بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. استعينوا بالله وننطلق في المجلس الرابع والعشرين من مجالس القراءة المقاصدية مع التعليق على كتاب مدارج السالكين للإامام ابن القيم رحمه الله تعالى، وقد اقتربنا من الانتهاء من الكتاب، خاصة وأننا كما أشرت قبل يومين أو ثلاثة أيام من أننا يعني نصير في المنازل الاصطلاحية كثيرا في المنازل الأخيرة، وذلك أن القوم والطائفة يعني كلما ارتفعوا أو كلما تقدمت بهم منازل ذهبوا إلى القضايا الاصطلاحية كثيرا، وإلى الأمور المتعلقة بالفناء والسكر وما إلى ذلك.
كما تعودنا، ننتقي بعض ما يناسب طرحه في مثل هذه المقامات التي يراد بها التركيز على القضايا السلوكية والتزكوية مع بعض الفوائد الأخرى. في منزلة القبض، في صفحة مئة وواحد وتسعين في المجلد الرابع، يتكلم الهروي رحمه الله تعالى على ثلاث فرق يشملهم مقام القبض، فقال: وهم على ثلاث فرق، أو قبل ذلك قال: والمقصود أن الرب سبحانه حال بين هؤلاء الظنائن وبين التعلق بالخلق وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه. قال: وهم على ثلاث فرق، فرقة قبضهم إليه قبض التوقي فظن بهم عن أعين العالمين. يقول الإامام ابن القيم رحمه الله: أي سترهم عن أعين الناس وقاية لهم وصيانة عن ملابستهم، فغيبهم عن أعين الناس فلم يطلعهم عليهم. وهؤلاء هم أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان، ولعلهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يكون خير مال المرء غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر. وقوله: ورجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره.
قال الإامام ابن القيم: وهذه الحال تحمد في بعض الأماكن والأوقات دون بعض، وإلا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من هؤلاء. العزلة في وقت تجب فيه، فالعزلة في وقت تجب فيه ووقت تستحب فيه ووقت تباح فيه ووقت تكره فيه ووقت تحرم فيه، ويجوز أن يكون قبض التوفي بالفاء أجسادهم إلى آخره. الفرقة الثانية قال الهروي عنها: وفرقة قبضهم بسترهم في لباس التلبيس وأسبل عليهم أكلة الرسول فأخفاهم عن عيون العالم. قال الإامام ابن القيم رحمه الله: هذه الفرقة هم عن ناس مخالطون والناس يرون ظواهرهم وقد ستر الله حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها، فحالهم ملتبس على الناس لا يعرفونه، فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدنيا من الأكل والشرب واللباس والنكاح وطلاقة الوجه وحسن العشرة قالوا: هؤلاء من أبناء الدنيا. وإذا رأوا ذلك الجد والهمم والصبر والصدق وحلاوة المعرفة والايمان والذكر وشاهدوا منهم أمورا ليست من أمور أبناء الدنيا قالوا: هؤلاء من أبناء الآخرة.
التبس حالهم عليهم وهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم، لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارة تشير إليه اعرفوني، فهؤلاء هم الصادقون، هؤلاء يكونون مع الناس والمحجوبون لا يعرفونهم ولا يرفعون بهم رأسا، وهم من سادات أولياء الله صانهم الله عن معرفة الناس كرامة لهم لئلا يفتتنوا بهم وإهانة للجهال بهم فلا ينتفعون بهم. وهذه الفرقة بينها وبين الأولى، الأولى اللي هي الفرقة التي تعتزل الناس، قالوا: هذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلا الله، فهم بين الناس بأبدانهم وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم، فاذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة، فإن روح كل عبد تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبهم، فإن المرء مع من أحب.
قوله: وأسبل عليهم أكلة الرسول، أي أجرى عليهم أحكام الخلق، يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون ويسكنون حيث يسكنون ويمشون معهم في الأسواق ويعانون معهم الأسباب وهم في واد والناس في واد، فمشاركتهم إياهم في ذلك هي التي سترتهم عن معرفتهم وعن إدراك حقائقهم، فهم تحت ستور المشاركة ووراء هاتيك الستور: محجب بالحسن كل العز تحت لوائه، لو أبصرت عيناك بعض جماله لبذلت منك الروح في إرضائه، ما طابت الدنيا بغير حديثه كلا ولا الأخرى بدون لقائه، يا خاسرا هانت عليه نفسه إذ باعها بالغبن من أعدائه، لو كنت تعلم قدر ما لقد بعته لفسخت ذاك البيع قبل وفائه، أو كنت كفئا للرشاد وللهدى أبصرت لكن لست من أكفاءه.
ثم ذكر الفرقة الثالثة وقال قال ابن الهروي: فرقة قبضهم منهم إليهم فصافاهم مصافاة سر فظن بهم عليهم. قال ابن القيم: هذه الفرقة إنما كانت أعلى من الفرقتين المتقدمتين، لأن الحق سبحانه قد سترهم عن نفوسهم لكمال ما اطلعهم عليه وشغلهم به عنهم، فهم في أعلى الأحوال والمقامات والالتفات لهم إليها، فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه، فلن يكونوا من السوى ولا السوى منهم، بل هم مع السوى بالمجاورة والامتحان لا بالمساكنة والألفة. قلوبهم عامرة بالأسرار وأرواحهم تحن إليه حنين الطيور إلى الأوكار، قد سترهم وليهم وحبيبهم عنهم وأخذهم إليه منهم.
ثم ننتقل بعد ذلك إلى إلى السكر، منزلة السكر. طبعا هو ذكر الإامام ابن القيم أنه هذا اللفظ ليس صحيحا أنه يستعمل في مقامات العبودية، وقال في أول صفحة من المنزلة قال: وهذا المعنى لم يعبر عنه في القرآن ولا في السنة ولا العارفون من السلف بالسكر أصلا، وإنما ذلك من اصطلاح المتأخرين، وهو بئس الاصطلاح، فإن لفظ السكر والمسكر من الألفاظ المذمومة شرعا وعقلا، وعامة ما يستعمل في السكر المذموم الذي يمقته الله ورسوله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى.
ثم قال في آخر الصفحة: وأيضا فمن المعلوم أن هذه الحال، أن هذا الحال يحصل في الجنة عند رؤية الرب تعالى وسماع كلامه على أتم الوجوه ولا يسمى سكرا، ونحن لا ننكر المعنى المشار إليه بهذا الاسم، وإنما المنكر تسميته بهذا الاسم، ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك اسم الشراب، أو تسمية المعارف بالخمر، والواردات بالكؤوس، والله جل جلاله بالساقي، فهذه الاستعارات والتسمية هي التي فتحت هذا الباب.
ثم قال أخذ يذكر معاني يحصل بها السكر أو غياب العقل عن الإنسان من غير شرب الخمر، فقال في آخر صفحة مئتين وتسعة: وقد يكون سبب السكر غير تناول المسكر، إما ألم شديد يغيب به العقل حتى يكون كالسكران، وقد يكون سببه خوف عظيم هجم عليه وهلة واحدة حتى يغيب عقل من هجم عليه، ومن هذا قوله تعالى: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، وهم سكارى من الدهش والخوف وليسوا بسكارى من الشراب، فسكرهم سكر خوف ودهش لا سكر لذة وطرب.
وقد يكون سببه قوة الفرح بادراك المحبوب بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر، وربما قتله سكر هذا الفرح، ومن هذا قول سكران الفرح بوجد راحلته في المفازة بعد أن استشعر الموت: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة فرحه، وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب. فصور في نفسك حال فقير معدم عاشق للدنيا أشد العشق ظفر بكنز عظيم فاستولى عليه آمنا مطمئنا فكيف تكون سكرته؟
وقد يوجبه غضب شديد يحول بين الغضبان وبين تمييزه، بل قد يكون سكر الغضب أقوى من سكر الطرب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان. ولا يستريب من شم رائحة الفقه أن الغضب إذا وصل لصاحبه إلى هذه الحال فطلق لم يقع طلاقه. وقد نص الإامام أحمد على أن الإاغلاق الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق، أنه الغضب. وقال أبو داود: أظنه الغضب. والشافعي سمى نذر اللجاج والغضب نذر الغلق، وذلك لأن الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدة غضبه. وإذا كان الإاكراه غلقا فالغضب الشديد أولى أن يكون غلقا، وكذلك السكر غلق والجنون غلق، فالغلق والإاغلاق أيضا كلمة جامعة لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسبب من الأسباب، وقد أشبَعنا الكلام في هذا في كتابنا المسمى إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان.
ثم قال: ومن أسباب السكر حب الصور وغيرها، سواء كانت مباحة أو محرمة. طبعا ابن القيم دائما يتكلم عن الصور والصور، طبعا لا يقصد الصور يعني المرسومة، وإنما الصور لأشكال، يعني صورة الإنسان نفسه، يعني الإنسان يعني الوجوه الحسنة وما إلى ذلك. ومن أسباب السكر حب الصور وغيره، حب الصور وغيرها سواء كانت مباحة أو محرمة، فإن الحب إذا استحكم وقوي أسكر صاحبه، وهذا مشهور في أشعارهم وكلامهم، كما قال الشاعر: سكران سكر هوى وسكر مدامة ومتى أفاق من به سكران.
وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم: حبك الشيء يعمي ويصم، أي يعمي عن رؤية مساويء المحبوب ويصم عن سماع العدل واللوم فيه، وإذا تمكن واستمكن أعمى قلبه وأصمه بالكلية، وهذا أبلغ من السكر، فإذا انضم إلى سكر المحبة فرحة الوصال قوي السكر وتضاعف فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر. وأكثر ما ترى من عربدة العاشق وتخليطه هو من هذا السكر، ولكن لما ألف الناس ذلك واشتركوا فيه لم ينكروه، وإنما ينكرونه من كان خارجا عنه، فإذا أفاقوا بين الأموات علموا أنهم حينئذ كانوا في سكرتهم يعمهون.
طبعا الله سبحانه وتعالى وصف قوم لوط لما جاءوا بنية الأذى للملائكة عند لوط عليه السلام، الله سبحانه وتعالى وصفهم أنهم في سكرتهم يعمهون، مع أنهم يعني ليس المقصود والله أعلم السكر الذي بالشراب، ولكن هذا الغفلة والتعلق بالشهوات الأمور الدنيوية حتى تكون هي مدار حياة الإنسان يكون كالسكران ولو لم يغب عقله بالمعنى الحسي، ولكن إذا نظرت كما قال ابن القيم من بعيد، أو إذا نظر من ليس في هذه الحالة، ستجد أنهم كانوا أقرب ما يكون في حالة السكر، السكران لا يبصر جيدا، لا يقيس جيدا، لا يوازن جيدا، لا يرتب الأمور على الأمور بشكل جيد.
وكذلك من أسكرته الشهوات والملذات وحب الدنيا هو لا يقيس الأمور بشكل جيد، ولا يفاضل بين الدنيا القصيرة الحقيرة وبين الآخرة العظيمة الطويلة الخالدة، فلأجل ذلك يعبث ويلهث في دار مغلقة صغيرة قصيرة وكأنها هي دار الخلد، ولا يرى أعلى ولا أبعد من شهواته ولذاته القريبة، فيظل سكرانا في هذه الملذات حتى يعني كما قال ابن القيم: فإذا أفاقوا بين الأموات علموا أنهم حينئذ كانوا في سكرتهم يعمهون.
قال: ومن أقوى أسباب السكر الموجبة له سماع الأصوات المطربة، لا سيما إن كانت من صورة مستحسنة وصادفت محلا قابلا، فلا تسأل عن سكر السامع. وهذا السكر يحدث عندها من جهتين، إحداهما أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل، والثانية أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنا ما كان، فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع تخيل المحبوب وإحضاره في النفس وإبداء صورته إلى القلب واستيلائه على الفكر لذة عظيمة تقهر عقله، فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان، فتسكن الروح سكرا عجيبا أقوى وألذ من سكر الشراب، وتحصل به نشوة ألذ من نشوة أشرف.
ومن ها هنا استشهد الشيخ على السكر بقول موسى عليه السلام لما سمع كلام الرب جل جلاله: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. وقد ذكر الإامام أحمد وغيره أن الله سبحانه وتعالى يقول يوم القيامة لداوود: مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول: يا رب كيف وقد أذهبته المعصية؟ فيقول الله تعالى: أنا أرده عليك. فيقوم عند ساقي العرش فيمجد، فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة، وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم منهم إليه بلا واسطة.
وقد ذكر عبد الله بن الإامام أحمد في كتاب السنة أثرا في ذلك: كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن جل جلاله، فإذا انضاف إلى ذلك رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة، ولا قليل من كثير، فهذا صوت لا يلج كل أذن، وصيب لا تحيا به كل أرض، وعين لا يشرب منها كل وارد، وسماع لا يضرب عليه كل سامع، ومائدة لا يجلس عليها طفيلي.
ثم ننتقل إلى مئتين وسطعش عند قول الهروي: وللسكر ثلاث علامات، الضيق عن الاشتغال بالخبر والتعظيم قائم، واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم، والغرق في بحر السرور والصبر هائم. يقول ابن القيم: يريد أن المحب تشغله شدة وجده بالمحبوب وحضور قلبه معه وذوبان جوارحه من شدة حبه عن سماع الخبر عنه، وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإن المحب الصادق أحب شيء إليه الخبر عن محبوبه وذكره، كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. وقال بعض العارفين: كيف يشبعون من كلام محبوبهم وهو غاية مطلوبهم؟
يعني كما قلت لكم، هذه المنازل فيها الأمور الاصطلاحية كثيرة جدا، لذلك نحن سنتجاوز أشياء كثيرة، هناك مبحث معرفي لمن أراد أن يستفيد في منزلة المعرفة صفحة مئتين وسبعة وخمسين عن الفرق بين العلم والمعرفة، وفي منزلة المعرفة كذلك تكلم كثيرا عن الأسماء والصفات.
الأسماء والصفات، فأيضاً من أراد أن يتوسع في هذا الباب يقرأ في منزلة المعرفة. أنتقل إلى منزلة الفناء، منزلة الفناء صفحة ثلاث مئة وعشرة في الكتاب في المجلد الرابع، فعندنا موضع أساسي سنقرأه في منزلة الفناء، لكن قبل ذلك، قبل هذا الموضع الأساسي سأقرأ بعض الأمور اليسيرة، ثم ننتقل إلى الموضع الأساسي الذي سنقرأ فيه صفحة ثلاث مئة وستة وعشرين.
لكن قبل ذلك، آآ قال الهروي رحمه الله، فصل، قال صاحب، قال ابن القيم، فصل، قال صاحب المنازل، باب الفناء، قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. الفناء المذكور في الآية ليس هو الفناء الذي تشير إليه الطائفة.
فإن الفناء في الآية الهلاك والعدم، أخبر سبحانه أن كل من على الأرض يعدم ويموت، ويبقى وجهه سبحانه، وهذا مثل قوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ، مثل قوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ.
آه، وأما الفناء الذي تترجم عنه الطائفة فأمر غير هذا، ولكن وجد الإشارة بالآية أن الفناء المشار إليه هو ذهاب القلب وخروجه عن هذا العالم وتعلقه بالعلي الكبير الذي له البقاء فلا يدركه الفناء.
والفناء الذي يترجم عليه هو غاية التعلق ونهايته، فانه انقطاع عما سوى الرب تعالى من كل وجه، انقطاع عما سوى الرب سبحانه وتعالى من كل وجه، ولذلك قال الفناء في هذا البلا، في هذا الباب، اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا.
طيب، احنا أيضاً مر معنا سابقاً الكلام عن الفناء والدرجات الثلاثة بالفناء، آه، فما يحتاج آه نعيدها، آه هو في صفحة ثلاث مئة وأربعة وعشرين قال: أول شيء لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة والتابعين مدح لفظ الفناء ولا ذمه.
ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشار إليه البتة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون ولا جعلوه غاية ولا مقاما. وقد كان القوم أحق بكل كمال وأسبق إلى كل غاية محمودة، ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقاً ولا نقبله مطلقاً. ولابد فيه من التفصيل، وبيان صحيحه من معلوله ووسيلته من غايته.
فنقول بالله التوفيق وهو الفتاح العليم. هذه الأسطر السبعة أو الستة على اختصارها ولكنها قضية منهجية في غاية الأهمية والخطورة، ألا وهي الموقف الصحيح من المصطلحات الحادثة المتعلقة بأمور شرعية.
مصطلح الفناء، يقول لك: لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة ولا التابعين ولا حتى عند مشايخ الطريق المتقدمين، عند المشايخ الصوفية المتأخرين صار هذا اللفظ هو من الألفاظ الأساسية والكبرى وغاية المطلوب.
فيقول لك: إيش الموقف من هذا اللفظ؟ هل ننكر هذا اللفظ لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، أو نقبله؟ هو يقول لك: لا نقبله ولا نرده، لا نقبله بإطلاق ولا نرده بإطلاق.
وإنما نفصل، وإنما نفصل، وهذه الطريقة هي الطريقة التي آآ يعني هي الطريقة المنهجية في التعامل مع المصطلحات، المصطلح إن كان يحمل معاني حق فلا نرده مطلقاً، وأيضاً إذا كان يحمل معاني باطلة فلا نقبله مطلقاً.
فالمنهجية في التعامل مع المصطلحات الحادثة هي دائماً التفصيل، فيقال: إن أردت بالفناء مثلاً هذا المقام وهذا المقام فنعم، وأردت به هذا فلا، وقل مثل ذلك في أي مصطلحات موجودة اليوم ومتداولة في التعبير عن بعض القضايا التي لها ارتباط شرعي، لا نقبلها.
آه مطلقاً ولا نردها مطلقاً، وهذا له أمثلة وشواهد كثيرة على أي حال. الموضع الذي نريد قراءته في ثلاث مئة وستة وعشرين قال رحمه الله تعالى: اعلم أن القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة وتعلق بالآخرة.
والاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم على الله عز وجل، فذلك أول فتوحه، فذلك أول فتوحه وتباشير فجره، هذا يشبه آه منزلة أو الكلام في الشواهد الذي كان قبل يومين.
أنه أول شاهد يقوم بقلب العبد ليحيي به القلب أو ليحيا به القلب، هو أن يرى حقيقة الدنيا ثم يزهد فيها، فهنا يقول لك: أول الفتوح التي يمكن أن أن تأتي على الإنسان وأول تباشير الفجر.
هو أن يخلو قلبه من الاهتمام بالدنيا أو أو التعلق فيها، قال: فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه فيفعله ويتقرب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه.
وهذا عنوان صدق إرادته، فإن كل من أيقن بلقاء الله وأنه سائله عن كلمتين يسأل عنها الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ لابد أن ينتبه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه.
فإذا تمكن في ذلك فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيء أشوق إليه من ذلك، فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته وتسد عليه الأبواب التي تفرق همه وتشتت قلبه.
فيأنس بها ويستوحش من الخلق، ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات، بحيث أنه إذا دخل في الصلاة.
ود ألا يخرج منها، ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه، وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أعطي ما هو شديد المحبة له.
ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم المتكلم به وجلاله وكمال نعوته وصفاته وحكمته ومعاني خطابه، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ويحس بقلبه وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه.
ثم يفتح له باب الحياء من الله، وهو أول شواهد المعرفة، وهو نور يقع في القلب يريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه عز وجل فيستحيي منه في خلواته وجلواته، ويرزق عند ذلك دوام المراقبة للرقيب ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى كأنه يراه.
شاهده فوق سماواته مستوياً على عرشه ناظراً إلى خلقه سامعاً لأصواتهم مشاهدَ لبواطنهم، فإذا استولى عليه هذه هذا الشاهد غطى عليه كثيراً من من الهموم بالدنيا وما فيها، فهو في وجود والناس في وجود آخر. هو في وجود بين يدي ربه ووليه ناظر إليه بقلبه، والناس في حجاب عالم الشهادة في الدنيا، فهو يرى.
وهم لا يرونه ولا يرون منه إلا ما يناسب عالمهم ووجودهم، ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده فيشهد فيشهده مالك الضر والنفع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فيتخذه.
وحده وكيلاً ويرضى به رباً ومدبراً وكافياً، وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه وصفات كماله ونعوت جلاله، فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه، بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله.
اسمع آه شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه، بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه، فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء. فإذا استمر له ذلك فتح عليه باب القبض والبسط فيقبض عليه أو فيقبض عليه حتى يجد ألم القبض لقوة.
لوالده، ثم يقبض وعاءه بأنوار الوجود فيفنى عن وجوده وينمحي كما ينمحي نور الشمس وكما يمحو نور الشمس نور الكوكب، يطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلا الله الواحد القهار. وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصدق والإخلاص والمحبة من قلبه كما.
بلوغ الشمس عن جرمها فيغرق حينئذ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر، وذلك إنما يكون في الرياضة والمجاهدة وزوال أحكام الطبيعة وطول الوقوف على الباب، وهذا هو من علم اليقين لا من عين اليقين ولا من حق اليقين، إذ لا سبيل إليهما في هذه الدار.
فإن عين اليقين مشاهدة وحق اليقين مباشرة، نعم قد يكون حق اليقين في هذه الدنيا بالنسبة للوجود الذهني وما يقوم القلوب فقط ليس إلا كما تقدم تقريرهم مراراً ونحن لا تأخذنا في ذلك لومة لائم وهم لا تأخذهم في كون ذلك العيان في العيان لومة لائم وهم عندنا صادقون.
عليهم ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليهم، فإن استمر على حاله واقفا بباب مولاه لا يلتفت عنه يميناً ولا شمالاً ولا يجيب غير من يدعوه إليه، ويعلم أن الأمر وراء ذلك وانه لم.
يصل بعده، ومتى وهم أنه قد وصل انقطع وانقطع عنه المزيد، رجي أن يفتح أن يفتح له فتح آخر، رجي أن يفتح له فتح آخر وهو فوق ما كان فيه.
مستغرقاً قلبه في أنوار مشاهدة الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحق ومحو وجوده هو، ولا يتوهم أن وجود صفاته وذاته تبطل، بل الذي يبطل هو وجوده النفساني الطبعي، ويبقى له وجود قلبي روحاني ملكي.
فيبقى قلبه سابحاً في بحر من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كما ينبع الماء من العين حتى يجد الملكوت الأعلى كأنه في باطنه وقلبه، ويجد قلبه عالياً على ذلك كله صاعداً إلى من ليس فوقه شيء. ثم يرقيه الله سبحانه فيشهده أنوار الإكرام بعدما شهد أنوار.
الجلال فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال، وفي هذا المشهد يذوق المحبة الخاصة الملهبة للأرواح والقلوب فيبقى القلب مأسوراً في بيد حبيبه ووليه ممتحناً بحبه، وإن شئت أن تفهم ذلك تقريباً فانظر إليك وإلى غيرك وقد امتحنت بصورة بديعة الجمال.
وباطناً فملكت عليك قلبك وفكرك وليلك ونهارك فيحصل لك نار من المحبة فتضرم في أحشائك يعز معها الاصطبار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فيا له من قلب ممتحن مغمور.
مستغرق بما ظهر له من أشعة أنوار الجمال الأحدي والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصور والرئاسة معذبون بذلك قبل أصوله وحال حصوله وبعد حصوله، وأعلاهم رتبة من يكون مفتوناً بالحور العين أو عاملاً على تمتعه في الجنة بالأكل والشرب واللباس والنكاح. وهذا المحب قد ترقى في درجات المحبة على أهل المقامات.
ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه ومعيته معه، فإن المرء مع من أحب ولكل عمل جزاء، وجزاء المحبة.
المحبة والوصول والاصطناع والقرب، فهذا هو الذي يصلح وكفى بذلك شرفاً وفخراً في عاجل الدنيا، فما ظنك بمقاماتهم العالية عند مليك مقتدر، فكيف إذا رأيتهم في موقف القيامة وقد أسمعهم المنادي لينطلق كل قوم مع ما كانوا يعبدون.
يبقون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم حتى يأتيهم فينظرون إليه ويتجلى لهم ضاحكاً، والمقصود أن أن هذا العبد لا يزال الله يرقيه طبقاً بعد طبق ومنزلاً بعد منزل إلى أن يوصله إليه ويمكن له بين يديه أو يموت في الطريق.
فيقع أجره على الله، فالسعيد كل السعيد والموفق كل الموفق من لم يلتفت عن ربه تبارك وتعالى يميناً ولا شمالاً ولا اتخذ سواه رباً ولا وكيلاً لا حبيباً ولا مدبراً ولا حكماً ولا ناصراً ولا رازقاً.
وجميع ما تقدم من مراتب الوصول إنما هي شواهد وأمثلة إذا تجلت له الحقائق وفي الغيب بحسب استعداده ولطفه ورقته من حيث لا يراها ظهر من تجليها شاهد في قلبه، وذلك الشاهد دال عليها ليس هو عينها.
فإن نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج، فإن ذلك لا تقوم له السماوات والأرض، ولو ظهر للوجود لتدكتك، لكنه شاهد دال على ذلك، كما أن.
المثل الأعلى شاهد دال على الذات والحق وراء ذلك كله منزه عن حلول واتحاد وممازجة لخلقه، وإنما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف تدل على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث يراها. وإذا فني فإنما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه، وإذا بقي فإنما يبقى.
اله هو ووصفه لا ببقاء ربه وصفاته ولا يبقى بالله إلا الله، ومع ذلك فالوصول حق يجد الواصل آثار تجلي الصفات في قلبه وآثار تجلي الحق في قلبه، ويوقف القلب فوق الاكوان كلها بين يدي الرب تبارك وتعالى وهو على عرشه. ومن هنا ومن هنا يكاشف بآثار.
الجلال والإكرام فيجد العرش والكرسي تحت مشهد قلبه حكماً وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقة العرش والكرسي، بل شاهد ومثال علمي يدل على قرب قلبه من ربه وقرب ربه من قلبه، وبين الذوقين تفاوت.
فإذا قرب الرب تعالى من قلب عبده بقيت الأكوان كلها تحت مشهد قلبه، وحينئذ يطلع في أفقه شمس التوحيد فينقشف تشع بها ضباب وجوده محل ويتلاشى، وذاته وحقيقته موجودة بائنة عن ربه وربه بائن عنه، فحينئذ يغيب العبد عن نفسه ويفنى.
وفي الحقيقة هو باق غير فانٍ ولكنه ليس في سره غير الله فقد فني فيه عن كل ما سواه، آه إلى آخره الكلام، ونكتشف بهذا القدر، وصل اللهم على نبينا محمد.
وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد