بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تعينوا بالله، ونبتدأ المجلس الثالث والعشرين من مجالس القراءة المقاصدية لكتاب مدارج السالكين، مع التعليق على بعض المواضع.
آه عندنا اليوم منزلة الحياة أو باب الحياة. قال رحمه الله تعالى، فصل، قال صاحب المنازل: باب الحياة. قال الله تعالى: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ. تشهد هذه الآية في هذا الباب ظاهر جدا؛ فإن المراد بها من كان ميت القلب بعدم روح العلم والهدى والإيمان، فأحياه الرب تعالى بروح أخرى غير الروح التي أحيا بها بدنه، وهي روح معرفته وتوحيده، وإلا فهي في جملة الأموات. ولهذا وصف الله تعالى من عدم ذلك بالموت فقال: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ. وقال تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ.
وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ. وسمى وحيه روحا بما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، فقال تعالى: وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا. فأخبر أنه روح تحصل به الحياة، وانه نور يحصل به الإضاءة. وقال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ. وقال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ.
فبالوحي حياة الروح كما أن الروح حياة البدن. ولهذا، من فقد هذه الروح فقد فقد الحياة النافعة في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فحياته حياة البهائم، وله المعيشة الضنك، وأما في الآخرة فله جهنم لا يموت فيها ولا يحيى. وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته، فقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفته بالله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه؛ فانه لا حياة اطيب من حياة صاحبها ولا نعيم فوق نعيمه الا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي اوقات اقول فيها ان كان اهل الجنة في مثل هذا انهم لفي عيش طيب. وقال غيره: إنه ليمر بالقلب اوقات يرقص فيها طربا.
وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح؛ فانه ملكها. ولهذا جعل الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره، وهي عكس الحياة الطيبة. وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، والمعيشة الضنك أيضا تكون في الدور الثلاث، فالأبرار في النعيم هنا وهنالك، والفجار في الجحيم هنا وهنالك، قال الله تعالى للذين أحسنوا الحسنى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ. وقال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مَّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ.
فذكر الله سبحانه وتعالى ومحبته وطاعته والاقبال عليه ضامن لأطيب الحياة في الدنيا والآخرة، والاعراض عنه وهو الغفلة ومعصيته كفيل بالحياة المنغصة والمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة. هذا الكلام يعني له علاقة بكلام أمس، الذي كان من أهم ما قاله في مدارج السالكين على الإطلاق في قضية قيام الشواهد بقلب العبد، الشواهد حين تقوم بقلب العبد فانه يرى بعين بصيرته ما لا يراه الآخرون. فانت ترى الانسان بعين بصرك تراه مركبا من أعضاء وتراه يعني اه يعني ترى ما يتماس معه من امور دنيوية، ولكن بعين البصيرة تستطيع أن ترى حقيقة ما عليه الانسان والغاية التي وجد لاجلها، أو هل هو محقق لهذه الغاية أو لا؟ وما الذي يستحق أن يفرح به، وما الذي يستحق أن يحزن لأجله إلى آخره.
هنا بهذا المعنى يعني وهو معنى قرآني من من حيث تشبيه الإنسان، وأن كان يتنفس، لكن بعض البشر يوصفون بأنهم أموات وهم أحياء؛ أحياء من الناحية البيولوجية، ولكن هم أموات حقيقة من حيث المعنى. وهذا الأمر في غاية الخطورة وفي غاية الأهمية، يجب أن يتفطن اليه دائما. الآن ابن القيم سينتقل إلى درجات الحياة أو مراتب الحياة، آآ ذكر تقريبا تسع مراتب أو نحو ذلك، وهي مهمة جدا؛ فيتدرج من الحياة الأقل إلى الحياة الأعلى، ثم يعني يجيب عن سؤال أنه إذا كانت تلك المرتبة التاسعة والعاشرة أعلى حياة، فلماذا يعني هناك غفلة عنها؟ ما السبب أن الانسان يغفل عن عن أن يتعلق بالحياة التي في تلك المرتبة؟ على أية حال هو سيبدأ بمراتب الحياة الآن.
المرتبة الأولى والثالثة والرابعة إن يتكلم عن الحياة الحسية وليس عن الحياة المعنوية، آآ وفي المرتبة الأولى قال: حياة الأرض بالنبات. والمرتبة الثانية: حياة النمو والابتداء. والمرتبة الثالثة: حياة الحيوان المغتدي بقدر زائد على نموه وابتدائه، وهي احساسه وحركته. والمرتبة الرابعة: حياة الحيوان الذي لا يغتذي بالطعام والشراب كحياة الملائكة، وحياة الأرواح بعد مفارقتها لأبدانها؛ فان حياتها أكمل من حياة الحيوان المغتدي.
المرتبة الخامسة، من هنا نحن سنبدأ قراءة تفصيلية، قال: المرتبة الخامسة الحياة التي أشار إليها المصنف، وهي حياة العلم من موت الجهل؛ فإن الجهل موت لأصحابه، كما قيل: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله، وأجسامهم قبل القبور قبور، وأرواحهم في وحشة من جسومهم، فليس لهم حتى النشور نشور. فإن الجاهل ميت القلب والروح، وإن كان حي البدن، فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض. قال الله تعالى: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا. وقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا.
وقال تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّنْ فِي الْقُبُورِ. وشبههم في موت قلوبهم بأهل القبور؛ فإنهم قد ماتت أرواحهم، وصارت أجسامهم قبورا لهم، فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور، لا يسمع هؤلاء. وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة وملزومهما، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ولم تتحرك له، كانت ميتة؛ ميتة حقيقة، وليس هذا تشبيها لموتها بموت البدن، بل ذلك موت القلب والروح.
وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد من كلام لقمان أنه قال لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل القطر. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: تعلم العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربى؛ لانه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، ودليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وائمة، تختص آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه؛ لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، توصل به الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل والعمل تابع له، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء. رواه الطبراني وابن عبد البر وغيرهما، وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والوقف أصح.
والمقصود قوله: لأن العلم حياة القلوب من الجهل، فالقلب ميت وحياته بالعلم والإيمان. طبعا العلم ليس المقصود مطلق العلم، يعني ليس المقصود علم وجود المعلومات، وليس القصد أنه أي علم من العلوم يصح عليه مثل هذا المعنى وانه يكون حياة آآ، أولى وأهم وأعظم ما يدخل في هذا -وقد يكون هو الوحيد آآ وإن كان قد يدخل غيره من باب الوسيلة وليس من باب الغاية- هو العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه العلم الذي جاء به بالغيث الذي يحيي الأرض، وهنا يتكلم عن ماذا؟ عن الحياة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا. شف مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كبد الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها، وذكر أنواع الاراضي اللي هي شبهت بالقلوب وما تحمله.
طيب، المرتبة السادسة قال: حياة الإرادة والهمة. وضعف الإرادة والطلب من ضعف حياة القلب، وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى، ومحبته وإرادته أقوى؛ فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب، وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته. وضعف الطلب وفتور الهمة إما من نقصان الشعور والإحساس، وإما من وجود الآفة المضعفة للحياة؛ فقوة الشعور وقوة الإرادة دليل على قوة الحياة، وضعفهما دليل على ضعفها.
وكما أن علو الهمة وصدق الإرادة والطلب من كمال الحياة، فهو سبب إلى حصولها بأكمل الحياة وأطيبها؛ فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية والمحبة الصادقة والارادة الخالصة، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة. وأخس الناس حياة أخسهم همة، وأضعفهم محبة وطلبا، وحياة البهائم خير من حياته، كما قيل: نهارك يا مغرور سهو وغفلة، وليلك نوم والردى لك لازم. وتكدح فيما سوف تنكر غبه، كذلك في الدنيا تعيش البهائم. تسر بما يفنى وتفرح بالمناكمة، غر باللذات في النوم حالم.
والمقصود أن حياة القلب بالععلم والارادة والهمة، والناس إذا شاهدوا ذلك من الرجل قالوا: هو حي القلب. وحياة القلب بدوام الذكر وترك الذنوب، كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: رأيت الذنوب تميت القلوب، وقد يورث الذل إدمانها. وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها. وهل أفسد الدين إلا الملوك، وأحبار سوء ورهبانها؟ وباعوا النفوس ولم يربحوا، ولم يغلوا في البيع أثمانها. فقد رتع مفيدة قصرانها.
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من واظب على يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر أربعين مرة، أحيى الله بها قلبه. هذا طبعا النقل ورد في يمكن في المجلد الأول أو الثاني، وتكلمنا عن في تلك في ذلك الموضع عن قضية التجربة والذكر وما إلى ذلك.
وكما أن الله سبحانه جعل حياة البدن بالطعام والشراب، فحياة القلوب بدوام الذكر والإنابة إلى الله وترك الذنوب. والغفلة الجاثمة على القلب والتعلق بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريب يضعف هذه الحياة، ولا يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت. وعلامة موته -هذي مهمة- وعلامة موته أنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أتدرون من ميت القلب الذي قيل فيه: ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء. قالوا: ومن هو؟ قال: الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.
الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، هذي مهمة، هذي الآن معايير، هذي معايير المعلومات التي تنتمي إلى فضاء المعايير هي من أهم ما يمكن أن يكون، فالذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا هذا ميت، هذا ميت. والرجل هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه، إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موتى أبدانهم ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعية، وذلك من موت القلوب والروح؛ فإن هذه الحياة الطبيعية شبيهة بالظل الزائل والنبات السريع الجفاف والمنام الذي يخيل كأنه حقيقة، فإذا استيقظ عرف أنه كان خيالا، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أن الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل واحد ثم جاءه الموت لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء.
وقد قيل إن الموت موتان: موت إرادي وموت طبيعي، فمن أمات نفسه موتا إراديا كان موته الطبيعي حياة له. ومعنى هذا أن الموت الإرادي هو قمع الشهوات المردية، وإخماد نيرانها المحرقة، وتسكين هواجسها المتلفة، فحينئذ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه كمال العبد ومعرفته والاشتغال به، ويرى حينئذ أن إيثار الظل الزائل عن قريب على العيش الذي في الدائم أخسر الخسران. فاما إذا كانت الشهوات وافدة، واللذات مؤثرة، والعوائد غالبة، والطبيعة حاكمة، فالقلب حينئذ إما أن يكون أسيرا ذليلا، أو مهزوما مخرجا عن وطنه ومستقره الذي لا قرار له إلا فيه، أو قتيلا ميتا وما لجرح به إيلام.
وأحسن أحواله أن يكون في حرب يدان له فيها مرة ويدال عليه مرة، فإذا مات العبد موته الطبيعي كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النافعة والأعمال الصالحة والأحوال الفاضلة التي حصلت له وبإماتة نفسه، فتكون حياته ها هنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار، وهذا موضع لا يفهمه إلا ألباب الناس وعقلاؤهم، ولا يعمل بمقتضاه إلا أهل الهمم العلية والنفوس الزكية الأبية.
ثم انتقل إلى المرتبة السابعة من مراتب الحياة -لاحظوا يتدرج- قال: حياة الأخلاق والصفات المحمودة التي هي حياة راسخة للموصوف بها؛ فهو لا يتكلف الترقي في درجات الكمال ولا يشق عليه لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك، بحيث لو فارقه ذلك لفارق ما هو من طبيعته وسجيته. فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء والمروءة والصدق والوفاء ونحوها، أتم من حياة من يقهر نفسه ويغالب طبعه حتى يكون كذلك؛ فإن هذا بمنزلة من تعارضه اسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها، وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك. وكلما كانت هذه الأخلاق
بصاحبها أكمل؛ كانت حياته أقوى وأتم. ولهذا كان خلق الحياء مشتقاً من الحياة اسماً وحقيقةً، فأكمل الناس حياةً أكملهم حياءً، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته. فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح، فلا تستحي منها.
فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه. وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة، وضدها من نقصان الحياة. ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان، وحياة السخي أكمل من حياة البخيل، وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفدم البليد.
ولهذا لما كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الناس حياةً حتى إن قوة حياتهم تمنع الأرض من أن تبلي أجسامهم، كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق، ثم الأمثل فالأمثل من أتباعهم.
فانظر الآن إلى حياة حلاف مهين، هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم، وحياة جواد شجاع بر عدل عفيف محسن، تجد الأول ميتاً بالنسبة إلى الثاني.
ولله در القائل: وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع. المرتبة الثامنة من مراتب الحياة: حياة الفرح والسرور وقرة العين بالله، وهذه الحياة إنما تكون بعد الظفر بالمطلوب الذي تقر به عيون طالبه.
فلا حياة نافعة له بدونه، وحول هذه الحياة يدندن الناس كلهم، وكلهم قد أخطأ طريقها، وسلك طرقاً لا تفضي إليها بل تقطعه عنها إلا أقل القليل، فدار طلب الكل حول هذه الحياة وحرمها أكثرهم.
وسبب حرمانهم إياها ضعف العقل والتمييز والبصيرة، وضعف الهمة والإرادة؛ فإن مادتها بصيرة وقادة وهمة نقادة، والبصيرة كالبصر تكون عمى وعورا وعمشا ورمدا وتامة النور والضياء، وهذه الآفات قد تكون لها بالخلقة في الأصل وقد تحدث فيها بالعوارض الكسبية.
والمقصود أن هذه المرتبة من مراتب الحياة هي أعلى مراتبها. ولكن كيف يصل إليها من عقله نسبي في بلاد الشهوات، وأمله موقوف على اجتناب اللذات، وسيرته جارية على أسوأ العادات، ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات؟
وهمته واقفة مع السفليات، وعقيدته غير متلقاة من مشكاة النبوات، فهو في الشهوات منغمس وفي الشبهات منتكس، وعن الناصح معرض، وعن المرشد معترض، وعن السراء نائماً وقلبه في كل واد هائم.
فلو أنه تجرد من نفسه، ورغب عن مشاركة أبناء جنسه، وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم، ومن سجن الهوى إلى ساحة الهدى، ومن نجاسة النفس إلى طهارة القدس، لرأى الألفة الذي نشأ بنشأته، وزاد بزيادته، وقوي بقوته، وشرف عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله.
وصدق ذا في عين بصيرته، وشجن في حلق إيمانه، ومرضاً مترامياً إلى هلاكه. فإن قلت: قد أشرت إلى حياة غير معهودة بين أموات الأحياء، فهل يمكنك وصف طريقها لأصل إلى شيء من أذاقها؟
فقد بال لي أن ما نحن فيه من الحياة حياة بهيمية ربما زادت علينا فيها البهائم بخلوها عن المنكرات والمنغصات وسلامة العاقبة. قلت: لعمر الله إن اشتياقك إلى هذه الحياة وطلب علمها ومعرفتها لدليل على حياتك، وأنك لست من جملة الأموات.
نقطة مهمة جداً: كونك تبحث عن حياة القلب، هذا أول دليل على حياة قلبك، وأنك أنت ساعد. لكن إذا كان الإنسان نزع منه فتيل الهمة والإرادة وإرادة الحياة، حياة القلب، فهو ميت.
لكن طالما أن الإنسان يشعر ويحس وضميره يؤنبه ويريد ويسعى ويطمح ويأمل ويجتهد، فهذا أول دليل على الحياة. فأول طريقة طريقها: أن تعرف الله وتهتدي إليه طريقاً يوصلك إليه، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة.
فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة. مرة أخرى: من لم يحضر أمس درس الشواهد فمن المهم جداً أن يتابع المقطع؛ لأن قضية الشواهد هذه مركزية. قال: فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكليته ويزهد في التعلقات الفانية.
ويذهب في تصحيح التوبة والقيام بمراد الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة. ثم يقوم أو يقوي محارساً على قلبه فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله ولا بخطرة فضول لا تنفعه في صفو بذلك قلبها عن حديث النفس ووسواسها، فيفدى من أسرها.
يصير طليقاً، فحينئذ يخلو قلبه بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طعنه ونفسه إلى فضائل الخلوة بربه وذكره، كما أخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس في السر خالية.
فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه. طبعاً هنا يعني في قضية مهمة، في قضية أنه صفاء القلب من الخواطر والوساوس، هذه القضية يعني يجب أن تفهم أيضاً على وجهها وسياقها، يعني ليست على إطلاقها، يعني ليس من علامات حياة القلب أنه لا تأتي فيه الخواطر والوساوس والأذى الشيطاني وما إلى ذلك.
ولأن هذا يعني من جملة الصراع بين الإنسان والشيطان، وحدث لخيار عباد الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تعلمون في الأحاديث الصحيحة، وكذلك السلف الصالح من العباد المعروفين أنه يعني أن الإنسان يظل يخاف ويظل إلى آخره.
لكن هو يعني نستطيع أن نقول بشكل عام أن الإنسان خرج من أن تكون حياته مجرد صراعات مع النفس إلى حياة صافية مستقرة، وهذه الحياة الصافية المستقرة هي في الجملة ولكن تعرض لها الإشكالات وتعرض لها الحروب والصراعات وما إلى ذلك.
قال: فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه. لاحظ يعني هنا أيضاً تنبيه: أن الأهم هو اجتماع القلب على إرادة الله سبحانه وتعالى.
ففي الطريق بعد أن يجتمع القلب على إرادة الله قد تحدث عوارض تؤذي، تعيق، تشتت، تجعل الهم والغم، ولكن هو قد جمع قلبه على الله فهو متوجه حتى ولو وردت هذه الواردات وعرضت هذه العوارض.
قال: فاذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستولت روحانيته على قلبه، فجعله إمامه ومعلمه وأستاذه وشيخه وقدوته، كما جعل الله نبيه ورسوله هادياً إليه.
فيطالع سيرته ومبادئ أمره وكيفية نزول الوحي عليه، وعرف صفاته وأخلاقه وآدابه في حركاته وسكونه ويقظته ومنامه وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه.
فاذا رسخ قلبه في ذلك فتح عليه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه، بحيث لو قرأ السورة شاهد قلبه ما أنزلت فيه وما اريد بها، وحظه المختص به منها.
وشاهد حظه المختص به منها من الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة، فيجتهد في التخلص منها كما يجتهد في الشفاء من المرض المخوف، وشاهد حظه من الأفعال الممدوحة فيجتهد في تكميلها وأتمامها.
فاذا تمكن من ذلك انفتح في قلبه عين أخرى يشاهد بها صفات الرب جل جلاله، حتى تصير لقلبه بمنزلة المرء لعينه، فيشهد علو الرب سبحانه فوق خلقه واستواءه على عرشه.
ونزول الأمر من عنده بتدبير مملكته وتكليمه بالوحي وتكليمه لعبده جبريل به، وارساله إلى من يشاء بما يشاء، وصعود الأمور إليه وعرضها عليه، فيشاهد قلبه رباً قاهراً فوق عباده آمراً ناهياً، باعثاً لرسله، منزلاً لكتبه، معبوداً مطاعاً لا شريك له ولا مثيل ولا عدل له.
ليس لأحد معه من الأمر شيء بل الأمر كله له، فيشهد ربه سبحانه قائماً بالملك والتدبير فلا حركة ولا سكون ولا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منة ولا قبض ولا بسط إلا بقدرته وتدبيره، فيشهد قيام الكون كله به وقيامه سبحانه بنفسه، فهو القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه.
فإذا رسخ قلبه في ذلك شهد الصفة المصححة لجميع صفات الكمال وهي الحياء، التي كمالها يستلزم كمال السمع والبصر والقدرة والإرادة والكمال والكلام وسائر صفات الكمال، وصفة القيومية الصحيحة المصححة لجميع الأفعال في الحي القيوم من له كل صفة كمال وهو الفعال لما يريد.
فإذا رسخ قلبه في ذلك فتح له مشهد القرب والمعية، فيشهده سبحانه معه غير غائب عنه قريبا غير بعيد، مع كونه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه قائما بالصنع والتدبير والخلق والأمر، فيحصل له مع التعظيم والإجلال الأنس بهذه الصفة.
فيأنس به بعد أن كان مستوحشاً، ويقوى به بعد أن كان ضعيفاً، ويفرح به بعد أن كان حزيناً، ويجد بعد أن كان فاقداً. فحينئذ يجد طعم قوله: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه.
فأطيب الحياة على الإطلاق حياة هذا العبد، فانه محب محبوب، متقرب إلى ربه وربه قريب منه، قد صار له حبيبه لفرط استيلائه على قلبه ولهجه بذكره وعكوف همته على مرضاته بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله.
وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه، فإن سمع سمع به حبيبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به. فإن صعب عليك فهم هذا المعنى وكون المحب الكامل المحبة يسمع ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه وذاته غائبة عنه، فاضرب عنه صفحا وخلي هذا الشأن لأهله، خلي الهوى لأناس يعرفون به قد كابدوا الحب حتى لانا أصعبهم.
فإن السالك إلى ربه لا تزال همته عاكفة على أمرين: استفراغ القلب بصدق الحب، وبذل الجهد في امتثال الأمر. فلا يزال كذلك حتى يبدو على سره شواهد معرفته وآثار صفاته وأسمائه، ولكن يتوارى عنه ذلك أحياناً ويبدو أحياناً.
يبدو من الجود، ويتوارى بحكم الفترة. والفترات أمر لازم للعبد، فلكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فأعلاها فترة الوحي وهي للأنبي، وفترة الحال الخاص للعارفين، وفترة الهمة للمريدين، وفترة العمل للعابدين.
وفي هذه الفترات أنواع من الحكمة والرحمة والتعرفات الإلهية وتعريف قدر النعمة وتجديد الشوق إليها ومحض التواجد إليها وغير ذلك. ولا تزال تلك الشواهد تتكرر وتتزايد حتى تستقر، فاصبغ بها القلب وتصير الفترة غير قاطعة له، بل تكون نعمة عليه، راحة له وترويحاً وتنفيساً عنه.
فهمة المحب إذا تعلقت روحه بحبيبه عاكفاً على مزيد محبته وأسباب قوتها، فهو يعمل على هذا، ثم يترقى منه إلى طلب محبة حبيبه له ويععمل على حصول ذلك، ولا يعدم الطلب الأول ولا يفارقه البتة، بل يندرج في هذا الطلب الثاني، فتتعلق همته بالأمرين جميعاً.
فإنه إنما يحصل له منزلة كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به بهذا الأمر الثاني، وهو كونه محبوباً لحبيبه، كما قال في الحديث: فاذا أحببته كنت سمعه وبصره إلى آخره. فهو يتقرب إلى ربه حفظاً لمحَبَّتِه له واستدعاءً لمحبة ربه له.
فحينئذ يسد مئزر الجد في طلب محبة حبيبه له بأنواع التقرب إليه، فقلبه للمحبة والإنابة والتوكل والخوف والرجاء، ولسانه للذكر وتلاوة كلام حبيبه، وجوارحه للطاعات، فهو لا يفتر عن التقرب من حبيبه، وهذا هو السير المفضي إلى هذه الغاية التي لا تنال إلا به ولا يتوصل إليها إلا من هذا الباب وهذه الطريق.
وحينئذ تجمع له في سيره جميع متفرقات السلوك من الحضور والهيبة والمراقبة ونفي الخواطر وتخلية الباطن. ثم انتقل إلى المرتبة التالية، ننتقل يعني إلى المرتبة التالية، لكن دعونا بس فقط نختم هذه المرتبة في مئة واثنين وخمسين آخر شيء قال: فهذه الحياة هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة فمن فقدها ففقده لحياته الطبيعية أولى به.
فهذه الحياة هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة فمن فقدها ففقده لحياته الطبيعية أولى به، هذه حياة الفتاة فإن فقدت ففقده للحياة أليق به. فلا يعيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكيت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم إليه واستأنسوا بقربه وتنعموا بحبه.
ففي القلب خلة لا يسدها إلا محبة الله والاقبال عليه والإنابة إليه، ولا يلم شعثه بغير ذلك البتة. ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات، فإنه إن كان ذا همة عالية تقطعت نفسه على الدنيا حسرات فإنه همته لا ترضى فيها بالدون، وإن كان أنا مهيناً خسيساً فعيشه كأي شيء أخس الحيوانات.
فلا تقر العيون إلا بمحبة الحبيب الأول: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول. كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل.
المرتبة التاسعة من مراتب الحياة: حياة الأرواح بعد مفارقتها الأبدان وخلاصها من هذا السجن وضيقه، فإن من ورائه فضاء وروحاً وريحانًا وراحة، نسبة هذه الدار إليها نسبة بطن الأم إلى هذه الدار أو أدنى من ذلك.
قال بعض العارفين: لتكن مبادرتك إلى الخروج من الدنيا كمبادرتك إلى الخروج من السجن الضيق إلى أحبتك والاجتماع بهم في البساتين المونقة.
قال الله تعالى في هذه الحياة: فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ. ويكفي في طيب هذه الحياة مرافقة الرفيق الأعلى، ومفارقة الرفيق المؤذي المنكد الذي تنغص رؤيته ومشاهدته الحياة فضلاً عن مخالطته وعشرته، إلى الرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، في جوار الرب الرحمن الرحيم.
قد قلت إذ مدحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تعرف، منها أمان لقائه بلقائه، فراق كل معاشر لا ينصفه. ولو لم يكن في الموت من الخير إلا أنه باب الدخول إلى هذه الحياة وجسر يعبر به منه إليها لكفى به تحفة للمؤمن.
جزى الله عنا الموت خيراً فإنه أبر بنا من كل بر وألطف، يعجل تخليص النفوس من الأذى ويدني إلى الدار التي هي أشرف. فالاجتهاد في هذا العمر القصير والمدة القليلة والسعي والكدح وتحمل الأثقال والتعب والمشقة إنما هو لهذه الحياة.
والعلوم والأعمال وسيلة إليها، وهي يقظة وما قبلها من الحياة نوم، وهي عين وما قبلها أثر. وهي حياة جامعة بين فقد المكروه وحصول المحبوب في مقام الأنس، وحضرة القدس، حيث لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب.
من حيث الطمأنينة والراحة والبهجة والسرور، حيث لا عبارة للعبد عن حقيقة كنهها؛ لأنها في بلد لا عهد لنا به، ولا ألفة بيننا وبين ساكنه، بل نفسه لألفها لهذا السجن الضيق النكد.
زمانا طويلا تكره الانتقال منه إلى ذلك البلد وتستوحش، وإذا استشعرت مفارقته وحصول العلم بهذه الحياة، إنما وصل إلينا بخبر إلهي على يد أكمل الخلق وأعلمهم وأنصحهم صلى الله عليه وسلم، فقامت شواهدها في قلوب أهل الإيمان حتى صارت لهم بمنزلة العيان.
ففرت نفوسهم من هذا الظل الزائل، والخيال المضمحل، والعيش الفاني المشهور بالتنغيص وأنواع القصص، رغبة في هذه الحياة وشوقا إلى ذلك الملكوت، ووجدا لهذا السرور، وطربا على هذا الحد، واشتياقا لهذا النسيم الوارد من محل النعيم المقيم.
والأمر لله، أن من سافر إلى بلد العدل والخصب والأمن والسرور صبر في طريقه على كل مشقة وإعواز وجد، وفارق المتخلفين أحوج ما كان إليهم، وأجاب المنادي إذا نادى به: حي على الفلاح، وبذل نفسه في الوصول بذل المحب بالرضا السماح.
المحب بالرضا السماح، وواصل السير بالغدو والرواح، فحمد عند الوصول مسراه؛ وإنما يحمد المسافر السرى عند الصباح، وعند الصباح يحمد القوم السرى وفي الممات يحمد القوم اللقاء. وما هذا والله بالصعب ولا بالشديد مع هذا العمر القصير، الذي هو بالنسبة إلى تلك الدار كساعة من نهار.
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها.
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ، قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِينَ، قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُّمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
فلو أن أحدنا يجر على وجهه يتقي به الشوك والحجارة إلى هذه الحياة، لم يكن ذلك كثيرا ولا غبنا بجنبي ما يوقع. فيا حسرتاه على بصيرة شاهدت هاتين الحياتين على ما هما عليه، وعلى همة تؤثر الأدنى على الأعلى وما ذاك.
بتوفيق من أزمة الأمور بيديه، ومنه ابتداء كل شيء وانتهاء إليه، أقعد نفوس من غلبت عليهم الشقاوة عن السفر إلى هذه الدار، وجذب قلوب من سبقت لهم منه الحسنى، وأقامهم في الطريق، وسهل عليهم ركوب الأخطار.
وأضاع أولئك مراحل أعمالهم مع المتخلفين، وقطع هؤلاء مراحل أعمارهم مع السائرين، وعقدت الغبرة وثار العجاج فتوارى عنه السائرون والمتخلفون، وسينجلي عن قريب فيفوز العاملون.
ويخسر المبطلون. ومن طيب هذه الحياة ولذتها قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد.
فإنه يتمنى الرجوع إلى الدنيا لما يرى من كرامة الله له، يعني ليقتل فيه مرة أخرى. طيب، ثم في صفحتين نتجاوزها فيها استطراد يعني نوعا ما، قال في آخر مئة وخمسين قال: واما خبر تلك الارواح.
وما صارت اليه، فسلوا عنها كتب رب العالمين ورسله الصادقين وخلفاؤهم الوارثين، سلوا القرآن فعنده الخبر اليقين، وسلوا من جاء به فهو بذلك اعرف العارفين، وسلوا العلم والايمان فهما الشاهدان المقبولون، وسلوا العقول والفطر فعندها حقيقة الخبر: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
تعالى الله أحكم الحاكمين عن هذا الظن والحسبان الذي لا يليق إلا بأجهل الجاهلين. ثم قال: الناظر في هذا الباب رجلان، رجل ينظر إلى الأشياء، ورجل ينظر في الأشياء.
الأول يحار فيها؛ فإن صورها وأشكالها وتخاطيطها تستفرغ ذهنه وحسه وتبدد فكره وقلبه، فنظره إليها بعين حسه لا يفيد منها ثمرة الاعتبار ولا زبدة الاختبار؛ لأنه لما فقد الاعتبار أولا؛ فإنه فقد الاختيار ثانيا.
وأما الناظر في الأشياء، فإن نظره يبعثه على العبور من صورها إلى حقائقها والمراد بها، ومقتضى وجودها من الحكمة البالغة والعلم التام؛ فيفيده هذا النظر تمييز مراتبها، ومعرفة نافعها من ضارها، وصحيحها من سقيم، وباقيها وفانيها، وقشرها من لبها، ويميز بين الوسيلة والغاية.
وبين وسيلة الشيء ووسيلة ضده، فيعرف حينئذ أن الدنيا قصر والآخرة لب، وأن الدنيا محل الزرع والآخرة وقت الحصاد، وأن الدنيا معبر وممر والآخرة دار مستقر. وإذا عرف أن الدنيا طريق وممر، وكان حريا بتهيئة الزاد لقراره.
ويعلم حينئذ أنه لم ينشأ في هذه الدار للاستيطان والخلود، ولكن للجواز إلى مكان آخر هو المنزل والمتبوأ، وأن الإنسان دعي إلى ذلك بكل شريعة، وعلى لسان كل نبي، وبكل إشارة ودليل، ونصب له على ذلك علم.
وضرب لأجله كل مثل، ونبه عليه بنشأته الأولى ومبادئه وسائر أحواله وأحوال طعامه وشرابه وأرضه وسمائه، بحيث أزلت عنه الشبهة، وأوضحت له المحجة، وأقيمت عليه الحجة، وأعذر إليه غاية الأعذار.
وأمهل أتم الإمهال، فاستبان ذي العقل الصحيح والفطرة السليمة أن الطعن عن هذا المكان ضروري والانتقال عنه حق لا مرية فيه، وأن له محلا آخر له قد أنشئ، ولاجله قد خلق، وله هيئ.
فمصيره اليه وقومه بلا ريب عليه، وأن هذه الدار وأن داره هذه منزل وعبور لا منزل قرار. وبالجملة، من نظر في الموجودات ولم يقنع مجرد النظر إليها وحدها، وجدها دالة على أن وراء هذه الحياة حياة أخرى.
أكمل منها، وأن هذه الحياة بالنسبة لي كالمنالي بالنسبة لليقظة، وكالظل بالنسبة إلى الشخص، وسمعها كلها تنادي بما نادى به ربها وخالقها وفاطرها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ. وتنادي بلسان الحال بما نادى به.
ربها بصريح المقال: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا. وقال تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وقال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثلِ غَيْثٍ.
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. ثم ندبهم إلى المسابقة إلى الدار الآخرة الباقية التي لا زوال إلا فقال: سَابِقُوا.
إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. وسمع بعض العارفين منشدا ينشد عن بعض الزنادقة عند موته: لعمري ما أدري، وقد أذن البلا بعاجل ترحال، إلى أين ترحالي؟ وأين محل الروح بعد خروجه عن.
هيكل المنحل والجسد البالي؟ فقالوا: ما علينا من جهله إذا لم يدر أين ترحاله، ولكننا ندري إلى أين ترحالنا وترحاله؛ وأما ترحاله فإلى دار الأشقياء ومحل المنكرين لقدرة الله والمكذبين، وبما اتفقت عليه كلمة المرسلين عن ربهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
وأما ترحالنا أيها المسلمون المصدقون بلقاء ربهم وكتبه ورسله، فإلى نعيم دائم، وخلود متصل، ومقام كريم، وجنة عرضها السماوات والأرض في جوار رب العالمين، وأرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين، الذي له الخلق والأمر، بيده النفع والضر، الأول بالحق، الموجود بالضرورة المعروفة بالفطرة، التي أقرت به العقول، ودلت عليه كل الموجودات، وشهدت بوحدانيته.
وربوبيته جميع المخلوقات، وأقرت بها الفطر المشهود، وأقرت بها الفطر المشهود وجوده وقوميته بقيوميته وبكل حركة وسكون، المشهود وجوده وقيوميته بكل حركة وسكون، بكل ما كان وما هو كائن وما سيكون، الذي خلق السماوات والأرض.
أنزل من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة من أنواع النباتات، وبث به في الأرض جميع الحيوانات، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً، وَجَعَلَ نَهَارًا وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه، ويكشف السوء، ويفرج الكربات، ويقيل العثرات، الذي يهدي خلقه في ظلمات.
البر والبحر، ويوسع الرياح بشرا بين يدي رحمته، فيحيي الأرض ببوابين القطر، الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، ويرزق من في السماوات والأرض من خلقه وعبيده، الذي يملك السمع والأبصار، صارونه في أيدته، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبر الأمر، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ. الذي له ملك السماوات والأرض.
ولم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا. المستعان به على كل نائبة وفادحة، والمعهود منه كل بر وكرامة، الذي كانت له الوجوه، وخشعت له الأصوات، وسبحت بحمده الأرض السماوات وجميع الموجودات.
الذي لا تسكن الأرواح إلا بحبه، ولا تطمئن القلوب إلا بذكره، ولا تزكو العقول إلا بمعرفة به، ولا يدرك النجاح إلا بتوفيقه، ولا تحيا القلوب إلا بنسيم لطفه وقربه، ولا يقع أمر إلا بإذنه، ولا يهتدي ضال إلا بهدايته، ولا يستقيم ذو أود إلا تقويمه، ولا يفهم أحد إلا بتفهيمه، ولا يتخلص من مكروه إلا برحمته، ولا يحفظ شيء إلا بكلاءته، ولا يفتتح أمر إلا باسمه، ولا يتم إلا بحمده، ولا.
مأمول إلا بتيسيره، ولا تنال سعادة إلا بطاعته، ولا حياة إلا بذكره ومحبته ومعرفته، ولا طابت الجنة إلا بسماع خطابه ورؤيته، الذي وسع كل شيء رحمة وعلما، وأوسع كل مخلوق فضلا وبرا، فهو الإله الحق، والرب الحق، والملك الحق، والمنفرد بالكمال المطلق من كل الوجوه، المبرأ عن النقائص والعيوب من كل.
كل الوجوه، لا يبلغ المثنون -وإن استوعبوا جميع الأوقات بكل أنواع الثناء- ثناء عليه، بل ثناؤه أعظم من ذلك، فهو كما أثنى على نفسه هذا الجار. وأما الدار فلا تعلم نفس.
حسنها وبهاءها وسعتها ونعيمها وبهجتها وروحها وراحتها، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، الأعين، فهي الجامعة بجميع أنواع الأفراح والمسرات الخالية من جميع المنكدات والمنغصات، وريحانة.
وقصر مشيد، وزوجة حسناء، وفاكهة نضيجة، فترحالنا أيها الصادقون المصدقون إلى هذه الدار بإذن ربنا ضيقه وأحسانه، وترحال الكاذبين المكذبين إلى الدار التي أعدت لمن كفر بالله ولقائه وكتبه ورسله.
ولن يجمع الله من الموحدين له، المطالبين لمرضاته، الساعين في طاعته، الدائمين في خدمته، المجاهدين في سبيله، وبين الملحدين الساعين في مساخطه، الدائمين في معصيته، المستفرغين جهدهم في أهوائهم وشهواتهم، في دار واحدة.
إلا على سبيل الجواز والعبور، كما جمع بينهما في هذه الدنيا، ويجمع بينهم في موقف القيامة؛ فحاشاه من هذا الظن السيء الذي لا يليق بكماله وحكمته. فصلنا في هذه المرتبة تعلم حياة الشهداء، وأنهم عند ربهم يرزقون، وأنها أكمل من حياتهم في هذه الدنيا وأتم وأطيب.
وإن كانت أجسادهم متلاشية ولحومهم متمزقة وأوصالهم متفرقة وعظامهم نخرة، فليس العمل على الطلل، إنما الشأن في الساكن، قال الله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. وقال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ.
وإذا كان الشهداء إنما نالوا هذه الحياة بمتابعة الرسل وعلى أيديهم، فما الظن بحياة الرسل في البرزخ؟ ولقد أحسن القائل: ما شاء فالعيش نوم والمنية يقظة، والمرء بينهما خيال ساري. فللرسل والشهداء والصديقين من هذه الحياة التي هي يقظة من نوم الدنيا أكملها.
أو أتمها، وعلى قدر حياة العبد في هذا العالم يكون شوقه إلى هذه الحياة وسعيه وحرصه على الظفر بها. والله المستعان. فصل المرتبة العاشرة من مراتب الحياة: الحياة الدائمة الباقية بعد طي هذا العالم، وذهاب الدنيا وأهلها في دار الحيوان. وهي الحياة.
التي شمر إليها المشمرون، وسابق إليها المتسابقون، ونافس فيها المتنافسون، وهي التي أجرينا الكلام إليها، ونادت الكتب السماوية ورسل الله جميعهم، وهي التي يقول من فاته الاستعداد لها: إِذَا دُكِّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجيِيَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى، يَقُولُ يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي.
فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وتقع أحد، وهي التي قال الله عز وجل فيها: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهي الْحَيَوانَ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
والحياة المتقدمة كالنوم بالنسبة إليها، وكل ما تقدم من وصف السير ومنازله، وأحوال السائلين وعبوديته بالظاهر وباطنه، فوسيلة إلى هذه الحياة؛ وإنما الحياة الدنيا الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم اصبعه في اليم.
فلينظر بما ترجع. فإن قلت: ما سبب تخلف النفس عن طلب هذه الحياة التي لا خطر لها، وما الذي زهدها فيها، وما سبب رغبتها في هذه الحياة الفانية المضمحلة التي هي كالخيال والمنام؟ أفساد في تصورها وشعورها؟ أم تكذيب بتلك الحياة؟
أم لافة في العقل وعمن هناك؟ أم إيثار للحاضر المشهود بالعيان على الغائب المعلوم بالإيمان؟ قيل: بل ذلك لمجموع أمور مركبة من ذلك كله، وأقوى الأسباب في ذلك ضعف الإيمان.
فإن الإيمان هو روح الأعمال، وهو الباعث عليها، والآامر باحسنها، والناهي عن أقباحها، وعلى قدر قوة الإيمان يكون أمره ونهيه لصاحبه وائتمار صاحبه وانتهاؤه، قال الله تعالى: قُلْ بِئْسَ مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وبالجملة.
فإذا قوي الإيمان وقوي الشوق إلى هذه الحياة واشتد طلبه، واشتد طلب صاحبه لها؛ السبب الثاني: جثوم الغفلة على القلب، فإن الغفلة نوم القلب، ولهذا تجد كثيراً من الأيقاظ في الحس نياماً في الواقع، فتحسبهم أيقاظاً وهم رقود.
ضد حال من يكون يقظان القلب وهو نائم، فإن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام، وإذا نام البدن، وكمال هذه الحياة كان لنبينا صلى الله عليه وسلم، ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه منها.
فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب، فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه. وكما أن يقظة الحس على نوعين، فكذلك يقظة القلب على نوعين.
فالنوع الأول من يقظة الحس أن صاحبها ينفذ في الأمور الحسية ويتوغل فيها بكسبه وفطانته واحتياله وحسن تأتيه، والنوع الثاني أن يقبل على نفسه وقلبه وذاته فيعتني بتحصيل كماله، فيلحظ عوان الأمور وسفسافها، فيؤثر الأعلى على الأدنى، ويقدم خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويتحلل من مكارم الأخلاق ومعاني الشيم، فيكون ظاهره جميلاً وباطنه أجمل من ظاهره، وسريرته خيراً من العلانية.
فيزاحمون أصحاب المعالي عليها كما يتزاحم أهل الدينار والدرهم عليها، فبهذه اليقظة يستعد للنوعين الآخرين منهما؛ أحدهما يقظة تبعثه على اقتباس الحياة الدائمة الباقية التي لا خطر لها من هذه الحياة الزائدة الفانية التي لا قيمة لها.
فإن قلت: مثل لي كيف تقتبس الحياة الدائمة من الحياة الفانية، وكيف يكون هذا فإني لا أفهه؟ قلت: وهذا أيضاً من نوم القلب، بل من موته. وهل تقتبس الحياة الدائمة إلا من هذه الحياة الزائلة؟
وأنت قد تشعل سراجك من سراج آخر قد أوشك للانطفاء، فيتقد الثاني ويضيء غاية الإضاءة ويتصل ضوءه وينطفئ الأول، والمقتبس لحياته الدائمة من حياته المنقطعة إنما ينتقل من دار منقطعة إلى دار باقية.
وقد توسط الموت بين الدارين، فهو قنطرة لا يعبر إلى تلك الدار إلا عليها، وباب لا يدخل إليها إلا به، فهما حياتان في دارين بينهما موت. وكما أن النور في تلك الدار مقتبس من نور هذه الدار، فحياتها كذلك مقتبسة من حياتها، فعلى قدر نور الإيمان في هذه الدار يكون نور العبد في تلك الدار، وعلى قدر حياته في هذه الدار تكون حياته هناك.
نعم، هذا النور والحياة الذي يقتبس منه ذلك النور والحياة لا ينقطع بالوضوء والعبد في البرزخ وفي موقف القيامة وعلى الصراط. هذا أحد نوعي يقظة القلب.
النوع الثاني: يقظة تبعث على حياة لا تكدرها العبارة، ولا ينالها التوهم، ولا يطابق فيها اللفظ لمعناه البتة، والذي يشار به إليها حياة المحب مع حبيبه الذي لا قوام لقلبه وروحه وحياته إلا به، ولا غناء له عنه طرفة عين، ولا قرة عين، ولا طمأنينة لقلبه، ولا سكون لروحه إلا به، فهو أحوج إليه من سمعه وبصره وقوته، بل ومن حياته، فإن حياته بدونه عذاب والآم وهموم وأحزان إلى آخر.
والمقصود أن الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة وهي حجاب عليه. فإذا كشف هذا الحجاب بالذكر وإلا تكاثف حتى يصير حجاب بطالة ولعب واشتغال بما لا يفيد، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب معاص وذنوب صغار تبعده عن الله، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف -شوفوا لاحظوا هو جالس يأتي الحجب اللي أمس ذكرناها ولكن الآن بالعكس، أمس بدأ من الحجاب الأكبر إلى الأصغر، الآن من الأصغر إلى الأكبر- قال: فان بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب كبائر توجب مقتل العبد تعالى له وغضبه ولعنته.
فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع عملي يعذب العامل فيها نفسه ولا تجدي عليه شيئاً، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع قولية اعتقادية تتضمن الكذب على الله ورسوله والتكذيب بالحق الذي جاء به الرسول، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب شك وتكذيب يقدح في أصول الإيمان الخمسة وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه.
فالذي غلظ حجابه وكثافته وظلمته وسواده لا يرى حقائق الإيمان ويتمكن منه الشيطان يعده ويمنيه، والنفس الأمارة بالسوء تهوى وتشتهي، وسلطان الطبع قد ظفر بسلطان الإيمان فأسره فسجنه إن لم يهلكه، وتولى تدبير المملكة واستخدم جنود الشهوات وأقطعها العوائد التي جرى عليها العمل، وأغلق باب اليقظة وأقام عليه بواب غفلة وقال: إياك أن نؤتى من قبلك، واتخذ حجاباً من الهوى وقال: إياك أن تمكن أحداً يدخل عليه إلا معك، فأمر هذه المملكة قد صار إليك وإلى البواب، فيا بواب الغفلة ويا حجاب الهوى ليلزم كل منكما ثغره، فإن أخليتما فسد أمر مملكتنا وعادت الدولة لغيرنا، وسامنا سلطان الإيمان شر الخزي والهوان ولا نفرح بهذه المدينة أبداً.
فلا إله إلا الله، إذا اجتمعت على القلب هذه العساكر مع رقة الإيمان وقلة الأعوان والإعراض عن ذكر الرحمن والانخراط في سلك أبناء الزمان وطول الأمر المفسد للإنسان، إن آثر العاجل الحاضر على الغائب الموعود به بعد طي هذه الأكوان، فالله المستعان وعليه التكلان.
فهذا فصل مختصر نافع في ذكر الحياة وأنواعها والتشويق إلى أطيبها، فمن صادف من قلبه حياة انتفع به وإلا فخوض تزف إلى ضرير مقعد، فلنرجع إلى شرح كلام صاحب المنازل وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد