تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين ٠٣

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

اللهم إعز الإسلام وأهله أذل أعداءهم. آه، هذا اليوم هو اللقاء الثالث من اللقاءات الكلام على مقاصد كتاب مدارج السالكين، وكنا أمس قد استفتحنا آه منزلة التوبة ولقد فتحنا منزلة التوبة.

وذكرت أنا أن منزلة التوبة هي أطول منزلة في الكتاب وأنه لا يمكن أن ننهيها آه في بدايتها يوم أمس، خاصة أنه أخذنا معها منازل أخرى، واليوم سيكون كله في منزلة التوبة، وأيضا لن ننتهي من منزلة التوبة اليوم، يعني غدا إن شاء الله سننتهي من المنزلة آه، اليوم لن ننتهي منها. آآ طيب، فحبذا ينتبه الجميع للكاميرات ويغلق الكاميرات الجميع. طيب، يا ريت الجميع ينتبه للكاميرات ويغلقها الله يعطيكم العافية.

طيب، آه نتجه إلى صفحة ثلاث مئة وستة وسبعين، ثلاث مئة وستة وسبعين في المجلد الأول، طبعة الطيبة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله معلقا على كلام الهروي: ماذا قال الهروي؟ قال: لطائف وأسرار التوبة ثلاثة أشياء. هنا نتكلم عن أسرار التوبة، حقيقة هذا الفصل آه مم يعني أبدع فيه ابن القيم كثيرا في توليد المعاني الإيمانية وتوليد المعاني المعرفية المتعلقة بعلاقة العبد بربه من خلال نافذة التوبة، أو من خلال نافذة أسرار التوبة تحديدا. يعني سبحان الله، الإنسان ممكن يتكلم عن التوبة كلاما كثيرا، ولكن آآ توليد المعاني هذه والوقوف على دقائقها، وما الذي ينتج عن آآ عن وقوع الانسان في الذنب ثم توبته، ما الذي ينتج عن ذلك من أسرار في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى؟ هذا ما أراد ابن القيم أن يكشفه في هذا الفصل.

طبعا صاحب المنازل أشار إلى عدد من الأسرار، فقال: لطائف وأسرار التوبة ثلاثة أشياء: أولها أن ينظر الجناية والقضية، فيعرف مراد الله فيها، إذ خلاك وأتيانها، فإن الله عز وجل إنما خلى العبد والذنب لأجل معنيين؛ أحدهما أن يعرف عزته بقضائه وبره في ستره، الثاني أن يققيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. هذا كلام صاحب المنازل، ولا هو تتمة.

أما ابن القيم فقال: اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة، فله نظر إلى خمسة أمور؛ أحدها أن ينظر إلى أمر الله ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب، الثاني أن ينظر إلى الوعد والوعيد فيحدث له ذلك خوفا وخشية تحمله على التوبة. الثالث، وقفوا عند الثالث، لأن الثالث الإمام ابن القيم تكلم فيه في قرابة ثلاثين صفحة. عند الثالث هذا قال: أن ينظر إلى تمكين الله له منها وتخليته بينه وتخليته بينه وبينها وتقديرها عليه، وأنه لو شاء لعصمه منها وحال بينه وبينها، فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وعفوه وحلمه وكرمه، وتوجب له هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة، ويعلم ارتباط الخلق والامر والجزاء والوعد والوعيد بأسمائه وصفاتة، وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود، وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه متعلق به لا بد منه.

وهذا المشهد هذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم. فمن بعضها هو يقول لك الآن الآن خلاصة المشهد هو أنه الإنسان لما يقع في الذنب ثم يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هذه ليست كلمة آآ من أو جملة من كلمتين أذنب فتاب، وإنما هي مفاوز ورحلات طويلة يتعرف الانسان فيها على جوانب من أسمائه وصفاته ما كان ليتعرف عليها لولا آآ لولا هذه الحال آآ وأن الله سبحانه وتعالى آآ حين يقدر مثل هذه الأقدار فهي من لوازم أسمائه وصفاته، فهو غفور ورحمن وحليم وكريم، وهذا يقتضي وجود عباد وجود الذنوب ومعاصي ثم توبة إلى آخره. فهو يقول لك هذا المشهد يطلع على أسرار ورياض من المعارف والإيمان صعب أن الواحد يعبر عنها. هذا كلام ابن القيم يقول له ضيق على التعبير عن نطاق الكلم.

لكن سيذكر شيئا، هذا الشيء الذي سيذكره تقريبا في ثلاثين صفحة أو في عشرين صفحة، يقول: فمن بعضها ما ذكره الشيخ أن يعرف العبد عزته في قضائه، وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بما شاء، وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه بأن قلبه وصرف إرادته على ما يشاء، وحال بين العبد وقلبه وجعله مريدا شائيا لما شاء منه العزيز الحكيم إلى آخره.

ثم قال: ومنها آآ أن يعرف بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية، مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره ومن أسمائه البر، وهذا البر من سيده كان به مع كمال غناه عنه وكمال لفقر العبد إليه، بيشتغلوا بمطالعة هذه المنة ومشاهدة هذا البر والاحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب آآ الأعلى والمقصد الأسمنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقا. طبعا هو بعدين سيفصل: هل الأفضل الإنسان بعد التوبة يظل يتذكر الذنب حتى يوجب له الانكسار أو أو يتناسى الذنب؟ هذه مسألة سلوكية سيذكرها بعد قليل ويناقشها.

ومنها شهود حلم الله سبحانه في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة، ولكنه الحليم الذي لا يعجل. هو يقول لك شوف هذه كلها أشياء تلاحظ أثناء هذه الرحلة.

ومنها معرفة العبد كرم كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار لا بالقدر، فانه مخاصمة ومحاجا كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالا بذكره وشكره ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجزاك به ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شكر الاحسان وحده والواقع بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون وهذا لون آخر.

ومنها أن يشهد فضله في مغفرته. ثم قالوا: منها أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه والافتقار إليه، فإن النفس فيها مضاهاة للربوبية، ولو قدرت لقالت كقول فرعون، ولكنه قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر، وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية، وهو أربع مراتب. ثم ذكر مراتب ذل العبودية.

ثم قال: رجع إلى المشهد، يعني الآثار التي تترتب على ذلك المشهد في التوبة، قال: ومنها أن أسمائه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها، باسم السميع البصير يقتضي مسموعا ومبصرا وآآ هو مبصرا، واسم الرزاق يقتضي مرزوقا، واسم الرحيم يقتضي مرحوما، وكذلك أسمائه الغفور والعفو والتواب والحليم يقتضي من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات، إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال، ونعوت جلال أفعال حكمة وإحسان وجود، فلا بد من ظهور آثارها في العالم.

وقد أشار إلى هذا اعلم الخلق بالله صلوات الله عليه حيث يقول: لو لم تذنب لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم.

ثم قال فصل: ومنها السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه الإشارة ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، بل شهدته قلوب خواص العباد، لا يزال في الآثار والثمرات التي يتعرف عليها العبد في مقامات الانكسار والذل بعد وقوع الذنب والوصول والسلوك في طريق التوبة. يقول لك: ما بعد بعد ما ذكر من كل الأثار تلك، يقول لك: هنا أثر هو وله شأن خاص، وهو السر الأعظم، وهو متعلق بالحديث الذي فيه أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده، وأن هذا الفرح هو من أشد أنواع الفرح، حيث تشبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالقضية المعروفة بمن أضاع راحلته ثم كاد أن يهلك فرآها فأخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. يقول آآ هنا آآ هو السر الأعظم هو يقول لماذا آآ هذا الفرح من الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد وهو الغني؟ فيتكلم ابن ابن تيمية ابن ابن القيم رحمه الله بكلام آآ طويل حقيقة وكلام جميل ونفيس وأفرد له الشيخ عبد الله العجيري محاضرة السر الأعظم موجودة باليوتيوب آآ سأقرأ يعني هنا شيئا مما قال رحمه الله.

يقول بعد أن ذكر الحديث وذكر فائدة فقهية متعلقة بالحديث أنه إذا أخطأ الإنسان في لفظ فإنه إلى آخره، بعدين قال: أراد أن يعبر يريد أن يقول لك آآ أنا لا أستطيع آآ أن أن أشرح لك كل ما في نفسي، ولا أستطيع أن أن أوصل لك كل المعنى الذي الذي يختلج في صدري فيما يتعلق بهذا المعنى، ولذلك قال: وقد كان أولى بنا طي الكلام فيه إلى ما هو اللائق بافهام بني الزمان وعلومهم، ونهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله، غير أنا نعلم أن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفا بها فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

يقول: اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه وخلقه لنفسه وخلق كل شيء له، وخصه من معرفته ومحبته وقربه واكرامه بما لم أعطه غيره، وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وأقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه وأرسل وارسله وأرسل إليه وخاطبه وكلمه منه إليه، واتخذ منهم والكليم والأولياء والخواص والأحبار، واجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حبه، وخلق لهم الجنة والنار.

فالخلق والامر والثواب والعقاب مداره على النوع الانساني، فانه خلاصة الخلق وهو المقصود بالامر والنهي، وعليه الثواب والعقاب، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات. وقد خلق أباه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء، وأظهر فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات، وطرد إبليس عيسى عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين واتخذه عدوا له.

فالمؤمن من نوع الإنسان خير البرية على الإطلاق، وخيرة الله من العالمين، فانه خلقه ليتم نعمته عليه وليتواتر إحسانه إليه، وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله ولم يشعر به، ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا بمحبته، ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه.

الآن هذا كله تقدمة لما يريد الوصول إليه، فاتخذه محبوبا له وأعد له أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قدم إليه، وعهد إليه عهدا تقدم إليه في بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده محبة له وكرامة عليه، وما يبعده منه ويسخطه عليه من علمه.

وللمحبوب عدو، وللمحبوب عدو هو أبغض خلقه إليه، قد جاهره بالعداوة، وامر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وامر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق، واستقطع عباده واتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم، وكانوا أعداء له مع هذا العدو يدعون إلى سخطه ويطعنون في ربوبيته والى وحدانيته ويسبونه ويكذبونه ويفتنون أولياءه ويؤذونهم بأنواع الأذى، ويجاهدون ويجهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة الدولة لهم، ومحو كل ما يحبه الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه. فعرفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومآلهم وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم.

الآن يعني كل هذه لا تزال مقدمات، يقول لك الكلام الذي ذكره في تشريف الله للإنسان واختصاصه إياه إلى آخره، وأن المؤمن هو هو خيرة البرية على الإطلاق إلى آخره. وبعدين قال لك: وفي نفس الوقت هناك عدو لله سبحانه وتعالى وهو الشيطان، وهذا الشيطان يجهد ليقتطع الإنسان عن الغاية التي خلقه الله لأجلها، والله عرف الإنسان بهذا الشيطان وبما يريد منه، فعرفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومآلهم وحذرهم موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم. وأخبره في عهده، أي أن الله أخبر الإنسان في هذا العهد أنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته، وأنه قد أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة، وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر وأن الفضل كله بيده، وأحب ما إليه أن يجود على عباده ويوسعهم فضلا ويغمرهم إحسانا وجودا ويتم عليهم نعمته ويضاعف لديهم من ويتعرف إليهم بأرصافه وأسمائه، فهو الجواد لذاته إلى آخر الكلام.

ثم طيب عفوا نرجع، فهو الجواد لذاته، وجود كل جواد خلقه الله ويخلقه أبدا أقل من ذرة بالقياس إلى جوده، فليس الجواد على الإطلاق إلا هو، وجود كل جواد فمن جوده. ومحبته للجود والاعطاء والاحسان والبر والانعام والافضال فوق ما يخطر ببال الخلق أو يدور في أوهامهم، وفرحه بعطائه وجوده وأفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه.

أي أن فرح الله سبحانه وتعالى بما يعطي الإنسان أشد من فرح الإنسان بأخذه آه لهذا العطاء آه وفق أشد من فرح الآخر لما يعطاه ويأخذه أحوج ما هو اليه، اعظم ما كان قدرا. فاذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما

ظنوا بفرح المعطي، ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه، ولله المثل الأعلى؛ إذ هذا شأن الجواد من الخلق، فإنه يحصل له من الفرح والسرور والابتهاج واللذة بعطائه وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه.

ولكن الآخذ غافل بلذة أخرى عن لذة المعطي وابتهاجه وسروره، هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه، فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه، وأول خلقه وآخره، وانسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم، قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله، ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، وهو الجواد.

كما أنه الحي لذاته، العليم لذاته، السميع البصير لذاته، فجوده العالي من لوازم ذاته، والعفو أحب إليه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة، فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه، وأعد له أنواع كرامته وفضله على غيره، وجعله محل معرفته، وأنزل إليه كتابه، إذا تعرض لغضبه وارتكب مساخطه وما يكرهه وابق منه، ووالى عدوه وظاهره عليه وتحيز إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام، فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والاحسان والبر، وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه.

الآن هذه المقدمة الثالثة، المقدمة الأولى أن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان وأكرمه وجعله خلاصة خلقه المؤمنين من خلقه، ثم المقدمة الثانية -طبعا مع ذكر أنه هناك عدو له حذره منه-.

المقدمة الثانية هو أن الله جواد يحب الجود ويحب الكرم ويحب العطاء.

المقدمة الثالثة أن هذا العبد الذي بعد كل ما أعطاه الله ما أعطاه، ورسم له ما رسم، ومهد له ما مهد، ووصف له ما وصف، بعد كل هذا يتنكب طريق ربه ويهدف إلى طريق عدو ربه، إلى طريق الشيطان، بعد كل ما حصل، يقول هذا الفعل من العبد يفتح الطريق، طريق العقوبة والغضب والانتقام من الله سبحانه وتعالى، خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، الذي هو أحب إلى الله سبحانه وتعالى من أن يعاقب عباده.

يقول: فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة، إذ انقلب آبقاً شارداً راداً لكرامته مائلاً عنه إلى عدوه، مع شدة فاقته إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسياً لسيده منهمكاً في موافقة عدو، قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله، إذ عرضت له فكرة، فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه وعلم أنه لابد له منه، وأن مصيره إليه وعرضه عليه، وانه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه وجد في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى أعتابه متذللاً متضرعاً خاشعاً باكياً آسفاً يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ويعتذر إليه، فقد ألقى بيده إليهم واستسلم له وأعطاه قياده والقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفواً عطاؤه وبالمؤاخذة حلمه، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب اسمائه الحسنى وصفاته العليا.

فكيف يكون فرح سيده به وقد عاد اليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً، وراجع ما يحبه سيده منه برضاه، وفتح طريق البر والاحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟ ثم ذكر هنا أمثلة تقرب هذا المعنى في قضية المرأة التي طردت ابنها، فذهب الصبي ولم يجد مكانه إلا البيت، فرجع إلى البيت وضع خده على عتبة الباب، فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت بنفسها عليه والتزمته وقبلته تقبله وتبكي وتول: يا ولدي أين تذهب عني ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادة الخير لك.

ثم أخذت ودخلت، فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة، وذكر أيضا حديث: لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، ويعني كان هذا هو مجمل حديثه أو جل حديثه عن قضية السر الأعظم في التوبة، فنلاحظ كيف أن ابن القيم في الكلام على منزلة التوبة يفتق المعاني تفتيقاً، ومثل ما تفضلت أبو عمر في قضية أنه ثم يقال ما المشكلة مع الكافر الذي يقرأ مثل هذه المعاني -وهي معاني أصلها موجود في القرآن أصلها موجود-.

الذي يقرأ مثل هذه المعاني يقترب من الأصل القرآني الواضح الذي يقبح من الكفر ومن الكافر وانه ارتكب شيئاً لا يليق به، لا يليق بكل ما قدم له، ومن هنا تفهم يعني مثلاً الله سبحانه وتعالى لماذا يقول: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً؟ لماذا؟ دعوا للرحمن ولدا.

هذه الآن جملة أن دعوا للرحمن الولد، التي وصف الله أن الجبال تنهد لها، تكاد تنهد لها، وأن السماوات تكاد تنشق بسببها، الآن هي مصنفة في خانة الآراء، ويعني قبولك لها هو قبول للاختلاف البشري، والآراء المتعددة وإلى آخره، بينما القضية من جهة المنظور الغائي والذي خلق الله الإنسان لأجله، ويعني حتى والإلحاد أشد خطرا طبعا، الإلحاد أشد، يعني أن تأتي إلى انسان ولله المثل الأعلى، بنى بناء فاتقنه وكان أعجوبة في الدهر، وجعل فيه قوانين وأنظمة داخلية، وكل شيء متناسق مع ما يجاوره، والنوافذ متناسقة والمهام والحراس، وشيء يذهل العالمين، ثم يأتي إنسان بكل برود وبكل تسكع في هذه الشوارع في تلك المدينة، فيقول: هذه المدينة ليس لها موجد، أو يقول: إن لها موجد ولكنه عابث بناها عنده وقت زايد وبنى هذي المدينة وفاضي ما ما في ما لها حكمة ولا غاية، فهذا لا يصنف أبداً في خانة أنه رأي، كيف رأي؟ هي ليست رأي، أنت أمامك شيء موجود، ليس رأيا أن تقول إنه ليس لها موجب، هذا باطل، هذا ظلم، هذا إلى آخره.

فهذه الصورة الصغيرة جداً تمثل قبح قول الملحد في المنظور الكوني العظيم، ومن هذا المعنى الذي طرقه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.

طيب، ننتقل إلى صفحة أربعمئة وسبعة.

طيب، طبعا هو استأنف في صفحة أربعمئة وثلاثة استأنف الأمور التي ينظر إليها في التوبة، وذكر هناك ثلاثة أمور أكملها -طبعا هو كأنه صار في إلتباس بسبب الاستطراج في الترقيم من جهة ابن القيم أنه قال النظر الثالث وهو النظر الرابع هنا- عموما يهمنا النظر الخامس اللي هو سماه الرابع في صفحة أربعمئة وسبعة.

يعني من المعاني التي ينظر إليها في قضية التوبة، قال: النظر الرابع نظره إلى الآمر له بالمعصية، المزين له فعلها، الحاض عليها، وهو شيطانه الموكل به، فيفيده النظر إليه وملاحظته اتخاذه عدواً، وكمال الاحتراز منه والتحفظ واليقظة والانتباه لما يريد منه عدوه وهو لا يشعر، فانه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات، هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي يطرقها ابن القيم وكررها في كتبه، ذكرها في أكثر من موضع، التي لم تمر عليه سابقا في المعنى مهم جدا له، والذي مرت عليه سابقا يراجع المعنى.

هو يقول: الشيطان حال الشيطان مع الانسان أنه هو يحاول أنه يسيطر عليه في واحدة من سبع خطوات، يبدأ بالخطوة الأكبر قبحاً، فإذا استطاع وتمكن من إنسان منها خلاص هو سيكون قد حقق غاية ما يريد، ما استطاع من الخطوة رقم واحد سيذهب الثانية إلى الثالثة، ما هي هذه العقبات أو الخطوات؟

يقول: العقبة الأولى عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنهم، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان، طلبه على العقبة الثانية وهي عقبة البدعة، أما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، واما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيء، والبدعتان في الغالب متلازمة اللي هي العلمية والعملية، قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوجت بدعة الأقوال من بدعة الأعمال فاشتغل الزوجان بالعرس فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنا يعيثون في بلاد الاسلام، تضج منهم العباد والبلاد إلى الله.

وقال شيخنا -اللي هو ابن تيمية-: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة، فانقطع هذه العقبة وخلص منه بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة وما مضى عليه سلف الأخيار والتابعين لهم بإحسان، وهيهات أن تسمح الأعصار المتأخرة بواحد من هذا الضرب، شف شف تصويره على انتشار البدعة في وقته أنه صعب جداً جداً أن أحد يكون ناجي من هذي العقبة الثانية.

وسبق ابن تيمية ذكر في الوصية الصغرى وفي غيرها أن زمانه زمانهم اللي كانوا عايشين فيه أشبه ما يكون بأزمنة الفترات، قال: فان سمحت به نصب له أهل البدع الحبائل وبغوه الغوائل وقالوا مبتدع محدث، فإذا وفقه الله لقطع هذه العقبة طلبه على العقبة الثالثة وهي عقبة الكبائر -ولاحظوا قدم البدعة على الكبائر-.

قال: فان ظفر به فيها زينها له وحسنها في عينه وسوف به وفتح له باب الإرجاء وقال له: الإيمان هو نفس التصديق فلا تقدح فيه الأعمال، وربما أجرى عن لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق، وهي قوله: لا يضر مع التوحيد ذنب كما لا ينفع مع الشرك حسنة، والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه لمناقضتها الدين ودفعها لما بعث الله به رسوله، وصاحبها لا يتوب منها، صاحب البدعة لا يتوب منها ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها، ولتضمنها القول على الله بلا علم، ومعاداة صريح السنة ومعاداة أهلها، والاجتهاد على إطفاء نور السنة أولية من عزل الله ورسوله، عزل من ولاه الله ورسوله، واعتبار ما رده الله ورسوله ورد ما اعتبره، وموالاة من عاداهم ومعاداة من والاه، وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته، وتكذيب التصديق الكاذب ومعارضة الحق بالباطل وقلب الحقائق وجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، والإلحاد في دين الله وتعمية الحق على القلوب، وطلب العوج لصراط الله المستقيم، وفتح باب تبديل جملة، فإن البدعة تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينصلخ صاحبها من الدين كما تنصل الشعرة من العجين، فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر والعميان ضالون في ظلمة العمى، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله أو بتوبة نصوح تنجيه منها، طلبه على العقبة الرابعة وهي عقبة الصغائر، وكان له منها بالقَفَزان وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم، أو ما علمت بأنها كفروا باجتناب الكبائر والحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها، ويكون مرتكب الكبيرة أخف الخائف الوجه الندام، أحسن حالا منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه، ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحقرات الذنوب، فإن نجا من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ودوام التوبة والاستغفار وأتبع السيئة الحسنة، طلبه على العقبة الخامسة، وهي عقبة المباحات التي لا تشغل على فائدة فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات وعن الاجتهاد في التزود لميعاده، ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات، وأقل ما ينال منه تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية، ولو عرف السعر لما فوت على نفسه شيئاً من القربات ولكنه جاهل بالسعر.

فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة ونور هاد ومعرفة بقدر الطاعات والاستكثار منها وقلة المقام على الميناء وخطر التجارة والمشتري وقدر ما يعوض به التجار، فبخل بأوقاته وضن بأنفاسه أن تذهب في غير ربح، طلبه العدو على العقبة السادسة وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها وحسنها في عينه وزينها له وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له، ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، الأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول.

فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله -شف لاحظوا ايش اللي ينجي من هذه العقبة ها اتذكروا الكلام اللي ممكن تقوله دائما في قضية المراتب مراتب الأعمال-.

يعني فان نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله ومنازلها في الفضل ومعرفة مقاديرها والتمييز بين عاليها وسافلها ومفضولها وفاضلها ورئيسها ومرؤوسها وسيدها ومسودها، فإن في الأعمال والأقوال سيداً ومسوداً ورئيساً ومرؤوساً وذروة وما دونها، كما في الحديث الصحيح: سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي إلى آخره، وفي الحديث الآخر: الجهاد ذروة سنام الإسلام، وفي الأثر الآخر: أن الأعمال تفاخرت.

وآآ إن الأعمال تفاخرت، فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله، وكان للصدقة مزية في الفخر عليهن. ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر، أو أهل البصائر والصدق من أولي العلم السائلين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه.

طيب، الآن الشيطان ما قدر على الإنسان حتى في أنه يشغله بالعمل الأقل فضلاً عن الأعلى والأفضل، إيش يعمل بعد كذا؟ انتهى كل شي، الآن ما في غير الأذى الأذى بس يضيق صدره، يضيق خاطره، يجلب عليه بخيله ورجله، ينكد عيشته حتى بس ما يجعله في في حياة سعيدة. يقول: فإن نجا منها لم يبقَ هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لابد منها، ولو نجى منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليهم.

وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما عنت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله وظاهر عليه بجنده، فسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط. وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها، فإنه كلما جدَّ في الاستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره، جدَّ له العدو في إغراء السفهاء به.

فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب وأخذ في محاربة العدو لله وبالله، فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين، وهي تسمى عبودية المراغمة، ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة. ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له. وقد أشار أنه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه.

أحدها قوله: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً. سمى المهاجر الذي يهاجر أو سمي المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغماً، يراغم به، أو المسمى المهاجر الذي يهاجر أو سمى المهاجر الذي يهاجر لعبادة الله مراغماً يراغم به عدو الله وعدوه. والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ.

وقال تعالى في مثل آآ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. فمغايظة الكفار غاية غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية.

وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا سهى في صلاة سجدتين، وقال: إن كانت وتامة كانتا ترغمان أنف الشيطان. وفي رواية: ترغيماً للشيطان، وسماها المرغمتين. فمن تعبد لله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة.

ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين والخيلاء والتبختر عند صدقة السر حيث لا يراه إلا الله، لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوب من نفسه وماله لله عز وجل. وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول، وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان ولاحظه في الذنب راغمه بالتوبة، فأحدثت له هذه المراقبة عبودية أخرى. فهذه نبذة من بعض لطائف أسرار التوبة، لا تستهزئ بها فلعلك لا تظفر في مصنف آخر البتة، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.