طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذه المجالس، وأن يجعل هذا الشهر شهر خير وعز ونصر للإسلام والمسلمين، وأن يفرج هم المهمومين، وينفس كرب المكروبين، وينصر المستضعفين من المؤمنين في كل مكان.
هذا اللقاء الثاني من لقاءات مقاصد مدارج السالكين. كنا قد أخذنا في اللقاء الأول الكلام على الفاتحة وتعليق ابن القيم على الفاتحة بعد التعريف بالكتاب، وأخذنا كذلك الفصل المنهجي الذي تناول فيه ابن القيم قضية المنازل، وهل بالضرورة أن تكون بالترتيب؟ وما يعني الكلام الذي أخذناه أمس، وهو في غاية الأهمية، وأنا أرى أنه مقدمة ضرورية لكل من يقرأ المدارج تقرأ قبل حتى قبل البدء بالكتاب.
اليوم عندنا منزلة اليقظة وما بعدها من المنازل، حينما تأتي إن شاء الله حينما نصل إلى منزلة المحاسبة سيلتفت ابن القيم إلى الخلف وسيعلق على المنازل الأربعة التي سبقت منزلة المحاسبة، سيأتي الكلام في وقته إن شاء الله. منزلة اليقظة الإمام الهروي جعلها أول منزلة، وابن القيم رحمه الله تعالى يتفق معه على أنها أول المنازل، وكأنها شرط يعني للانطلاق، اليقظة منزلة اليقظة.
ويتكلم ابن القيم رحمه الله في صفحة مئتين وواحد وسبعين، الجزء الأول بالنسبة لطبعة دار طيبة، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة قلبه نائم وطرفه يقضان، فصاح به الناصح، وأسمعه داعي النجاح، وأذن به مؤذن الرحمن: حَي عَلَى الْفَلَاحِ. فأول مراتب هذا النائم اليقظة والانتباه من النوم، وقد ذكرنا أنها انزعاج القلب لروعة الانتباه.
ويقول: ذكرنا؛ لأنه قبل عدة فصول أشار إلى منزلة اليقظة، يقول: وقد ذكرنا أنها انزعاج القلب لروعة الانتباه. وصاحب المنازل يقول: هي القومة لله المذكورة في قوله: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ. قال: القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة، والنهوض عن ورطة الفترة، وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه.
وهي على ثلاثة أشياء: لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها، والتفرغ إلى معرفة المنة بها، والعلم بالتقصير في حقها. هذا الآن كلام صاحب المنازل. يقول ابن القيم رحمه الله: وهذا الذي ذكره هو موجب اليقظة وأثرها؛ فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة لاستنارة قلبه برؤية نور التنبيه، أوجب له ذلك ملاحظة نعمة الله أو نعم الله الظاهرة والباطنة، وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها، فيأس من عدها والوقوف على حدها، وفرغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه بها من غير استحقاق ولا استجلاب لها بثمن.
فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها، وهو القيام بشكرها، فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية. الأول: محبة المنعم واللهج بذكره وتذكر الله وخضوعه له، وإزراؤه على نفسه حيث عجز عن شكر نِعَمِهِ، فصار متحققا بأبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ.
وعلم حينئذ أن هذا الاستغفار حقيق بأن يكون سيد الاستغفار، وعلم حينئذ أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، وعلم أن العبد دائما سائر إلى الله بين المنة ومشاهدة التقصير. هذا الكلام في غاية الأهمية.
هو يقول الآن: أول منزلة من المنازل هي اليقظة، واليقظة صاحب المنازل يقول: القومة لله ملاحظة الامرين الاثنين هي موجب اليقظة. يعني ما الذي يبعث اليقظة في نفس الإنسان؟ الإنسان الغافل ما الذي يبعث اليقظة فيه؟ ملاحظته لأي شيء يمكن أن توقظه؟ يقول لك: أمران، مطالعة النعمة أو ملاحظة النعمة ومطالعة الجناية.
إذًا، هاتان بوابتان لإيقاظ الإنسان من الغفلة، أنه يطالع نعمة الله عليه، ويطالع جنايته في مقابل هذه النعمة، فذكرنا ما يتعلق، أو قرأت ما يتعلق مطالعة النعمة، والآن أنتقل إلى مطالعة الجناية، أو الأولى ملاحظة النعم والثانية مطالعة الجناية. قال صاحب المنازل: الثاني مطالعة الجناية، والوقوف على الخطر فيها، والتشمير لتداركها والتخلص من رقها، وطلب النجاة بتمحيصها.
قال ابن القيم: فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة، ويعلم أنه على خطر عظيم فيها، وأنه مشرف على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه. وقد ذم الله تعالى في كتابه من نسي ما تقدم يداه، فقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. فإذا طالع جنايته، شمر لاستدراك الفارط بالعلم والعمل، وتخلص من رق الجناية بالاستغفار والندم، وطلب التمحيص، وهو تخليص إيمانه ومعرفته من خبث الجناية كتمحيص الذهب والفضة، وهو تخليصهما من خبثهما.
ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص؛ فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب، ولهذا تقول لهم الملائكة: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. وقال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ. فليس في الجنة ذرة خبث.
هذا الذي انتقيته لكم من منزلة اليقظة، وما باقي المنزلة مهم حقيقة؛ لأنه سيقصل في معرفة النعمة وملاحظة النعمة كيف تكون، وفي مطالعة الجناية كيف تكون. يعني مثلا صاحب المنازل يقول: وأما مطالعة الجناية فإنها تصح بثلاثة أشياء: بتعظيم الحق، ومعرفة النفس، وتصديق الوعد. فتراجع، يراجع بقية الكلام في بقية المنزلة.
ثم بعد ذلك عقد فصلا لمنزلة الفكرة، ومنزلة الفكرة أستطيع أن أقول أنها من المنازل التي، أو المنازل التي تعد من المنازل المنهجية النقدية للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ لأن هذه المنزلة هي من المنازل التي استفيد منها، أو استفاد منها البعض أن الإمام الهروي يتبنى القول بوحدة الوجود. وطبعا الإمام ابن القيم حارب هذه الفكرة، حارب هذه الدعوة، وإن كان قد انتقد، يعني انتقد الهروي، ولكن يعني لا علاقة ولا صلة بين الهروي وبين القول بوحدة الوجود. طبعا هذا نفس كلام الذهبي أيضا رحمه الله تعالى.
فهذا الفصل من المواضع المهمة في تحقيق مسألة الفناء تحديدا، أنواع الفناء، إيش الفناء الشرعي؟ وإيش الفناء البدعي؟ وإيش الأشياء التي تحدث أحيانا من الخطأ بحالات الفناء عند بعض السالكين، فيظن أنهم يتبنون وحدة الوجود؟ ولا يكون الأمر كذلك.
طبعا سأقرأ عبارة سريعة في تبرئة ابن القيم الهروي من هذه القضية، قال في صفحة مئتين وستة وثمانين: عاش شيخ الإسلام، اللي هو الهروي، من إلحاد أهل الاتحاد، وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة لذلك، وإنما أراد بالجحد في الشهود لا في الوجود، أي أن يجحد، إلى آخر كلامه في قضية عدم شهود السوى.
طيب، بعدين بدأ في تفصيل مراتب الفناء ومعنى الفناء في صفحة مئتين وثلاثة وتسعين فقال: إنه فاعلم أن الفناء مصدر فني يفنى فناء إذا اضمحل وتلاشى وعدم. وقد يطلق على ما تلاشت قواه، إلى آخره. ثم قال: وهذا الاسم يطلق على ثلاثة معاني: الفناء عن وجود السوى، والفناء عن شهود السوى، والفناء عن إرادة السوى. وهذه التفاصيل ذكره الإمام ابن تيمية قبله في كتاب العبودية أظن ذكر هذا التقسيم الثلاثي، فهذا التقسيم مستفاد استفاده ابن القيم من ابن تيمية رحمه الله تعالى.
طبعا مقام، أو هذا مصطلح الفناء مصطلح من المصطلحات التي يستعملها كثير من أهل التصوف في مقامات السير إلى الله سبحانه وتعالى، تجنح ببعضهم، أو يجنح هذا الاصطلاح ببعضهم إلى حالات من مخالفة السنة، أو أحيانا إلى حالات كفرية، وهي الوصول إلى قضية وحدة الوجود أو الاتحاد، ولكن ليس كل من يستعمل هذا اللفظ فهو يريد هذا المعنى.
ولذلك هنا ابن القيم في الأقسام الثلاثة يقول: إنه الفناء، في قسم من الفناء، اللي هو الفناء عن إرادة السوى، يعني أن يغيب الإنسان، أو أن ينسى الإنسان أن يقصد أحدا إلا الله سبحانه وتعالى، فهذا الفناء فناء شرعي وفناء ممدوح، وهو فناء أولياء الله سبحانه وتعالى، أن لا يققع في قلب الإنسان اطلاع أو إرادة أو التوجه لغير الله سبحانه وتعالى، هذا الفناء عن إرادة، شف علقها بالارادة، عن إرادة السوى.
الثاني وهو الفناء عن شهود السوى، يقول ابن القيم: إن هذا الفناء، طبعا إيش معناه؟ هو أن الإنسان من شدة استغراقه في وتعلقه بالله سبحانه وتعالى، يبدأ يغيب حتى عن ملاحظة المخلوقات وعن مشاهدتهم، وطبعا ومن باب أولى أنه عن إرادتهم وعن قصدهم. يقول: هذه الحالة وإن لم تكن من الحالات التي مثل المقام الثالث الذي هو المقام السيء، لكنها ليست هي الأكمل، وأن الأكمل أن يكون الإنسان متوازنا ما بين أن يعبد الله كأنه يراه، وما بين ملاحظة المخلوقات وإلى آخره، واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وأما الفناء الأخير، وهو الفناء عن وجود السوى، أنه خلاص، أنه إذا ما في أحد موجود أصلا إلا الله، وبالتالي دخل في الوحدة والاتحاد، وهذا سماه ابن القيم فناء الملاحدة. قال: فأما الفناء عن وجود السوى فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثم غيره، وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفي التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار، إلى آخر الكلام.
عموما، هذا ملخص مركز جدا لكلام الإمام ابن القيم في هذه القضية، ومن أحب أن يتوسع فيها يراجع من صفحة مئتين وواحد، مئتين وثلاثة وتسعين المجلد الأول. طبعا هو ذكر حتى من الأشياء التي فصل فيها أن حالات خلنا نقول السكر التي تحصل بسبب هذا الفناء، وإيش الذي يحصل من عبارات لا يدورون ماذا قالوا في تلك الحالة من الفناء عن شهود السوى، إلى آخره كلام أيضا ذكره قبله ابن تيمية رحمه الله، يراجع في موضعه.
طيب، ننتقل الآن، هذا كله في منزلة الفكرة، منزلة الفكرة. لكن خلوني، أودعوني أقرأ لكم كلام ابن القيم عن الدرجة المشروعة من الفناء، وهي الفناء في إرادة السوى، أو عن إرادة السوى. كلام جميل جدا ذكره ابن القيم، يقول: الدرجة الثالثة من درجات الفناء فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين، وهو الفناء عن إرادة السوى، شائما برق الفناء عن إرادة ما سواه، سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه، ثانيا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه، فضلا عن إرادة غيره.
قد اتحد مراده بمراد محبوبه، أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري، فصار مرادان واحدا، وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا، إلى أن قال: فهذا الاتحاد هو الفناء، هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم؛ فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب به عن حب ما سواه خوفه ورجائه والتوكل عليه.
ومن تحقيق هذا الفناء ألا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا فيه، ولا يوالي إلا فيه، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعطي إلا له، ولا يمنع إلا له، ولا يرجو إلا إياه، ولا يستعين إلا به، فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا لله، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه، بل يعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا، ولو كان الحبيب المصافي.
وحقيقة ذلك ثناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه وحقوقه، والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا. طيب، بعد كذا باقي صفحتين، ثم انتقل إلى منزلة المحاسبة.
في أول منزلة المحاسبة يقول ابن القيم: فلنرجع إلى ذكر منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، التي لا يكون العبد من أهلها حتى ينزل منازلها. طبعا قوله فلنرجع إلى ذكر؛ لأنه استطرد استطرادا طويلا جدا في منزلة الفكرة فيما يتعلق بتفصيل حالات الفناء والنقد الذي وجهه لهذه الفكرة بالتفصيل المذكور، فهنا قال: فلنرجع إلى ذكر منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين.
يقول: ذكرنا منها اليقظة والبصيرة والفكرة والعزم. طبعا هو في البصيرة والعزم ذكر كلاما مختصرا جدا، فيقول عن هذه المنازل الأربعة: هل هي اليقظة التي تكلمنا عنها، والفكرة تكلمنا عنها باختصار، والبصيرة والعزم؟ هذه لسائر المنازل كالأساس للبنيان، وعليها مدار منازل السفر إلى الله، ولا يتصور السفر إليه بدون نزولها البتة.
وهي على ترتيب السير الحسي؛ فإن المقيم في وطنه لا يتأتى منه السفر حتى يستيقظ من غفلته عن السفر، ثم يتبصر في أمور سفره وخطره وما فيه من المنفعة أو المصلحة، ثم يفكر في أهبة السفر والتزود وإعداد عدته، ثم يعزم عليه. فإذا عزم عليه وأجمع قصده انتقل إلى منزلة المحاسبة، وهي التمييز بين ما له وعليه، فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافر سفر من لا يعود. ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة. طبعا تعرفوا الهروي جعل منزلة المحاسبة بعد التوبة، لكن ابن القيم رأى أن المحاسبة تكون قبل التوبة.
طيب، في صفحة ثلاث مئة وسبعة وعشرين، في كلامه عن المحاسبة، سأقرأ عليكم شيئاً متعلقاً بأركان المحاسبة، تقريباً صفحة ونصف، ثم سننتقل إلى منزلة التوبة. وسنختم بالكلام على منزلة التوبة من لن لن نكمل إلى نهاية التوبة؛ لأنه كلام طويل، لكن ستكون آخر منزلة نتكلم عنها اليوم إلى منتصف تقريباً أو الربع الأول من التوبة.
طيب، ثلاث مئة وسبعة وعشرين يقول من أركان المحاسبة ما ذكره صاحب المنازل، فقال: الثالث: أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك، وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك. يقول ابن القيم: رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية، وعدم علمه بما يستحق أو عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به.
وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به، يتولد منهما رضاه بطاعته. مرة أخرى، هذي الحالة من العجب أو الرضا عن الحال يتولد من أمرين؛ الأمر الأول: جهله بنفسه وصفاتها، الأمر الثاني: جهله بربه وحقوقه. يقول: يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها، ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة؛ من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها.
فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها وترك القيام لله كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولما رضيها بسيدها. وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقب الإفاضة من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال: فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاستَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
وقال تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون الله. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثاً، ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
وأمره الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها وقضاء فرض الحج واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. ومن ها هنا فهم عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه به، فأمره أن يستغفر عقب أداء ما كان عليه، فكأنه لام: بأن قد أديت ما عليك ولم يبق عليك شيء، فاجعل خاتمته الاستغفار؛ كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل وخاتمة الوضوء أيضاً أن يقول بعد فراغه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فهذا شأن من عرف ما ينبغي ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها، لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم.
ثم انتقل إلى منزلة التوبة، وطبعا هو يعني يعظم هذه المنزلة كثيراً ابن القيم رحمه الله، ربما تكون أطول منزلة في كل كتاب مدارج السالكين. طبعا هو يقول: هي أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به، أي بمنزل التوبة، واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرورية، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك. وقد قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
طيب، هناك عدة مواضع في منزلة التوبة حقيقة جميلة جداً تستحق الوقوف، هي كثيرة ولكن يعني سانتقي أو انتقيت منها عيونا من كلامه فيها. في صفحة ثلاث مئة وسبعة واربعين يتكلم عن موجبات التوبة الصحيحة، يتكلم عن معنى يعني عن معنى مهم جداً، وهو معنى الانكسار القلبي الذي يحصل للتائب أو للتائب التوبة الصحيحة، طبعا يعبر عنها بتعبير عجيب يقول: ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضاً كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء، ولا تكون لغير المذنب، لا تحصل بجوع ولا رياضة ولا حب مجرد، وإنما هي أمر وراء ذلك كله، تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته، والقته بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، كحال عبد جان آب من سيده فأخذ فأحضر بين يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بداً ولا عنه غناء ولا منه مهرباً، وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم أحاطة سيده بتفاصيل جنايته، هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده وذله وعز سيده، فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها للعبد وما أجدى عائدتها عليه، وما أعظم جبره بها وما أقربه بها من سيده.
فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والإنطراح بين يديه والاستسلام له. فلله ما أحلى قوله في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من قطعت لك رقبته ورغم لك أنفه، فاضت لك عيناه وذل لك قلبه.
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره، لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره، ولا يهيضون عظماً أنت جابرهم. ثم بعد أسطر قال: وأكثر الناس من المتنزهين... دعني أقرأ بعد البيت مباشرة، قال: فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة وما أسهلها باللسان والدعوة، وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم بكلام جميل جداً جداً ومهم للغاية يقول: وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات، في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها. كثير من الناس المتنزهين عن كبائر الحسية يقول: هم في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها، ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها؛ عندهم من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعاتهم ومنتهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم، اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم، وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك.
فإن تدارك الله أحدهم... وهنا التعبير العجيب يعني، فإن تدارك الله أحدهم وانت تنتظر أن تسمع أنه: فإن تداركهم الله برحمة، فان تداركهم الله بتوبة... لا، ويقول لك: إن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ليكسر بها نفسه، ويعرفه قدره ويذله بها، ويخرج بها صولة الطاعة من قلبه، فهي رحمة في حقه؛ كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم، وإلا فكلاهما في خطر. وهذا معنى يعني دقيق جداً جداً ويستحق التأمل كثيراً.
آخر موضع للقراءة في هذا اليوم أيضاً في منزلة التوبة، صفحة ثلاث مئة وستة وخمسين، يقول: ذكر طبعا الاحتجاج بالقدر، أنه لمن يجي المذنب فيحتج بالقدر على الذنب، وطبعا يقال إنه بعضهم يحتج بالقدر بس مو احتجاج بصريح العبارة، ولكن في الحقيقة في الحقيقة هم يحتجون بالقدر. بعد ما ذكر هذا وشرحهم وجاب كلام من أبياتهم ومن آآ آآ يعني من الوقاحة التي يقولها بعضهم أنه إنه إنه الله سبحانه وتعالى لما قال: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ إلى آخره، أنه الله يعدد الأعذار لنا، يعني الله ذكر هذه من باب الأعذار؛ لأنه هذه الأعذار هي هي اللي راح تخلينا معذورين إذا وقعنا في الذنوب.
وجاب أتى بابيات لهم، ثم قال بعد ذلك كله: فان كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك؟ بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر، لاشتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك، ورأيت حجته داحضة، ثم تحتج على ربك به وتراه عذراً لنفسك! فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله؟!
هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس، أزاح عللك، ومكنك من التزود إلى جنته، وبعث إليك الدليل، وأعطاك مؤونة السفر وما تتزود به وما تحارب به الطرق عليك؛ فأعطاك السمع والبصر والفؤاد، وعرفك الخير والشر والنافع والضار، وأرسل إليك رسوله، وأنزل إليك كتابه، ويسره للذكر والفهم والعمل، وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحرسونك ويحاربون عدوك ويطردونه عنك، ويريدون منك ألا تميل إليه ولا تصالحه، وهم يكفونك مؤنته وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم، بل تظاهره وتواليه دون وليك الحق الذي هو أولى بك.
قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا. طرد إبليس عن سمائه، وأخرجه من جنته، وأبعده من قربه؛ إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم لكرامتك ليه؟ فعاداه وأبعده، ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته، وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد والابعاد!
قول: عودوني الوصالة ونصف عذب، ورموني بالصد والصد صعب. نعم، وكيف لا يطرد من هذه معاملته مع معاملته؟ وكيف لا يبعد عنه من كان هذا وصفه؟ وكيف يجعل من خاصته وأهله لقربه من حاله معه هكذا قد أفسد ما بينه وبين الله وكدره؟! أمر الله بشكره لا لحاجته إليه، ولكن لينال به المزيد من فضله، فجعل كفر نعمه والاستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب صرفها عنه.
وأمره بذكره ليذكره بإحسانه، فجعل نسيانه سببا لنسيان الله له: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ أَنْفُسَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. أمره بسؤاله ليعطيه فلم يسأله، بل أعطاه أجل العطايا بلا سؤال فلم يقبل. يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه، وتظلم ممن لا يظلمه، ويدع من يعاديه ويظلمه! إن أنعم عليه بالصحة والعافية والمال والجاه، استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلبه ذلك ظل متسخطاً على ربه وهو شاكيه. لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء؛ العافية تلقيه إلى مساخطه، والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه.
دعاه إلى بابه فما وقف عليه ولا طرقه، ثم فتحه له فما عرج عليه ولا ولجه، أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول، وقال: لا أبيع ناجزاً بغائب ونقداً بنسيئة، ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به، ويقول: قل خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحلي. فإن وافق حظه طاعة الرسول أطاعه لنيل حظه لا لا لرضا مرسله. لم يزل يتمقت إليه بمعاصيه حتى أعرض عنه وأغلق الباب في وجهه.
ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته، بل قال: متى جئتني قبلتك، إن أتيتني ليلاً قبلتك، إن أتيتني نهاراً قبلتك، إن تقربت مني شبراً تقربت منك ذراعاً، إن تقربت مني ذراعاً تقربت منك باعاً، إن مشيت إلي هرولت إليك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة. ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك.
ومن أعظم مني جوداً وكرماً؟ عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم على فرشهم، إني والجن إني والجن والإنس في عظيم أخلق: ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي. خيري إلى العباد نازل وشري وشرهم إلي صاعد. أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر وهم أفقر شيء إلي.
من أقبل إلي تلقيتهم من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما يريد، ومن تصرف بحولي وقوته أذنت له الحديد. أهل ذكري اهل مجالستي، وأهل شكري شكري اهل زيادتي، وأهل طاعتي اهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي؛ إن تابوا إلي فانا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إلي فانا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب.
من آثرني على سواي آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عندي بواحدة فإن ندم واستغفرني غفرتها له. أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي. أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها.
لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض بأرض مهلكة، هوية عليها طعامه اه أو دوية عليها دوية عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا آيس من حصولها نام في ينتظر الموت فاستيقظ فاذا هي على رأسه قد تعلق خطامها بالشجرة، فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته. وهذه فرحة إحسان وبر ولطف، لا فرحة محتاج إلى توبة عبده منتفع بها.
وكذلك موالاته لعبده إحسان إليه ومحبة له وبراً به، لا يتكثر به من قلة، ولا يتعزز به من ذلة، ولا ينتصر به من غلبة، ولا يعده لنائبة، ولا يستعين به في أمر: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيِّ مِّنَ الذُّلِّ.
وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا. فنفى أن يكون له ولي من الذل، وَاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ. فهذا شأن الرب وشأن العبد، وهم يقيمون أعذار أنفسهم ويحملون ذنوبهم على أقْداره. استأثر الله بالمحامد والمجد، وولى الملامة الرجل.
وما أحسن قول القائل: تطوي المراحل عن حبيبك دائماً وتظل تبكيه بدمع ساجم كذبتك نفسك لست من أحبابه تشكو البعاد وأنت عين الظالم
وجزاكم الله خيراً، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد