تسجيل الدخول

مدارج السالكين ٢٦ | المجلس الأخير

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.

اللهم تقبل منا، إنك أنت السميع العليم، وتجاوز واعف عنا، إنك أنت الغفور الرحيم. أما بعد، فهذه آآ هذا هو المجلس الأخير إن شاء الله من مجالس القراءة والتعليق اه على كتاب مدارج السالكين.

وهو المجلس آآ السادس والعشرون اه آخر منزلة في الكتاب سنبدأ بها بعد ما انتهينا من المنزلة التي قبلها اللي هي منزلة الدمع. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل قال صاحب المنازل: باب التوحيد. قال الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ. التوحيد تنزيه الله عز وجل عن الحدث. وإنما نطق العلماء بما نطق بما نطقوا به، وأشار المحققون بما أشاروا به في هذا الطريق، بقصد تصحيح التوحيد، وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب بالعلل.

هذي الآن الجملة التي ذكرها الهروي رحمه الله تعالى، الإمام ابن القيم سيعلق على عدة مواضع من أو أكثر من موضع في هذه الجملة. وأطال الحديث عن الآية، عن قول الله سبحانه وتعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وحديث ابن القيم عن الآية يجعل الانسان يتفكر في اه أن كان الغوص العميق بمعاني القرآن الكريم، وأنه كثير من الأحيان أن الإنسان يتأمل في كلام المتقدمين يجدهم يستخرجون من الآيات معاني ويربطونها بأشياء أحيانا يعني لا يبدو للإنسان ولا عشر هذا المقدار.

آآ وابن القيم هنا يعني أطال الحديث عن هذه الآية آآ سواء عن لفظ الشهادة أو عن قَائِمًا بِالْقِسْطِ أو عن منزلة أولوا العلم اه أو عن قيمة التوحيد أو عن كيف شهد الله أنه لا إله إلا هو، ما أنواع الشهادة التي شهد الله اه بها أنه لا إله إلا هو؟ هذا كله أطال الكلام فيه رحمه الله تعالى. ثم كذلك علق على كلام الهروي في قوله: التوحيد تنزيه الله عن الحدث، وانتقده على هذا التعريف، ثم بعد ذلك سيأتي في الأخير إلى كلام الهروي رحمه الله على درجات التوحيد والخاصة وخاصة الخاصة، وأيضا سيعلق على ذلك.

قال رحمه الله تعالى: قلت التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى. قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَٰهٍ غَيْرُهُ. وقال هود لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَٰهٍ غَيْرُهُ. وقال صالح لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَٰهٍ غَيْرُهُ.

وقال شعيب لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَٰهٍ غَيْرُهُ. وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لرسوله معاذ ابن جبل رضي الله عنه وقد بعثه إلى اليمن: انك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، وذكر الحديث.

وقال صلى الله عليه وسلم: امرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم. طبعا هذي أول واجب على المكلف، يعني مسألة معروفة في علم الكلام أنه ايش أول ما يجب على الانسان من من من واجبات على الإطلاق آآ اللي عند المتكلمين هاي الاقوال الثلاثة، انه اول واجب هو النظر او القصد الى النظر او الشك وهذي طبعا فيها تفصيل لانه النظر مقصود فيه نظر معين استدلال عقلي معين للوصول إلى أن الله سبحانه وتعالى موجود وانه آآ قديم إلى آخره.

فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام آآ وأول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. قال ابن القيم: فهو أول واجب وآخر واخر واجب في التوحيد أول الأمر وآخره.

ثم اخذ يعلق على تعريف التوحيد عند الامام الهروي رحمه الله فقال: قوله التوحيد تنزيه الله عن الحدث. هذا الحد الحد أي التعريف؟ قال هذا الحد لا يدل على التوحيد الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتبه، وينجو به العبد من النار، ويدخل به الجنة، ويخرج من الشرك، فانه مشترك بين جميع الفرق، وكل من أقر بوجود الخالق سبحانه أقر به.

فعباد الاصنام والمجوس والنصارى واليهود والمشركون على اختلاف نحلهم كلهم ينزهون الله عن الحدث ويثبتون قدمه، حتى اعظم الطوائف على الاطلاق شركا وكفرا والحادا وهم طائفة الاتحادية، فانهم يقولون هو الوجود المطلق وهو قديم لم يزل وهو منزه عن الحدث، ولم تزل المحدثات تكتسي وجوده تلبسه وتخلعه. ناسفة الذين هم ابعد الخلق عن الشرائع وما جاءت به الانبياء يثبتون واجب الوجود قديما منزها الحدث.

التنزيه عن الحدث حق لكن لا يعطي إسلاما ولا إيمانا ولا يدخل في شرائع الأنبياء ولا يخرج من نحل أهل الكفر ومللهم البتة، وهذا القدر لا يخفى على شيخ الإسلام ومحله من العلم والمعرفة محله، ومع هذا فقد سئل سيد الطائف الجنيد عن التوحيد فقال: هو إفراد القديم القديم عن المحدث. والجنيد أشار إلى أنه لا تصح دعوة التوحيد ولا مقامه ولا حاله، ولا يكون العبد موحدا إلا إذا أفرد القديم عن المحدث.

ثم انتقل يشرح آآ ابن القيم معنى إفراد القديم عن المحدث فقال: فصل وهذا الافراد الذي اشار اليه الجنيد نوعان؛ احدهما افراد في الاعتقاد والخبر، وذلك نوعان أيضا؛ احدهما اثبات مباينة الرب تعالى للمخلوقات، والثاني افراده سبحانه بصفات كماله واثباتها له على وجه التفصيل كما اثبتها لنفسه.

والنوع الثاني من الافراد قال فصل: والنوع الثاني من الافراد افراد القديم عن المحدث بالعبادة من التأله والحب والخوف والرجاء والتعظيم والإنابة والتوكل والاستعانة وابتغاء الوسيلة إليه. فهذا الافراد وذلك الافراد بهما بعثت الرسل وانزلت الكتب وشرعت الشرائع، ولاجل ذلك خلقت السماوات والارض والجنة والنار، وقام سوق الثواب والعقاب، فتفرد القديم سبحانه عن المحدث في ذاته وصفاته وافعاله، وفي ارادته وحده ومحبته وخوفه ورجائه.

التوكل عليه والاستعانة والحلف به والنذر له والتوبة اليه واسجد له والتعظيم والاجلال وتوابع ذلك. ثم اخذ في الفصل التالي يتكلم عن اه انه الطوائف المختلفة كل طائفة تسمي باطلها توحيدا.

فذكر آآ التوحيد عند الفلاسفة، ولاحظوا الان هذا كله الان منزلة التوحيد، هذا كله تشقيق للمعاني فيما يتعلق بالتوحيد والموقف من التوحيد وما حقيقة التوحيد الذي يريده الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك سينتقل الى الاية التي يراها انها مركزية في قضية التوحيد.

طبعا ذكر توحيد الفلاسفة بعدين قالوا اما الاتحادية في التوحيد عندهم وذكره، ثم اه ذكر التوحيد عند الجهمية وعند القدرية وعند الجبرية.

ثم قال فصل: واما التوحيد الذي دعت اليه رسل الله ونزلت به كتبه فوراء ذلك كله، وهو نوعان: توحيد في المعرفة والاثبات، وتوحيد في الطلب والقصد. فالاول هو حقيقة ذات الرب تعالى واسمائه وصفاته وافعاله وعلوه فوق سماواته على عرشه، وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده، اثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وقد افصح القرآن عن هذا النوع جد الافصاح، كما في اول سورة الحديد وسورة طه واخر سورة الحشر واول سورة تنزيل السجدة واول سورة ال عمران وسورة الاخلاص بكمالها وغير ذلك.

النوع الثاني اللي هو توحيد القصد والطلب مثل ما تضمن ما تضمنته سورة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ واه ما تضمنه قوله قُلْ يَا قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة يونس ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد. بل نقول قولا كليا أن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة شاهدة به داعية إليه، فان القرآن اما خبر عن الله واسمائه وصفاته وافعاله فهو التوحيد العلمي الخبري.

وأما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي. وأما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهو فهي حقوق التوحيد ومكملاته. وأاما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيدي. وأما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبة من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.

فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائه، فالحمد لله توحيد رب العالمين، توحيد الرحمن الرحيم، توحيد مالك يوم الدين، توحيد إياك نعبد، توحيد وإياك نستعين، توحيد إهدنا الصراط المستقيم، توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين الذين فارقوا التوحيد. ولذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله، قال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.

الان سيبدأ التعليق على هذه الآية وسيطيل الحديث كما ذكرت فيها، قال: فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع هذه الطوائف والشهادة ببطلان أقوالهم ومذاهبهم. وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية، فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به.

وعبارات السلف في شهيدة تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والاخبار. قال مجاهد: حكم وقضى، يعني شَهِدَ اللَّهُ أي حكم وقضى. وقال الزجاج: بين. وقالت طائفة: أعلم وأخبر. وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله، وتضمن وتتضمن إعلامه وخبره وأخباره وبيانه، فلها أربع مراتب.

أول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم به مع نفسه وذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له. ورابعها أن يلزمه بمضمونها ويأمره به.

فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربعة: ما هي علم الله سبحانه وتعالى بذلك، وتكلمه به، وإعلامه وأخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به. أما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به. قال الله تعالى: إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.

وأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة. قال تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا. وقال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ. فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. وعند نزول هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ. فشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه.

وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي فلما شهد على نفسه اربع مرات رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا. وهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة، وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق، ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة، يعني لو لم يقُل أشهد وإنما قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل في الإسلام.

يقول: ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة، وأنه قد دخل في قوله: حتى يشهد أن لا إله إلا الله وفي لفظ آخر: حتى يقولوا لا إله إلا الله. فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم، وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه، والله أعلم.

الان هذا كله تعليق على كلمة شهد، وايش مراتب شهد، ما هي ما هي المراتب التي شهد الله لنفسه بها انه انه لا إله إلا هو، فانتهى من المرتبة الأولى اللي هي مرتبة العلم، ثم المرتبة التكلم، والان مرتبة الاعلام والاخبار.

قال: واما مرتبة الاعلام والاخبار فنوعان: اعلام بالقول واعلام بالفعل، وهذا شأن كل معلم لغيره بامر تارة يعلمه بقوله وتارة بفعله، ولهذا كان من اه جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل اليها بالصلاة فيها معلما انها وقف وان لم يتلفظ به. وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بانواع المسار معلما له ولغيره انه محب أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك بالعكس. وكذلك شهادة الرب جل جلاله وبيانه واعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة اخرى.

فالقول هو ما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، ومما قد علم بالاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وأخبر بذلك، وامر عباده أن يشهدوا به، وشهادته سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل من بلغ عنه كلامه.

أما بيانه وإعلامه بفعله فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة، وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة، كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان، فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره كما بيينه الشاهد والمخبر، بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ، وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما لقيامه مقامه وأداء مدى مؤداه، كما قيل: قالت له العينان سمعا وطاعة وحذرتا بالدر لما يسقب اه، وقال الآخر: شكا إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى، وقال الآخر: امتلأ الحوض وقال قطني مهل الرويد قد ملأت بطني.

ويسمى هذا شهادة أيضا، كما في قوله تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ، وهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أفعال الكفر وأقواله، فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به.

والمقصود أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية، فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل، كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أي أن القرآن حق، فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية.

وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة التفسير، قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو. هذا معنى لطيف جدا في تفسير الآية، أنه شهد الله أنه لا إله إلا هو، ليس معنى ذلك أنه أخبر فقط بالقرآن وببقية الكتب الأخرى على الأنبياء، وإنما أيضا شهد بفعله بما أودع في المخلوقات من دلالة عليه، فشهد بهذا الفعل أنه لا إله إلا هو.

قال فصل: واما المرتبة الرابعة وهي الأمر بذلك والالزام به، وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضوع تدل عليه وتتضمنه، فانه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُو إِلَّا إِيَّاهُ. وقال تعالى: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّما هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ. وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وقال تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ. وقال الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ، والقرآن كله شاهد بذلك.

ووجه استلزام شهadته سبحانه لذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه أبطلوا الباطل وإثباتها أظلم الظلم، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهاً.

ثم قال فصل: وقوله تعالى: قَائِمًا بِالْقِسْطِ. القسط هو العدل، فشهد الله سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده وبالوحدانية في عدله، والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال، فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه، والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب وموافقة الحكمة، فهذا توحيد الرسل وعدلهم إثبات الصفات والامر بعبادة الله وحده لا شريك له واثبات القدر والحكم والغايات المطلوبة المحمودة بفعله وأمره، لا توحيد الجهمية والمعتزلة الذي هو إنكار الصفات وحقائق الأسماء الحسنى، وعدلهم الذي هو التكذيب بالقدر أو نفي الحكم والغايات والعواقب الحميدة التي يفعل الله لأجلها ويأمر.

وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمن أمورا، الآن كله هذا تعليق على قوله سبحانه وتعالى: قَائِمًا بِالْقِسْطِ، وهذا كله على التفسير الأول الذي هو متعلق بشهد أنه شهد أنه قائم بالقسط أيضا، هذا سيذكر تفسيرا آخر.

طيب، يقول: وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمن أمورا، أحدها أنه قائم بالقسط في هذه الشهادة التي هي أعدل شهادة على الإطلاق، وإنكارها وجحودها اعظم الظلم على الإطلاق، فلا أعدل من التوحيد ولا أظلم من الشرك من الشرك، فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا، حيث شهد بها وأخبر وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها، وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة، فأوامره كلها تكميل لها، وأمر بأداء حقوقها، ونواهيه كلها صيانة لها عما يهضمها ويضادها، وثوابه كله عليها، وعقابه كله على تركها وترك حقوقها، وخلقه السماوات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها، وهي الحق الذي خلقت به، وضدها هو الباطل والعبث الذي نزه سبحانه نفسه عنه وأخبر أنه لم يخلق به السماوات والأرض.

قال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. وقال تعالى: حَـم‌ ۝ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ۝ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ. وقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ. وقال: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ. وقال: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ۝ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ. وهذا كثير في القرآن.

والحق الذي خلقت به السماوات والأرض ولأجلها هو التوحيد وحقوقه من الأمر والنهي والثواب والعقاب، فالشرع والقدر والخلق والأمر والثواب والعقاب قائم بالعدل والتوحيد صادر عنهما، وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب سبحانه وتعالى.

قال تعالى حكاية عن نبيه هود: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مَّسْتَقِيمٍ. فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله، فهو يقول الحق ويفعل العدل، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.

فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا تبارك وتعالى هو مقتضى التوحيد والعدل، قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۙ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. فهذا مثل ضربه الله لنفسه وللصنم، فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، والصنم مثل العبد الذي هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير. والمقصود أن قوله تعالى: قَائِمًا بِالْقِسْطِ، كقوله: إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مَّسْتَقِيمٍ.

وقوله: قَائِمًا بِالْقِسْطِ، نصب على الحال وفيه وجهان، أحدهما أنه حال من الفاعل في شهد الله، والعامل فيها الفعل، والمعنى على هذا: شهد الله حال قيامه بالقسط أنه لا إله إلا هو.

والثاني أنه حال من قوله هو، والعامل فيها معنى النفي، أي: لا إله إلا هو حال كونه قائما بالقسط، وبين التقديرين فرق ظاهر.

ثم قال -إذا كان في أسفل الصفحة-: وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل، كان المعنى أنه كان سبحانه يشهد وهو قائم بالعدل عالم به لا بالظلم، فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا، فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره، وأن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء، وأن الذين عبدوا غيرهم الضالون الأشقياء.

قال: وأما التقدير الثاني، وهو أن يكون قوله: قَائِمًا، حالا مما بعد إلا، فالمعنى أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل، فهو وحده المستحق الإلهية مع كونه قائما بالقسط.

قال شيخنا: وهذا التقدير أرجح، فانه يتضمن أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط.

قلت مراده: أنه إذا كان قوله: قائما بالقسط، حالا من المشهود به، فهو كالصفة له، فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها، فإذا وقعت الشهادة على ذلك الحال وصاحبها، كان كلاهما مشهودا به، فيكون الملائكة وأولو العلم قد شهدوا أنه قائم بالقسط كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو.

والتقدير الأول لا يتضمن ذلك، فإنه إذا كان التقدير: شهد الله قائما بالقسط أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو، كان القسط حالا من اسم الله وحده.

يعني هو يقول: هناك تقديران؛ التقدير الأول أنه: شهد الله قائما بالقسط، يعني شهد الله حالة كونه وحاله أنه قائم بالقسط سبحانه، وهذه حاله سبحانه، فشهد هو سبحانه أنه لا إله إلا هو، وكذلك شهد الملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو.

أما التقدير الثاني فهو يقول: إنه يتضمن شهادة الملائكة وأولو العلم بأنه أيضا قائم بالقسط، قد شهدوا بأنه قائم بالقسط كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو.

ثم قالوا أيضا: فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد الشهادة.

فإن قيل: فإذا كان حالا من هو فهلا اقترن به ولما فصل بين صاحب الحال وبينها بالعطوف، فجاء متوسطا بين صاحب الحال وبينها؟ يعني هو يقول: ليش ما يعني ليش وقع هذا الفصل في الذكر؟

قلت: فائدته ظاهرة، فانه لو قال: شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط والملائكة وأولو العلم، لأوهم عطف الملائكة وأولي العلم على الضمير في قوله: قائما بالقسط، ولا يحسن العطف لأجل الفصل، وليس المعنى على ذلك قطعا، وإنما المعنى على خلافه، وهو أن قيامه بالقسط مختص به، كما أنه مختص بالإلهية، فهو وحده الإله المعبود المستحق للعبادة، وهو وحده المجازي المثيب المعاقب بالعدل.

قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ذكر محمد بن جعفر أنه قال: الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، أي قولوا لا إله إلا هو. ومعنى هذا -هذه طبعا الآية فيها اثنين لا إله إلا هو، فيها: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ- ذكرت مرتين، فلذلك يعني كل الحديث الآن عن هذه الآية في منزلة التوحيد، هو من أنسب الحديث لتعلقه الظاهر، يعني هذه الآية كرر فيها لا إله إلا هو مرتين بالمؤكدات التي الموجودة أيضا في الآية.

قال: أي قولوا لا إله إلا الله، ومعنى هذا أن الأولى تضمنت أن الله سبحانه وتعالى شهد بها وأخبر بها، والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادة الله، لا عن شهادته هو، وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه، فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي، فيكون شاهدا هو بها أيضا، اتضح المعنى.

المعنى لطيف، يعني يقول: إنه لمن تقول انت شاهد تقرأ في الأول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، تكون أنت تلوت شهادة الله، أو تلوت ما يدل على شهادة الله وشهادة ملائكته وشهادة أولي العلم بأنه لا إله إلا هو، ثم أنت أيضا تشهد، فكررت لا إله إلا هو بحيث إنه أيضا أنت تنظم شهادتك إلى هذه الشهادات.

قال: وأيضا فالأولى خبر عن الشهادة بالتوحيد، والثانية خبر عن نفس التوحيد. وختم بقوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فتضمنت الآية توحيده وعدله وعزته وحكمته.

فالتوحيد يتضمن ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له، والعدل يتضمن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها وانه لم يخص شيئا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك، وانه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ولا يمنع من يستحق العطاء وإن كان هو الذي جعله مستحقا.

والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره، والحكمة تتضمن كمال علمه وخبرته أنه أمر ونهى وخلق وقدر لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد، فاسمه العزيز يتضمن الملك، واسمه الحكيم يتضمن الحمد، وأول الآية يتضمن التوحيد، وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وذلك أفضل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله.

والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه، وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه، وإذا أخبر بخبر كان صدقا، وإذا فعل فعلا كان صوابا، وإذا أراد شيئا كان أولى بالارادة من غيره، وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده.

وتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي للظلم، وعزته المنافية للعجز، وحكمته المنافية للجهل والعيب، ففيها الشهادة له بالتوحيد والعدل والقدرة والعلم والحكمة، ولهذا كانت اعظم شهادة، ولا يقوم بهذه الشهادة على وجهها من جميع الطوائف إلا أهل السنة، وسائر طوائف اهل البدع لا يقومون بها.

فالفلاسفة أشد الناس إنكارا وجحودا لمضمونها من أولها إلى آخرها، وطوائف الاتحادية هم ابعد خلق الله إيمانا، وطائفة الجهمية تنكر حقيقتها من وجوه؛ منها أن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة له واشتياقا وأنابة، وعندهم أن الله لا يحب ولا يحب، ومنها أن الشهادة كلامه عما شهد به، وهو عندهم لا يقول ولا يتكلم، ومنها أنها تتضمن مباينته لخلقه بذاته وصفاته، وعند فرعون فرعونيهم أنه لا يباين.

اه الخلق ولا يحايثهم، وليس فوق العرش إله يعبد. ومنها أن قيامه بالقسط في أفعاله وأقواله، وعنده أنه لم يقم ولا يقوم به فعل ولا البتة. ومنها أن القسط عندهم لا حقيقة له، بل كل ممكن فهو قسط، وليس في مقدوره ما يكون ظلماً وقسطاً، بل الظلم عندهم هو المحال الممتنع لذاته. ومنها أن العزة هي القوة والقدرة، وعندهم لا يقوم به صفة. ومنها أن الحكمة هي الغاية التي يفعل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ويكون وجودها أولى من عدمها، وهذا عندهم ممتنع في حقه سبحانه.

ومنها أن الإله هو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الذي يفعل بقدرته ومشيئته وحكمته، وهو الموصوف بالصفات والأفعال، وهذا لا أثبته على الحقيقة إلا اتباع الرسل، وهم أهل العدل والتوحيد. ثم ذكر أيضاً الإشكالات عند هذه الطوائف. ثم قال فصل، وإذا كانت شهادته سبحانه تتضمن بيانه للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به، وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها لم ينتفعوا ولم يقم عليهم ليقوم عليهم بها الحجة، كما أن الشاهد من العباد آآ إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها لم ينتفع بها أحد ولم تقم بها حجة، وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة: السمع والبصر والعقل.

لا يزال طبعاً الكلام على الآية وعلى أنواع الشهادة التي شهد الله بها أنه لا إله إلا هو؛ أما السمع فبسمع آياته المتلوة القولية المتضمنة لإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، آآ وعلوه على عرشه. وفي هذا إبطال لقول من قال أنه لم آآ أنه لم يرد من عباده أو لم يرد من عباده ما دلت عليه آياته السمعية من إثبات معانيها وحقائقها التي وضعت لها ألفاظها، فإن هذا ضد البيان والإعلام.

طيب، ثم قال آه وأما آياته العيانية أو العيانية الخلقية والنظر فيها والاستدلال بها، فإنها تدل على ما تدل عليه آيات القولية السمعية، وآيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه. فالرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به، وهو آياته القولية، ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية، والعقل يجمع بين هذه وهذه فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة.

وهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامته للحجة، لم يبعث نبياً من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ. وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُم رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. وقال تعالى: وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ. وقال تعالى: وَيُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ.

حتى أن من أخفأ حتى أن من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام حتى قال له قومه يا هود ما جئتنا ببينة. ومع هذا فبينته من أظهر البينات، وقد أشار إليها بقوله: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنظِرُونِي إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. فهذا من أعظم الآيات أن رجلاً واحداً يخاطب أُمّة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزع ولا نزع ولا خوار، بل واثق بما مما قاله جازم به، قد أشهد الله أولاً على براءته من دينهم ومنما هم عليه اشهادة واثق به معتمداً عليه، معلم لقومه أو معلم لقومه أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم آّه عليه.

ثم أشهدهم اشهادة مجاهر لهم بالمخالفة، أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون ويبذلون دمائهم وأموالهم في نصرتها. ثم أكد عليهم بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم، وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يهملونه في ذلك، أنهم أضعفوا وأعجزوا وأقل من ذلك. وأنكم لو رمتوه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين، ثم قرروا دعوته أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذين واصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده، وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل عليه وآمن به ولا يشمت به أعدائه، ولا كونوا معهم عليه، فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباهم.

وتحت هذا الخطاب أن من صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه وينزل به بأسه، فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى، ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام، ونصره أولياؤه ورسله على أعدائهم. فأي آية وبرهان ودليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وبراهينهم وأدلتهم وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله. وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي ما مثله وعمل عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته آحيا أوحاه الله إليه، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً القيامة.

ومن اسمائه تعالى المؤمن، وهو في أحد التفسيرين المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقاً، فانه سبحانه أخبر وخبر الصدق وقوله الحق أنه لابد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق. وقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أي القرآن، فإنه المتقدم أو هو المتقدم في قوله قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، ثم قال أولم يكفي بربك أنه على كل شيء شهيد؟ فشهد سبحانه لرسوله به بقوله إن ما جاء به حق ووعده أن يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضاً.

ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل، وهو شهادته سبحانه على كل شيء، فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له عليم بتفاصيله، وهذا استدلال بأسماء وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته.

طيب، ثم ننتقل في صفحة أربع مئة وثلاثة وسبعين يقول في القرآن العظيم قد اجتمع قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنه هو الدعوة والحجة، وهو الدليل والمدلول عليه، وهو الشاهد والمشهود له، وهو الحكم والدليل، وهو الدعوة والبينة. قال الله تعالى: أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ أي من رَبّه وهو القرآن. وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.

فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله على رسوله يكفي عن كل آية فيه الحجة والدلالة على أنه من الله، وأن الله سبحانه أرسل به رسوله، وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة وينجيه من العذاب. ثم قال: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. فاذا كان الله سبحانه وتعالى عالماً بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها، كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها، فإنها شهادة بعلم تام محيط بالمشهود به فيكون الشاهد به أعدل الشهداء وأصدقهم.

وهو سبحانه يذكر علمه عند شهادته، وقدرته وقدرته وملكه عند مجازاته، وحكمته عند خلقه وأمره. الآن هذا ترى من فقه الأسماء والصفات، هذا من فقه الأسماء والصفات يقول هو سبحانه يذكر علمه عند شهادته، وقدرته وملكه عند مجازاته، وحكمته عند خلقه وأمره، ورحمته عند ذكر ارسال رسوله، وحلمه عند ذكر ذنوب عباده ومعاصيهم، وسمعه عند ذكر دعائهم ومسألته، وعزته وعلمه عند قضائه وقدره. فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه وارتباطها بالخلق والامر والثواب آه والثواب والعقاب.

قال فصل: من هذا قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ. استشهد على رسالته بشهادة الله له، ولابد أن تعلم هذه الشهادة وتقوم بها الحجة على المكذبين له. وكذلك قوله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.

ولفت إلى معنى مهم جداً الإمام ابن القيم آه يقول الله سبحانه وتعالى حينما قال قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ويعني يقول ما دام أن الله هو الشهيد بينه وبين آه قومه المكذبين فلابد فلا بد أن تظهر آثار هذه الشهادة الإلهية. يقول وكذلك قوله: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً. وكذلك قوله: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. وقوله: تِلْكَ آيَاتُ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.

فهذا كله شهادة منه لرسوله قد أظهرها وبينها وبين صحتها غاية البيان، بحيث قطع العذر بينه وبين عباده وأقام الحجة عليهم، فكونه سبحانه شاهداً لرسوله معلوم بسائر أنواع الأدلة؛ عقليها ونقديها وفطريها وضروريها ونظريها. ومن نظر في ذلك وتأمله علم أن الله سبحانه شهد لرسوله أصدق الشهادة وأعدلها وأظهرها، وصدقه بسائر أنواع التصديق بقوله الذي أقام البراهين على صدقه فيه، وبفعله وإقراره، وبما فطر عليه عباده من الإقرار بكماله وتنزيهه عن القبائح وعن ما لا يليق به.

وفي كل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ما يقيم به الحجة ويزيل به العذر، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العزة والنجاة والظفر والتأييد، ويحكم على أعدائه ومكذبه بما توعدهم به من الخزي والنكال والعقوبات المعجلة الدالة على تحقيق العقوبات المؤجلة. وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. فيظهره ظهورين: ظهوراً بالحجة والبيان، وظهوراً بالنصر والظفر والغلبة والتأييد حتى يظهره على مخالفه ويكون منصورا.

ثم قال فصل: ومن شهادته أيضاً ومن شهادته إلى الآن يتكلم عن الآية ومن شهادته أيضاً ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه وحيه، فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب وعلى رب العالمين والأخبار عنهم بخلاف ما هو عليه من الأسماء والصفات، ولذلك يوقع أعظم الريب والشك وتدفعه الفطر والعقول السليمة، كما تدفعه الفطر التي فطر الله التي فطر عليها الحيوان الأغذية الخبيثة الضارة آآ التي لا تغذي الأموال والانتان.

فإن الله سبحانه وتعالى فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له والطمأنينة به والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه الريبة به وعدم السكون إليه. ولو بقيت الفطر على حالها لما آثرت على الحق سواه، ولا ما سكنت إلا إليه ولا اطمأنت إلا به ولا أحبت غيره. ولهذا ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علماً ضرورياً ويقيناً جازماً أنه حق وصدق بل أحق كل حق وأصدق كل صدق.

ولهذا ندب الله سبحانه وتعالى عباده ويقول ولهذا ندب الله سبحانه وتعالى عباده إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره فان كل من تدبره واوجب له تدبره علماً ضرورياً ويقيناً جازماً أنه حق وصدق بل أحق كل حق وأصدق كل صدق، وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم، أنه أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علماً وعملاً ومعرفة، كما قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً. وقال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا. فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علماً ضرورياً يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والالم والحب والخوف أنه من عند الله تكلم به حقاً، وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد.

فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد، وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث قال له فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه أو سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فقال لا، قال هو كذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد. وقد أشار تعالى وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ. وقوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ. وقوله: وَيَرَى الَّذِينَ العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق. وقوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى. وقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ.

يعني أن الآية التي يقترحونها لا توجب هداية، بل الله هو الذي يهدي ويضل، ثم نبههم على أعظم آية وأجلها، وهي طمأنينة قلوب المؤمنين بذكره الذي نزله، فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أي بكتابه وكلامه أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. فطمأنينة القلوب الصحيحة والفطر السليمة به وسكونها إليه من أعظم الآيات، إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل.

فإن قيل فلم لم يذكر الله سبحانه شهادة رسله مع الملائكة فيقول شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة والرسل وهم اعظم شهادة من اولي العلم؟ قيل في ذلك عدة فوائد.

إحداها: أن أولو العلم أعم من الرسل والأنبيَاءِ، فيدخلونهم وأتباعهم.

وثانيها: أن في ذلك في أن في ذكر أولو العلم في هذه الشهادة وتعليقها بهم أن في ذكر أولو العلم في هذه الشهادة وتعليقها بهم ما يدل على أنها من موجبات العلم ومقتضياته.

وأن من كان من أولو العلم فانه يشهد بهذه الشهادة، كما يقال: إذا طلع الهلال واتضح، فإن كل من كان من أهل النظر يراه، وإذا فاحت رائحة ظاهرة فكل من كان من أهل الشم يشم هذه الرائحة.

قال تعالى: وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى. أي كل من له رؤية يراها حينئذ عيانا. ففي هذا بيان أن من لم يشهد أن من لم يشهد له الله سبحانه وتعالى بهذه الشهادة فهو من أعظم الجهال.

وإن علم من أمور الدنيا ما علم ما لم يعلمه غيره فهو وبنقول الجهل لا من أولو العلم. وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة ويؤديها على وجهها إلا أتباع الرسل أهل الإثبات؛ فهم أولو العلم، وسائر من عداهم أولو الجهل، وإن وسعوا القول وأكثروا الجدال.

ومنها: الشهادة من الله سبحانه لأهل هذه الشهادة أنهم أولو العلم، فشهادته لهم أعدل وأصدق من شهادة الجهمي والمعطل والفرعوني لهم إلى آخره.

ثم قال: فصل. ومن وفي ضمن هذه الشهادة الإلهية الثناء على أهل العلم الشاهدين بها وتعديلهم، فإنه سبحانه قرن شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته، واستشهد بهم جل جلاله على أجل مشهود به، وجعلهم حجة على من أنكر هذه الشهادة.

ثم يحتج يحتج بالبينة أعلم أنكر الحق، فالحجة قامت بالرسل على الخلق وهؤلاء نواب الرسل وخلفائهم في إقامة حجج الله على العباد.

فصل. وقد فسرت شهادة أولو العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار، والصحيح أنها تتضمن الأمرين، فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهم شهداء الله على الناس يوم القيامة.

قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وقال تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.

فأخبر أنه جعلهم عدولاً خياراً، ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة، فمن لم يقم بهذه الشهادة هذا علماً وعملاً ومعرفة وإقراراً ودعوة وتعليماً وإرشاداً فليس من شهداء الله، والله المستعان.

قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ. اختلف المفسرون هل هو كلام مستأنف أو دخل في مضمون هذه الشهادة: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ. يقول: هل إن الدين عند الله الإسلام داخل في الشهادة أم هو كلام مستأنف؟

يقول: هذا الاختلاف مبني على القراءتين في كسر إن وفتحها، فالأكثرون على كسرها على الاستئناف، وفتحها الكسائي وحده، والوجه هو الكسر؛ لأن الكلام الذي قبله قد تم، فالجملة الثانية مقررة مؤكدة لمضمون ما قبلها، وهذا أبلغ التقرير وأذهب في المدح والثناء، ولهذا كان كسر إنَّ: كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ أحسن من الفتح، وكان الكسر في قول الملبي: لبيك إن الحمد والنعمة لك أحسن من الفتح. وقد ذكر ذكر في توجيه قراءة الكتاب ثلاثة أوجه.

لكن نتجاوز الكلام على وجه الكلام الكسائي، قال: وقد دل قوله: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ على أنه دين جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وانه لم يكن لله قط ولا يكون له دين سواه.

قال أول الرسل نوح: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وقال إراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ. وقال يعقوب لبنيه عند الموت: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وقال موسى لقومه: يَا قَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُم مُّسْلِمِينَ.

وقال تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ؟ قال الحواريون: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. فالاسلام دين أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل الله من أحد ديناً سواه.

فأديان الأرض ستة، واحد للرحمن وخمسة للشيطان؛ فدين الرحمن هو الإسلام، والتي للشيطان: اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين. فهذا بعض ما تضمنته هذه الآية العظيمة من أسرار التوحيد والمعارف، ولا تستطل الكلام فيها، فانه أهم من الكلام على كلام صاحب المنازل، فلنرجع إلى شرح كلامه وبيان ما فيه.

الآن هذا كله كما ذكرت يعني يعتبر تفسير لآية واحدة تقريبا في أربعين صفحة فسر قول الله سبحانه وتعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ. وأنت ترى أنه يعني ذكر فيها أنواعاً من العلوم على أنها تحتمل طبعاً أكثر من ذلك، يمكن أن يتحدث فيها أكثر من ذلك، لكن هذا من العلم الجليل.

ثم أخذ يذكر كلام الهروي، دخل في بعض النقاش بعض القضايا التي يعني بعضها ذكر حتى معنا أمس في قضية مثلاً الأسباب، وأن من التوحيد مراعاة الأسباب وليس هجر الأسباب.

وذكر في صفحة أربعمائة وواحد وتسعين: الهروي ذكر التوحيد على ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد، والوجه الثاني: توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق، والوجه الثالث: توحيد قائم بالقدم وهو توحيد الخاصة الخاصة. ذكر تعليق من ابن تيمية عليه.

قال: وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على ما ذكره صاحب المنازل في التوحيد، فقال بعد أن حكى كلامه إلى آخره: أما التوحيد الأول الذي ذكره فهو التوحيد الذي جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم، ونزلت به الكتب كلها، وبه أمر الله الأولين والأخرين. وذكر الآية الآيات الواردة بذلك.

ثم قال: وقد أخبر الله عن كل رسول من الرسل أنه قال لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. وهذه أول دعوة الرسل وآخرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. وقال: من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة.

والقرآن مملوء من هذا التوحيد والدعوة إليه وتعليق النجاة والسعادة والآخرة به وفي الآخرة به. وحقيقته إخلاص الدين كله لله. وحقيقته إخلاص الدين كله لله. والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبك وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات؛ فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء.

وحقيقته أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه. وكذلك بموالاته وسؤاله والاستغناء به والتوكل عليه ورجائه ودعائه والتفويض اليه والتحكم إليه واللجاء إليه والرغبة فيما عنده.

قال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وقال تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا. وقال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ. وقال تعالى يقول: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ. وقال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ.

وقال تعالى: فَلَا تَدْعُ مع اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ. وقال تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ. وقال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ.

وقال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ. وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ. وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ. قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وقال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وهذا في القرآن كثير، بل هو أكثر من أن يذكر، وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره وذروة سنامه وقطب رحاه.

وأمرنا تعالى أن نتأسى بإمام هذا التوحيد بنفيه وإثباته، كما قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.

وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ. قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.

وإذا تدبرت القرآن من أوله لآخره رأيته يدور على هذا التوحيد وتقريره وحقوقه. قال شيخنا: والخليلان هم أو هما أكمل خاصة الخاصة توحيداً، ولا يجوز أن يكون في الأمة من هو أكمل توحيداً من نبي من الأنبياء، فضلاً عن الرسل، فضلاً عن أولي العزم، فضلاً عن الخليلين.

وككمال هذا التوحيد هو ألا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلاً، بل يبقى العبد موالياً لربه في كل شيء؛ يحب من أحب وما أحب، ويبغض من أبغض وما أبغضه، ويوالي من يوالي، من يعادي ويأمر بما يأمر به وينهى عما نهى عنه. قال الهروي: هذا توحيد العامة. قال ابن القيم: قد تبين أن هذا توحيد خاصة الخاصة، الذي لا شيء فوقه ولا أخص منه، أن الخليلين أكمل الناس فيه توحيداً، فليهنأ العامة نصيبهم منه.

صفحة خمسمائة وأربعة تتكلم عن استدلال العقلي، قال: والحق أن وجوبه ثابت بالعقل والسمع، والقرآن على هذا يدل؛ فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه وقبح الشرك عقلاً وفطرةً، ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم في حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه.

والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك، كقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها.

ولكن ههنا أمر آخر، وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع إلى حين ورود الشرع، كما دل عليه قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وقوله: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَمْ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا. وقوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكَ الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ.

فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل، وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم. فالآية رد على الطائفتين معاً؛ من يقول إنه لا يثبت والظلم والقبح إلا أو يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع، ومن يقول إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع، فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء.

ثم قال: وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في كتاب مفتاح دار السعادة، وذكرنا هناك نحواً من ستين وجهاً تبطل قول من نفى القبح العقلي وزعم أنه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها ولا قبيحها.

طبعاً هذي مسألة عقدية شهيرة جداً، من يعرفها سيدرك أهمية الكلام أو الإحالة إلى هذه القضية وستين وجهاً وأنه يجوز أن قال وذكرنا هناك نحواً من ستين وجهاً تبطل قول من نفى القبح العقلي وزعم أنه ليس في وعالم يقتضي حسن ولا قبيح، وأنه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهى عنه، وينهى عن عين ما أمر به، وأن ذلك جائز عليه، وإنما الفرق بين المأمور ومنه بمجرد الأمر والنهي لا بحسن هذا وقبول قبحي هذا، وأنه لو نهى عن التوحيد والإيمان والشرك والشكر لكان قبيحاً، ولو أمر بالشرك والكفر والظلم والفواحش لكان حسناً.

وبينا أن هذا القول مخالف للعقول والفطر والقرآن والسنة. ثم تكلم عن قبح الشرك وأنه مستقر في العقول والفطر معلوم لمن كان له قلب حي وعقل سليم وفطرة صحيحة، وذكر الآيات في هذا المعنى.

علق على قول صاحب المنازل: ألا يشهد في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة. وطبعاً تعقب عليه، ذكر منهم من يترك الدعاء جملة بناءً على هذا الأصل، ويقول: المدعو به إن سبق العلم والحكم بحصوله حصل، دعونا أم لم ندع. طبعاً هذا مر معنا، ذكرنا الكلام اللي فينا تذكروه.

قال شيخنا اللي هو ابن تيمية: وهذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين بالمخالف في صريح العقل والحس والمشاهدة، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن إسقاط الأسباب نظراً إلى القدر، فرد ذلك وألزم القيام الأسباب، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما منكم من أحد إلا قد علم مقعده.

من الجنة والنار، آه. قول يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له.

وفي السنن عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقاة نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله.

وكذلك قول عمر لأبي عبيدة وقد قال أبو عبيدة لعمر: أتفر من قدر الله يعني من الطاعون؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله. وذكر الآيات أيضاً، قال: والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة.

فيأتي السببية تارة، وباللام تارة، وبإن تارة، وبكي تارة، ويذكر الوصف المقتضي تارة. ويذكر هذا كله أصلاً مر معنا أمس في موضوع الأسباب، آه.

وقال بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً تغيير في وجه العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع، وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وثقيل.

طبعا كل هذا كلام في الأسباب، آه، كان الكلام فيه يوم أمس بشكل تفصيلي. أيضاً في صفحة خمسمئة وسبعة وثلاثين ذكر كلاماً ذكره يوم أمس أو قرأناه يوم أمس في قضية الجمع، آه، أنه إيش هو الجمع الصحيح؟

وأنه هو الجمع الذي يمكن أن يؤخذ من قول الله سبحانه وتعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. تذكرون كلامه في جمع الهمة؟ سواء على جمع الهمة في الطلب، أو جمع الهمة في القصد، أو جمع الهمة في الاستعانة، وما إلى ذلك.

طيب، لكن نقف عند، آه، أيضاً يعني زاد بعض الكلام الذي لم يذكره يوم أمس صفحة خمسمئة وسبعة وثلاثين.

قال: وهذان الجمعان هما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين؛ فإن العبد يشهد من قوله إياك الذات الجامع لجميع صفات الكمال التي لها كل الأسماء الحسنى، ثم يشهد من قوله نعبد جميع أنواع العبادة ظاهراً وباطناً، قصداً وقولاً وعملاً وحالاً واستقبالاً.

ثم يشهد من قوله وإياك نستعين جميع أنواع الاستعانة والتوكل والتفويض، فيشهد منه جمع الربوبية، ويشهد من إياك نعبد جمع الألهية، ويشهد من إياك الذات الجامعة لكل الأسماء الحسنى والصفات العلى. ثم يشهد من اهدنا عشر مراتب إذا اجتمعت حصلت له الهداية.

هذا الكلام الزائد: المرتبة الأولى هداية العلم والإيمان والبيان، عفواً، فيجعله عالماً بالحق مدركاً له. الثانية أن يقدره عليه، وإلا فهو غير قادر بنفسه. الثالثة أن يجعله مريداً له. الرابعة أن يجعله فاعلاً له. خامساً أن يثبته على ذلك ويستمر به عليه.

السادس أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له. السابعة أن يهديه في الطريق هداية خاصة أخص من الأولى؛ فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالاً، وهذه هداية فيه وفي منازلها تفصيلا.

الثامنة أن يشهده المقصود فينبّهه عليه فيكون مطالِعاً له في سيره، مَلتفتاً إليه، غير محتجب بالوسيلة عنه. التاسعة أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة. العاشرة أن يشهده الطريق المنحرفين عن طريقها، وهما طريق أهل الغضب الذين عدلوا عن اتباع الحق قصداً وعناداً، وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلاً وضلالاً.

ثم اشهد جمع الصراط المستقيم في طريق واحد عليه جميع أنبيائه ورسله واتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين، فهذا هو الجمع الذي عليه رسل الله واتباعهم، فمن حصل له هذا الجمع فقد هدي الصراط المستقيم.

ثم آخر شيء، آه، عقب على، يعني، على كلام الهروي رحمه الله تعالى وانتقده عليه، خاصة قوله: ما وحد الواحد من واحد، آه، كذلك ونعت من ينعته لأحد من الإلحاد.

طبعا وجه كلامه ذكر أنه أحسن ما يحمل عليه، آه، كلامه. ثم قال في صفحة خمسمئة وثلاثة وخمسين قال: وقد كان شيخ الإسلام قدس الله روحه -طبعا هنا يقصد الهروي، آه، بعد ما انتقده في هذا الأشياء المتعلقة ببعض الأمور وفي قضية التوحيد- قال: وقد كان شيخ الإسلام قدس الله روحه راسخاً في إثبات الصفات ونفي التعطيل ومعاداة أهله، وله في ذلك كتب مثل كتاب الفاروق وكتاب ذم الكلام وغير ذلك مما يخالف طريقة المعطلة والحلولية والاتحادية.

ثم صرح بهذا المعنى الذي ذكرناه بقوله: توحيده إياه، وتوحيده، أي: توحيده لنفسه، هو التوحيد الكامل التام الذي لا سبيل للعبارة والإشارة إليه، وفوق ما تعرفه العقول وتصف الألسن.

وهذا حق، لكن جفت عبارته بعد بقوله: منعت من ينعته لأحد، ومحملها كما أن نعت الخلق له دون ما هو عليه سبحانه وما هو عليه من الأوصاف والنعوت أجل وأعظم من أن يحيط به العلم المخلوق. هذا العام كله توجيه واعتذار.

آه، والإلحاد الميل، وهو لم يرد أن نعت الناعتين له إلحاد وكفر؛ فانه هو قد نعته في هذا الكتاب وفي كتبه، ولم يكن ملحدا بذلك، فنعتوا المخلوق له مائل عن نأتي لنفسه.

على أنه لو أراد الإلحاد الذي هو باطل وظلم لكان له وجه صحيح وهو، يعني، يحاول أن يأتي والمعاني التي، آه، اعتذر له بها. يقول: ولو أن أراد الإلحاد الذي هو باطل وضلال لكان له وجه صحيح، وهو أن نعت المخلوقين له من عند أنفسهم إلحاد، والتوحيد الحق هو ما نعت الله به نفسه على ألسنة رسله، فهم لم ينعتوه من تلقاء أنفسهم، وإنما نعتوه بما أذن لهم في نعته به.

وقد صرح سبحانه بهذا المعنى في قوله: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، فنزه نفسه عما يصفه به العباد إلا المرسلين؛ فإنهم لم يصفوه من عند أنفسهم.

وكذلك قوله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فنختم الكتاب بهذه الآية حامدين، اللهم مثنين عليه ما هو أهله وبما أثنى به على نفسه، والحمد لله رب نبينا حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا، آه، ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، غير مكفي ولا مكفول ولا مودع ولا مستغن عنه ربنا.

ونسأله أن يوزعنا شكر نعمته، آه، وأن يوفقنا لأداء حقه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل ما قصدنا له في هذا الكتاب وفي غيره خالصاً لوجهه الكريم، ونصيحة لعباده.

فيا أيها القارئ له لك غنمه وعلا مؤلفه غرمه، لكم مرته وعليه تبعته، فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله، ولا تلتفت إلى قائله، بل انظر إلى ما قال ولا لا إلى من قال.

وقد، الله تعالى، من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا جاء به من يحبه، فهذا خلق الأمة الغضبية. قال بعض الصحابة: اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضا، ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا.

وما وجدت فيه من خطأ فإن قائله لم يأل جهداً، لم يألو جهد الإصابة، ويأبى الله إلا أن يتفرد كمال كما قيل: والنقص في أصل الطبيعة كامل فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد.

وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً؟ ولكن من عدة أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته. وعن المتكلم في هذا الباب وغيره أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق، وغايته النصيحة لله ولكتابه ولرسوله لإخوانه المسلمين.

وإن جعل الحق تبعا للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق، قال الله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. فالعلم والعدل أصل كل خير، والظلم والجهل أصل كل شر، والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى، هوى أحد منهم.

فقال تعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالَكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.

والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على خاتم المرسلين محمد وعلى آله الأجمعين.