بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. استعينوا بالله تعالى ونبتدأ المجلس الخامس والعشرين من مجالس القراءة المقاصدية مع التعليق الذي على كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. ونحن، كما ذكرت البارحة، نقترب من النهاية، ربما بقي غير هذا المجلس، ربما بقي مجلس واحد أو مجلس هام فقط. نبدأ اليوم في منزلة البقاء في صفحة ثلاثمأة وأربعة وثلاثين من المجلد الرابع طبعة طيبة. نفس الملاحظة التي ذكرتها في بداية درس أمس هي أيضاً موجودة اليوم.
طيب، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل، قال الشيخ: باب البقاء. قال الله عز وجل: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. البقاء الذي يشير إليه القوم هو صفة العبد ومقامه، والبقاء في الآية هو بقاء الرب ودوام وجوده، وإنما ذكره مؤمن السحرة في هذا المكان لأن عدو الله فرعون توعدهم على الإيمان باتلاف حياتهم وإفناء ذواتهم، فقالوا له: وإن فعلت ذلك فالذي آمنا به وانتقلنا من عبوديتك إلى عبوديته، ومن طلب رضاك والمنزلة عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده، خير منك وأدوم، وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ، وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا تنقطع ولا تبيد. فكيف نؤثر المنقطع الفاني الأدنى على الباقي المستمر الأعلى؟
ولكن وجه الإشارة بالآية أن الوسائل والتعلقات والمحبة والإرادة تابعة لغاياتها ومحبوبها ومرادها، فمن كانت غاية محبته وإرادته منقطعة، انقطع تعلقه عند انقطاعها، وذهب عمله وسعيه واضمحل. ومن كان مطلوبه وغايته باقياً دائماً لا زوال له ولا فناء ولا يضمحل ولا يتلاشى، دام تعلقه ونعيمه به بدوامه، فالوسائل تابعة للغايات، والتعلقات تابعة لمتعلقاتها، والمحبة تابعة للمحبوب. فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحل ويفنى كالمحبوب الذي كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
فالمحب باق ببقاء محبوبه، يشرف بشرفه، ويعظم خطره بحسب محبوبه، ويستغني بغناه، ويقوى بقوته، ويعز بعزه، ويعظم شأنه في النفوس بخدمته وإرادته ومحبته. تالله لولا حجاب الغفلة والعوائد والهوى والمخالفات، لذاق القلب أعظم الألم بتعلقه بغير الحبيب الأول، ولذاق أعظم اللذة والسرور بتعلقه به، فالله المستعان.
ننتقل إلى منزلة التحقيق. استدل الهروي على هذه المنزلة بقوله بالآية: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن ليَطْمَئِنَّ قَلْبِي. قال الإمام ابن القيم: وجه تعلقه بإشارة الآية أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم طلب الانتقال من الإيمان بالعلم بإحياء الله الموتى إلى رؤية تحقيقه عياناً، فطلب بعد حصول العلم الذهني تحقيق الوجود الخارجي، فإن ذلك أبلغ في طمأنينة القلب.
ولما كانت بين العلم والعيان منزلة أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى. وإبراهيم لم يشك صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشك، ولكن أوقع اسم الشك على المرتبة العلمية باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مرتبة العيان في الخارج.
طبعا، هذا الحديث من الأحاديث التي تعتبر من الأحاديث المشكلة عند كثير من أهل العلم، واختلفت أقوالهم وآراؤهم في تفسيرها. ما معنى أنه حديث صحيح: نحن أحق بالشك من إبراهيم؟ فبعضهم قال: نحن أحق بالشك، إبراهيم لو شك ولكنه لم يشك، وبالتالي نحن أيضاً لم نشك، والى آخره من التفسيرات. هنا هذا الكلام من الإمام ابن القيم كلام عالي جداً في تحقيق القول في الحديث.
هو يقول، ماذا يقول؟ إن العلم نفسه واليقين درجات؛ هناك يقين مبني على الخبر، وهناك يقين مبني على المشاهدة، وهناك يقين مبني على المباشرة. يعني مثل أن يخبرك ثقة صادق بوجود عسل، وأنت تصدق به يقيناً، فلو قلنا ماذا نسمي هذا التصديق بوجود العسل؟ لقلنا: هذا تصديق يقيني جميل، ولكنه علم اليقين. فإذا رأى العسل وشاهده، انتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، فانتقل الذي كان مؤمناً به من جهة الخبر إلى أنه زاد على ذلك أن رآه، فإذا ذاق العسل انتقل إلى مرتبة حق اليقين.
فابن القيم يقول: لما كان بين التصديق وبين رؤية ما صدق به، لما كان بينهما تفاوت من حيث منزلة اليقين، سمى المنزلة الأدنى شكاً وإن لم تكن شكاً بحد ذاتها، ولكن باعتبار نزولها عما هي أعلى منه سماها شكاً. يقول: ولكن أوقع اسم الشك على المرتبة العلمية باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مرتبة العيان في الخارج، وباعتبار هذه المرتبة سمى العلم اليقيني قبل مشاهدة معلومه ظناً.
تعلمون أنه في القرآن جاء وصف الظن، أو إذا جاء ذكر الظن على أكثر من وجه، جاء ذكره على وجه الظن الشكي الذي لا دليل عليه ولا يعني مستند له، وجاء الظن في القرآن على اليقين. ولكن لماذا سمي ظناً؟ ابن القيم هنا يقول: لأنه دون منزلة رؤية هذا اليقين الذي أوقنوا به.
طيب، يقول هنا: أتى بالآيات، قال تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، يظنون؛ أي يوقنون. قال: وقال تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وهذا الظن علم جازم، كما قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُلَاقُوهُ. لكن بين الخبر والعيان فرق، وفي المسند مرفوعاً: ليس الخبر كالعيان.
ولهذا، لما أخبر الله موسى أنه قد فتن قومه وأن السامري أضلهم، لم يحصل له من الغضب والكيفية والقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك. طبعا، هذي القصة، قصة موسى عليه السلام، هي التي ورد فيها الحديث أصلاً، هي التي ورد فيها حديث: ليس الخبر كالمعاينة. إن الله سبحانه وتعالى أخبر موسى بأنه: أنا فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري. رجع موسى إلى قومه غضبان آسفاً، لكن متى ألقى الألواح وأخذ يعني حصلت له الحالة الانفعالية الشديدة؟ لما رأى بعينه ما حصل.
طيب، هو كان مصدقاً أم لم يكن مصدقاً؟ كان مصدقاً يقيناً، ألم يكن يقيناً؟ يقيناً، ولكن ليس الخبر كالمعاينة. طيب، هذا موضع لمن يعرف المسألة، هذا موضع جليل جداً، والتحقيق هذا تحقيق ممتاز للغاية، من أفضل ما قيل في تفسير الحديث هذا الكلام من الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو تحقيق عالي جداً.
طيب، ثم قال بعد صفحة واحدة تقريبا: إذا عرف هذا، فمصحوب العبد من الحق هو معرفته ومحبته وإرادة وجهه الكريم، وما يستعين به على الوصول اليه، وما هو محتاج اليه في سلوكه. في التحقيق هو تخليصه من المفسدات القاطعة عنه، الحائلة بين القلب وبين الموصل إليه، وتحصينه من المخالطة، وتحصينه من المخالطات، وتخليصه من المشوشات، فان تلك قواطع له عن مصحوبه الحق، وهي نوعان لا ثالث لهما: عوارض محبوبة، وعوارض مكروهة.
الان ايش الاشياء التي تقطع الإنسان وتصرف وجهه عن الاعتقاد الحق؟ ايش هي هذه الاشياء؟ يقول لك: نوعان من العوارض: عوارض محبوبة وعوارض مكروهة. العوارض المحبوبة مثل ايش؟ مثل ما يتعلق به الإنسان من مرادات. والعوارض المكروهة مثل الابتلاءات التي تمر به من الفقدان والأمراض والأسقام وما إلى ذلك.
نقل الكلام الجميل عن ابن تيمية سيأتينا بعد قليل في قضية العوارض المكروهة يقول: فصاحب مقام التحقيق لا يقف مع العوارض المحبوبة، فإنها تقطعه عن مصحوبه ومحبوبه، ولا مع العوارض المكروهة، فإنها قواطع أيضاً، ويتغافل عنها ما أمكنه، فإنها تمر بالمكاثرة والتغافل مرّاً سريعاً. هذا كلام جميل جداً في التعامل مع الهموم.
يقول: لا تقف مع العوارض المكروهة، تغافل عنها، تمر بالمكاثرة. المكاثرة ايش هي؟ المكاثرة اللي هي يعني عادة تطلق على مثلا أو عادة ما يستعملها الفقهاء في مسألة الماء، أنه إذا مثلا وقعت نجاسة على الأرض مثلا، في تراب أو في بلاط، فإذا كوثرت بالماء؛ يعني صب عليها الماء الطاهر كثيراً. وقعت المكاثرة فزالت النجاسة، أو أو في إناء وقعت نجاسة، فتصب، يصب الماء، يصب الماء في الإناء حتى يكثر، يكثر ويفيض، فبالمكاثرة هذه تغلب.
فهو يقول لك هنا: الهموم تمر بالمكاثرة، يعني إذا زاحمتها بأشياء أخرى من الأمور، سواء البيئة الإيمانية أو حتى من الأمور التعلل ببعض الأمور المسعدة، هذه المكاثرة، وبالتغافل أيضاً تمر مرّاً سريعاً، لا يوسع دوائرها، وإنما فإنه كلما وسعها اتسعت ووجدت مجالاً فسيحاً فصارت فيه وجالت، ولو ضيقها بالإعراض عنها والتغافل لاضمحلت وتلاشت.
فصاحب مقام التحقيق ينساها ويطمس آثارها، ويعلم أنها جاءت بحكم المقادير في دار المحن والآفات. قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مرة: العوارض والمحن هي كالحر والبرد، فإذا علم العبد أنه لا بد منهما، لم يغضب لورودهما ولم يغتم لذلك ولم يحزن. فإذا صبر العبد على هذه العوارض ولم ينقطع بها، رجي له أن يصل إلى مقام التحقيق، فيبقى مع مصحوبه الحق وحده، فتهذب نفسه وتطمئن مع الله، وتنفطم عن عوائد السوء، حتى تغمر محبة الله قلبه وروحه، وتعود جوارحه متابعة للأوامر، فيحس قلبه حينئذ بأن معية الله معه وتوليه له، فيبقى في حركاته وسكناته بالله لا بنفسه.
وترد على قلبه التعريفات الإلهية، وذلك إنما يكون في منزلة البقاء بعد الفناء والظفر بالمحبة الخاصة، ويشهد الإلهية والقيومية والفردانية، فإن على هذه المشاهد الثلاثة مدار المعرفة والوصول. والمقصود أن صاحب مقام التحقيق يعرف الحق ويميز بينه وبين الباطل، فيمسك بالحق ويلغي الباطل، فهذه مرتبة، ثم يتبين له أن ذلك ليس به بل بالله وحده، مر حينئذ من حوله وقوته.
طيب، ثم انتقل المؤلف الهروي رحمه الله إلى منزلة التلبيس، والامام ابن القيم تعقب عليه بتسمية هذه المنزلة منزلة تلبيس. طبعا هو ايش يقصد بالتلبيس؟ هو يقصد أنه الله سبحانه وتعالى لما جعل الحر والبرد والنار والأمراض والأسباب، الأسباب بشكل عام أيا كانت، يقول: هذه أشياء أشبه ما تكون بالفتنة للإنسان. فإذا شاهد الأسباب، فإن هذا يكون تلبيساً عليه، والمطلوب أنه هو لا يشاهد ولا شيئاً من الأسباب، يفنى عن الأسباب، ويتعلق بالمسبب الواحد، ويرى أن كل شيء بسببه هو سبحانه وتعالى، فالنار لا تحرق بنفسها، وإنما تحرق بإرادة الله أن تحرق وما إلى ذلك.
طبعا هذا الكلام فيه إشكال من حيث تفريغ الأسباب عن قواها التي أودعها الله فيها، وهذه مبالغة، طبعا والامام ابن القيم اعترض على أمرين؛ اعترض على المعنى وعلى اللفظ، فاعترض على اللفظ من جهة التلبيس، واعترض على المعنى من جهة الأسباب، أنه ليس صحيحاً أن تحقيق التوحيد هو في تغييب قضية الأسباب. سنقرأ كلامه في قضية، بس أول شي نشوف شي من كلامه عن كلام ابن القيم في الأدب مع شيخه الهروي.
ليس شيخوخة بالمباشرة، وإنما أقصد شيخه؛ يعني الشيخ الهروي، يعني أدبه مع أنه أخطأ في هذه المسألة، كما قال ابن القيم، خطأ كبيراً، يعني في صفحة ثلاث مأة واثنين وخمسين، يعني بعد البداية بثلاث صفحات تقريبا، قال: شيخ الإسلام حبيبنا. شيخ الإسلام، طبعا يقصد الهروي هنا: شيخ الإسلام حبيبنا، ولكن الحق أحب إلينا، ولكن الحق أحب إلينا منه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: عمله خير من علمه. يعني عمل الهروي خير من علمه.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: عمله خير من علمه، وصدق رحمه الله، فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله. وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
وقد أخطأ في هذا الباب لفظاً ومعنى؛ لفظاً ومعنى. لفظاً اللي هي في التلبيس، والمعنى في قضية الأسباب. أما اللفظ، فتسميته فعل الله الذي هو حق وصواب وحكمة ورحمة، وحكمه الذي هو عدل وإحسان، وأمره الذي هو دينه وشرعه، تلبيساً؛ ومعاذ الله، ثم معاذ الله، من هذه التلبيسة، من هذه التسمية، ومعاذ الله من الرضا بها والإقرار عليها والذب عنها والانتصار لها. ونحن نشهد بالله أن هذا تلبيس على شيخ الإسلام الهروي يقصد، فالتلبيس وقع عليه، ولا نقول وقع منه، ولكنه صادق لبس عليه.
ولعل متعصباً له يقول: أنتم لا تفهمون كلامه، فنحن نبين مراده على وجهه إن شاء الله، ثم نتبع ذلك بما له وعليه. فبدأ يفسر كلام الهروي حتى يقول للمنتقد: لا، ترى أنا فاهم كلامه بالضبط ايش هو، وأيضاً حتى بعد فهمي له، كلامه غير صحيح.
طبعا الكلام أغلبه في قضية الأسباب، سأقرأ آخر شيء تعقيب ابن القيم على ضرورة وجود الأسباب، وإلا كما قلت هو ناقش شرح كلامه طويلاً في شرح كلامهم بشكل عام، في ضرورة عدم مشاهدة الأسباب.
طيب، نروح لصفحة ثلاث مأة وثلاثة وسبعين، ثلاث مأة وثلاثة وسبعين يقول: فصل، قد عرفت أن هذا الباب مبناه على محو الأسباب وعدم الالتفات إليها والوقوف معها، ولهذا سمى المصنف نصبها تلبيساً. ونحن نقول إن الدين هو إثبات الأسباب والوقوف معها والنظر إليها والالتفات إليها، وأنه لا دين إلا بذلك، كما لا حقيقة إلا به؛ فالحقيقة والشريعة مبناهما على إثباتهما، على إثباتها لا على محوها، ولا ننكر الوقوف معها، فإن الوقوف معها؛ أي مع الأسباب، فرض على كل مسلم، لا يتم إسلامه وإيمانه إلا بذلك، والله تعالى أمرنا بالوقوف معها، بمعنى أننا نثبت الحكم إذا وجدت، وننفيه إذا عدمت، ونستدل بها على حكمه الكوني.
وقوفنا معها بهذا الاعتبار هو مقتضى الحقيقة والشريعة. وهل يمكن حيواناً أن يعيشوا في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع الأسباب، فينتجع مساقط غيثها ومواقع قطرها، ويرعى في خصبها دون جدبها، ويسالمها ولا يحاربها؟ فكيف وتنفسه في الهواء بها، وتحركه بها، وسمعه وبصره بها، وغذاؤه بها، ودواؤه بها، وهداؤه بها، وسعادته بها، وضلاله وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها؟
فأسعد الناس في الدارين أقومهم بالأسباب الموصلة إلى مصالحها أو مصالحهما، وأشقاهم في الدارين أشدهم تعطيلاً لأسبابهما؛ فالأسباب محل الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والنجاح والخسران. وبالأسباب عرف الله، وبها عبد الله، وبها أطيع الله، وبها تقرب إليه المتقربون، وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته، وبها نصر حزبه ودينه وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها انقسم الناس إلى سعيد وشقي ومهتد وغوي.
فالوقوف معها والالتفات إليها والنظر إليها هو الواجب شرعاً كما هو الواقع قدراً. ولا تكن ممن غلظ حجابه وكثر طبعه فيقول: لا نقف معها. وقوفها من يعتقد أنها مستقلة بالإحداث والتأثير وأنها أرباب من دون الله. يعني كأنه يقول: إنه لا تجعل القضية إما أو، مغالطة إما أو، يعني إما أني أنا ألغي الأسباب كلها، أو أني إذا اخذت الأسباب فمعناه أني أنا سأرى أنها هي المستقلة بالإحداث والتأثير وأنها أرباب من دون الله. لا، هناك مقام بين ذلك.
فإن وجدت أحدا يزعم ذلك ويظن أنها أرباب وآلهة مع الله مستقلة بالإيجاد، أو أنها عون لله يحتاج في فعله إليها، أو أنها شركاء له، فشأنك به فمزق أديمه وتقرب إلى الله بعداوته ما استطعت. وإلا فما هذا النفي لما أثبته الله، والإلغاء لما اعتبره هو، الإهدار لما حققه هو الحق، والوضع لما نصبه، والمحو لما كتبه، والعزل لما ولاه؟
فإن زعمت أنك تعزلها عن الرتبة الإلهية، فسبحان الله من ولاها هذه الرتبة حتى تجعل سعيك في عزلها عنها؟ ويا لله ما أجهل كثيرا من أهل الكلام والتصوف، حيث لم يكن عندهم تحقيق التوحيد إلا بالغائها ومحوها واهدارها بالكلية، وانه لم يجعل الله في المخلوقات قوى ولا طبائع ولا غرائز لها تأثير موجبة ما، ولا في النار حرارة ولا إحراق، ولا في الدواء قوة مذهبة للداء، ولا في الخبز قوة مشبعة، ولا في الماء قوة مروية، ولا في العين قوة باصرة، ولا في الأنف قوة سامة ولا في السم قاتلة، ولا في الحديث قوة قاطعة، وأن الله لم يفعل شيئا بشيء ولا فعل شيئا لأجل شيء.
فهذا غاية توحيدهم الذي يحومون حوله ويبالغون في تقريره، فلعمري لقد أضحك عليهم العقلاء وأشمت بهم الأعداء، ونهجوا لأعداء الرسل طريق إساءة الظن بهم، وجنوا عن الإسلام والقرآن أعظم جناية. وقالوا: نحن أنصار الله ورسوله الموكلون بكسر أعداء الإسلام وأعداء الرسل. ولعمري لقد كسروا الدين وسلطوا عليه المبطلين. وقد قيل: إياك ومصاحبة الجاهل فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.
فقف مع الأسباب حيث أمرت بالوقوف معها، وفارقها حيث أمرت بمفارقتها. كما فارقها الخليل وهو في تلك السفرة من المنجنيق، حيث عرض له جبريل أقوى الأسباب فقال له: أما إليك فلا. ودر معها حيث دارت ناظراً إلى من أزمتها بيديه، والتفت إليه التفات العبد المأمور إلى تنفيذ ما أمر به والتحديق نحوه ورعها حق رعايتها، ولا تغيب عنها ولا عنها، بل انظر إليها وهي في رتبتها التي أنزلها الله إياها.
واعلم أن غيبتك بمسببها عنها نقص في عبوديتك، بل الكمال أن تشهد المعبود وتشهد قيامك بعبوديته، وتشهد أن قيامك به لا بك، ومنه لا منك، وبحوله وقوته لا بحولك وقوتك. ومتى خرجت عن ذلك وقعت في انحرافين لابد لك من أحدهما: إما أن تغيب بها عن المقصود لذاته لضعف نظرك أو غفلتك وقصور علمك ومعرفتك، وإما أن تغيب بالمقصود عنها بحيث لا تلتفت إليها. والكمال أن يسلمك الله من الانحرافين، فتبقى عبداً ملاحظاً ناظراً إلى المعبود. والله المستعان وعليه التوكل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا من الكلام الجميل والتحقيق العلمي المتوازن في باب زلّت فيه أقدام طائفتين؛ طائفة تلغي الأسباب وترى أن تحقيق التوحيد عدم الالتفات إليها، وطائفة تتعلق بالأسباب تعلقا شديداً وكبيراً وتنسى المسبب سبحانه وتعالى.
حسناً، بعد ذلك ننتقل إلى صفحة ثلاثمئة وثمانية وتسعين في منزلة التفريج. هنا مسألة عارضة يتكلم عن مسألة الافتخار بالعمل، وأيضاً هي مسألة فيها توازن، من هنا ذكره عادة يعني مر معنا الحديث عن إخفاء العمل وما إلى ذلك. حتى إنه قبل ذلك لا أري اين بالضبط، لكنه في هذه المنازل التي في اليوم ذكر عن بعض السلف أنهم يعني حتى إذا أخذه البكاء كان يحاول أن يوري يعني يشعر به. لكن هنا أيضا ذكر قضية في الموازنة.
فقال: ذكر أيضاً في هذه الدرجة ثلاثة أمور؛ الافتخار والسلوك والقبض. فالافتخار نوعان؛ مذموم ومحمود. فالمذموم إظهار مرتبته على أبناء جنسه ترفعاً عليهم، وهذا غير مراد. والمحمود إظهار الأحوال السنية والمقامات الشريفة بوحاً بها، أي تصريح وإعلان، لا على وجه الفخر بل على وجه تعظيم النعمة والفرح بها وذكرها ونشرها والتحدث بها والترغيب فيها وغير ذلك من المقاصد في إظهارها.
كما قال النبي: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر. وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنا أول من رمى بسهم في سبيل الله. وقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد أتى علي كذا وكذا واني ثالث لثالث الإسلام. وقال علي رضي الله عنه: إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. وقال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث. وقال علي رضي الله عنه أشار إلى صدره: أن ها هنا علماً جماً لو اصبت له حملة. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: اخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وإن زيداً ليلعب مع الغلمان. وقال أيضاً: ما من كتاب الله آية إلا وأنا أعلم أين نزلت وماذا أريد بها، ولو أعلم أن أحداً بكتاب الله أعلم كتاب الله مني تبلغه الإبل لرحلت إليهم.
هذه الآثار طبعا هو أجمل، لم يذكر فقهها على وجه التفصيل، وهي تحتاج إلى فقه أيضاً؛ لأنه بعضها أصلا لها مناسبات يعني أحياناً يتهم الشخص فيدافع عن نفسه، أحياناً إلى آخره من الحالات.
ثم قال: وقال بعض الصحابة: لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من أن أحدث نفسي في الصلاة بغير ما أنا فيه. وهذا أكثر من أن يذكر. والصادق تختلف عليه الأحوال، فتارة يبوح بما أولاه ربه ومنّ به عليه لا يطيق كتمان ذلك، وتارة يخفيه ويكتمه لا يطيق إظهاره. فتارة يقبض وتارة يبسط وينشط وينشط، وتارة يجد لساناً قائلًا لا يسكت، وتارة لا يقدر أن ينطق بكلمة، وتارة تجده ضاحكاً مسروراً، وتارة باكياً حزيناً، وتارة يجد جمعية لا سبيل للتفرقة عليها، وتارة تفرقة لا جمعية معها، وتارة يقول واطرباه، وأخرى يقول واحرباه. بخلاف من هو بخلاف من هو على لون واحد لا يوجد على غيره، فهذا لون والصادق لون.
نذهب إلى آخر موضع في قراءة اليوم في منزلة الجمع. الإامم ابن القيم أيضاً كما ذكرت في منزلة التلبيس، في ميزان التلبيس اعترض على الإمام الهروي من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، وهنا في منزلة الجمع اعترض على بعض الأمور ومن ذلك أنه اعترض على قوله في الصفحة أربع مئة وخمسطعش اعترض على قوله، على قول الهروي: والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد. فالإمام ابن القيم هنا يعترض عليه فيقول: وجه ذلك أن السالك ما دام في سلوكه، طبعا أول شيء يشرح المعنى، يشرح مراد الهروي بعدين يتعلق يعلق.
عفواً، قال: إن السالك ما دام في سلوكه فهو في تفرقة الاستدلال وطلب الشواهد، فاذا وصل إلى مقام المعرفة وصار همه هما واحداً لله وفي الله وبالله، ينزل في منزلة الجمع ويشمر لركوب بحر التوحيد الذي يتلاشى فيه كل ما سوى الواحد. فالجمع عنده نهاية سفر السالكين إلى الله.
وهذا موضع غير مسلم له على إطلاقه، وإنما غاية مقام السالكين التوبة التي هي بدايات منازلهم. يعني هو يقول: إنه التوبة تعرف احنا من أوائل المنازل اللي مرت بنا في المجلد الأول التوبة. آآ فالمهم ابن القيم يقول: أرأيتم تلك المنزلة التوبة اللي كانت اللي هي بدايات منازلهم؟ يقول: ترى هذي هي النهايات! توب يقول: ولعل سمعك ينفر من هذا غاية النفور وتقول: هذا كلام من لم يعرف شيئا من طريق القوم ولا نزل في منازل الطريق.
ولا عمر الله إن كثيرا من الناس ليوافقك على هذا ويقول: أين كنا وأين صرنا؟ نحن قد قطعنا منزلة التوبة وبيننا وبينها مئة مقام، فنرجع من مئة مقام إليها ونجعلها غاية مقام السالكين؟! اسمع الآن وعد ولا تعجل بالانكار ولا تبادر بالرد، وافتح ذهنك لمعرفة نفسك وحقوق ربك وما ينبغي له منك وما له منك وما له من الحق عليك. ثم انسب أعمالك واحوالك وتلك المنازل التي نزلتها والمقامات التي قمت فيها لله وبالله، إلى عظيم جلاله وما يستحقه وما هو له أهل.
فإن رأيتها وافية بذلك مكافئة له، فلا حاجة حينئذ للتوبة والرجوع إليها، رجوع عن المقامات العلية وانحطاط من علو إلى سفل، نوع من غاية إلى بداية، وما ذلك ببعيد من كثير من المنتسبين إلى هذا الشأن المغرورين بأحوالهم ومعارفهم وإشاراتهم.
وإن رأيت أن أضعاف أضعاف ما قمت به من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد وعبادة لا يفي بأيسر حق له عليك، ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك، وأن ما يستحقه لجلاله وعظمته أعظم وأجل وأكبر مما يقوم به الخلق، فاعلم الآن أن التوبة نهاية كل عارف وغاية كل سالك، وكما أنها بداية فهي نهاية، والحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية، بل هي في النهاية في محل الضرورة.
هذا الكلام من أجمل ما يمكن أن يقال، خلاصة الكلام. ويقول: أنتم تقولوا أن التوبة بداية المنازل وخلاص، في بداية الطريق الواحد المسكين اللي يعني العاصي والهذا هو اللي يتوب، ونعم حتى المؤمن يتوب ولكنه بعد ذلك سينتقل إلى مقامات اخرى. فيقول: احنا الآن قطعنا يمكن مئة مقام، إيش اللي ترجع إلى منزلة التوبة؟ هو يقول لك: تمام، لا تستعجل، خليك معايا وافتح ذهنك واعرف إيش اللي راح أقول لك إياه.
فهو يقول: تلك المنازل المئة اللي بين التوبة إلى الآن اللي نزلت فيها وقمت فيها، إن رأيت بعد ما تعرفت عليها، التوكل والتفويض والرضا والتسليم والصبر إلى آخره كل ما مر، إذا رأيت أنك أنت عملتها عملاً تكافئ به ما يستحقه الله سبحانه وتعالى من حق فخلاص لا ترجع للتوبة، يعني اعتبر نفسك الآن في مقام عالي، وإذا رجعت للتوبة فعلا أنت نزلت.
وهو يقول: نعم في مغرورين، في مغرورين يعتقدون هذا الاعتقاد، لكن لكن إذا أنت بهذا البعد، كل هذه المقامات عرفت حق الله أكثر وعرفت أنه يستحق أضعاف أضعاف ما عملت، فهنا ستدرك جيدا أن التوبة فيك فيك ومعك معك، ولن تنتهي إلا إليها. هذا كلام جليل جدا جدا للغاية يعني.
ثم قال: فاسمع الآن ما خاطب الله به رسوله في آخر الأمر عند النهاية وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته أشد ما كان استغفاراً وأكثره؟ قال الله تعالى: وَلَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِم رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.
وهذا أنزله الله سبحانه بعد غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي غزاها صلى الله عليه وسلم بنفسه. فجعل الله سبحانه التوبة عليهم شكراً لما تقدم من تلك الأعمال وذلك الجهاد. وقال تعالى في آخر ما نزل ما أنزل على رسوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة بعدما نزلت عليه هذه السورة إلا قال فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. وذلك في نهاية أمره صلى الله عليه وسلم. ولهذا فهم منها علماء الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس أنه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمه الله إياه.
فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم مقاما وحالاً. وآخر ما سمع من كلامه عند قدومه على ربه: اللهم اغفر لي الحقني بالرفيق الأعلى.
وكان صلى الله عليه وسلم يختم كل عمل صالح بالاستغفار؛ في الصوم والصلاة والحج والجهاد، فإنه كان إذا فرغ منه أشرف على المدينة قال: آيبون تائبون برَبنا حامدون. وشرع أن يختم المختم المجلس بالاستغفار وإن كان مجلس خير وطاعة. وشرع أن يختم العبد عمل يومه بالاستغفار، فيقول عند النوم: استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، وأن ينام على سيد الاستغفار.
يعني سيد الاستغفار أصح. والعارف بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أن العبد أحوج ما يكون إلى التوبة في نهايته، وأنه أحوج إلى التوبة من الفناء والاتصال.
وجمع الشواهد وجمع الوجود وجمع العين، وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السالكين وغاية مطلب المقربين؟ ولم يأتي له ذكر في القرآن، ولا في السنة، ولا يعرفه إلا النادر من الناس، ولا يتصوره أكثرهم إلا بصعوبة ومشقة، ولو سمعه أكثر من خلقنا ما فهموه، ولا عرفوا المراد منه إلا بترجمة. فأين في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كلام الصحابة -الذين نسبة معارف من بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم إليهم- ما يدل على ذلك ويشار إليه؟ فصار المتأخرون أرباب هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة.
أعرف بمقام السالكين ومنازل السائلين وغاياتها من أعلم الخلق بالله بعد رسله؟ هذا من أعظم الباطل. وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسلوك نظير أرباب الكلام للمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته.
الآن انتقل إلى نظير، يعني يقول كما أننا نعرف المعيار الحقيقي في منازل السلوك والمقامات بناء على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم من اتبعه من أفاضل الخلق من أصحابه في منازل السلوك. وأنت قد سمعت ما قاله من أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ختم عمره وختم مقاماته التي لن تصل إليها ولن يصل إليها أحد، آآ ختمها بالتوبة. بل وكان يدمن على الاستغفار صلى الله عليه وسلم في آخر عمره، وما صلى صلاة إلا دعا فيها بالمغفرة بعد أن نزلت عليه تلك السورة. يقول: أين هذا وما تزعمونه من أن غاية المطالب ونهاية السالكين ونهاية مدارج ومنازل السائرين هي الفناء والاتصال وجمع الشواهد وجمع الوجود وجمع العين، وهي ألفاظ تحتاج إلى ترجمة حتى نفهمها ولم تأتي، إلى آخره.
ثم لما صور هذا المشهد انتقل إلى مشهد آخر يوازيه، وإن كان ليس متعلقاً بالسلوك، وأنه متعلق بمسألة أيضاً مقام آخر في الدين أو قضية أخرى حصل فيها نفس ما حصل في هذا؛ ادعاء من أن تلك الألفاظ المتأخرة والمعاني المتأخرة هي المعيار وهي الدين وهي وهي، بينما الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً آخر. يقول: وهؤلاء في باب الإرادة -هؤلاء يقصد أهل التصوف الذين زعموا الفناء والاتصال والشواهد النهائية لغایة المقام- يقول: هؤلاء في باب الإرادة والطلب والسلوك نظير أرباب الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته.
فالطائفتان -بل وكثير من المصنفين في الفقه من المتكلفين أشد التكلف- وقد قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستناً فليستن لمن قد مات، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد أبر هذه القلوب قلوباً، وأعمقهم علما، وأقلهم تكلفاً. قوم اختارهم الله بصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
فلا تجد هذا التكلف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلاً، وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم. وإذا تأمله عارف وجده كلحم جمل غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقد. فيطول عليك الطريق، ويوسع لك العبارة، ويأتي بكل لفظ غريب ومعنى أغرب من اللفظ، فاذا وصلت لم تجد معك حاصلاً طائلاً، ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحناً.
فالمتكلمون في جعاجع الجواهر والأعراض والأكوان والألوان والجوهر الفرد والأحوال والحركة والسكون والوجود والماهية والإنحياز والجهات والنسب والاضافات والغيرين والخلافين والنقيضين والتماثل والاختلاف والعرض هل وما هو والزمان والمكان، ويموت أحدهم ولم يعرف الزمان والمكان ويعترف بأنه لم يعرف الوجود، هل هو ماهية الشيء أو زائد عليها؟ ويعترف أنه شاك في وجود الرب، هل هو وجود المحض أو وجود المقارن لماهية؟ ويقول الحق عندي الوقف في هذه المسألة. ويقول أفضلهم عند نفسه عند الموت: أخرج من الدنيا وما عرفت إلا مسألة واحدة، وهي أن الممكن يفتقر إلى واجب، ثم قال: الافتقار أمر عدمي، فأموت ولم أرفع شيئاً. وهذا أكثر من أن يذكر، كما قال بعض السلف: أكثر الناس شكاً عند الموت أرباب الكلام.
ثم ذكر أيضاً الفلاسفة وتكلفاتهم، ذكر مصطلحاتهم، ثم كذلك قالوا. وكذلك المتكلفون من أصحاب الإرادة والسلوك -الآن رجع للإرادة والسلوك نفس اللي بدأ فيهم- وأرباب الحال والمقام والوقت والمكان والبادية والوارد والخاطر والواقع والقادح واللامع والغيبة والحضور والمحق والحق والسكر واللوائح والطوارع والعطش والدهش والتلبيس والتمكين والتلوين والاسم والرسم والجمع وجمع الجمع وجمع الشواهد وجمع الوجود والأثر والكون والبون والاتصال والانفصال والمسامرة والمشاهدة والمعاينة والتجلي والتخلي وأنا بلا أنا وأنت بلا أنت ونحن بلا نحن وهو بلا هو. وكل ذلك أدنى إشارة إلى تكلف هؤلاء الطائفة وتنطعهم. وكذلك كثير من المنتسبين لأن الفقه له مثل هذا التكلف وأعظم منه.
فكل هؤلاء محجوبون بما لديهم، موقوفون على ما عندهم، خاضوا بزعمهم بحار العلم وما ابتلت أقدامهم، وكدوا أفكارهم وأذهانهم وخواطرهم وما استنارت بالعلم الموروث عن الرسل قلوبهم وأفهامهم، فرحين بما عندهم من العلوم، راضين بما قيدوا به من الرسوم، فهم في واد ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في واد.
والله يعلم أنا لم نتجاوز فيهم القول بل قصرنا فيما ينبغي لنا أن نقوله، فذكرنا غيظاً من فيض وقليلاً من كثير. وهؤلاء كلهم داخلون تحت الرأي الذي اتفق السلف على ذمه وذم أهله، فهم أهل الرأي حقاً الذين قال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا. وقال أيضاً: أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها وتفلتت عليهم أن يروها، فاشتغلوا عنها بالرأي. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني أن قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم؟ وقال عمر رضي الله عنه: يا أيها الناس، إن الرأي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً، لأن الله عز وجل كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف. وقال ابن عباس رضي الله عنه: من أحدث رأياً ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله لم يردده على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل -كأنه المحقق يقول: لم يدري آآ لم يدري ما هو من على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل، وليس لم يرد-.
وقال عمر رضي الله عنه: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على الدين، فقد رأيتني واني لأرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي أجتهد والله، ما آل ذلك يوم يجندل -اللي هو يوم صلح الحديبية والكتاب يكتب آآ يكتب أو يكتب- فقالوا: تكتب باسمك اللهم، فرضي الرسول صلى الله عليه وسلم وأبى! فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى؟
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روينوه من طريق مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرنا سليمان ابن عتيق عن طرف بن الحبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا هلك المتنطعون؟ ألا هلك المتنطعون؟ ألا هلك المتنطعون؟ فان لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي تجدها أو نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعاً فليس للتنطع حقيقة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
هذا أيضاً مقام تحقيقي عالي جداً من المقامات المنهجية المفاهيمية آآ الجميلة والمفيدة والتي يمكن أيضاً الاقتباس منها الاستفادة منها في نظائرها مما يكون فيه آآ شيء من التكلف.
رجع الآن ليؤكد المعنى الذي ابتدأ به، وأن التوبة هي غاية مقام السالكين وهي النهاية وهي هي المبتدأ وهي المنتهى. يقول فصل: فان لم يسمح قلبك بكون التوبة غاية مقامات السالكين ولم تسق إلى شيء مما ذكرناه أو ممن ذكرنا، وأبيت إلا أن يكون تلاشي نهاية الاتصال في عون الوجود محقاً، وتلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفاً، وجمع الوجود وجمع العين هو نهاية مقامات السالكين إلى الله بحيث يدخل في ذلك كل سالك، فاعلم أن هذا الجمع المذكور بمجرده لا يعطي عبودية ولا إيماناً، فضلاً عن أن يكون غاية كل نبي وولي وعارف؛ فإن هذا جمع يحصل للصديق والزنديق وللملاحدة والاتحادية منه حظ كبير وحوله يدندنون وهو عندهم نهاية التحقيق.
فأين تحقيق العبودية والقيام بأعبائها واحتمال فرائضها وسننها وأدائها والجهاد لأعداء الله والدعوة إلى الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل الأذى في الله في هذا الجمع؟ وأين معرفة الأسماء والصفات فيه مفصلاً؟ وأين معرفة ما يحبه الرب تعالى ويكره فيه مفصلاً؟ وأين معرفة خيرين وشر الشرين فيه؟ وأين العلم بمراتب العبودية ومنازلها فيه؟
فالحق أن نهاية السالكين تكميل مرتبة العبودية صرفاً، وهذا مما لا سبيل إليه لبني الطبيعة، وإنما خص بذلك الخليلان عليهم الصلاة والسلام من بين سائر الخلق. أما إراهيم صلوات الله وسلامه عليه فان الله عز وجل شهد له بأنه وفى. وأما سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم فانه كمل مرتبة العبودية فاستحق التقديم على سائر الخلائق، فكان صاحب الوسيلة والشفاعة التي يتأخر عنها جميع الرسل ويقول هو أنا لها. ولهذا ذكره الله سبحانه وتعالى بالعبودية في أعلى مقاماته وأشرف أحواله. كقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا، وقوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ، وقوله: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا، وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ. ولهذا يقول المسيح حين يرغب إليه في الشفاعة: اذهبوا إلى محمد عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فاستحق تلك الرتبة العليا بتكميل عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له. فرجع الأمر إلى أن غاية المقامات ونهايتها هو التوبة والعبودية المحضة، لا جمع العين ولا جمع الوجود ولا تلاشي الاتصال.
فإن قلت: فهذا الجمع أنه ما يحصل لمن قام بحقيقة التوبة والعبودية؟ قيل ليس ذلك، بل الذي يحصل لمن قام بذلك هو جمع الرسل وخلفائهم، وهو جمع الهمة على الله سبحانه وتعالى محبة وإنابة وتوكلاً وخوفاً ورجاء ومراقبة، وجمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوة وجهاداً فهما جمعان.
يعني يقول تبغاني ناخذ لفظ الجمع؟ خذ المعنى الصحيح الموافق للشريعة في قضية الجمع. الجمع الأول هو جمع الهمة على الله من حيث الطلب، يعني من حيث المحبة والإنابة والتوكل والخوف والرجاء، والجمع الثاني جمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق. جمع يعني فهما جمعان: جمع القلب على المعبود وحده وجمع الهم له على محض عبوديته.
فإن قلت: فأين شاهد هذين الجمعين؟ قلت في القرآن كله. فخذوا من فاتحة الكتاب في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وتأمل في قوله إياك، ما في قوله أو تأمل ما في قوله إياك من التخصيص لذاته المقدسة بالعبادة والاستعانة، وما في قوله نعبد -الذي هو للحال والاستقبال وللعبادة الظاهرة والباطنة- من استيفاء أنواع العبادة حالاً واستقبالاً، قولا وعملاً ظاهراً وباطناً، والاستعانة على ذلك لا بغيره. ولهذا كانت الطريق كلها في هاتين الكلمتين. وهي معنى قولهم الطريق في إياك في إياك أريد بما تريد، فجمع المراد في واحد والارادة في مراده الذي يحبه ويرضاه، فالإلى هذا دعت الرسل من أوله من آخرهم، واليه شخص العاملون وتوجه المتوجهون.
كل الأحوال والمقامات من أولها إلى آخرها مندرجة ضمن ذلك أو في ضمن ذلك ومن ثمراته وموجباته، فالعبودية تجمع كمال الحب في كمال الذل وكمال الانقياد لمرض المحبوب وأوامره، فهي الغاية التي ليس فوقها غاية. واذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها كما يجب سبيل، فالتوبة هي المعول أو هي المعول والأخية. وقد عرفت بهذا وبغيره أن الحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية. ولولا تسنن روحها لحال اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين.
هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به لسيده من حقوقه، فكيف والغفلة والتقصير والتفريط والتهاون وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها؟ ولا سيما السارق على درب الفناء والجمع، لأن ربه يطالبه بالعبودية ونفسه تطالبه بالجمع والفناء. ولو حقق النظر مع نفسه وحاسبها حساباً صحيحاً لتبين له أن حظه يريد ولذته يطلب. نعم كل واحد يطلب ذلك، لكن الشأن في الفرق بين من صار حظه نفس مرضات الله ومحابه ومحابه، أحبت ذلك نفسه أو كرهته، وبين من حظه ما يريد من ربه، فالأول مراد ربه الديني الشرعي منه وهذا حظه مراده من ربه. وبالله التوفيق.
ولا يزال يناقش يعني ولا يزال يناقش في هذه المسألة، يعني لكن ما قرأته هو أهم ما قيل، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد