. السادس حجاب أهل الكبائر الظاهرة، وحجابهم أرق من حجاب إخوانهم من أهل كبائر الباطنة، مع كثرة عباداتهم وزهاداتهم واجتهادهم؛ فكبائر هؤلاء أقرب إلى التوبة من كبائر أولئك، فإنها قد صارت مقامات لها لا يتحاشون من إظهارها وإخراجها في قوالب عبادة ومعرفة، فأهل الكبائر الظاهرة أدنى إلى السلامة منهم وقلوبهم خير من قلوبهم. السابع حجاب أهل الصغائر. الثامن حجاب أهل الفضلات والتوسع في المباحات. التاسع حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خلقوا له وأريد منهم وما لله عليه من دوام ذكره وشكره وعبوديته. العاشر حجاب المجتهدين السالكين المشمرين في السير عن المقصود.
هذه عشر حجب بين القلب وبين الله سبحانه وتعالى تحول بينه وبينها وبين هذا الشأن، وهذه الحجب تنشأ من أربعة عناصر: عنصر النفس، وعنصر الشيطان، وعنصر الدنيا، وعنصر الهوى. فلا يمكن كشف هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في القلب البتة، وهذه الأربعة العناصر تفسد القول والعمل والقصد والطريق بحسب غلبتها وقوتها أو قلتها، فتقطع طريق القول والعمل والقصد أن يصل إلى القلب، وما وصل منه إلى القلب قطعت عليه الطريق أن يصل إلى الرب. فبين القول والعمل وبين القلب مسافة يسافر فيها العبد إلى قلبه ليرى عجائب ما هنالك، وفي هذه المسافة قطاع الطريق المذكورون، فإن حاربهم وخلص العمل إلى قلبه دار فيه وطلب النفوذ من هناك إلى الله، فانه لا يستقر دون الوصول إليه: وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ.
فاذا وصل إلى الله سبحانه وتعالى أثابه عليه مزيداً في إيمانه ويقينه ومعرفته وعقله، وجمل به ظاهره وباطنه، فهداه بأحسن الأخلاق والأعمال وصرف عنه به سيئ الأخلاق والأعمال، وأقام الله سبحانه من ذلك العمل للقلب جنداً يحارب به قطاع الطريق للوصول إليه؛ فيحارب الدنيا بالزهد فيها وإخراجها من قلبه، ولا يضره أن تكون في يده وبيته ولا يمنع ذلك من قوة يقينه بالآخرة، يحارب الشيطان بترك الاستجابة لداعي الهوى، فإن الشيطان مع الهوى لا يفارقونه، إلى أن قال: هذا كله إذا وجد العمل منفذاً من القلب إلى الرب سبحانه وتعالى.
وإن دار فيه ولم يجد منفذاً، وثبت عليه النفس فأخذته وصيرته جنداً لها، فصالت به وعنت وطغت؛ فتراه أزهد ما يكون، وأعبد ما يكون، وأشده اجتهاداً، وهو أبعد ما يكون لله.
وأصحاب الكبائر أقرب قلوباً إلى الله منه، وأدنى منه إلى الإخلاص والخلاص؛ فانظر إلى السجاد العباد الزاهد الذي بين عينيه أثر السجود -الذي هو يقصد الذي من الخوارج الذي في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم- كيف أورثه طغيان عمله أن أنكر على النبي صلى الله عليه وسلم، وأورث أصحابه احتقار المسلمين، حتى سلوا عليهم سيوفهم واستباحوا دماءهم.
وانظر إلى الشرير السكير الذي كان كثيراً ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحده على الشراب -يعني يضربه الحد- كيف قامت به قوة إيمانه ويقينه ومحبته لله ورسوله وتواضعه وانكساره لله، حتى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لعنه؛ فظهر بهذا أن طغيان المعاصي أسلم عاقبة من طغيان الطاعات.
وقد روى الإامام أحمد في كتاب الزهد عند الله سبحانه وتعالى: أوحى إلى موسى -صلى الله عليه وسلم-: يا موسى، أنذر الصديقين فإني لا أضع عدلي على أحد إلا عذبته من غير أن أظلمه، وأبشر الخطائين فإنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره.
طيب، ثم ننتقل إلى منزلة المعاينة، طبعا بعد المكاشفة في مشاهدة، بعدين المعاينة، كما تعلمون، كلها من المنازل الاصطلاحية، آه، لكن هناك في معاينة موضع، وسنختم به هذا الدرس اليوم إن شاء الله، آه، صفحة مئة وتسعة، قال رحمه الله تعالى: إذا عرفت هذا، فالمعاينة نوعان: معاينة بصر، ومعاينة بصيرة.
فمعاينة البصر وقوعه على نفس المرء أو مثاله الخارجي، كرؤية مثال الصورة في المرآة وفي المرآة والماء. ومعاينة البصيرة وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارج الخارجي، فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية.
وقد يقوى سلطان هذا الإدراك الباطن بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضار القوة العاقلة لمدركها بحيث يستغرق ويغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة، فيستولي على السمع والبصر بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج، وهو في النفس والذهن؛ لكن لغلبة الشهود وقوة الاستحضار وتمكن حكم القلب واستيلاءه على القوى صار ذلك كأنه مرئي بالعين، مسموع بالأذن، بحيث لا يشك ولا يرتاب في ذلك البتة ولا يقبل عدلاً.
وحقيقة الأمر أن ذلك كله شواهد وأمثلة علمية تابعة للمعتقد؛ فذلك الذي أدرك بعين القلب والروح إنما هو شاهد دال على الحقيقة وليس هو نفس الحقيقة؛ فإن شاهد نور جلال الذات في قلب العبد -يقصد ذات الله سبحانه وتعالى- شواهد نور، آه، جلال الذات في قلب العبد ليس هو نفس نور الذات الذي لا تقوم له السماوات والارض، لا تقوم له يعني لا تصمد له، لا تتحمله؛ فانه لو ظهر لها لتدكدكت ولا اصابها ما اصاب الجبل.
وكذلك شاهد نور العظمة في القلب إنما هو نور التعظيم والإجلال، لا نور نفس المعظم ذي الجلال والإكرام. وليس مع القوم إلا الشواهد والأمثلة العلمية والرقائق التي هي ثمرة قرب القلب من الرب ووسيمه، واستغراقه في محبته وذكره، واستيلاء سلطان معرفته عليه؛ والرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله منزه مقدس عن اطلاع البشر على ذاته أو أنوار ذاته أو صفاته أو أنوار صفاته، وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد كما يقوم ويقوم بقلبه شاهد من الآخرة والجنة والنار وما أعد الله لأهلهما.
وهذا هو الذي وجده عبد الله بن حرام الأنصاري يوم أحد لما قال: واهاً لريح الجنة! إني لأجد ريحها دون أحد -هذا طبعا أنس بن النضر الاصح، كما نبه المحقق أيضا، وهو المشهور-.
ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر. ومنه قوله: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. فهو روضة لأهل العلم والإيمان لما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنة حتى كأنها لهم رأي عين. آه، وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقه روضة من رياض الجنة.
ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: الجنة تحت ظلال السيوف. فالعمل إنما هو على الشواهد، وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله؛ ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشواهد إشارة يعلم بها حقيقة الأمر.
فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها وقلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها وسرعة انقضائها، ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها قد بدعت بهم وعذبتهم بأنواع العذاب، وأذاقتهم أمر الشراب، أضحكتهم قليلًا وأبكتهم طويلاً، سقتهم كؤوس سمها، بعد كؤوس خمرها، فسكروا وفسكروا بحبها وماتوا بهجرها.
هذا الموضوع، حق الشواهد، موضوع مهم جداً جداً إلى الغاية؛ بمعنى أنه أنت كيف تقيم وكيف تنظر، هنا ترى، آه، اقبال الناس على الدنيا، وحين ترى من رزق من الدنيا ما رزق ولكنه كان مع ذلك عاصيا والى ذلك. الناس الناس بما يقوم في قلوبهم من الشواهد على درجات؛ فمنهم، آه، من يقول مثل ما قال، آه، الذين يريدون الحياة الدنيا لما رأوا قارون: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
هذا طبعا الآن، يعني بغض النظر عن المعاصي؛ لأنه في ناس بالعكس، في ناس يتمنون حتى المعاصي، مثلاً يرون إنساناً مغرقاً في العلاقات، مثلاً، الجنسية المحرمة وما إلى ذلك، فيتمنى الإنسان أن يكون قد فتح له من الدنيا المحرمة مثل ما فتح، فهذا يعني نسأل الله العافية منزلة أحط؛ لكن إحنا نتكلم عن مجرد الدنيا، آه، أنه أنه تجد من لديه مثلاً القصور الكبيرة والسيارات والذهب الطائل إلى آخره، فآه، يعني إيش نظرته لمثل هذا؟ إيش نظرته؟
فهناك من ينظر إلى أنه هذا هو النعيم، هذه هي اللذة، هذه هي الحياة، فهذه هذه الدنيا، هذه الخير، هذا إلى آخره. وهناك من يرى، آه، ما وراء ذلك، فهو يقول إنه، آه، كيف للغريب الذي هو يعيش في هذه في الدنيا أن يرضى بمثل هذا؟ كيف قبل أن أن يكون عبدا لهذه الدنيا وأن تحكم قلبه بالغفلة؟ كيف رضي أن يلتهي بها عن الطريق الذي أمامه وعن الآخرة إلى آخره.
طبعا، آه، هذا كله باعتبار أن أيضا هناك، آه، أسباب وهناك أشياء من الدنيا، يعني، محبوبة، أن الإنسان ينالها، وما لأخيه: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. لكن القصد أنه، أنه ايش قيمة هذه الدنيا التي تنظر إليها؟
وتعرفون أن الله سبحانه وتعالى قال: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ. فهذه اللي نفتنهم فيه الذي لا يشاهدها يكون نقصه، يكون رأيه وبصره وبصيرته ناقصة. الذي لا يشاهد مقام لنفتنهم فيه عندما يرى زهرة الدنيا تكون مشاهدته ناقصة.
لذلك هنا يقول لك، آه، ابن القيم: هناك شواهد في القلب، بقدر هذه الشواهد بقدر ما يعني تحييه بنفس الإنسان بقدر ما يكون مستيقظاً قريبا من الله سبحانه وتعالى. أول شاهد هو أن يشاهد الإنسان، آه، حقارة الدنيا والفتنة التي فيها. ثم يقول: فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها ترحل قلبه عنها وسافر في طلب الدار الآخرة.
وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها وأنها هي الحيوان حقاً، فأهلها لا يرتحلون منها ولا يطعنون عنها، بل هي دار القرار ومحط الرحال ومنتهى السير؛ وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصابعه في اليم، فلينظر بم ترجع. وقال بعض التابعين: ما الدنيا في الآخرة إلا أقل من ذرة واحدة في جبال الدنيا.
ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرابها وبعد قعرها وشدة حرها وعظيم عذاب أهلها، فيشاهدها فيشاهدهم وقد سيقوا إليها سوء جهز القلب، عيوني، والسلاسل والأغلال في أعناقهم، فلما انتهوا إليها فتحت في وجوههم أبوابها، فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع وقد تقطعت قلوبهم حسرة: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا.
فأراهم شاهدوا الإيمان وهم إليها يدفعون، وأراهم، آه، شاهد الإيمان وهم إليها يدفعون، وأتى النداء من قبل رب العالمين: آه، وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ. ثم قيل لهم: هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ. أَفَسِحْرٌ هَٰذِهِ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ. اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
فيراهم شاهدوا الإيمان وهم في الحميم على وجوههم يسحبون، وفي النار كالحطب يسجرون، لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم، فَبِئْسَ اللِّحَادُ، وَبِئْسَ الْفِرَاشُ. وإن استغاثوا من شدة العطش يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه؛ فاذا شربوه قطع أمعائهم في أجوافهم، ثم سهر ما في بطونهم، شرابهم الحميم وطعامهم الزقوم، لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ.
وهم يصطلحون فيها: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ. نسأل الله سبحانه وتعالى العافية وأن يقينا عذاب النار.
قال: فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد، انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات، ولبس ثياب الخوف والحذر، وأخصب قلبه من مطر أجفانه، وهان عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه؛ وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات، فيذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات والمواد أو الفضلات والمواد المهلكة وينضجها، ثم يخرجها، فيجد القلب لذة العافية وسرورها.
فيقوم به بعد ذلك شاهد من الجنة وما أعد الله لأهله فيها من ملاعين، رأت لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فضلاً عما وصفه الله لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصل الكفيل بأعلى أنواع اللذة من المطاعم والمشارب والملابس والصور والبهجة والسرور.
فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم الدائم بحذافيره فيها، تربتها المسك، وحصباؤها الدر، وبناؤها لبن الذهب والفضة وقصب اللؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك، خرجوا من الكافور والذ من الزنجبيل، ونساءها لو برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس، ولباسهم الحرير من السندس بيستبرقي، وخدمه بلدان كاللؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون، شرابهم عليه خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون، وشاهد حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متكئون في تلك الرياض يحضرون فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها يا خالدون. اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها.
فإذا انضم إلى هذا الشاهد شاهد يوم المزيد والنظر إلى وجه الرب جل جلاله وسماع كلامه منه بلا واسطة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: بين أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد اشرف عليهم من فوقهم وقال: يا اهل الجنة سلام عليكم. ثم قرأ قوله معنا: سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ. ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم.
فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله، فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابها، فلا يلتفت في طريقه يميناً ولا شمالاً.
هذا، وفوق وذلك شاهد آخر تضمحل فيه الشواهد وفيه هذه الشواهد، ويغيب به العبد عنها كلها، وهو شاهد جلال الرب تعالى وجماله، وشاهد جلال الرب تعالى وجماله وكماله وعزه وسلطانه وقيوميته وعلوه فوق عرشه وتكلمه بكتبي وكلمات تكوينه وخطابه لملائكته وأبيائه.
فإذا شاهده شاهد بقلبه قيوماً قاهراً فوق عباده، مستوياً على عرشه، منفرداً بتدبير مملكته، أمراً ناهياً، مرسلاً ومنزلاً كتبه، يرضى ويغطف ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويحب ويغضب ويرحم إذا استرحم ويغفر إذا استغفر، ويعطي إذا سئل ويجيب إذا دعي ويقيل إذا، إذا استقيل، والأكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأعز من كل شيء، وأقدر من كل شيء، وأعلم من كل شيء ومن كل شيء.
فلو كانت قوى الخلائق كلهم على واحد منهم ثم كانوا كلهم على تلك القوة، ثم نسبت تلك القوى إلى قوته تعالى لكانت أقل من قوة البعوضة بالنسبة إلى قوة الأسد. ولو قدر جمال الخلق كلهم على واحد منهم ثم كانوا كلهم بذلك الجمال ثم نسب إلى جمال الرب تعالى لكان دون سراج ضعيف بالنسبة إلى عين الشمس.
ولو كان علم الأولين والآخرين على رجل منهم ثم كان كل الخلق على تلك الصفة ثم نسب إلى علم الرب تبارك وتعالى لكان ذلك إلى علم الرب كنقرة عصفور في بحر. وهكذا سائر صفاته كسمعه وبصره، وسائر نعوته كماله، فانه يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، سواء عنده من سر القول ومن جهر به، فالسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة.
يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة، ويرى نياض عروقها ومجاري القوت في أعضائها، يضع السماوات على إصبع من أصابع يده، والارض على إصبع، الجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، ويقبض سماواته بإحدى يديه والأراضين بالايات باليد الأخرى؛ فالسماوات السبع في كفه كخردلة في كف العبد. ولو أن الخلق كلهم من أول أولهم إلى آخرهم قاموا صفا واحدا ما أحاطوا بالله عز وجل، لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه.
فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد، اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة من غير أن تعدم، بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد، وتندرج فيه الشواهد كلها. ومن هذا، ومن هذا شاهده، فله سلوك وسير خاص ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة أو معرفة.
آه، مجملة. فصاحب هذا الشاي سائل إلى الله في يقظته ومنامه وحركته وسكونه وفطره وصيامه، له شأن نون وللناس شأن، هو في واد والناس في واد: خليلي، لا والله ما أنا منكما، إذا علم من ليلى بدا لي.
والله تعالى أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد